الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة الثَّانِيَةُ : الِاعْتِبَارُ فِيمَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ بِعُمُومِهِ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ . لَنَا : الْحُجَّةُ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ لَا فِي سَبَبِهِ ، وَأَكْثَرُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْعَامَّةِ وَرَدَتْ لِأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ ، كَالظِّهَارِ فِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، وَاللِّعَانِ فِي شَأْنِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ . قَالُوا : لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ ، لَجَازَ إِخْرَاجُهُ بِالتَّخْصِيصِ ، وَلَمَا نَقَلَهُ الرَّاوِي لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ . وَلَمَا أَخَّرَ بَيَانَ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِهِ ، وَلِأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ ; فَتَجِبُ مُطَابَقَتُهُ لَهُ . قُلْنَا : السَّبَبُ أَخَصُّ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِهِ ; فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ تَخْصِيصِهِ ، وَفَائِدَةُ نَقْلِ السَّبَبِ بَيَانُ أَخَصِيَّتِهِ بِالْحُكْمِ ، وَمَعْرِفَةُ تَارِيخِهِ بِمَعْرِفَةِ تَارِيخِهِ ، وَتَوْسِعَةُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ . وَالتَّأَسِّي بِوَقَائِعِ السَّلَفِ ، وَتَأْثِيرُ نَقْلِهِ شُبْهَةٌ فِي وُقُوعِ مِثْلِ هَذَا الْخِلَافِ . وَهُوَ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ ، وَتَخْفِيفٌ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . وَتَأْخِيرُ بَيَانِ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِ السَّبَبِ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ ; فَلَا يُعَلَّلُ ، كَتَخْصِيصِ وَقْتِ إِيجَادِ الْعَالِمِ بِهِ ، وَإِلَّا انْتَقَضَ بِالْأَحْكَامِ الِابْتِدَائِيَّةِ الْخَالِيَةِ عَنْ أَسْبَابٍ لَمَّا اخْتَصَّتْ بِوَقْتٍ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ . وَالْوَاجِبُ تَنَاوُلُ الْجَوَابِ مَحَلِّ السُّؤَالِ ، وَالسَّبَبِ ، لَا الْمُطَابَقَةِ الْمَدْعَاةِ إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقْصِدَ الشَّارِعُ بِالزِّيَادَةِ عَنْ مَحَلِّ السَّبَبِ تَمْهِيدَ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ تَقْرِيرَهُ . كَمَا إِذَا قِيلَ : زَنَى أَوْ سَرَقَ فُلَانٌ ; فَقَالَ : مَنْ زَنَى فَارْجُمُوهُ ، وَمَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ . شرح مختصر الروضة الْمَسْأَلَةُ " الثَّانِيَةُ : الِاعْتِبَارُ فِيمَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ بِعُمُومِهِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ " . وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي " التَّنْقِيحِ " أَنَّ الْعُمُومَ إِذَا كَانَ مُسْتَقِلًّا دُونَ سَبَبِهِ ; فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ ، وَعَنْ مَالِكٍ : فِيهِ رِوَايَتَانِ . وَقَالَ فِي الشَّرْحِ : فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبٍ : يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ . لَا يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ . الثَّالِثُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَقِلِّ وَغَيْرِهِ ; فَالْمُسْتَقِلُّ لَا يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ كَقِصَّةِ عُوَيْمِرٍ حَيْثُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ ; فَنَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [ النُّورِ : 6 ] الْآيَةَ ، وَغَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ يَخْتَصُّ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ ؟ ، قَالُوا : نَعَمْ : قَالَ : فَلَا إِذَنْ . فَقَوْلُهُ : لَا إِذَنْ . كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ ; فَيَجِبُ ضَمُّهُ إِلَى السُّؤَالِ ، وَيَصِيرُ تَقْدِيرُهُ : لَا يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ ; لِأَنَّهُ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ . هَكَذَا فَهِمْتُ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي نَقَلْتُ مِنْهَا مُضْطَرِبًا . وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ تَفْصِيلًا كَثِيرًا . وَلْنَرْجِعْ إِلَى ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ . قَوْلُهُ : " لَنَا " ، أَيْ : عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ لَا يَخْتَصُّ بِهِ مُطْلَقًا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْحُجَّةَ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ لَا فِي سَبَبِهِ ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، وَجَبَ مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ عُمُومًا وَخُصُوصًا كَمَا لَوْ وَرَدَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ ; فَلَوْ سَأَلَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ ; فَقَالَ : كُلُّ نِسَائِي طَوَالِقُ ، عَمَّهُنَّ الطَّلَاقُ مَعَ خُصُوصِ السَّبَبِ . وَلَوْ سَأَلَهُ جَمِيعُ نِسَائِهِ الطَّلَاقَ ; فَقَالَ : فُلَانَةٌ طَالِقٌ ، اخْتَصَّ الطَّلَاقُ بِهَا وَإِنَّ عَمَّ السَّبَبُ ، وَكَذَا لَوْ قِيلَ : سَرَقَ زَيْدٌ ; فَقَالَ : مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ ، عَمَّ الْقَطْعُ مَعَ خُصُوصِ سَبَبِهِ ، وَلَوْ قِيلَ : سَرَقَ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةُ ; فَقَالَ : اقْطَعُوا سَارِقَ نِصَابٍ مِنْ حِرْزٍ ، لَاخْتَصَّ الْقَطْعُ بِهِ مَعَ أَنَّ سَبَبَهُ أَعَمُّ ; فَدَوَرَانُ الْحُكْمِ مَعَ اللَّفْظِ عُمُومًا وَخُصُوصًا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ " أَكْثَرَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْعَامَّةِ وَرَدَتْ لِأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ كَوُرُودِ حُكْمِ الظِّهَارِ فِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، وَحُكْمِ اللِّعَانِ فِي شَأْنِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ " ; فَلَوْ كَانَ السَّبَبُ الْخَاصُّ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْعَامِّ بِهِ ، لَمَا عَمَّتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ، لَكِنَّهُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ . فَإِنْ قِيلَ : لَعَلَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ عَمَّتْ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ . قُلْنَا : الْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ ، وَاللَّفْظُ الْعَامُّ صَالِحٌ لِلتَّعْمِيمِ ; فَتَجِبُ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : " قَالُوا " ، إِلَى آخِرِهِ . هَذِهِ حُجَّةُ الْخَصْمِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْعَامِّ بِسَبَبِهِ وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ الْخَاصِّ ، لَجَازَ إِخْرَاجُهُ ، أَيْ : إِخْرَاجُ السَّبَبِ بِالتَّخْصِيصِ ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ بِالتَّخْصِيصِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ ، لَمَا نَقَلَ الرَّاوِي السَّبَبَ ; لِأَنَّ نَقْلَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَدِيمَ الْفَائِدَةِ ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَقْلِهِ وَعَدَمِ نَقْلِهِ فِي عُمُومِ الْحُكْمِ ، لَكِنْ لَمَّا نَقَلَ الرُّوَاةُ أَسْبَابَ الْأَحْكَامِ ، وَحَافَظُوا عَلَى نَقْلِهَا ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ ، لَمَا أَخَّرَ بَيَانَ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِ السَّبَبِ ، بَلْ كَانَ يَكُونُ تَقْدِيمُ بَيَانِ الْحُكْمِ قَبْلَ وُقُوعِ سَبَبِهِ أَوْلَى ، لِيُصَادِفَ السَّبَبُ عِنْدَ وُقُوعِهِ حُكْمًا مُبَيَّنًا مُسْتَقِرًّا ، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ تَأَخَّرَ إِلَى حِينِ وُقُوعِ سَبَبِهِ ; فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّ الْحُكْمَ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ جَوَابٌ لَهُ ، وَجَوَابُ السُّؤَالِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لَهُ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِمَحَلِّ السَّبَبِ . قَوْلُهُ : " قُلْنَا " ، إِلَى آخِرِهِ . هَذَا جَوَابُ الْأَسْئِلَةِ الْمَذْكُورَةِ . أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ : لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ ، لَجَازَ إِخْرَاجُهُ بِالتَّخْصِيصِ ; فَبِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِي " الْمُخْتَصَرِ " ، وَهُوَ أَنَّ " السَّبَبَ أَخَصُّ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِهِ " ، لِاقْتِضَائِهِ لَهُ " فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ تَخْصِيصِهِ " ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ لَمَّا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، كَانَ قَذْفُهُ لَهَا سَبَبًا لِنُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ ، وَلَهُ بِهَا اخْتِصَاصُ السَّبَبِ بِالْمُسَبَّبِ ; فَلَوْ قِيلَ : لَا تُلَاعِنْ أَنْتَ وَلْيُلَاعِنْ غَيْرُكَ مِنَ النَّاسِ ; لَتَعَطَّلَتْ قَضِيَّتُهُ مَعَ أَنَّهَا سَبَبُ وُرُودِ الْحُكْمِ ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ . وَالْمُخْتَارُ فِي الْجَوَابِ : الْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ الْتِزَامُ جَوَازِ تَخْصِيصِ مَحَلِّ السَّبَبِ إِذَا قَامَ دَلِيلُهُ ، إِذِ التَّخْصِيصُ إِنَّمَا يَكُونُ بِدَلِيلٍ ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حَقِّ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَحُكْمَ الظِّهَارِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حُقِّ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، لَجَازَ ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا ، وَتَعَطُّلُ قَضِيَّتِهِمَا غَيْرُ لَازِمٍ ، لِجَوَازِ أَنْ يَحْكُمَ الشَّرْعُ فِيهِمَا بِحُكْمٍ غَيْرِ اللِّعَانِ وَالظِّهَارِ ، بِحَسَبِ مَا يَرِدُ بِهِ أَمْرُ الشَّرْعِ . وَلَوْ سَلَّمْنَا تَعَطُّلُ قَضِيَّتِهِمَا مِنْ حُكْمٍ ، لَمْ يَمْتَنِعْ لِجَوَازِ رَدِّهِمَا فِي ذَلِكَ إِلَى مَا قَبْلَ الشَّرْعِ مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ حَتَّى يَرِدَ الشَّرْعُ بِحُكْمٍ ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ . وَأَمَّا عَنِ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُمْ : لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ ، لَمَا نَقَلَهُ الرَّاوِي ، لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ - ; فَبِأَنْ نَقُولَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَقْلَ السَّبَبِ لَا فَائِدَةَ لَهُ ، بَلْ لَهُ فَوَائِدُ : مِنْهَا : بَيَانُ أَخَصِيَّةِ السَّبَبِ بِالْحُكْمِ ، أَيْ : أَنَّ السَّبَبَ أَخَصُّ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ صُوَرِهِ ; فَيَمْتَنِعُ تَخْصِيصُهُ عَلَى مَا سَبَقَ فِيهِ . وَمِنْهَا : مَعْرِفَةُ تَارِيخِ الْحُكْمِ بِمَعْرِفَةِ سَبَبِهِ ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ : قَذَفَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ امْرَأَتَهُ فِي سَنَةِ كَذَا ; فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ ; فَيُعْرَفُ تَارِيخُهَا بِذَلِكَ ، وَفِي مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ فَائِدَةُ مُعَرَّفَةِ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ كَمَا سَبَقَ . وَمِنْهَا : تَوْسِعَةُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ بِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ بِأَسْبَابِهَا ; فَيَكْثُرُ ثَوَابُ الْمُصَنِّفِينَ ، كَالَّذِينِ صَنَّفُوا أَسْبَابَ نُزُولِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُجْتَهِدِينَ بِسَعَةِ مَحَلِّ اجْتِهَادِهِمْ . وَمِنْهَا : التَّأَسِّي بِوَقَائِعِ السَّلَفِ وَمَا جَرَى لَهُمْ ; فَيَخِفُّ حُكْمُ الْمَكَارِهِ عَلَى النَّاسِ ، كَمَنْ زَنَتْ زَوْجَتُهُ فَلَاعَنَهَا ; فَهُوَ يَتَأَسَّى بِمَا جَرَى لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ . وَعُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ فِي ذَلِكَ ، وَيَقُولُ : هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنِّي ، وَقَدْ جَرَى لَهُمْ هَذَا ; فَلِي أُسْوَةٌ بِهِمْ . وَمِنْهَا : أَنَّ نَقْلَ السَّبَبِ يُؤَثِّرُ شُبْهَةً فِي وُقُوعِ مِثْلِ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْقَلِ السَّبَبُ ، لَمَا اتَّسَعَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَدَّعِيَ اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ ، وَهُوَ ، يَعْنِي الْخِلَافَ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ ، رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ وَتَخْفِيفٌ ، لِمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهَا مِنْ نَقْلِ السَّبَبِ ، وَإِذَا كَانَ لِنَقْلِهِ هَذِهِ الْفَوَائِدُ ، لَمْ يَصِحَّ قَوْلُكُمْ : إِنَّ نَقْلَهُ عَدِيمُ الْفَائِدَةِ ، لَوْلَا اخْتِصَاصُهُ بِسَبَبِهِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ نَقْلِهِ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِهِ . وَأَمَّا عَنْ الثَّالِثِ ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ : لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ ، لَمَا تَأَخَّرَ بَيَانُ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِهِ ; فَبِأَنْ نَقُولَ : تَأْخِيرُ بَيَانِ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِ السَّبَبِ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ ، أَيْ : مِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ الْأَزَلِيُّ ، وَتَعَلُّقُ الْأَزَلِيِّ بِالشَّيْءِ لَا يُعَلَّلُ ، كَتَخْصِيصِ وَقْتِ إِيجَادِ الْعَالِمِ بِهِ ; فَلَا يُقَالُ : لِمَ تَأَخَّرَ بَيَانُ اللِّعَانِ إِلَى وَقْتِ قَذْفِ هَذَا الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ ، وَلَمْ يَرِدْ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ ، كَمَا لَا يُقَالُ : لِمَ أَوْجَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الْعَالَمَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي أَوْجَدَهُ فِيهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ ؟ وَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِتَخْصِيصِ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ ، نَحْوَ : لِمَ خَلَقَ اللَّهُ هَذَا طَوِيلًا وَهَذَا قَصِيرًا ، وَكَانَ هَذَا الْجَبَلُ هَاهُنَا وَلَمْ يَكُنْ هَاهُنَا ؟ . وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِفَاتِهِ ، وَاعْتِرَاضٌ غَيْرُ جَائِزٍ . قَوْلُهُ : " وَإِلَّا انْتَقَضَ بِالْأَحْكَامِ الِابْتِدَائِيَّةِ الْخَالِيَةِ عَنْ أَسْبَابٍ " ، أَيْ : لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ : لِمَ اخْتَصَّ وُرُودُ هَذَا الْحُكْمِ بِوَقْتِ وُقُوعِ هَذَا السَّبَبِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ؟ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ فِي الْحُكْمِ الْوَارِدِ ابْتِدَاءً لَا عَلَى سَبَبٍ : لِمَ وَرَدَ الْآنَ دُونَ مَا قَبْلَهُ ؟ فَكَأَنْ يُقَالُ : لِمَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ سَنَةَ دُونَ مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ ; فَكَذَلِكَ السُّؤَالُ عَنِ الْحُكْمِ السَّبَبِيِّ لِمَ اخْتَصَّ بِوَقْتِ سَبَبِهِ لَا يَجُوزُ . وَأَمَّا عَنِ الرَّابِعِ ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ جَوَابُ سُؤَالٍ فَتَجِبُ مُطَابَقَتُهُ لَهُ ; فَبِأَنْ نَقُولَ : إِنْ عَنَيْتُمْ بِمُطَابَقَةِ الْحُكْمِ سَبَبَهُ أَنْ لَا يَكُونَ أَعَمَّ مِنْهُ وَلَا أَخَصَّ ; فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِالْمُطَابَقَةِ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُتَنَاوِلًا مَحَلَّ السُّؤَالِ وَالسَّبَبَ ; فَهُوَ صَحِيحٌ ، لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْجَوَابِ أَعَمَّ مِنْ سَبَبِهِ ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقْصِدَ الشَّارِعُ بِالزِّيَادَةِ عَنْ مَحَلِّ السَّبَبِ تَمْهِيدَ الْحُكْمِ وَتَقْرِيرَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، كَمَا إِذَا قِيلَ : " زَنَى فُلَانٌ أَوْ سَرَقَ فُلَانٌ ; فَقَالَ : مَنْ زَنَى ; فَارْجُمُوهُ ، وَمَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ " ، فَإِنَّ فُلَانًا قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ مَنْ ، وَتَنَاوَلَهُ الْجَوَابُ ، وَلَمْ يُنَافِ ذَلِكَ تَقْرِيرَ حُكْمِ الْقَطْعِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية