الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة احْتُجَّ بِأَنَّ تَارِكَ الزِّنَى مَمْدُوحٌ ، حَتَّى مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ ضِدِّيَّةِ تَرْكِ الزِّنَى ، فَلَيْسَ إِلَّا الْعَدَمُ . قُلْنَا : مَمْنُوعٌ ، بَلْ إِنَّمَا يُمْدَحُ عَلَى كَفِّ نَفْسِهِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ . شرح مختصر الروضة " احْتَجَّ " أَبُو هَاشِمٍ عَلَى أَنَّ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ ، " بِأَنَّ تَارِكَ الزِّنَى مَمْدُوحٌ ، حَتَّى مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ ضِدِّيَّةِ تَرْكِ الزِّنَى " أَيْ : يُمْدَحُ شَرْعًا وَعَقْلًا ، وَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ تَرْكَ الزِّنَى ضِدٌّ لِلزِّنَى ، بَلْ يَكُونُ غَافِلًا عَنْ ذَلِكَ ، وَمُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ فِي النَّهْيِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْمُكَلَّفِ ، وَقَصْدُ الشَّيْءِ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ تَصَوُّرِهِ ، وَتَصَوُّرُ ضِدِّ الشَّيْءِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ مُحَالٌ ، فَإِذَنْ " لَيْسَ " مُتَعَلِّقُ مَدْحِ تَارِكِ الزِّنَى ، وَلَا مُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ بِتَرْكِهِ " إِلَّا الْعَدَمُ " . وَالْجَوَابُ : أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَمْنُوعٌ ، بَلْ إِنَّمَا يُمْدَحُ تَارِكُ الزِّنَى عَلَى كَفِّ نَفْسِهِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، وَهُوَ فِعْلٌ كَمَا سَبَقَ . وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ كَفَّ نَفْسِهِ عَنِ الزِّنَى ، لَيْسَ مُتَعَلِّقَ مَدْحِهِ عَلَى تَرْكِهِ ، لَكِنْ ، لَا نُسَلِّمُ تَصَوُّرَ غَفْلَتِهِ عَنْ ضِدِّيَّةِ تَرْكِ الزِّنَى لِلزِّنَى ، لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا ، أَنَّ تَرْكَ الشَّيْءِ ، هُوَ الْإِعْرَاضُ الْبَدَنِيُّ أَوِ الْقَلْبِيُّ عَنْهُ ، وَالْإِعْرَاضُ فِعْلٌ ، فَمَنْ تَرَكَ الزِّنَى ، فَقَدْ أَعْرَضَ عَنْهُ ، وَذَلِكَ الْإِعْرَاضُ فِعْلٌ ، وَفِعْلُ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْمَدْحَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرًا لَهُ عِنْدَ إِيجَادِهِ ، وَإِذَا كَانَ تَارِكُ الزِّنَى مُتَصَوِّرًا لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ عِنْدَ تَرْكِهِ لَهُ ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَرْكِ الزِّنَى مُتَصَوِّرًا لِضِدِّيَّةِ تَرْكِهِ لَهُ ، لِأَنَّ ضِدَّ الشَّيْءِ مَا لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ ، وَعَدَمُ اجْتِمَاعِ الزِّنَى وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ مِنَ الْبَدِيهِيَّاتِ ، نَعَمْ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّ حَدَّ ضِدِّ الشَّيْءِ مَا لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَضُرُّ ، لِأَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ رَاجِعَةٌ إِلَى الْأَلْفَاظِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ ، لَا إِلَى الْحَقَائِقِ وَالذَّوَاتِ ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الْإِدْرَاكِيَّةِ مُتَصَوِّرٌ جَازِمٌ بِأَنَّ تَرْكَ الزِّنَى ضِدٌّ لَهُ . وَالْغَفْلَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي أَمْرٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ تَعْرِيفَ الضِّدِّ مَا هُوَ ؟ أَوْ أَنَّ مَا تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهُ مَعَ غَيْرِهِ ضِدٌّ لَهُ أَوْ لَا ؟ ثُمَّ عَلَى أَبِي هَاشِمٍ فِي حُجَّتِهِ سُؤَالَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ دَعْوَاكَ فِي أَنَّ مُتَعَلِّقَ التَّكْلِيفِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ كُلِّيَّةً ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَهَا بِمِثَالٍ جُزْئِيٍّ ، وَهُوَ مَدْحُ تَارِكِ الزِّنَى مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ أَنَّ تَرْكَهُ ضِدٌّ لَهُ ، وَالصُّوَرُ الْجُزْئِيَّةُ لَا تُثْبِتُ الدَّعَاوَى الْكُلِّيَّةَ ، إِذْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ : كُلُّ إِنْسَانٍ عَالِمٌ ، لِأَنَّ زَيْدًا عَالِمٌ ، أَوْ كُلُّ حَيَوَانٍ عَاقِلٌ ، لِأَنَّ نَوْعَ الْإِنْسَانِ عَاقِلٌ ، لَمَا صَحَّ ذَلِكَ . وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ الْفِعْلَ ، وَفِي بَعْضِهَا الْعَدَمَ ، فَقَدْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ تُبَرْهِنَ عَلَى عُمُومِ دَعَوَاكَ بِبُرْهَانٍ عَامٍّ . السُّؤَالُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : مُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ فِي النَّهْيِ ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْمُكَلَّفِ يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ عِنْدَهُ الْعَدَمُ الْمَحْضُ ، وَقَصْدُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، إِنَّمَا الْمُمْكِنُ قَصْدُ إِعْدَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَالْإِعْدَامُ فِعْلٌ كَمَا نَقُولُ نَحْنُ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعَدَمِ وَالْإِعْدَامِ ، كَمَا بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْإِيجَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية