الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              كُلُّ أَصْلٍ عِلْمِيٍّ يُتَّخَذُ إِمَامًا فِي الْعَمَلِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَجْرِيَ بِهِ الْعَمَلُ عَلَى مَجَارِي الْعَادَاتِ فِي مِثْلِهِ ، بِحَيْثُ لَا يَنْخَرِمُ مِنْهُ رُكْنٌ وَلَا شَرْطٌ ، أَوْ لَا ، فَإِنْ جَرَى فَذَلِكَ الْأَصْلُ صَحِيحٌ ، وَإِلَّا ; فَلَا . وَبَيَانُهُ أَنَّ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ إِنَّمَا يُرَادُ - بِالْفَرْضِ - لِتَقَعَ الْأَعْمَالُ فِي الْوُجُودِ عَلَى وَفْقِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ ، كَانَتِ الْأَعْمَالُ قَلْبِيَّةً أَوْ لِسَانِيَّةً أَوْ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ ، فَإِذَا جَرَتْ فِي الْمُعْتَادِ عَلَى وَفْقِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ فَهُوَ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عِلْمًا لِتَخَلُّفِهِ ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ انْقِلَابِ الْعِلْمِ جَهْلًا . وَمِثَالُهُ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي نَحْنُ فِي تَأْصِيلِ أُصُولِهِ : أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ فِي أُصُولِ الدِّينِ امْتِنَاعُ التَّخَلُّفِ فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَخَبَرِ رَسُولِهِ ، وَثَبَتَ فِي الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ ، وَأُلْحِقَ بِهِ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِمَا فِيهِ حَرَجٌ خَارِجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ ، فَإِذًا كَلُّ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ تَخَلَّفَ عَنْ جَرَيَانِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَجَارِي فَلَمْ يَطَّرِدْ ، وَلَا اسْتَقَامَ بِحَسَبِهَا فِي الْعَادَةِ ; فَلَيْسَ بِأَصْلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَلَا قَاعِدَةٍ يُسْتَنَدُ إِلَيْهَا . وَيَقَعُ ذَلِكَ فِي فَهْمِ الْأَقْوَالِ ، وَمَجَارِي الْأَسَالِيبِ ، وَالدُّخُولِ فِي الْأَعْمَالِ . فَأَمَّا فَهْمُ الْأَقْوَالِ ; فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [ النِّسَاءِ : 141 ] إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ ; لَمْ يَسْتَمِرَّ مُخْبَرُهُ لِوُقُوعِ سَبِيلِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَثِيرًا بِأَسْرِهِ وَإِذْلَالِهِ ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إِلَّا عَلَى مَا يُصَدِّقُهُ الْوَاقِعُ وَيَطَّرِدُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ تَقْرِيرُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، فَعَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [ الْبَقَرَةِ : 233 ] ، إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَقْرِيرُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ، اسْتَمَرَّ وَحَصَلَتِ الْفَائِدَةُ ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ بِشَأْنِ الْوَالِدَاتِ لَمْ تَتَحَكَّمْ فِيهِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا عُلِمَ قَبْلَ الْآيَةِ . وَأَمَّا مَجَارِي الْأَسَالِيبِ فَمِثْلُ قَوْلِهِ : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا إِلَخْ [ الْمَائِدَةِ : 93 ] . فَهَذِهِ صِيغَةُ عُمُومٍ تَقْتَضِي بِظَاهِرِهَا دُخُولَ كُلِّ مَطْعُومٍ ، وَأَنَّهُ لَا جُنَاحَ فِي اسْتِعْمَالِهِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ الْخَمْرُ ، لَكِنْ هَذَا الظَّاهِرُ يُفْسِدُ جَرَيَانَ الْفَهْمِ فِي الْأُسْلُوبِ ، مَعَ إِهْمَالِ السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ ; قَالَ : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا فَكَانَ هَذَا نَقْضًا لِلتَّحْرِيمِ فَاجْتَمَعَ الْإِذْنُ وَالنَّهْيُ مَعًا ، فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُكَلَّفِ امْتِثَالٌ . وَمِنْ هُنَا خَطَّأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْ تَأَوَّلَ فِي الْآيَةِ أَنَّهَا عَائِدَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْرِيمِ فِي الْخَمْرِ ، وَقَالَ لَهُ " إِذَا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ " . إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِلْمُكَلَّفِ : اجْتَنِبْ كَذَا ، وَيُؤَكَّدُ النَّهْيُ بِمَا يَقْتَضِي التَّشْدِيدَ فِيهِ جِدًّا ، ثُمَّ يُقَالُ : فَإِنْ فَعَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ . وَأَيْضًا ; فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَعَنِ الصَّلَاةِ ، وَتُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَيْنَ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ ، وَهُوَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ التَّحْرِيمِ كَالْمُنَافِي لِقَوْلِهِ : إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ الْمَائِدَةِ : 93 ] ; فَلَا يُمْكِنُ إِيقَاعُ كَمَالِ التَّقْوَى بَعْدَ تَحْرِيمِهَا إِذَا شُرِبَتْ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْحَرَجِ أَوْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ . وَأَمَّا الدُّخُولُ فِي الْأَعْمَالِ ; فَهُوَ الْعُمْدَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ إِذَا أَدَّى الْقَوْلُ بِحَمْلِهِ عَلَى عُمُومِهِ إِلَى الْحَرَجِ أَوْ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا ، فَهُوَ غَيْرُ جَارٍ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَلَا اطِّرَادٍ ، فَلَا يَسْتَمِرُّ الْإِطْلَاقُ ، وَهُوَ الْأَصْلُ أَيْضًا لِكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ ، لِمَا يَلْزَمُ فِي حَمْلِ مَوَارِدِهَا عَلَى عُمُومِهَا أَوْ إِطْلَاقِهَا مِنَ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ حَتَّى تُقَيَّدَ بِالْقُيُودِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاطِّرَادِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَتَصِحَّ ، وَفِي ضِمْنِهِ تَدْخُلُ أَحْكَامُ الرُّخَصِ ; إِذْ هُوَ الْحَاكِمُ فِيهَا ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ مَا تَدْخُلُهُ الرُّخْصَةُ وَمَا لَا . وَمَنْ لَمْ يُلَاحِظْهُ فِي تَقْرِيرِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ ; لَمْ يَأْمَنِ الْغَلَطَ ، بَلْ كَثِيرًا مَا تَجِدُ خَرْمَ هَذَا الْأَصْلِ فِي أُصُولِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْمُتَشَابِهَاتِ ، وَالطَّوَائِفِ الْمَعْدُودِينَ فِي الْفِرَقِ الضَّالَّةِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَعْتَرِي ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ وَالشُّيُوخِ الْمُتَقَدِّمِينَ . وَسَأُمَثِّلُ لَكَ بِمَسْأَلَتَيْنِ وَقَعَتِ الْمُذَاكَرَةُ بِهِمَا مَعَ بَعْضِ شُيُوخِ الْعَصْرِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ كَتَبَ إِلِيَّ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَغْرِبِ فِي فَصْلٍ يَتَضَمَّنُ مَا يَجِبُ عَلَى طَالِبِ الْآخِرَةِ النَّظَرُ فِيهِ ، وَالشُّغْلُ بِهِ ، فَقَالَ فِيهِ : " وَإِذَا شَغَلَهُ شَاغِلٌ عَنْ لَحْظَةٍ فِي صَلَاتِهِ ; فَرَّغَ سِرَّهُ مِنْهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ ، وَلَوْ كَانَ يُسَاوِي خَمْسِينَ أَلْفًا كَمَا فَعَلَهُ الْمُتَّقُونَ " . فَاسْتَشْكَلْتُ هَذَا الْكَلَامَ ، وَكَتَبْتُ إِلَيْهِ بِأَنْ قُلْتُ : أَمَّا أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِتَفْرِيغِ السِّرِّ مِنْهُ فَصَحِيحٌ ، وَأَمَّا أَنَّ تَفْرِيغَ السِّرِّ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ وَاجِبٌ ، فَلَا أَدْرِي مَا هَذَا الْوُجُوبُ ؟ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا بِإِطْلَاقٍ لَوَجَبَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الْخُرُوجُ عَنْ ضِيَاعِهِمْ ، وَدِيَارِهِمْ ، وَقُرَاهُمْ ، وَأَزْوَاجِهِمْ ، وَذُرِّيَّاتِهِمْ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ لَهُمْ بِهِ الشُّغْلُ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِلَى هَذَا ; فَقَدْ يَكُونُ الْخُرُوجُ عَنِ الْمَالِ سَبَبًا لِلشُّغْلِ فِي الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنْ شُغْلِهِ بِالْمَالِ . وَأَيْضًا ; فَإِذَا كَانَ الْفَقْرُ هُوَ الشَّاغِلُ فَمَاذَا يَفْعَلُ ; فَإِنَّا نَجِدُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَحْصُلُ لَهُ الشَّغْلُ بِسَبَبِ الْإِقْلَالِ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ لَا يَجِدُ إِلَى إِغَاثَتِهِمْ سَبِيلًا ، وَلَا يَخْلُو أَكْثَرُ النَّاسِ عَنِ الشُّغْلِ بِآحَادِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، أَفَيَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْخُرُوجُ عَمَّا سَبَّبَ لَهُمُ الشُّغْلَ فِي الصَّلَاةِ ، هَذَا مَا لَا يُفْهَمُ ، وَإِنَّمَا الْجَارِي عَلَى الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ طَلَبُ مُجَاهَدَةِ الْخَوَاطِرِ الشَّاغِلَةِ خَاصَّةً ، وَقَدْ يُنْدَبُ إِلَى الْخُرُوجِ عَمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَشْغَلَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ ، إِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ شَرْعًا ، وَكَانَ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فَقْدُهُ تَأْثِيرًا يُؤَدِّي إِلَى مِثْلِ مَا فَرَّ مِنْهُ أَوْ أَعْظَمَ ، ثُمَّ يُنْظَرُ بَعْدُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ الْوَاقِعِ فِيهَا الشُّغْلُ كَيْفَ حَالُ صَاحِبِهَا مِنْ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ أَوِ اسْتِحْبَابِهَا أَوْ سُقُوطِهَا ؟ وَلَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . اه حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ . فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ ذَلِكَ ; كَتَبَ إِلَيَّ بِمَا يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ فِيهِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِإِطْلَاقِ الْخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ غَيْرُ جَارٍ فِي الْوَاقِعِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ ; لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِمَادُهُ أَصْلًا فِقْهِيًّا أَلْبَتَّةَ . وَالثَّانِيَةُ : مَسْأَلَةُ الْوَرِعِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْخِلَافِ ; فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ يَعُدُّونَ الْخُرُوجَ عَنْهُ فِي الْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ مَطْلُوبًا ، وَأَدْخَلُوا فِي الْمُتَشَابِهَاتِ الْمَسَائِلَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا . وَلَا زِلْتُ مُنْذُ زَمَانٍ اسْتَشْكِلُهُ حَتَّى كَتَبْتُ فِيهَا إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَإِلَى إِفْرِيقِيَّةَ ; فَلَمْ يَأْتِنِي جَوَابٌ بِمَا يَشْفِي الصَّدْرَ ، بَلْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِشْكَالَاتِ الْوَارِدَةِ ; أَنَّ جُمْهُورَ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا اخْتِلَافًا يُعْتَدُّ بِهِ ، فَيَصِيرُ إِذًا أَكْثَرُ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ ، وَهُوَ خِلَافُ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ . وَأَيْضًا ; فَقَدْ صَارَ الْوَرَعُ مِنْ أَشَدِّ الْحَرَجِ ; إِذْ لَا تَخْلُو لِأَحَدٍ فِي الْغَالِبِ عِبَادَةٌ ، وَلَا مُعَامَلَةٌ ، وَلَا أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ التَّكْلِيفِ ، مِنْ خِلَافٍ يُطْلَبُ الْخُرُوجُ عَنْهُ ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ . فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ : بِأَنَّ الْمُرَادَ بِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ ؛ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ اخْتِلَافًا دَلَائِلُ أَقْوَالِهِ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَقَارِبَةٌ ، وَلَيْسَ أَكْثَرُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ هَكَذَا ، بَلِ الْمَوْصُوفُ بِذَلِكَ أَقَلُّهَا لِمَنْ تَأَمَّلَ مِنْ مُحَصِّلِي مَوَارِدِ التَّأَمُّلِ ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْمُتَشَابِهُ مِنْهَا إِلَّا الْأَقَلَّ ، وَأَمَّا الْوَرَعُ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ ، وَلَوْ فِي هَذَا النَّوْعِ فَقَطُّ - فَشَدِيدٌ مُشِقٌّ ، لَا يُحَصِّلُهُ إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ إِلَى كَثْرَةِ اسْتِحْضَارِ لَوَازِمِ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ، هَذَا مَا أَجَابَ بِهِ . فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ : بِأَنَّ مَا قَرَّرْتُمْ مِنَ الْجَوَابِ غَيْرُ بَيَّنٍ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجْرِي فِي الْمُجْتَهِدِ وَحْدَهُ ، وَالْمُجْتَهِدُ إِنَّمَا يَتَوَرَّعُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ لَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَقْوَالِ ، فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ ، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ ; فَقَدْ نَصَّ صَاحِبُ هَذَا الْوَرَعِ الْخَاصِّ عَلَى طَلَبِ خُرُوجِهِ مِنَ الْخِلَافِ إِلَى الْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْ أَفْتَاهُ أَفْضَلَ الْعُلَمَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ ، وَالْعَامِّيُّ فِي عَامَّةِ أَحْوَالِهِ لَا يَدْرِي مَنِ الَّذِي دَلِيلُهُ أَقْوَى مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ ، وَالَّذِي دَلِيلُهُ أَضْعَفُ ، وَلَا يَعْلَمُ هَلْ تَسَاوَتْ أَدِلَّتُهُمْ أَوْ تَقَارَبَتْ أَمْ لَا ; لِأَنَّ هَذَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ ، وَلَيْسَ الْعَامِّيُّ كَذَلِكَ ; وَإِنَّمَا بُنِيَ الْإِشْكَالُ عَلَى اتِّقَاءِ الْخِلَافِ الْمُعْتَدِّ بِهِ ، وَالْخِلَافُ الْمُعْتَدُّ بِهِ مَوْجُودٌ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ ، وَالْخِلَافُ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ قَلِيلٌ كَالْخِلَافِ فِي الْمُتْعَةِ ، وَرِبَا النَّسَاءِ ، وَمَحَاشِّ النِّسَاءِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَأَيْضًا ; فَتَسَاوِي الْأَدِلَّةِ أَوْ تَقَارُبُهَا أَمْرٌ إِضَافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنْظَارِ الْمُجْتَهِدِينَ ، فَرُبَّ دَلِيلَيْنِ يَكُونَانِ عِنْدَ بَعْضٍ مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ ، وَلَا يَكُونَانِ كَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضٍ ; فَلَا يَتَحَصَّلُ لِلْعَامِّيِّ ضَابِطٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِيمَا يَجْتَنِبُهُ مِنَ الْخِلَافِ مِمَّا لَا يَجْتَنِبُهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمُجْتَهِدِ ; لِأَنَّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنَ الِاجْتِنَابِ أَوْ عَدَمِهِ رَاجِعٌ إِلَى نَظَرِهِ وَاجْتِهَادِهِ ، وَاتِّبَاعُ نَظَرِهِ وَحْدَهُ فِي ذَلِكَ تَقْلِيدٌ لَهُ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْخِلَافِ ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ هَذَا الْمُجْتَهِدُ يَدَّعِي أَنَّ قَوْلَ خَصْمِهِ ضَعِيفٌ لَا يُعْتَبَرُ مِثْلُهُ ، وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِيمَا إِذَا رَاجَعَ الْمُجْتَهِدَ الْآخَرَ ، فَلَا يَزَالُ الْعَامِّيُّ فِي حَيْرَةٍ إِنِ اتَّبَعَ هَذِهِ الْأُمُورَ ، وَهُوَ شَدِيدٌ جِدًّا ، وَمَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشْكَلَ عَلَى السَّائِلِ ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ جَوَابُهُ بَعْدُ . وَلَا كَلَامَ فِي أَنَّ الْوَرَعَ شَدِيدٌ فِي نَفْسِهِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ الْتِزَامَ التَّقْوَى شَدِيدٌ ; إِلَّا أَنَّ شِدَّتَهُ لَيْسَتْ مِنْ جِهَةِ إِيقَاعِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، بَلْ مِنْ جِهَةِ قَطْعِ مَأْلُوفَاتِ النَّفْسِ وَصَدِّهَا عَنْ هَوَاهَا خَاصَّةً . وَإِذَا تَأَمَّلْنَا مَنَاطَ الْمَسْأَلَةِ وَجَدْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْوَرَعِ الْخَاصِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَرَعِ - بَيِّنًا ; فَإِنَّ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْوَرَعِ سَهْلٌ فِي الْوُقُوعِ ، وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فِي مُخَالَفَةِ النَّفْسِ ، وَوَرَعُ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ صَعْبٌ فِي الْوُقُوعِ قَبْلَ النَّظَرِ فِي مُخَالَفَةِ النَّفْسِ ; فَقَدْ تَبَيَّنَ مَقْصُودُ السَّائِلِ بِالشِّدَّةِ وَالْحَرَجِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَا أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ . اه . مَا كَتَبْتُ بِهِ ، وَهُنَا وَقَفَ الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ . وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا التَّقْرِيرَ ; عَرَفَ أَنَّ مَا أَجَابَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ لَا يَطَّرِدُ ، وَلَا يَجْرِي فِي الْوَاقِعِ مَجْرَى الِاسْتِقَامَةِ لِلُزُومِ الْحَرَجِ فِي وُقُوعِهِ ; فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَنَدَ إِلَيْهِ ، وَلَا يُجْعَلَ أَصْلًا يُبْنَى عَلَيْهِ . وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ ; فَاحْتَفِظْ بِهَذَا الْأَصْلِ ; فَهُوَ مُفِيدٌ جِدًّا ، وَعَلَيْهِ يَنْبَنِي كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْوَرِعِ ، وَتَمْيِيزِ الْمُتَشَابِهَاتِ ، وَمَا يُعْتَبَرُ مِنْ وَجْهِ الِاشْتِبَاهِ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ ، وَفِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ مَسَائِلُ تُحَقِّقُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية