الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                صحيح مسلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَاب صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ 2785 حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ يَعْنِي الْحِزَامِيَّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَءُوا فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا شرح النووي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ) أَيْ : لَا يَعْدِلُهُ فِي الْقَدْرِ وَالْمَنْزِلَةِ ، أَيْ : لَا قَدْرَ لَهُ . وَفِيهِ : ذَمُّ السِّمَنِ . و ( الْحَبْرُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَهُوَ الْعَالِمُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكَ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْأَرْضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ . . . إِلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ) هَذَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِيهَا الْمَذْهَبَانِ : التَّأْوِيلُ وَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ ، مَعَ الْإِيمَانِ بِهَا ، مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا غَيْرَ مُرَادٍ ، فَعَلَى قَوْلِ الْمُتَأَوِّلِينَ يَتَأَوَّلُونَ الْأَصَابِعَ هُنَا عَلَى الِاقْتِدَارِ أَيْ : خَلَقَهَا مَعَ عِظَمِهَا بِلَا تَعَبٍ وَلَا مَلَلٍ ، وَالنَّاسُ يَذْكُرُونَ الْإِصْبَعَ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ وَالِاحْتِقَارِ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ : بِأُصْبُعِي أَقْتُلُ زَيْدًا ، أَيْ : لَا كُلْفَةَ عَلَيَّ فِي قَتْلِهِ ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَصَابِعَ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ، وَالْمَقْصُودُ : أَنَّ يَدَ الْجَارِحَةِ مُسْتَحِيلَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ ، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقَ الْحَبْرَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبِضُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ ، وَالْمَخْلُوقَاتِ بِالْأَصَابِعِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا الْإِشَارَةُ إِلَى نَحْوِ مَا يَقُولُ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينِ : لَيْسَ ضَحِكُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَجُّبُهُ وَتِلَاوَتُهُ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لِلْحَبْرِ ، بَلْ هُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِ ، وَإِنْكَارٌ وَتَعَجُّبٌ مِنْ سُوءِ اعْتِقَادِهِ ، فَإِنَّ مَذْهَبَ الْيَهُودِ التَّجْسِيمُ ، فَفُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ تَصْدِيقًا لَهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي عَلَى مَا فُهِمَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( أَنَّ ابْنَ مِقْسَمٍ نَظَرَ إِلَى ابْنِ عُمرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِيهِ بِيَدَيْهِ ، وَيَقُولُ : أَنَا اللَّهُ ، وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا ، أَنَا الْمَلِكُ ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ ) ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِهَذَا قَالَ : إِنَّ ابْنَ مِقْسَمٍ نَظَرَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَأَمَّا إِطْلَاقُ الْيَدَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى فَمُتَأَوَّلٌ عَلَى الْقُدْرَةِ ، وَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِالْيَدَيْنِ ، لِأَنَّ أَفْعَالِنَا تَقَعُ بِالْيَدَيْنِ ، فَخُوطِبْنَا بِمَا نَفْهَمُهُ ، لِيَكُونَ أَوْضَحَ وَأَوْكَدَ فِي النُّفُوسِ ، وَذَكَرَ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ حَتَّى يَتِمَّ الْمِثَالُ ، لِأَنَّا نَتَنَاوَلُ بِالْيَمِينِ مَا نُكْرِمُهُ ، وَبِالشِّمَالِ مَا دُونَهُ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّنَا يَقْوَى لِمَا لَا يَقْوَى لَهُ الشِّمَالُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّمَوَاتِ أَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ ، فَأَضَافَهَا إِلَى الْيَمِينِ ، وَالْأَرَضِينَ إِلَى الشِّمَالِ ، لِيُظْهِرَ التَّقْرِيبَ فِي الِاسْتِعَارَةِ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُوصَفُ بِأَنَّ شَيْئًا أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَا أَثْقَلَ مِنْ شَيْءٍ ، هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فِي هَذَا . قَالَ الْقَاضِي : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ : يَقْبِضُ ، وَيَطْوِي ، وَيَأْخُذُ كُلُّهُ بِمَعْنَى الْجَمْعِ لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ مَبْسُوطَةٌ ، وَالْأَرَضِينَ مَدْحُوَّةٌ ، وَمَمْدُودَةٌ ، ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ وَتَبْدِيلِ الْأَرْضِ غَيْرِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ فَعَادَ كُلُّهُ إِلَى ضَمِّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَرَفْعِهَا وَتَبْدِيلِهَا بِغَيْرِهَا ، قَالَ : وَقَبْضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَبَسْطَهَا تَمْثِيلٌ لِقَبْضِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَجَمْعِهَا بَعْدَ بَسْطِهَا ، وَحِكَايَةٌ لِلْمَبْسُوطِ وَالْمَقْبُوضِ ، وَهُوَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ ، لَا إِشَارَةً إِلَى الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْقَابِضُ وَالْبَاسِطُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَلَا تَمْثِيلَ لِصِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى السَّمْعِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْيَدِ الَّتِي لَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ . وَقَوْلُهُ : فِي الْمِنْبَرِ ( يَتَحَرَّكَ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ أَسْفَلِهِ إِلَى أَعْلَاهُ لِأَنَّ بِحَرَكَةِ الْأَسْفَلِ يَتَحَرَّكُ الْأَعْلَى وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَحَرُّكَهُ بِحَرَكَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ هَيْبَةً لَسَمْعِهِ كَمَا حَنَّ الْجِذْعُ ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ مُشْكِلٍ ، وَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ ، وَلَا نُشَبِّهُ شَيْئًا بِهِ ، وَلَا نُشَبِّهُهُ بِشَيْءٍ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ عَنْهُ ، فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ ، فَمَا أَدْرَكْنَا عِلْمَهُ فَبِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَا خَفِيَ عَلَيْنَا آمَنَّا بِهِ وَوَكَّلْنَا عِلْمَهُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَحَمَلْنَا لَفْظَهُ عَلَى مَا احْتُمِلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الَّذِي خُوطِبْنَا بِهِ ، وَلَمْ نَقْطَعْ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَوْلُهُ : ( وَالشَّجَرُ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ ) الثَّرَى هُوَ التُّرَابُ النَّدِيُّ . قَوْلُهُ : ( بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ : أَنْيَابُهُ .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية