الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْهُدَى وَالْبَيَانِ، لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، فَقَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 33] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سُورَةُ الشُّورَى: 52-53] . وَقَالَ تَعَالَى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 1-2] . إِلَى قَوْلِهِ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 4] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [سُورَةُ النَّحْلِ: 35] . وَقَالَ: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 18] . وَقَالَ: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 157] . وَقَالَ تَعَالَى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 15-16] . وَقَالَ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [سُورَةُ النَّحْلِ: 144] . وَقَالَ تَعَالَى: مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [سُورَةُ يُوسُفَ: 111] . وَقَالَ تَعَالَى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [سُورَةُ النَّحْلِ: 89] . وَقَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ 2-5] . وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُقَالُ: أَمْرُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ تَكَلَّمَ فِيهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ، أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْبَاطِلِ، أَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ: لَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى حَقٍّ، وَلَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى بَاطِلٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ فِي شَخْصٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: لَا بِحَقٍّ وَلَا بِبَاطِلٍ، وَلَا هُدًى وَلَا ضَلَالٍ، بَلْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ قَدْ هَدَى النَّاسَ، وَلَا أَخْرَجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَلَا بَيَّنَ لَهُمْ، وَلَا كَانَ مَعَهُ مَا يَسْتَضِيءُ بِهِ السَّالِكُ الْمُسْتَدِلُّ. فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ تَكَلَّمَ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ نَقِيضُ الْحَقِّ، وَبِمَا يَدُلُّ عَلَى ضِدِّ الصَّوَابِ، وَكَانَ مَدْلُولُ كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ مَعْلُومَ الْفَسَادِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ - لَكَانَ هَذَا الشَّخْصُ قَدْ أَضَلَّ بِكَلَامِهِ وَمَا هَدَى، وَكَانَ مُخْرِجًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ بِكَلَامِهِ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، كَحَالِ الطَّاغُوتِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 257] .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية