الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأثار

الحازمي - أبو بكر محمد بن موسى الحازمي الهمذاني

جزء صفحة
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : جَوَازُ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ . وَالثَّانِيَةُ : جَوَازُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ . وَاتَّفَقُوا عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ . الثَّانِيَةُ : جَوَازُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ . أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ ، فَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَهَبُوا إِلَى الْجَوَازِ وَقَالُوا : لَا اسْتِحَالَةَ فِي وُقُوعِهِ عَقْلًا ، وَقَدْ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى وُقُوعِهِ ، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْعَدَوِيُّ ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ . أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى ، قَالَ : السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ ، أَيْ : تُفَسِّرُهُ . أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْمَدِينِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْعَبَّاسِ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْكِسَائِيُّ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ : الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ . أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ : ذِكْرُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . وَقَالَ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ . فَنَسَخَ الْمِيرَاثَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ . وَنَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . قَالَ : وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ الْحُرَّ ، وَلَا الْحُرُّ يَرِثُ الْعَبْدَ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ وَنُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُنْكَحُ الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى ، وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى . وَنُسِخَ أَيْضًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ . وَقَالَ تَعَالَى : وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا . فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ فَلَحِقَتْ بِالْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا . وَإِنَّ مَنْ صَارَ مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمَاتٍ أَوْ مُسْتَأْمَنَاتٍ بِغَيْرِ أَسْرٍ وَلَا قَهْرٍ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ ، وَحِلٌّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، وَلَا عِوَضَ عَلَى أَحَدٍ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْقُرْآنِ . وَقَالَ تَعَالَى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَعَمَّ بِهِ كُلَّ سَارِقٍ ، ثُمَّ نَسَخَ مِنْ ذَلِكَ سَارِقَ الْغَنَمِ ، بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الْغَنَمِ ، وَإِنْ كَثُرَتْ وَكَثُرَتْ قِيمَتُهَا إِذَا لَمْ يَأْوِهَا الْمُرَاحُ ، وَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ التَّمْرِ إِذَا لَمْ يَأْوِهِ الْجَرِينُ . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ ، وَقَطْعٌ فِي قِيمَتِهِ مَعْلُومَةً . وَقَالَ تَعَالَى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ، فَأَطْلَقَ قَلِيلَ الْوَصِيَّةِ وَكَثِيرَهَا ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ وَقَالَ تَعَالَى : قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا الْآيَةَ ، ثُمَّ حَرَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ . وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْآيَةَ ، وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ - الْآيَةَ ، وَإِنَّمَا أَبَاحَ الْقَصْرَ مَعَ الْخَوْفِ ثُمَّ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ بِكُلِّ حَالٍ . هَذِهِ آخِرُ كَلَامِ أَبِي الشَّيْخِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حَدِيثٍ يُحَقَّقُ فِيهِ شَرْطُ النَّسْخِ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَنَفَرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ ، وَقَالُوا : كَمَا خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْمُتَوَاتِرَ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي اللَّوَازِمِ وَالتَّوَابِعِ ، كَذَلِكَ السُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ ، لِتَبَايُنِهِمَا فِي الْحَقَائِقِ وَاللَّوَاحِقِ ، وَرُوِّينَا مَعْنَى ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . أَخْبَرَنِي الْأَمِيرُ أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَالنَّاسِخُ مِنَ الْقُرْآنِ الْأَمْرُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ بَعْدَ الْأَمْرِ يُخَالِفُهُ ، كَمَا حَوَّلَ الْقِبْلَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَكُلُّ مَنْسُوخٍ يَكُونُ حَقًّا مَا لَمْ يُنْسَخْ ، فَإِذَا نُسِخَ كَانَ الْحَقُّ فِي نَاسِخِهِ ، وَلَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا كِتَابُهُ ، وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ - قَالَ : لَا أَجْتَرِئُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ ، وَلَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية