الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَقَالَ : "وَيَخْتَصُّ الْجِسْمُ بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الرَّبَّ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِكَوْنِهِ جَوْهَرًا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِكَوْنِهِ جِسْمًا ، لِأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَمُفْتَقِرٌ إِلَيْهَا ، وَيَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كَوْنِهِ جِسْمًا أَنْ لَا يَكُونَ جِسْمًا" . قُلْتُ : هَذَا الْوَجْهُ بَيِّنُ الضَّعْفِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ انْتِفَاءُ كَوْنِ الشَّيْءِ جَوْهَرًا مُنْفَرِدًا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يَكُونَ جِسْمًا مُؤَلَّفًا مِنَ الْجَوَاهِرِ ، فَإِنَّ الْأَجْسَامَ جَمِيعَهَا كُلٌّ مِنْهَا عِنْدَهُ لَيْسَ جَوْهَرًا مُنْفَرِدًا، مَعَ كَوْنِهَا مُؤَلَّفَةً مِنَ الْجَوَاهِرِ ، وَهُوَ لَمْ يُقِمْ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ كَوْنِهِ جَوْهَرًا ، وَلَا نَفَى مَا يَسْتَلْزِمُ الْجَوْهَرَ . وَهَذَا كَمَا لَوْ أَقَامَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلْمٍ أَوْ قُدْرَةٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ مَشِيئَةٍ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ مِنْ لَوَازِمِهِ، فَنَفْيُ كَوْنِ الشَّيْءِ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ غَيْرُ نَفْيِ كَوْنِهِ مَلْزُومًا لِذَلِكَ الْأَمْرِ . وَأَيْضًا فَيُقَالُ : أَنْتَ لَمْ تُقِمْ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِ الْجَوَاهِرِ مُتَمَاثِلَةً ، بَلْ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ ، فَبَطَلَ مَا ذَكَرْتَهُ فِي نَفْيِ الْجَوْهَرِ . وَأَيْضًا فَيُقَالُ: لَفْظُ "الْجَوْهَرِ" فِيهِ إِجْمَالٌ ، وَلَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ، أَحَدُهَا: الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ ، وَعَلَى هَذَا فَالْجِسْمُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ ، وَفِي كَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنْهُ نِزَاعٌ . وَالثَّانِي : الْمُتَحَيِّزُ ، وَعَلَى هَذَا فَالْجِسْمُ جَوْهَرٌ ، وَمَنْ نَفَى الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ قَالَ: كُلُّ جِسْمٍ جَوْهَرٌ ، وَكُلُّ جَوْهَرٍ جِسْمٌ ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ قَالَ : الْجَوْهَرُ أَعَمُّ مِنَ الْجِسْمِ . وَالثَّالِثُ : الْجَوَاهِرُ الْعَقْلِيَّةُ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ جَوْهَرًا لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ، كَالْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ ، وَالْمَادَّةِ وَالصُّوَرَةِ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةَ الْمَشَّائِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ الْجَوْهَرَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ . وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَدْفَعُونَ هَذَا وَيَقُولُونَ : هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي سَمَّيْتُمُوهَا جَوَاهِرَ عَقْلِيَّةً إِنَّمَا وُجُودُهَا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ . وَقَدْ يُرَادُ بِالْجَوَاهِرِ مَا هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ، فَمَنْ كَانَ الْجَوْهَرُ أَعَمَّ عِنْدَهُ مِنَ الْجِسْمِ ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَعَمُّ انْتَفَى الْأَخَصُّ ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ الْجَوْهَرُ عِنْدَهُ مُرَادِفًا لِلْجِسْمِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ الْجَوْهَرُ عِنْدَهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَعْنَى الْجِسْمِ ، مِثْلَ أَنْ يُقَدِّرَ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْجَوْهَرِ إِلَّا فِي الْفَرْدِ ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ جَوْهَرًا نَفْيُ كَوْنِهِ جِسْمًا ، إِلَّا بِالْحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : الْجِسْمُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ ، فَالْحُجَّةُ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ هَذَا الِاصْطِلَاحِ ، مَعَ أَنِّي لَا أَعْرِفُهُ اصْطِلَاحًا لِأَحَدٍ مُطْلَقًا ، وَلَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَخُصُّ بِهِ الْفَرْدَ ، مَعَ أَنَّهُ هُوَ وَغَيْرَهُ دَائِمًا يُسَمُّونَ الْجِسْمَ جَوْهَرًا . وَلِهَذَا قَالَ هَذَا الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي نَفْيِ كَوْنِهِ جَوْهَرًا : إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلتَّحَيُّزِيَّةِ فَيَكُونُ جِسْمًا مُرَكَّبًا ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ قَابِلًا لِلتَّحَيُّزِيَّةِ فَيَكُونُ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ لَفْظُ "الْجَوْهَرِ" مُتَنَاوِلًا لِلْجِسْمِ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ مُخْتَصًّا بِالْفَرْدِ، فَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فِي نَفْيِ الْجَوْهَرِ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ فَالْجِسْمُ يَدْخُلُ فِيهِ ، فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ صَحَّ نَفْيُ الْجِسْمِ ، لَكِنْ قَدْ عُرِفَ ضَعْفُهُ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ فَقَطْ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْهُ لِيَنْفِيَ الْجِسْمَ . لَكِنَّ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ . فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوَاهِرَ مُتَنَاهِيَةٍ لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ حَتَّى وَلَا بِالْوَهْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوَاهِرَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ كَذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْهَيُولِيِّ وَالصُّورَةِ لَكِنَّهُ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ لَكِنَّهُ يَقْبَلُ التَّقْسِيمَ إِلَى الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ الَّتِي لَا تَتَجَزَّأُ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ جَوْهَرٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، لَكِنْ إِذَا تَصَغَّرَتِ الْأَجْزَاءُ اسْتَحَالَتْ ، وَقَدْ لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ الْفِعْلِيَّةَ ، بَلْ إِذَا قُسِّمَتِ اسْتَحَالَتْ ، كَمَا فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ إِذَا تَصَغَّرَتْ فَإِنَّهَا تَصِيرُ هَوَاءً ، فَهِيَ وَإِنْ كَانَ يَتَمَيَّزُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، لَكِنْ لَيْسَ لَهَا مِنَ الْقُوَّةِ مَا يَحْتَمِلُ الِانْقِسَامَ الْفِعْلِيَّ ، بَلْ تَسْتَحِيلُ إِذَا أُرِيدَ بِهَا ذَلِكَ . وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا نُثْبِتُ شَيْئًا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ ، وَلَا يَثْبُتُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي ضِمْنِ مَا لَا يَتَنَاهَى ، وَلَا انْقِسَامَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ، بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ فَإِنَّهُ يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، وَهُوَ قَدْ يَسْتَحِيلُ قَبْلَ وُجُودِ الِانْقِسَامَاتِ الَّتِي لَا تَتَنَاهَى . فَتَزُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْإِشْكَالَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى غَيْرِهِ ، مَعَ أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ ، فَتَبَيَّنَ ضَعْفُ هَذَا الْوَجْهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية