الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 5 ] " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " [ حديث شريف ]

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤلف

الحمد لله على جزيل نعمائه ، أحمده على جليل آلائه ، وأشكره على جميل بلائه ، وأشهد - أن لا إله إلا هو شهادة أعدها ليوم لقائه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد رسله ، وخاتم أنبيائه - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأصفيائه - وأحمده على أن جعلني ممن سلك سنن سنته واقتفاه ، وورد شريعة شرعه فرواه ، حمد من غمرته نعمه وعمته عطاياه .

وبعد : فقد رغب إلي من وجب جوابه علي أن أجمع له مختصرا في الفقه على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان - رضي الله عنه وأرضاه - مقتصرا فيه على مذهبه ، معتمدا فيه على فتواه ، فجمعت له هذا المختصر كما طلبه وتوخاه ، وسميته : المختار للفتوى لأنه اختاره أكثر الفقهاء وارتضاه .

ولما حفظه جماعة من الفقهاء واشتهر ، وشاع ذكره بينهم وانتشر ، طلب مني بعض أولاد بني أخي النجباء أن أرمزه رموزا يعرف بها مذاهب بقية الفقهاء ، لتكثر فائدته ، وتعم عائدته ، فأجبته إلى طلبه ، وبادرت إلى تحصيل بغيته بعد أن استعنت بالله وتوكلت عليه واستخرته وفوضت أمري إليه ، وجعلت لكل اسم من أسماء الفقهاء حرفا يدل عليه من حروف الهجاء وهي :

لأبي يوسف ( س ) ولمحمد ( م ) ولهما ( سم ) ولزفر ( ز ) وللشافعي ( ف ) والله سبحانه وتعالى أسأل أن يوفقني لإتمامه ، ويختم لي بالسعادة عند اختتامه إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وهو حسبي ونعم الوكيل .

[ ص: 5 ]

التالي السابق


[ ص: 5 ] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي شرع لنا دينا قويما ، وهدانا إليه صراطا مستقيما ، وجعلنا من أهله تعلما وتعليما ، حمد من عمته رحمته وإفضاله ، وغمرته أعطيته ونواله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة أستزيد بها وفور نعمه ، وأسترفد بها وفور كرمه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي جمع بمبعثه شمل الحق بعد تفرقه ، وقمع برسالته حزب الباطل بعد تطوقه ، [ ص: 6 ] صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم الذين سلكوا سنن سننه وصوابه .

وبعد : فكنت جمعت في عنفوان شبابي مختصرا في الفقه لبعض المبتدئين من أصحابي . وسميته بـ " المختار للفتوى " اخترت فيه قول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - ، إذ كان هو الأول والأولى ، فلما تداولته أيدي العلماء ، واشتغل به بعض الفقهاء طلبوا مني أن أشرحه شرحا أشير فيه إلى علل مسائله ومعانيها ، وأبين صورها وأنبه على مبانيها ، وأذكر فروعا يحتاج إليها ويعتمد في النقل عليها ، وأنقل فيه ما بين أصحابنا من الخلاف ، وأعلله متوخيا موجزا فيه الإنصاف ، فاستخرت الله تعالى ، وفوضت أمري إليه ، وشرعت فيه ، مستعينا به ومتوكلا عليه ، وسميته :

الاختيار لتعليل المختار

وزدت فيه من المسائل ما تعم به البلوى ، ومن الروايات ما يحتاج إليه في الفتوى ، يفتقر إليها المبتدئ ، ولا يستغني عنها المنتهي .

والله سبحانه وتعالى أسأله أن يوفقني للإتمام والإصابة ، ويرزقني المغفرة والإنابة ، إنه قدير على ذلك وجدير بالإجابة ، وهو حسبي ، ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير .

[ ص: 7 ] بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة المؤلف

نسبه ومولده :

هو الإمام : عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود ، أبو الفضل مجد الدين الموصلي . ولد بالموصل سنة تسع وتسعين وخمسمائة للهجرة . والموصلي : نسبة إلى الموصل من بلاد جزيرة ابن عمرو .

شيوخه :

تلقى مبادئ العلوم على أبيه أبي الثناء محمود في الموصل . ثم رحل إلى دمشق الشام ، وهناك تلقى العلوم عن جمال الدين الحصيري .

مبلغه بين العلماء :

كان الإمام أبو الفضل منفردا في عصره في الفروع والأصول ، إذ كان عند الفتوى لا يحتاج إلى أن يراجع النصوص لحفظه لها ، ومعرفته التامة بفروع المذهب ، وبكيفية تطبيقها .

مؤلفاته :

صنف أولا كتابه ( المختار ) ألفه في شبابه ، واختار فيه قول الإمام أبي حنيفة ، فتداوله الناس ، ثم طلبوا منه شرحا ، فشرحه وسماه ( الاختيار ) أشار فيه إلى علل المسائل ومعانيها ، وذكر فيه فروعا يحتاج إليها ، ويعتمد في النقل عليها .

[ ص: 8 ] ومتن ( المختار ) هذا من المتون الأربعة التي كثر اعتماد المتأخرين عليها ، وهي . " الوقاية ، ومجمع البحرين ، والمختار ، وكنز الدقائق " .

وأما متن ( المختار ) الذي هو أصل ( الاختيار ) فقد اعتنى به العلماء :

فقد اختصره أبو العباس أحمد بن علي الدمشقي ، وسماه ( التحرير ) ثم شرحه ولم يكمله ، وتوفي سنة ( 782 ) هـ . وشرحه الجمال أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الموصلي الحنفي وسماه ( توجيه المختار ) . وشرحه ابن أبي القاسم القره حصارى الرومي . وشرحه محمد بن إلياس وسماه ( الإيثار لحل المختار ) . وكذا شرحه محمد بن إبراهيم بن أحمد المدعو بالإمام وسماه ( فيض الغفار ) وللزيلعي شرح عليه أيضا . وشرحه غير هؤلاء من العلماء .

درجته في العلوم .

يعد الإمام عبد الله بن محمود من المقلدين القادرين على التمييز بين القوي والضعيف ، وبين الراجح والمرجوح .

وظائفه ووفاته .

تولى القضاء في الكوفة ، ثم عزل ، ودخل بعدها بغداد ، ورتب الدرس بمشهد أبي حنيفة ، ولم يزل يفتي ويدرس فيها إلى أن مات في بغداد يوم السبت التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث وثمانين وستمائة للهجرة - رحمه الله تعالى - .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث