أحاديث الهداية
ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة ، إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين ، وقالا : يجوز إذا كانا ثخينين لا يشفان ) لما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام مسح على جوربيه }" ولأنه يمكنه المشي فيه إذا كان ثخينا ، وهو أن يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء فأشبه الخف ، وله أنه ليس في معنى الخف ؛ لأنه لا يمكن مواظبة المشي فيه إلا إذا كان منعلا ، وهو محمل الحديث ، وعنه أنه رجع إلى قولهما ، وعليه الفتوى .
نصب الراية
الحديث الخامس : روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على جوربيه } ، قلت : روي من [ ص: 264 ] حديث المغيرة بن شعبة . ومن حديث أبي موسى . ومن حديث بلال ، فحديث المغيرة ، رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { توضأ ومسح على الجوربين . والنعلين }انتهى .
قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال النسائي في " سننه الكبرى " : لا نعلم أحدا تابع أبا قيس على هذه الرواية ، والصحيح عن المغيرة { أنه عليه السلام مسح على الخفين }انتهى .
ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الخامس والثلاثين ، من القسم الرابع ، وقال أبو داود في " سننه " : كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث ؛ لأن المعروف عن المغيرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين }.
قال : وروى أبو موسى الأشعري أيضا { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الجوربين } ، وليس بالمتصل ، ولا بالقوي ، قال : ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك . وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب . وابن عباس انتهى .
وذكر البيهقي حديث المغيرة هذا . وقال : إنه حديث منكر ، ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين . وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج ، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين ، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه انتهى .
قال النووي : كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي ، مع أن الجرح مقدم على التعديل ، قال : واتفق الحفاظ على تضعيفه . ولا يقبل قول الترمذي : إنه حسن صحيح انتهى .
وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام " : أبو قيس الأودي اسمه " عبد الرحمن بن ثروان " احتج به البخاري في " صحيحه " وذكر البيهقي في " سننه " أن أبا محمد يحيى بن منصور ، قال : رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر .
وقال : أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان ، وخصوصا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة ، فقالوا : مسح على [ ص: 265 ] الخفين ، وقال : لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس . وهزيل ، قال : فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي ، فسمعته يقول : سمعت علي بن محمد بن شيبان يقول : سمعت أبا قدامة السرخسي يقول : قال عبد الرحمن بن مهدي : قلت لسفيان الثوري : لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك ، فقال سفيان : الحديث ضعيف ، ثم أسند البيهقي عن أحمد بن حنبل ، قال : ليس يروى هذا الحديث إلا من رواية أبي قيس الأودي . وأبى عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث بهذا الحديث ، وقال : هو منكر ، وأسند البيهقي أيضا عن علي بن المديني ، قال : حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة . وأهل الكوفة ، وأهل البصرة ، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا أنه قال : ومسح على الجوربين ، فخالف الناس ، وأسند أيضا عن يحيى بن معين ، قال : الناس كلهم يروونه على الخفين ، غير أبي قيس ، قال الشيخ : ومن يصححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفا لرواية الجمهور مخالفة معارضة ، بل هو أمر زائد على ما رووه ، ولا يعارضه ، ولا سيما ، وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها انتهى .
وأما حديث أبي موسى ، وهو الذي أشار إليه أبو داود ، فأخرجه ابن ماجه في " سننه " . والطبراني في " معجمه " عن عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { توضأ ومسح على الجوربين والنعلين }انتهى .
ولم أجده في نسختين من ابن ماجه ، ولا ذكره ابن عساكر في " الأطراف " وكأنه في بعض النسخ ، فقد عزاه ابن الجوزي في " التحقيق " لابن ماجه ، وكذلك الشيخ في " الإمام " وقال : وقول أبي داود في هذا الحديث : ليس بالمتصل ولا بالقوي أوضحه البيهقي ، فقال الضحاك : ابن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى وعيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به انتهى .
وأخرجه العقيلي في " كتاب الضعفاء " وأعله بعيسى بن سنان ، وضعفه عن يحيى بن معين . وغيره .
وأما حديث بلال ، فرواه الطبراني في " معجمه " من طريق ابن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والجوربين }انتهى .
وأخرجه أيضا عن يزيد بن أبي زياد . وابن أبي ليلى عن [ ص: 266 ] كعب بن عجرة عن بلال ، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه ، ويزيد بن أبي زياد . وابن أبي ليلى مستضعفان ، مع نسبتهما إلى الصدق ، والله أعلم .
الآثار في ذلك روى عبد الرزاق في " مصنفه أخبرنا الثوري عن الزبرقان عن كعب بن عبد الله ، قال : رأيت عليا بال فمسح على جوربيه ونعليه ، ثم قام يصلي انتهى .
أخبرنا الثوري عن منصور عن خالد بن سعد ، قال : كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على جوربين له من شعر ونعليه ، أخبرنا الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن أبي مسعود نحوه ، أخبرنا الثوري عن يحيى بن أبي حية عن أبي الخلاس عن ابن عمر أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه ، أخبرنا الثوري عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه ، قال : رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه ، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك أنه كان يمسح على الجوربين ، أخبرنا معمر عن الأعمش عن إبراهيم أن ابن مسعود كان يمسح على خفيه ويمسح على جوربيه انتهى .


