الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الْعِلْمِ عَنْ أَهْلِهِ ، فَلِذَلِكَ طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : الْمُشَافَهَةُ ، وَهِيَ أَنْفَعُ الطَّرِيقَيْنِ وَأَسْلَمُهُمَا ؛ لِوَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : خَاصِّيَّةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ يَشْهَدُهَا كُلُّ مَنْ زَاوَلَ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءُ ، فَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ يَقْرَؤُهَا الْمُتَعَلِّمُ فِي كِتَابٍ ، وَيَحْفَظُهَا ، وَيُرَدِّدُهَا عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَفْهَمُهَا ; فَإِذَا أَلْقَاهَا إِلَيْهِ الْمُعَلِّمُ فَهِمَهَا بَغْتَةً ، وَحَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا بِالْحَضْرَةِ ، وَهَذَا الْفَهْمُ يَحْصُلُ إِمَّا بِأَمْرٍ عَادِيٍّ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالٍ ، وَإِيضَاحِ مَوْضِعِ إِشْكَالٍ لَمْ يَخْطُرْ لِلْمُتَعَلِّمِ بِبَالٍ ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ ، وَلَكِنْ بِأَمْرٍ يَهَبُهُ اللَّهُ لِمُتَعَلِّمٍ عِنْدَ مُثُولِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ ، ظَاهِرَ الْفَقْرِ ، بَادِيَ الْحَاجَةِ إِلَى مَا يُلْقَى إِلَيْهِ . وَهَذَا لَيْسَ يُنْكَرُ ; فَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ : إِنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا أَنْفُسَهُمْ عِنْدَمَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَحَدِيثُ حَنْظَلَةَ الْأُسَيْدِيِّ حِينَ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا عِنْدَهُ وَفِي مَجْلِسِهِ كَانُوا عَلَى حَالَةٍ يَرْضَوْنَهَا ، فَإِذَا فَارَقُوا مَجْلِسَهُ زَالَ ذَلِكَ عَنْهُمْ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي ; لَأَظَلَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا . وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : " وَافَقْتُ رَبِي فِي ثَلَاثٍ " ، وَهِيَ مِنْ فَوَائِدِ مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ ; إِذْ يُفْتَحُ لِلْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا لَا يُفْتَحُ لَهُ دُونَهُمْ ، وَيَبْقَى ذَلِكَ النُّورُ لَهُمْ بِمِقْدَارِ مَا بَقُوا فِي مُتَابَعَةِ مُعَلِّمِهِمْ ، وَتَأَدُّبِهِمْ مَعَهُ ، وَاقْتِدَائِهِمْ بِهِ ، فَهَذَا الطَّرِيقُ نَافِعٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ . وَقَدْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ لَا يَكْتُبُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ ; فَقِيلَ لَهُ : فَمَا نَصْنَعُ ؟ قَالَ : تَحْفَظُونَ وَتَفْهَمُونَ حَتَّى تَسْتَنِيرَ قُلُوبُكُمْ ، ثُمَّ لَا تَحْتَاجُونَ إِلَى الْكِتَابَةِ ، وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَرَاهِيَةُ الْكِتَابَةِ ، وَإِنَّمَا تَرَخَّصَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عِنْدَمَا حَدَثَ النِّسْيَانُ ، وَخِيفَ عَلَى الشَّرِيعَةِ الِانْدِرَاسُ . الطَّرِيقُ الثَّانِي : مُطَالَعَةُ كُتُبِ الْمُصَنِّفِينَ ، وَمُدَوِّنِي الدَّوَاوِينَ ، وَهُوَ أَيْضًا نَافِعٌ فِي بَابِهِ ; بِشَرْطَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِنْ فَهْمِ مَقَاصِدِ ذَلِكَ الْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ ، وَمَعْرِفَةِ اصْطِلَاحَاتِ أَهْلِهِ مَا يَتِمُّ لَهُ بِهِ النَّظَرُ فِي الْكُتُبِ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ مِنْ مُشَافَهَةِ الْعُلَمَاءِ أَوْ مِمَّا هُوَ رَاجِعٌ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : " كَانَ الْعِلْمُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْكُتُبِ ، وَمَفَاتِحُهُ بِأَيْدِي الرِّجَالِ " ، وَالْكُتُبُ وَحْدَهَا لَا تُفِيدُ الطَّالِبَ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ فَتْحِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ مُعْتَادٌ . وَالشَّرْطُ الْآخَرُ : أَنْ يَتَحَرَّى كُتُبَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُرَادِ ; فَإِنَّهُمْ أَقْعَدُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَأَصْلُ ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ ، وَالْخَبَرُ . أَمَّا التَّجْرِبَةُ ; فَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي أَيِّ عِلْمٍ كَانَ ; فَالْمُتَأَخِّرُ لَا يَبْلُغُ مِنَ الرُّسُوخِ فِي عِلْمٍ مَا يَبْلُغُهُ الْمُتَقَدِّمُ ، وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ كُلِّ عِلْمٍ عَمَلِيٍّ أَوْ نَظَرِيٍّ ، فَأَعْمَالُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي إِصْلَاحِ دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ عَلَى خِلَافِ أَعْمَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَعُلُومُهُمْ فِي التَّحْقِيقِ أَقْعَدُ ، فَتَحَقُّقُ الصَّحَابَةِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ كَتَحَقُّقِ التَّابِعِينَ ، وَالتَّابِعُونَ لَيْسُوا كَتَابِعِيهِمْ ، وَهَكَذَا إِلَى الْآنِ ، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ ، وَأَقْوَالَهُمْ ، وَحِكَايَاتِهِمْ أَبْصَرَ الْعَجَبَ فِي هَذَا الْمَعْنَى . وَأَمَّا الْخَبَرُ فَفِي الْحَدِيثِ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ مَعَ مَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ ; وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ ، ثُمَّ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ ، ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ ، ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ . وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا مَعَ قِلَّةِ الْخَيْرِ ، وَتَكَاثُرِ الشَّرِّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَيَنْدَرِجُ مَا نَحْنُ فِيهِ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ; أَنَّهُ قَالَ : " لَيْسَ عَامٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ، لَا أَقُولُ عَامٌ أَمْطَرُ مِنْ عَامٍ ، وَلَا عَامٌ أَخْصَبُ مِنْ عَامٍ ، وَلَا أَمِيرٌ خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ ، وَلَكِنْ ذَهَابُ خِيَارِكُمْ ، وَعُلَمَائِكُمْ ، ثُمَّ يَحْدُثُ قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ ، فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ ، وَيُثْلَمُ " . وَمَعْنَاهُ مَوْجُودٌ فِي [ الصَّحِيحِ ] فِي قَوْلِهِ : وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ ; فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ . قِيلَ : مَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ . وَفِي رِوَايَةٍ : قِيلَ : وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : الَّذِينَ يَصْلُحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ وَعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ : " إِنَّ لِلْإِسْلَامِ عُرًى يَتَعَلَّقُ النَّاسُ بِهَا ، وَإِنَّهَا تَمْتَلِخُ عُرْوَةً عُرْوَةً " . وَعَنْ بَعْضِهِمْ : " تَذْهَبُ السُّنَّةُ سُنَّةً سُنَّةً ، كَمَا يَذْهَبُ الْحَبْلُ قُوَّةً قُوَّةً " . وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ تَعَالَى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ الْآيَةَ [ النَّصْرِ : 1 ] . ثُمَّ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِيَخْرُجُنَّ مِنْ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا كَمَا دَخَلُوا فِيهِ أَفْوَاجًا " . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ; قَالَ : " أَتَدْرُونَ كَيْفَ يَنْقُصُ الْإِسْلَامُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، كَمَا يَنْقُصُ صِبْغُ الثَّوْبِ ، وَكَمَا يَنْقُصُ سِمَنُ الدَّابَّةِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : ذَلِكَ مِنْهُ " . وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ الْمَائِدَةِ : 3 ] بَكَى عُمَرُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ [ لَهُ ] : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا ، فَأَمَّا إِذَا كَمُلَ ; فَلَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا نَقَصَ . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : صَدَقْتَ . وَالْأَخْبَارُ هُنَا كَثِيرَةٌ ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى نَقْصِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ الْعِلْمُ ; فَهُوَ إِذًا فِي نَقْصٍ بِلَا شَكٍّ . فَلِذَلِكَ صَارَتْ كُتُبُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَكَلَامُهُمْ وَسِيَرُهُمْ - أَنْفَعُ لِمَنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِلْمِ ، عَلَى أَيِّ نَوْعٍ كَانَ ، وَخُصُوصًا عِلْمَ الشَّرِيعَةِ الَّذِي هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى ، وَالْوِزْرُ الْأَحْمَى ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية