الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            منتقى الأخبار بَابُ اسْتِحْبَابِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ 1300 - ( عَنْ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءَ يَوْمَ الْأَضْحَى بِمِنًى } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد ) . 1301 - ( وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ) . 1302 - ( وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِمِنًى ، فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا ، فَطَفِقَ يُعَلِّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ ، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : بِحَصَى الْخَذْفِ ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَنَزَلُوا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدَ ، وَأَمَرَ الْأَنْصَارَ فَنَزَلُوا مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ نَزَلَ النَّاسُ بَعْد ذَلِكَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ ) . نيل الأوطار الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ سَكَتَ عَنْهَا أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَرِجَالُ إسْنَادِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ثِقَاتٌ وَكَذَلِكَ رِجَالُ إسْنَادِ الْحَدِيثِ الثَّانِي ، وَكَذَلِكَ رِجَالُ إسْنَادِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ . وَفِي الْبَابِ عَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيّ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ وَأَحْمَدَ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ . وَعَنْ أَبِي كَاهِلٍ الْأَحْمَسِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَسَيَأْتِي . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ . وَعَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا وَغَيْرِهِ . وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ . وَعَنْ أَبِي حَرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا . وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ . وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ ، وَهِيَ تَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا خُطْبَةَ فِيهِ لِلْحَاجِّ ، وَأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْوَصَايَا الْعَامَّةِ ، لَا أَنَّهُ خُطْبَةٌ مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ . وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ الرُّوَاةَ سَمَّوْهَا خُطْبَةً كَمَا سَمَّوْا الَّتِي وَقَعَتْ بِعَرَفَاتٍ خُطْبَةً ، وَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَاتٍ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَطَبَ بِعَرَفَاتٍ . وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ هُمْ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ ، وَقَالُوا : خُطَبُ الْحَجِّ ثَلَاثٌ : سَابِعُ ذِي الْحِجَّةِ ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ ، وَثَانِي يَوْمُ النَّحْرِ ، وَوَافَقَهُمْ الشَّافِعِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ ، بَدَلَ ثَانِي النَّحْرِ : ثَالِثَهُ ، وَزَادَ خُطْبَةً رَابِعَةً وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ ، قَالَ : وَبِالنَّاسِ إلَيْهَا حَاجَةٌ لَيَعْمَلُوا أَعْمَالَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الرَّمْي وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ ، وَاسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ . وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْحَجِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ وَصَايَا عَامَّةً كَمَا تَقَدَّمَ . قَالَ : وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ فِيهَا شَيْئًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ يَوْمَ النَّحْر فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ لَأَجْلِ الْحَجِّ . وَقَالَ ابْنُ الْقِصَارِ : إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجَلِ تَبْلِيغِ مَا ذَكَرَهُ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ الَّذِي اجْتَمَعَ مِنْ أَقَاصِي الدُّنْيَا ، فَظَنَّ الَّذِي رَآهُ أَنَّهُ خَطَبَ . قَالَ : وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى تَعْلِيمِهِمْ أَسْبَابَ التَّحَلُّلِ الْمَذْكُورَةِ فَلَيْسَ بِمُتَعَيِّنِ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ إيَّاهَا بِمَكَّةَ أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ انْتَهَى . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَ فِي الْخُطْبَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَعْظِيمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَعَلَى تَعْظِيمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ، وَعَلَى تَعْظِيمِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ . وَقَدْ جَزَمَ الصَّحَابَةُ الْمَذْكُورُونَ بِتَسْمِيَتِهَا خُطْبَةً كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا تَلْتَفِتْ إلَى تَأْوِيلِ غَيْرِهِمْ . وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ إمْكَانِ تَعْلِيمِ مَا ذَكَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ يَرَى مَشْرُوعِيَّةَ الْخُطْبَةِ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ جَمِيعَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَعْمَالٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ ، شُرِعَ تَجْدِيدُ التَّعْلِيمِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ الْأَسْبَابِ . وَقَدْ بَيَّنَ الزُّهْرِيُّ - وَهُوَ عَالَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ - أَنَّ الْخُطْبَةَ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ نُقِلَتْ مِنْ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْأُمَرَاءِ يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ ، كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لَكِنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِمَا سَبَقَ ، وَبَانَ بِهِ أَنَّ السُّنَّةَ الْخُطْبَةُ يَوْمَ النَّحْرِ لَا ثَانِيهِ . وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ : إنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ ، فَيَرُدُّهُ مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : { أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ } ، وَذَكَرَ فِيهِ السُّؤَالَ عَنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ . وَثَبَتَ أَيْضًا فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ الْبَابِ : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " فَكَأَنَّهُ وَعَظَهُمْ وَأَحَالَ فِي تَعْلِيمِهِمْ عَلَى تَلَقِّي ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهِ . قَوْلُهُ : ( وَنَحْنُ بِمِنًى ) أَيَّامُ مِنًى أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ . وَأَحَادِيثُ الْبَابِ مُصَرِّحَةٌ بِيَوْمِ النَّحْرِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيَتَعَيَّنُ يَوْمُ النَّحْرِ قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ بِحَصَى الْخَذْفِ ) فِيهِ اسْتِعَارَةُ الْقَوْلِ لِلْفِعْلِ ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي السُّنَّةِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ وَضَعَ إحْدَى السَّبَّابَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لِيُرِيَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ حَصَى الْخَذْفِ ، وَالْخَذْفُ بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ، وَيُرْوَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلِ الْحَاءِ : حَذَفْتُهُ بِالْعَصَا : أَيْ رَمَيْتُهُ بِهَا ، وَفِي فَصْلِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْخَذْفُ بِالْحَصَى : الرَّمْيُ بِهِ بِالْأَصَابِعِ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مِقْدَارِ حَصَى الْحَذْفِ فِي بَابِ اسْتِحْبَابِ الْخُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ ، ; لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ سَيُكَرِّرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْبَابِ جَمِيعَهَا هُنَالِكَ . وَسَنَشْرَحُ هُنَالِكَ مَا لَمْ نَتَعَرَّضْ لِشَرْحِهِ هَهُنَا مِنْ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية