الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا أَخَذَ الرَّشِيدُ لِوَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ الْبَيْعَةَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ابْنِ زُبَيْدَةَ الْأَمِينِ ، وَذَلِكَ بِالرَّقَّةِ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنَ الْحَجِّ ، وَضَمَّ ابْنَهُ الْمَأْمُونَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّشِيدِ خَدَمَةً لَهُ ، وَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا ، وَسَمَّاهُ الْمَأْمُونَ . وَفِيهَا رَجَعَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيُّ مِنْ مُجَاوَرَتِهِ بِمَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ . وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ ، فَبَلَغَ مَدِينَةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ . وَفِيهَا سَمَلَتِ الرُّومُ عَيْنَيْ مَلِكِهِمْ قُسْطَنْطِينَ بْنِ أَلْيُونَ ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ أُمَّهُ رِينَى ، وَتُلَقَّبُ أُغُسْطَةَ . وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ . وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ أَحَدُ الْمَشَاهِيرِ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّامِيِّينَ ، وَفِيهِ كَلَامٌ . وَمَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ الْمَشْكُورُ ، كَانَ يَمْدَحُ الْخُلَفَاءَ وَالْبَرَامِكَةَ وَمَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ ، وَكَانَ قَدْ تَحَصَّلَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَبْخَلِ النَّاسِ ، لَا يَكَادُ يَأْكُلُ اللَّحْمَ مِنْ بُخْلِهِ ، وَلَا يُشْعِلُ فِي بَيْتِهِ سِرَاجًا ، وَلَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا الْكِرْبَاسَ وَالْفَرْوَ الْغَلِيظَ ، وَكَانَ رَفِيقُهُ سَلْمٌ الْخَاسِرُ إِذَا رَكِبَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ يَأْتِي عَلَى بِرْذَوْنٍ ، وَبَدْلَةٍ سَنِيَّةٍ تُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ ، وَالطِّيبُ يَنْفُحُ مِنْ ثِيَابِهِ ، وَيَأْتِي مَرْوَانَ فِي شَرِّ حَالَةٍ وَأَسْوَئِهَا . وَخَرَجَ يَوْمًا إِلَى الْمَهْدِيِّ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ : إِنْ أَطْلَقَ لَكَ الْخَلِيفَةُ شَيْئًا فَاجْعَلْ لِي مِنْهُ شَيْئًا . فَقَالَ : إِنْ أَعْطَانِي مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَكِ دِرْهَمٌ . فَأَعْطَاهُ سِتِّينَ أَلْفًا ، فَأَعْطَاهَا أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ . تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ . وَالْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ حَبْتَةَ ، وَهِيَ أُمُّهُ ، وَأَبُوهُ بَحِيرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَسَعْدٌ هَذَا لَهُ صُحْبَةٌ ، اسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي هَذَا كَانَ أَكْبَرَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَغَيْرِهِمْ . وَعَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِيِنٍ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : تُوُفِّيَ أَبِي وَأَنَا صَغِيرٌ ، فَأَسْلَمَتْنِي أُمِّي إِلَى قَصَّارٍ ، فَكُنْتُ أَمُرُّ عَلَى حَلْقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَأَجْلِسُ فِيهَا ، فَكَانَتْ أُمِّي تَتْبَعُنِي ، فَتَأْخُذُ بِيَدِي مِنَ الْحَلْقَةِ وَتَذْهَبُ بِي إِلَى الْقَصَّارِ ، ثُمَّ كُنْتُ أُخَالِفُهَا فِي ذَلِكَ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ قَالَتْ أُمِّي لِأَبِي حَنِيفَةَ : إِنَّ هَذَا صَبِيٌّ يَتِيمٌ ، لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا أُطْعِمُهُ مِنْ مِغْزَلِي ، وَإِنَّكَ قَدْ أَفْسَدْتَهُ عَلَيَّ . فَقَالَ لَهَا : اسْكُتِي يَا رَعْنَاءُ ، هَا هُوَ ذَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ ، وَسَيَأْكُلُ الْفَالَوْذَجَ بِدُهْنِ الْفُسْتُقِ . فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّكَ شَيْخٌ قَدْ خَرِفْتَ . قَالَ أَبُو يُوسُفَ : فَلَمَّا وَلِيتُ الْقَضَاءَ - وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ الْهَادِي ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ بِقَاضِي الْقُضَاةِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : قَاضِي قُضَاةِ الدُّنْيَا . لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَنِيبُ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ الَّتِي يَحْكُمُ فِيهَا الْخَلِيفَةُ - قَالَ أَبُو يُوسُفَ : فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ الرَّشِيدِ إِذْ أُتِيَ بِفَالَوْذَجَ وَكُنْتُ لَا أَعْرِفُهَا ، فَقَالَ لِي : كُلْ مِنْ هَذَا; فَإِنَّهُ لَا يُصْنَعُ لَنَا كُلَّ وَقْتٍ . فَقُلْتُ : وَمَا هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ : هَذَا الْفَالَوْذَجُ . قَالَ : فَتَبَسَّمْتُ ، فَقَالَ : مَا لَكَ تَتَبَسَّمُ؟ فَقُلْتُ : لَا شَيْءَ ، أَبْقَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . فَقَالَ : لَتُخْبِرَنِّي : فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ مِنْ أَوَّلِهَا ، فَقَالَ : إِنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُ وَيَرْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . ثُمَّ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ ، فَلِقَدْ كَانَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ عَقْلِهِ مَا لَا يَرَاهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ . وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ : إِنَّهُ أَعْلَمُ أَصْحَابِهِ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : كَانَ أَبُو يُوسُفَ أَتْبَعَهُمْ لِلْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : كَانَ صَدُوقًا . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : كَانَ ثِقَةً . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : كَانَ سَلِيمًا مِنَ التَّجَهُّمِ . وَقَالَ بَشَّارٌ الْخَفَّافُ : سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ : مَنْ قَالَ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ . فَحَرَامُ كَلَامُهُ ، وَفَرْضٌ مُبَايَنَتُهُ . وَمِنْ كَلَامِهِ الَّذِي يَنْبَغِي كِتَابَتُهُ بِمَاءِ الذَّهَبِ قَوْلُهُ : مَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ غَرَائِبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ ، وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ . وَلَمَّا تَنَاظَرَ هُوَ وَمَالِكٌ بِالْمَدِينَةِ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّاعِ وَزَكَاةِ الْخَضْرَاوَاتِ احْتَجَّ مَالِكٌ بِمَا اسْتَدْعَى بِهِ مِنْ تِلْكَ الصِّيعَانِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، وَبِأَنَّهُ لَمْ تَكُنِ الْخَضْرَاوَاتُ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ . فَقَالَ : لَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْتُ لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْتُ . وَهَذَا إِنْصَافٌ . وَقَدْ كَانَ يَحْضُرُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ ، حَتَّى إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ شَابًّا ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّاسِ ، فَيَتَنَاظَرُونَ وَيَتَبَاحَثُونَ فِيهِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَحْكُمُ وَيُصَنِّفُ أَيْضًا . وَقَالَ : وُلِّيتُ هَذَا الْحُكْمَ ، وَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ جَوْرٍ وَلَا مَيْلٍ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا; جَاءَنِي رَجُلٌ فَذَكَرَ أَنَّ لَهُ بُسْتَانًا ، وَأَنَّهُ فِي يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَدَخَلْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْلَمْتُهُ ، فَقَالَ : الْبُسْتَانُ لِي ، اشْتَرَاهُ لِي الْمَهْدِيُّ . فَقُلْتُ : إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحْضِرَهُ لِأَسْمَعَ دَعْوَاهُ . فَأَحْضَرَهُ فَادَّعَى بِالْبُسْتَانِ ، فَقُلْتُ : مَا تَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ : هُوَ بُسْتَانِي . فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ : قَدْ سَمِعْتَ مَا أَجَابَ . فَقَالَ الرَّجُلُ : يَحْلِفُ . فَقُلْتُ : أَتَحْلِفُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ : لَا . فَقُلْتُ : سَأَعْرِضُ عَلَيْكَ الْيَمِينَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ حَلَفْتَ وَإِلَّا حَكَمْتُ عَلَيْكَ . فَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَامْتَنَعَ ، فَحَكَمْتُ بِالْبُسْتَانِ لِلْمُدَّعِي . قَالَ : فَكُنْتُ فِي أَثْنَاءِ الْخُصُومَةِ أَوَدُّ أَنْ نَنْفَصِلَ ، وَلَمْ يُمْكِنِّي أَنْ أُجْلِسَ الرَّجُلَ مَعَ الْخَلِيفَةِ . وَبَعَثَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ فِي تَسْلِيمِ الْبُسْتَانِ إِلَى الرَّجُلِ . وَرَوَى الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي الْأَزْهَرِ ، عَنْ حَمَّادِ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ - الْمَوْصِلِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ قَدْ نِمْتُ فِي الْفِرَاشِ ، إِذَا رَسُولُ الْخَلِيفَةِ يَطْرُقُ الْبَابَ ، فَخَرَجْتُ مُنْزَعِجًا فَقَالَ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُوكَ . فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَمَعَهُ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ ، فَقَالَ لِي الرَّشِيدُ : إِنَّ هَذَا قَدْ طَلَبْتُ مِنْهُ جَارِيَةً يَهَبُنِيهَا ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، أَوْ يَبِيعُنِيهَا فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَإِنِّي أُشْهِدُكَ إِنْ لَمْ يُجِبْنِي إِلَى ذَلِكَ قَتَلْتُهُ . فَقُلْتُ لِعِيسَى : لِمَ لَمْ تَفْعَلْ؟ فَقَالَ : إِنِّي حَالِفٌ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَصَدَقَةِ مَالِي كُلِّهِ أَنْ لَا أَبِيعَهَا وَلَا أَهَبَهَا . فَقَالَ لِي الرَّشِيدُ : فَهَلْ لَهُ مِنْ مَخْلَصٍ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، يَبِيعُكُ نِصْفَهَا ، وَيَهَبُكَ نِصْفَهَا . فَوَهَبَهُ النِّصْفَ ، وَبَاعَهُ النِّصْفَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ ، فَقَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَأُحْضِرَتِ الْجَارِيَةُ ، فَلَمَّا رَآهَا الرَّشِيدُ قَالَ : هَلْ لِي مِنْ سَبِيلٍ عَلَيْهَا اللَّيْلَةَ؟ قُلْتُ : إِنَّهَا مَمْلُوكَةٌ ، وَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِبْرَائِهَا ، إِلَّا أَنْ تُعْتِقَهَا وَتَتَزَوَّجَهَا ، فَإِنَّ الْحُرَّةَ لَا تُسْتَبْرَأُ . قَالَ : فَأَعْتَقَهَا وَزَوَّجْتُهَا مِنْهُ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَأَمَرَ لِي بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ تَخْتًا مِنْ ثِيَابٍ ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْجَارِيَةُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، فَجَاءَتْهُ هَدِيَّةٌ مِنْ ثِيَابٍ دَبِيقِيٍّ وَطِيبٍ وَتَمَاثِيلَ نِدٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَذَاكَرَنِي رَجُلٌ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ : " مَنْ أُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُ " . فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِنَّمَا ذَاكَ فِي الْأَقِطِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَلَمْ تَكُنِ الْهَدَايَا مَا تَرَوْنَ ، يَا غُلَامُ ، شِلْ إِلَى الْخَزَائِنِ . وَقَالَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيُّ : سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ : صَحِبْتُ أَبَا حَنِيفَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، ثُمَّ انْصَبَّتْ عَلَيَّ الدُّنْيَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَمَا أَظُنُّ أَجَلِي إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ . فَمَا كَانَ شُهُورٌ حَتَّى مَاتَ . وَقَدْ مَاتَ أَبُو يُوسُفَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَقَدْ مَكَثَ فِي الْقَضَاءِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ يُوسُفُ . وَقَدْ كَانَ نَائِبَهُ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ . وَمَنْ زَعَمَ مِنَ الرُّوَاةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اجْتَمَعَ بِأَبِي يُوسُفَ كَمَا يَقُولُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ الْكَذَّابُ فِي الرِّحْلَةِ الَّتِي سَاقَهَا الشَّافِعِيُّ ، فَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا وَرَدَ بَغْدَادَ فِي أَوَّلِ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا إِلَيْهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ . وَإِنَّمَا اجْتَمَعَ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَنَآنٌ ، كَمَا قَدْ يَذْكُرُهُ بَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِهَذَا الشَّأْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ طَهْمَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيِّ ، اسْتَوْزَرَهُ الْمَهْدِيُّ ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ جِدًّا ، ثُمَّ لَمَّا أَمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الْعَلَوِيِّ فَأَرْسَلَهُ ، وَنَمَّتْ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ ، وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ، سَجَنَهُ فِي بِئْرٍ ، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ ، وَنَبَتَ عَلَيْهِ شَعْرٌ كَمَا يَنْبُتُ شَعْرُ الْأَنْعَامِ ، وَعَمِيَ ، وَيُقَالُ : عَشِيَ بَصَرُهُ ، وَمَكَثَ نَحْوًا مِنْ خَمْسَ عَشْرَ سَنَةً فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لَا يَرَى شَيْئًا ، وَلَا يَسْمَعُ صَوْتًا إِلَّا حِينَ الصَّلَوَاتِ يُعْلَمُ بِهِ ، وَيُدَلَّى إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفٌ وَكُوزُ مَاءٍ ، حَتَّى انْقَضَتْ أَيَّامُ الْمَهْدِيِّ وَأَيَّامُ الْهَادِي وَصَدْرٌ مِنْ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ ، قَالَ يَعْقُوبُ : فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ : عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ فَيَأَمَنَ خَائِفٌ وَيُفَكُّ عَانٍ وَيَأْتِي أَهْلَهُ النَّائِي الْغَرِيبُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ نُودِيتُ فَظَنَنْتُ أَنِّي أُعْلَمُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَدُلِيَّ إِلَيَّ حَبْلٌ ، وَقِيلَ لِي : ارْبُطْ هَذَا الْحَبْلَ فِي وَسَطِكِ . فَأَخْرَجُونِي ، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَى الضِّيَاءِ لَمْ أُبْصِرْ شَيْئًا ، وَأُوقِفْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ . فَظَنَنْتُهُ الْمَهْدِيَّ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ ، فَقَالَ : لَسْتُ بِهِ . قُلْتُ : فَالْهَادِي؟ فَقَالَ : لَسْتُ بِهِ . فَقُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدَ . فَقَالَ : نَعَمْ . ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمْ يَشْفَعْ فِيكَ عِنْدِي أَحَدٌ ، وَلَكِنِّي الْبَارِحَةَ حَمَلْتُ جَارِيَةً لِي صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِي ، فَذَكَرْتُ حَمْلَكَ إِيَّايَ عَلَى عُنُقِكَ ، فَرَحِمْتُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الضِّيقِ ، فَأَخْرَجْتُكَ . ثُمَّ أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ . فَغَارَ مِنْهُ يَحْيِي بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ ، وَخَشِيَ أَنْ يُعِيدَهُ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ ، وَفَهِمَ ذَلِكَ يَعْقُوبُ ، فَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ فِي الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَكَانَ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ الْعَيْشِيُّ ، كَانَ ثِقَةً عَالِمًا عَابِدًا وَرِعًا ، تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَكَانَ وَالِيَ الْبَصْرَةِ ، وَتَرَكَ مِنَ الْمَالِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا يَزِيدُ دِرْهَمًا وَاحِدًا ، وَكَانَ يَعْمَلُ الْخُوصَ ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ . وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية