الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                          المقنع لابن قدامة وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ ، وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ ، وَالْمُؤَلِّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ ، وَالْغَارِمُ وَالْمُكَاتَبُ مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا ، وَالْغَازِي مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ ، وَإِنْ كَثُرَ ، وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ ، وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى إِلَّا أَرْبَعَةٌ : الْعَامِلُ وَالْمُؤَلَّفُ وَالْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، وَالْغَازِي ، وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ لَزِمَهُمْ رَدُّهُ ، وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا ، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا . المبدع شرح المقنع ( وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ ) أَيْ : كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لِلْحَاجَةِ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا ؛ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ ، وَشَرَطَ الْخِرَقِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ إِلَى الْغِنَى ؛ لِأَنَّ الْغِنَى لَوْ سَبَقَ الدَّفْعَ لَمْ يَجُزْ ، فَكَذَا إِذَا قَارَبَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، ( وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِسَبَبِ الْعَمَلِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِهِ ( وَالْمُؤَلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ ( وَالْغَارِمُ وَالْمُكَاتَبُ مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا ) ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إِنَّمَا تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ ( وَالْغَازِي مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ ) مِنْ سِلَاحٍ وَفَرَسٍ إِنْ كَانَ فَارِسًا وَحُمُولَتِهِ وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُهُ لَهُ وَلِعَوْدِهِ ، وَإِنْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ نِصَابٍ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الدَّفْعِ الْحَاجَةُ ، ( وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ ) ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لِلْحَاجَّةِ فَيَتَقَيَّدُ بِهَا ( وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ كَالْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ( وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا ذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ . فَائِدَةٌ : الْمِرَّةُ : الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ ، وَالسَّوِيُّ : الْمُسْتَوِي الْخَلْقِ التَّامُّ الْأَعْضَاءِ ، ( إِلَّا أَرْبَعَةٌ : الْعَامِلُ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، ( وَالْمُؤَلَّفُ ) ؛ لِأَنَّ إِعْطَاءَهُمْ لِمَعْنًى يَعُمُّ نَفْعُهُ كَالْغَازِي ، ( وَالْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ) مَا لَمْ يَكُنْ دَفَعَهَا مِنْ مَالِهِ ، ( وَالْغَازِي ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : " لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، إِلَّا لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِغَارِمٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلِأَنَّهُ يُقَالُ : جَعَلَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَيْنِ ، وَعَدَّ بَعْدَهُمَا بَقِيَّةَ الْأَصْنَافِ ، وَلَمْ يَشْرُطْ فِيهِمُ الْفَقْرَ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ مَعَ الْغِنَى ، وَخَالَفَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْغَارِمِ ، وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَاقِينَ يُشْتَرَطُ فِيهِمُ الْحَاجَةُ ، وَابْنُ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي بَلَدِهِ ، فَهُوَ الْآنَ كَالْمَعْدُومِ ، ( وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ ) حَتَّى وَلَوْ سَقَطَ مَا عَلَيْهِمَا بِبَرَاءَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ( وَالْغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ لَزِمَهُمْ رَدُّهُ ) ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ زَالَ ، فَيَجِبُ رَدُّ الْعَامِلِ لِزَوَالِ الْحَاجَةِ ، فَهَؤُلَاءِ أَخْذُهُمْ مُرَاعًى ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَصْرِفُوهُ فِي حَاجَتِهِمْ أَنَّهُ يُسْتَرْجَعُ مِنْهُمْ بِكُلِّيَّتِهِ لِبُطْلَانِ وُجُودِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَإِنْ تَلِفَ فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِمْ ، وَعَنْهُ : لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُمْ ، وَتَبْقَى لَهُمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ وَقْتَ الْأَخْذِ فَمَلَكُوهَا كَالْبَوَاقِي ، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ " : إِلَّا فِي عَجْزِ الْمُكَاتَبِ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ لِسَيِّدِهِ ، انْتَهَى . وَسَيَأْتِي ( وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا ) ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا مِلْكًا مُسْتَقِرًّا ، وَالْفَرْقُ أَنَّ هَؤُلَاءِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِأَخْذِهِمْ ؛ وَهُوَ غِنَى الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ مَثَلًا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ ، ( وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيُّ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا ) أَيْ : فَلَا يَرُدُّ مَا فَضَلَ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، فَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ عِنْدَ أَخْذِهَا ، فَلَمْ يَجِبْ رَدُّهَا كَمَا لَوِ اسْتَغْنَى الْفَقِيرُ ، وَعَنْهُ : يَرُدُّهُ فِي الْمُكَاتَبِينَ ، وَقِيلَ : لِلْمُعْطِي ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي : وَلَوْ كَانَ دَفَعَهَا إِلَى سَيِّدِهِ اسْتَرْجَعَهُ الْمُعْطِي ، وَقِيلَ : لَا ، كَمَا لَوْ قَبَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ .

                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                          الخدمات العلمية