الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم يسر وأعن يا كريم

الحمد لله الذي أوضح لنا شرائع دينه ومن علينا بتنزيل كتابه وأمدنا بسنة رسوله حتى تمهد لعلماء الأمة أصول ، بنص ومعقول ، توصلوا بها إلى علم الحادث النازل ، وإدراك الغامض المشكل ، فلله الحمد على ما أنعم به من هدايته ، وصلواته على رسوله محمد وآله وأصحابه . ثم لما كان محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله عنه - قد توسط بحجتي النصوص المنقولة والمعاني المعقولة حتى لم يصره بالميل إلى أحدهما مقصرا عن الأخرى أحق ، وبطريقه أوثق . ولما كان أصحاب الشافعي رضي الله عنه قد اقتصروا على مختصر إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى المزني رحمه الله ، لانتشار الكتب المبسوطة عن فهم المتعلم ، واستطالة مراجعتها على العالم حتى جعلوا المختصر أصلا يمكنهم تقريبه على المبتدئ ، واستيفاؤه للمنتهي ، وجب صرف العناية إليه وإيقاع الاهتمام به . ولما صار مختصر المزني بهذه الحال من مذهب الشافعي ، لزم استيعاب المذهب في شرحه واستيفاء اختلاف الفقهاء المغلق به ، وإن كان ذلك خروجا عن مقتضى الشرح الذي يقتضي الاقتصار على إبانة المشروح ليصح الاكتفاء به ، والاستغناء عن غيره . وقد اعتمدت بكتابي هذا شرحه على أعدل شروحه وترجمته بـ " الحاوي " رجاء أن يكون حاويا لما أوجبه بقدر الحال من الاستيفاء والاستيعاب في أوضح تقديم وأصح ترتيب وأسهل مأخذ واحد في فصول . وأنا أسأل الله أكرم مسئول أن يجعل التوفيق لي مادة والمعونة هداية بطوله ومشيئته .

قال إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى المزني : اختصرت هذا من علم الشافعي من معنى قوله : لأقربه على من أراده مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه ، وبالله التوفيق .

قال " الماوردي " : ابتدأ المزني بهذه الترجمة في كتابه فاعترض عليه فيها من حساد الفضل من أغراهم التقدم بالمنازعة ، وبعثهم الاشتهار على المذمة ، وكان ممن اعترض عليه فيها " النهرماني " و " المغربي " و " القهي " وأبو طالب الكاتب ، ثم تعقبهم ابن داود فكان اعتراضهم فيها من وجوه : فأول وجوه اعتراضهم فيها أن قالوا : لم لم يحمد الله تعالى تبركا بذكره واقتداء بغيره ، واتباعا لما رواه الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر .

فالجواب عنه من خمسة أوجه :

أحدها : أن يقلب الاعتراض عليهم ، ويستعمل دليل الخبر في سؤالهم ، فيقال لهم : إن كان سؤالكم ذا بال فهلا قدمتم عليه حمد الله إلا أن يكون غير ذي بال ، فلا نعول عليه ، وكل سؤال انقلب على سائله كان مطرحا .

والجواب الثاني : أن حمد الله تارة يكون خطا ، وتارة يكون لفظا ، وهو أشبه الأمرين بظاهر الأمر ، والمزني ترك حمد الله خطا وقد ذكره لفظا حتى روي أنه كان يصلي ركعتين عند تصنيف كل باب .

والجواب الثالث : أن المزني قد حمد الله وسمى وأتى به كتابة ولفظا ، وقال : الحمد لله الذي لا شريك له ، الذي هو كما وصف وفوق ما يصفه به خلقه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فحذف ذلك بعض الناقلين .

والجواب الرابع : أن المراد بحمد الله إنما هو ذكر الله لأمرين : أحدهما :

أنه قد روي : لم يبدأ بذكر الله .

والثاني : يقدر استعماله ، لأن التحميد إن قدم على التسمية خولف فيه العادة ، وإن ذكر بعد التسمية لم يقع به البداية ، فثبت بهذين أن المراد به ذكر الله ، وقد بدأ بذكر الله في قوله بسم الله الرحمن الرحيم .

والجواب الخامس : أن الأمر به محمول على ابتداء الخطبة دون غيرها ، زجرا عما كانت الجاهلية عليه من تقديم المنثور والمنظوم والكلام المنثور ، وإنما كان لثلاثة أمور .

أحدها : ما روي أن أعرابيا خطب فترك التحميد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر .

والثاني : أن أول ما نزل من كتاب الله عز وجل قوله : اقرأ باسم ربك الذي خلق [ العلق : 1 ] . وقوله : ياأيها المدثر [ المدثر : 1 ] : وليس في ابتدائهما حمد الله فلم يجز أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كتاب الله تعالى دال على خلافه .

والثالث : أن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يكون بخلاف مخبره فقد قال : " فهو أبتر " وكتاب المزني أشهر كتاب صنف ، وأبدع مختصر ألف ، فعلم بهذه الأمور أنه محمول على الخطب دون غيرها من المصنفات والكتب .

فصل : والاعتراض الثاني أن قالوا : لم قال : اختصرت قبل اختصاره ؟ وهذا كذب . والجواب عنه من ثلاثة أوجه :

أحدهما : أنه ترجم كتابه بعد فراغه منه ، وأراد ما قد اختصر بالاختصار .

والجواب الثاني : أنه صور الكتاب في نفسه مختصرا أو أشار بالاختصار إلى ما في نفسه مختصرا .

والجواب الثالث : أنه قال : اختصرت بمعنى سأختصر ، والعرب تقول : فعلت بمعنى سأفعل ، قال الله تعالى أتى أمر الله فلا تستعجلوه [ النحل : 1 ] بمعنى سيأتي أمر الله . ونادى أصحاب الجنة [ الأعراف : 44 ] بمعنى سينادي أصحاب الجنة .

فصل : والاعتراض الثالث : إن قالوا : لم قال : اختصرت هذا ؟ و " هذا " كلمة موضوعة في اللغة إشارة إلى حاضر معين كما أن ذلك إشارة إلى غائب غير معين ، ولم يكن ثم حاضر يشير إليه . وهذا جهل باللغة ، وهو موضوع الكلام ، والجواب عنه من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه ترجم كتابه بعد الفراغ منه ، فصار ذلك منه إشارة إلى حاضر معين .

والثاني : أنه صوره في نفسه ، وأشار إلى ما يعين في ضميره .

والثالث : أن " هذا " وإن كان إشارة إلى حاضر معين فقد يستعمله العرب إشارة إلى غائب كما قال الله تعالى : هذا يوم الفصل [ المرسلات : 38 ] هذا يوم لا ينطقون [ المرسلات : 35 ] إشارة إلى يوم القيامة وإن لم يكن موضوعا حاضرا للإشارة إلى غائب كما قال الله تعالى : الم ذلك الكتاب [ البقرة : 1 - 2 ] يعني هذا الكتاب .

وكقول خفاف بن ندبة السلمي :


فإن تك حبلى قد أصبت حميمها فعمدا على عين تيممت مالكا     أقول له والرمح يأطر منه
تأمل خفافا إنني أنا ذلكا

يعني : إنني أنا هذا .

فصل : ثم يبدأ بشرح الترجمة فيقول : أما قوله " اختصرت هذا " فحد الاختصار هو تقليل اللفظ مع استبقاء المعنى ، وقال الخليل بن أحمد : هو ما دل قليله على كثيره ، وهي اختصار الاجتماعة ، كما سميت المختصرة لاجتماع السور فيها ، وسمي خصر الإنسان لاجتماعه ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة :


رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت     فيضحى وأما بالعشي فيخصر

معنى أنه مجتمع من شدة البرد . وأما " هذا " فهي كلمة إشارة تجمع حرفا واسما ، فالحرف الهاء الموضوعة للتنبيه ، والاسم ذا وهو من الأسماء المبهمة ، ولأجل ذلك حسن أن يفصل بينهما ، فنقول : هذا .

فإن قيل : فلم اختصر كتابه وهلا بسطه ، فإن المبسوط أقرب إلى الأفهام ، وأغنى عن الشرح .

قيل : إنما اختصره لأن المختصر أقرب إلى الحفظ ، وأبسط للقارئ ، وأحسن موقعا في النفوس ، ولذلك تداول إعجاز قوله عز وجل : ولكم في القصاص حياة [ البقرة : 179 ] لاختصار لفظه وإجماع معانيه وعجبوا من وجيز قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر [ الحجر : 94 ] . ومن اختصار قوله تعالى : ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي [ هود : 44 ] . وقالوا : إنها أخصر آية في كتاب الله تعالى . واستحسنوا اختصار قوله عز وجل : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين [ الزخرف : 71 ] كيف جمع بهذا اللفظ الوجيز بين جميع المطعومات وجميع الملبوسات . ولفضل الاختصار على الإطالة قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا " . وقال الحسن بن علي عليه السلام : خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل . غير أن للإطالة موضعا يحمد فيه ، ولذلك لم يكن كتاب الله عز وجل مختصرا به ، وقد قال الشاعر في بعض خطباء إياد :


يرمون بالخطب الطوال وتارة     وحي الملاحظ خيفة الرقباء

غير أن الاختصار فيما وضعه المزني أحمد . وقال الخليل بن أحمد : يختصر الكتاب ليحفظ ، ويبسط ليفهم .

فإن قيل : فقد شرط اختصار كتابه ، وقد أطال كثيرا منه ، فعنه جوابان :

أحدهما : أنه شرط اختصار علم الشافعي ، وقد اختصره وإنما أطال كلام نفسه .

والثاني : أن الحكم للأغلب ، والأغلب منه مختصر .

فصل : وأما قوله : " من علم الشافعي " فقد اعترض عليه من ذكرنا ، وقالوا : علم الشافعي لا يمكنه اختصاره لأمرين :

أحدهما : أنه مضمر في النفس وذلك مما لا يصل إليه .

والثاني : أن العلم عرض ، والعروض يستحيل اختصارها . وهذا الاعتراض فاسد بما سنذكره من مراد المزني به . واختلف أصحابنا في مراده ، فقال أبو إسحاق المروزي - رحمه الله - : أراد من كتب الشافعي فعبر بالعلم عن الكتب ، لأنه قد يوصل بها إلى العلم كما قيل في تأويل قوله تعالى : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا [ الأنعام : 48 ] أي من كتاب ، وقال أبو علي بن أبي هريرة : أراد من معلوم الشافعي ، فعبر عنه بالعلم ، لأنه حادث على العلم كما قيل في تأويل قوله عز وجل : ولا يحيطون بشيء من علمه ، أي من معلومه ، ومعلوم الشافعي ما أخذ عنه قولا ورسما .

فصل : اعتراض ورد

وأما قوله : " ومن معنى قوله " فقد اعترض فيه من ذكرنا ، وقالوا : المعنى هو صفة الحكم واختصاره مبطل له . وهذا جهل بمقصود الكلام . وقد اختلف أصحابنا في مراد المزني بما اختصره من معنى قوله على ثلاثة أوجه :

أحدها : أن اختصار المعنى هو أن يعبر عنه بأوجز لفظ ، وأخصر كلام . وقد أفصح المزني بهذا في أول جامعه الكبير فقال : وليس اختصار المعاني هو ترك بعضها والإتيان بالبعض ، ولكن الإتيان بالمعاني بألفاظ مختصرة .

والوجه الثاني : أن اختصاره المعنى غير راجع إلى لفظه ، وإنما هو راجع إلى عينه .

ولمن قال بهذا في كيفيته ثلاثة مذاهب .

أحدها : أنه اختصر المعنى بإيراد إحدى دلائل المسألة دون جميعها فيكون ذلك اختصارا لها ، وإلى هذا أشارأبو إسحاق المروزي .

والثاني : أن الحكم إذا ثبت لمعنيين ، مثل الكلب الميت هو نجس ، لأنه كلب ، ولأنه ميت ، اختصر ذلك بإيراد أحد المعنيين ، وإلى هذا أشار أبو علي بن أبي هريرة .

والثالث : أن يعلل الأصول بمعنى يجمع أصولا يستغنى به عن تعليل كل أصل منها ، بمعنى مفرد . مثل قوله صلى الله عليه وسلم " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " فعلل إثبات النية في الصوم بأنه عمل مقصود في عينه يصير التعليل بهذا المعنى موجبا لإثبات النية في الطهارة والصلاة والزكاة والحج والصيام ولا يحتاج أن تختصر كل عبادة منها بمعنى يوجب النية فيها فيكون هذا اختصارا للمعنى .

والوجه الثالث : أن قوله : " ومن معنى قوله " يريد : على معنى قوله : فيكون " من " بمعنى " على " ، كما قال الله تعالى : ونصرناه من القوم الذين كذبوا [ الأنبياء : 77 ] . أي على القوم الذين كذبوا ، فيكون معناه : أنه لما اختصر منصوصات الشافعي اختصر على معنى قوله فروعا من عنده كما فعل في الحوالة والضمان والشركة والشفعة .

فصل : وأما قوله : " لأقربه على من أراده " فمعناه : لأسهله على فهم من أراده ، لأن التقريب يستعمل على أحد وجهين :

إما على تقريب الداني من البعيد .

وإما تقريب التسهيل على الفهم ، وهذا مراد المزني دون الأول لأمرين .

أحدهما : أن المقصود بتقريب العلم إنما هو تسهيله على الفهم لا الأدنى من البعد .

والثاني : أنه قال : على من أراده . وتقريب الأدنى ، فقال فيه : من أراده . فأما الهاء التي في : " أقربه " " وأراده " ، فهما كنايتان اختلف الأصحاب فيما يرجعان إليه على ثلاثة أوجه :

أحدها : أنهما كنايتان يرجعان إلى العلم فيكون تقدير الكلام : لأقرب علم الشافعي باختصار هذا الكتاب على من أراد العلم .

والثاني : أنهما كنايتان يرجعان إلى الكتاب ويكون تقدير الكلام : لأقرب هذا الكتاب باختصاره ، على من أراده .

والثالث : أن الكناية الأولى ترجع إلى العلم ، ويكون تقدير الكلام : لأقرب هذا الكتاب باختصاره على من أراد العلم . وخص به المريد ، لأن غير المريد لا يقرب على فهمه .

فصل : وأما قوله : " مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره " ففيه خمس كنايات : منهن كنايتان في " إعلامية " وهما الياء والهاء ، وثلاث كنايات في نهيه وتقليده وغيره فلا يختلف أصحابنا في أن الياء كناية راجعة وأن الهاء في تقليده وغيره كنايتان راجعتان إلى الشافعي وإنما اختلفوا في الهاء التي في إعلامه ، وفي الهاء التي في نهيه ، إلى ما ترجع الكناية بهما على ثلاثة أوجه :

أحدها : أنهما كنايتان راجعتان إلى الشافعي أيضا ويكون تقدير الكلام : مع إعلام الشافعي ونهي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره من الفقهاء ، وهذا قول أبي الطيب بن سلمة رحمه الله .

والثاني : أنهما كنايتان راجعتان إلى المزيد عن تقليد الشافعي وتقليد غيره ، وهذا حكاه ابن أبي هريرة رحمه الله .

والوجه الثالث : أن الهاء التي في " إعلامية " كناية راجعة إلى المزيد ، والهاء التي في نهيه كناية راجعة إلى الشافعي ، ويكون تقدير الكلام : مع إعلامي المزيد من نهي الشافعي عن التقليد ، وهذا قول أبي إسحاق المروزي وجمهور أصحابنا فيكون النهي عن التقليد صادرا عن الشافعي إلى المزني والمريد .

فصل : فإن قيل : فلم نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره ، وتقليده جائز لمن استفتاه من العامة ، ويجوز له ولغيره تقليد الصحابة ؟

قيل : أما التقليد فهو قبول قول بغير حجة : مأخوذ من قلادة العنق . وإطلاق هذا النهي محمول على ما نصفه من أحوال التقليد فنقول : اعلم أن الكلام في التقليد ينقسم قسمين .

قسم فيما يجوز فيه التقليد وفيما لا يجوز .

وقسم فيمن يجوز تقليده ، وفيمن لا يجوز . فأما القسم الأول فينقسم إلى ثلاثة أقسام .

قسم يجوز فيه التقليد .

وقسم لا يجوز فيه التقليد .

وقسم يختلف باختلاف حال المقلد والمقلد . فأما ما لا يجوز فيه التقليد فتوحيد الله تعالى ، وإثبات صفاته ، وبعثه أنبياءه ، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ، لأنه قد يستدل عليه بالعقل الذي يشترك فيه جميع المكلفين ، فصار جميع أهل التكليف من أهل الاجتهاد فيه لاشتراكهم في العقل المؤدي إليه ، فلم يجز لبعضهم تقليد بعض ، كالعلماء الذين لا يجوز لبعضهم تقليد بعض ، لاشتراكهم في آلة الاجتهاد المؤدية إلى أحكام الشرع .

وأما ما يجوز فيه التقليد فالأخبار ، وهي تنقسم إلى قسمين : أخبار تواتر وأخبار آحاد . فأما أخبار التواتر فخارج عن حد التقليد لحصول العلم الضروري به .

وأما خبر الواحد فتقليد المخبر به إذا كان ظاهر الصدق جائز : لأنه لما دعت الضرورة فيما غاب إلى قبول الخبرية لعدم الدلالة عليه ، جاز التقليد فيه . ومن أصحابنا من منع أن

يكون خبر الواحد تقليدا ؛ لأنه لا يقع التسليم لقوله إلا بعد الاجتهاد في عدالته فصار قوله مقبولا بدليل ، وهذا اختيار ابن أبي هريرة ، وهو خطأ ؛ لأن عدالة المخبر ليست بدليل على صحة الخبر كما لا يكون عدالة العالم دليلا على صحة فتواه ، وإنما الدليل ما اختص بالقول المقبول من خبر أو حكم ما اختص بالقائل من عدالة وصدق .

وأما ما اختلف باختلاف حال المقلد والمقلد فالأحكام الشرعية التي تنقسم إلى تحليل وتحريم وإباحة وحظر واستحباب وكراهية ووجوب وإسقاط ، فالتقليد فيها مختلف باختلاف أحوال الناس من فهم آلة الاجتهاد المؤدي إليه أو عدمه ؛ لأن طلب العلم من فرض الكفاية ولو منع جميع الناس من التقليد وكلفوا الاجتهاد لتعين فرض العلم على الكافة ، وفي هذا حل نظام وفساد ، ولو جاز لجميعهم الاجتهاد لبطل الاجتهاد ، وسقط فرض العلم ،

وفي هذا تعطيل الشريعة وذهاب العلم ، فكذلك ما وجب الاجتهاد على من نفع به كفاية ليكون الباقون تبعا ومقلدين . قال الله تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون فلم يسقط الاجتهاد عن جميعهم ولا أمر به كافتهم .

فصل : وأما القسم الثاني فينقسم ثلاثة أقسام :

قسم فيمن لا يجوز تقليده .

وقسم فيمن يجوز تقليده .

وقسم يختلف باختلاف حال السائل والمسئول .

فأما من لا يجوز تقليدهم فهم العامة الذين عدموا آلة الاجتهاد ، فلا يجوز تقليدهم في شيء من أحكام الشرع ، لأنهم بعدم الآلة لا يفرقون بين الصواب والخطأ ، كالأعمى الذي لا يجوز للبصير أن يقلده في القبلة ، لأنه بفقد البصر لا يفرق بين القبلة وخطئها . فلو أن رجلا من العامة استفتى فقيها في حادثة فأفتاه بجوابها فاعتقده العامي مذهبا لم يجز له أن يفتي به ، ولا لغيره أن يقلده فيه ، وإن كان معتقدا له ، لأنه غير عالم بصحته ، ولكن يجوز له الإخبار به . فلو علم حكم الحادثة ودليلها ، وأراد أن يفتي غيره بها فقد اختلف أصحابنا هل يجوز له تقليده فيها ؟ على ثلاثة مذاهب :

أحدها : يجوز لأنه قد وصل إلى العلم به بمثل وصول العالم إليه .

والمذهب الثاني ، وهو أصح : لا يجوز : لأنه قد يكون هناك دلالة تعارضها هي أقوى منها .

والمذهب الثالث : أنه إن كان الدليل عليها نصا من كتاب الله تعالى أو سنة جاز تقليده فيها واستفتاؤه في حكمها ، وإن كان نظرا أو استنباطا لم يجز .

فصل . من يجوز تقليدهم

وأما من يجوز تقليدهم فهم أربعة أصناف :

أحدها : النبي صلى الله عليه وسلم فيما شرعه وأمر به .

والصنف الثاني : المخبرون عنه فيما أخبر به .

والصنف الثالث : المجمعون فيما أجمعوا عليه .

والصنف الرابع : الصحابة فيما قالوه وفعلوه .

فأما الأول وهو النبي صلى الله عليه وسلم فتقليده فيما شرعه وأمر به واجب لقوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ الحشر : 7 ] . ومنع أصحابنا من أن يكون المأخوذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقليدا لقيام الدليل على صدقه : وهذا غير صحيح ، لأن ما أمر به ونهى عنه لا يسأل عن دليل فيه ، وهذه صفة التقليد ، ولكن اختلف أصحابنا في الأحكام المأخوذة عنه هل يجوز أن يأمر بها اجتهادا أم لا ؟ .

فقال بعضهم : يجوز له الاجتهاد فيها ، لأن الاجتهاد فضيلة تقتضي الثواب فلم يجز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ممنوعا منها .

وقال آخرون : لا يجوز له الاجتهاد وإنما يشرع الأحكام بوحي الله تعالى وعن أمره لقوله تعالى : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [ النجم : 3 ، 4 ] .

واختلفوا أيضا هل لأهل الاجتهاد في عصره أن يجتهدوا في الأحكام أم يلزمهم سؤاله ولا يجوز لهم الاجتهاد ؟ على ثلاثة مذاهب :

أحدها : يجوز لهم الاجتهاد لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : " بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيي ، فقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله " .

والمذهب الثاني : لا يجوز لهم الاجتهاد ، لأن الاجتهاد يجوز مع عدم النص ، والنص ممكن في عصره بسؤاله .

والمذهب الثالث : يجوز لمن بعد ، ولا يجوز لمن قرب منه ، لإمكان السؤال على من قرب ، وتعذره على من بعد .

فصل : الصنف الثاني

وأما الصنف الثاني وهم المخبرون عنه فتقليدهم فيما أخبروا به ورووه عنه واجب إن كان المخبر واحدا ، وقال بعض الناس ممن لا يقول بأخبار الآحاد : إني لا أقبل إلا خبر اثنين حتى يتصل ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه عليه السلام لم يعمل على خبر ذي اليدين في سهوه في الصلاة حتى سأل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ، ولم يعمل أبو بكر على خبر المغيرة في إعطاء الجدة السدس حتى أخبره محمد بن سلمة . وهذا خطأ ، لأن الصحابة قد عملت على خبر عائشة في التقاء الختانين وعمل عمر على خبر حمل بن مالك في دية الجنين ، وليس فيما ذكروه من العدول عن خبر الواحد دليل على العدول عن خبر كل واحد ، فإذا ثبت أن خبر الواحد مقبول فلا يجوز العمل به إلا بعد ثبوت .

وقال أبو حنيفة : إذا علم إسلامه جاز العمل بخبره ، وقبول شهادته من غير سؤال عن عدالته ، لأن الأعرابي لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤية الهلال ، فقال : " أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : نعم ، وتشهد أني محمد رسول الله ؟ قال : نعم " فقبل خبره وصام وأمر الناس بالصيام لما علم إسلامه من غير سؤال عن عدالته . وهذا الذي قاله خطأ ، لأن المسلم يكون على صفة لا يجوز معها قبول خبره ، كما أن المجهول قد يكون غير مسلم فلا يجوز قبول خبره ، فلما لم يجز قبول خبر المجهول إلا بعد ثبوت إسلامه لم يجز قبول خبر المسلم إلا بعد ثبوت عدالته ، فأما خبر الأعرابي فيجوز أن يكون أسلم في الحال فكان عدلا على أن الظاهر من أحوال المسلمين في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم العدالة بخلاف الأعصار من بعده ، فإذا ثبت أن العدالة شرط في قبول خبره فلا فرق بين الحر والعبد ، والرجل والمرأة .

فأما الصبي فخبره غير مقبول : لأن قوله لا يلزم به حكم ، ولكن لو سمع صغيرا وروى كبيرا جاز ، فقد كان سمع ابن عباس وابن زبير قبل بلوغهما ، فقبل المسلمون أخبارهما ، ولا يصح للمخبر أن يروي إلا بعد أحد أمرين : إما أن يسمع لفظ من أخبره ، وإما أن يقرأ عليه فيعترف به ، وإما بالإجازة فلا يجوز أن يروي عنه ، ومن أصحاب الحديث من أجاز الرواية بالإجازة ومنهم من قال : إن كانت الإجازة بشيء معين جاز أن يرويه وإن كانت عامة لم يجز . وهو يروي كتبا في السنن ، أو يقول : أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي ، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم .

وقال آخرون : إن دفع المحدث الكتاب من يده ، وقال : قد أجزتك هذا جاز أن يرويه وإن لم يدفعه إليه من يده لم يجز ، وكل هذا عند الفقهاء غلط لا يجوز الأخذ به ولا العمل عليه إلا أن يقويه المحدث ، أو يقرأ عليه ، لأن ما في الكتاب مجهول قد يكون فيه الصحيح والفاسد ، ولو صحت الإجازة لبطلت الرحلة ، ولا يستغني الناس بها عن الطلب ومعاناة السماع ، فإذا سمع على الوجهين الذي ذكرنا وكتبه جاز أن يرويه من كتابه إذا وثق به ، وعرف خطه وإن لم يكن حافظا لما يرويه ، ولا ذاكرا له ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز أن يروي عن خطه ، وإن عرفه إلا أن يذكره ويحفظه ، كما لا يجوز أن نشهد بمعرفة خطه حتى يذكر ما نشهد به ، وهذا فاسد بالأثر المعمول عليه والاعتبار المأخوذ به فالأثر ما عمل عليه المسلمون فيما أخذوه من أحكامهم ، من كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها كتابه إلى عمرو بن حزم ومنها الصحيفة التي أخذها أبو بكر من قراب سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في نصف الزكاة فلما جاز ذلك في الأحكام ، وإن لم يجز في الشهادة جاز أن يعمل عليه فيما رواه على خطه وإن لم يجز أن نشهد بخطه . وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قيدوا العلم بالكتاب فلولا أن الرجوع إليه عند النسيان جائز لم يكن لتقييده بالخط فائدة ، ولأن المسلمين لم يزالوا على قديم الزمان وحدوثه يسمعون عمن حدث من كتابه فلا ينكرونه ولا يجتنبون سماعه فصار ذلك منهم إجماعا ، ولأنه لما جاز أن يروي عن سماع صوت المحدث ، وإن لم يره لرحمه أو لذهاب بصره بخلاف الشهادة جاز أن يروي من خطه الموثوق به بخلاف الشهادة .

فصل : الصنف الثالث

وأما الصنف الثالث وهم المجمعون على حكم فتقليدهم على ما أجمعوا عليه واجب ، وفرض الاجتهاد عنا فيه ساقط ، لكون الإجماع حجة لا يجوز خلافها ولا وجه لما قاله النظام وذهب إليه الخوارج من إبطال الإجماع وإسقاط الاحتجاج به ، استدلالا بتجويز الخطأ على جميع الصحابة إلا واحدا وهو على الآخر لجوز ، فلما كان خلاف الجميع إلا واحدا جاز خلافهم مع الواحد لأن هذه شبهة فاسدة يبطلها النص ويفسدها الدليل . قال الله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [ النساء : 115 ] .

فتوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين ومن جوز خلاف الإجماع فقد اتبع غير سبيل المؤمنين . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " ومن أبطل الإجماع جعلهم مجتمعين على ضلال ، ولأن الإجماع من الكافة مع اختلاف أغراضهم لا يجوز أن يكون إلا عن دليل يوجب اتفاقهم ، ولا يخلو ذلك الدليل من أن يكون مقطوعا به ، أو غير مقطوع ، فإن كان مقطوعا به لم يجز خلافه ، وإن كان غير مقطوع به لم يجز تركه إلا بما هو أظهر منه ، وذلك غير جائز من وجهين :

أحدهما : أن من وصل إلى الأخفى كان وصوله إلى الأظهر أولى .

والثاني : أنه لا يجوز أن يخفى على الكافة دليل ظاهر ، ويكون الواحد به ظافرا .

فإذا ثبت أن الإجماع حجة فهو على ضربين :

أحدهما : ما علم من دين الرسول ضرورة كوجوب الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، والحج ، وتحريم الربا ، وشرب الخمر ، فهذا يجب الانقياد إليه من غير اعتبار الإجماع فيه ، لأن ما علم حكمه ضرورة لو صور أن الأمة خالفته لكانوا محجوبين به فصار حكمه ثابتا بغير الإجماع لكونه حجة على الإجماع .

والضرب الثاني : ما لم يعلم من ضرورة وذلك على ضربين :

أحدهما : ما اشترك فيه الخاصة والعامة في معرفة حكمه كأعداد الركعات ، ومواقيت الصلوات ، وستر العورة ، وتحريم بنت البنت ، كالبنت ، وإحلال بنت العم ، بخلاف العمة ، فهذا يعتبر فيه إجماع العلماء ، وهل يكون إجماع العامة معهم معتبرا فيه ؟ لولا وفاقهم عليه ما ثبت إجماعا على وجهين لأصحابنا .

أحدهما : أن إجماعهم معتبر في انعقاده ولولاه ما ثبت إجماع لاشتراكهم والعلماء في العلم به .

والوجه الثاني : وهو أصح أن إجماعهم فيه غير معتبر ، وهو منعقد بإجماع العلماء دونهم ، لأن الإجماع إنما يصح إذا وقع عن نظر واجتهاد ، وليس العامة من أهل الاجتهاد فلم يكونوا من أهل الإجماع ، ولأن الإجماع يكون معتبرا بمن يكون خلافه مؤثرا ، وخلاف العامة غير مؤثر ، فكان إجماعهم غير معتبر .

والضرب الثالث : ما اختص بالعلماء بمعرفة حكمه دون العامة كنصب الزكاة ، وتحريم المرأة على خالتها وعمتها ، وإبطال الوصية للوارث ، فالمعتبر فيه إجماع العلماء من أهل الاجتهاد والفتيات دون العامة ، واختلف أصحابنا هل يراعى فيه إجماع غير الفقهاء ومن المتكلمين أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : يراعى إجماعهم فيه ويؤثر خلافهم ، لأنهم من أهل الاجتهاد ، ولهم معرفة باعتبار الأصول .

والوجه الثاني : أن إجماع المتكلمين فيه غير معتبر ، وخلافهم فيه غير مؤثر ، لأن الفقهاء أقوم بمعرفة الأحكام ، وأكثر حفظا للفروع ، وأكثر ارتياضا بالفقه ، فإذا ثبت أن أهل الاجتهاد من العلماء هم المعتبرون في انعقاد الإجماع فخالف منهم واحد لم ينعقد الإجماع ، لأن ابن عباس خالف الصحابة في مسائل ، ولم يجعلوا أقواله حجة عليهم ، لتفرده بالخلاف فيه ، ولكن اختلفوا هل يكون خلاف الواحد مانعا من انعقاد الإجماع مشروطا بعدم الإنكار أبدا ؟ فقالت طائفة : إنما يمنع خلاف الواحد إن أنكره من انعقاد الإجماع ما لم يظهر من الباقين إنكار ، فيكون ترك التكبير منهم دليلا على جواز الخلاف فيهم ، فأما من أنكروه عليه كان محجوبا بهم .

وقال آخرون : بل قد ارتفع الإجماع بخلاف الواحد سواء أنكروا قوله عليه ، أو لم ينكروه ، لأن ممن شهد لله بالحق ، ولأن قول الأقل غير محجوج بالأكثر ، كذلك قول الواحد وإن كان فيهم من جعل قول الأكثر أولى بالحق من قول الأقل ، وهكذا لو أجمعوا ثم رجع أحدهم بطل الإجماع ، لأن الإجماع من أهل العصر حجة على غيرهم ، وليس بحجة عليهم .

ثم اعلم أن إجماع كل عصر حجة ، وخص أهل الظاهر الإجماع بعد الصحابة ، وهذا خطأ ، لأن كل عصر حجة على من بعدهم فلو جاز عليهم الخطأ فيما أجمعوا حتى لا ينعقد الإجماع به لبطل التبليغ ولما وجب أن يكون كل عصر حجة على من بعدهم فعلى هذا لو اختلف الصحابة على قولين في حادثة أجمع التابعون فيها على أحدهما فقد اختلف أصحابنا : هل ينعقد الإجماع بهم بعد خلاف الصحابة قبلهم ، فذهب أبو العباس ابن سريج وكثير من أصحاب الشافعي إلى أن الإجماع قد انعقد والخلاف المتقدم قد ارتفع ؛ لأنه لما كان إجماع العصر الثاني حجة مع عدم الخلاف في العصر الأول وجب أن يكون حجة مع وجود الخلاف في العصر الأول ؛ لأن ما كان حجة لا يختلف باختلاف الأعصار وذهب أبو بكر الصيرفي وطائفة من أصحاب الشافعي إلى أن حكم الخلاف باق ، والإجماع غير منعقد ، لأن إجماع الصحابة على قولين : إجماع منهم على تسويغ القول بكل واحد من القولين ، فلم يجز أن يكون إجماع التابعين مبطلا لإجماع الصحابة ، ولأن الإجماع الثاني لو رفع القول الآخر ، كان نسخا ، ولا يجوز حدوث النسخ بعد ارتفاع الوحي ، وعلى هذا لو أدرك أحد التابعين عصر الصحابة وكان من أهل الاجتهاد فخالفهم فيما أجمعوا عليه فقد اختلف أصحابنا هل يكون ذلك مانعا من انعقاد الإجماع أو لا ؟ على ثلاثة مذاهب :

أحدها : أن الإجماع منعقد ، وأن خلاف التابعي غير مؤثر ، لأن عائشة رضي الله عنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن خلافه ، لأن ابن عباس في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وقالت : أراك كالفروج يصفع مع الديكة .

والقول الثاني : وهو قول جمهورهم أن خلافه معتد به ، ومانع انعقاد الإجماع دونه ، لأنه قد عاصر الصحابة كثير من التابعين فكانوا يفتون باجتهادهم من غير نكير من الصحابة عليهم فصاروا معهم من أهل الاجتهاد ولولا ذلك لمنعوهم من الفتى خوفا من الفتيا بما يخالفهم .

والمذهب الثالث : وهو قول بعض المتأخرين إن التابعي إن كان حين أدركهم خاض معهم فيما اختلفوا فيه أعيد بخلافه ، ولم ينعقد الإجماع دونه ، وإن تكلم فيه بعد أن سبق إجماع الصحابة عليه لم يعتد بخلافه .

فإن قيل : فهل يكون انقراض العصر شرطا في صحة الإجماع قبل الإجماع على ضربين :

أحدهما : إجماع عن قول .

والثاني : إجماع عن انتشار وإمساك ، فالإجماع على الانتشار والإمساك ، لا ينعقد إلا بانقراض العصر ؛ لأن الإمساك قد يحتمل أن يكون لالتماس الدليل ، ويحتمل الوفاق ، فإذا انقرضوا عليه زال الاحتمال ، ويثبت أنه إمساك وفاق ، ولكن اختلف أصحابنا في الماسكين فيه ، هل يعتبر في انعقاد الإجماع بهم وجود الرضى منهم والاعتقاد ؟ على وجهين :

أحدهما : يعتبر فيه اعتقادهم ، لأن بالاعتقاد يثبت الحكم .

والثاني : يعتبر فيه الرضى لأن الاعتقاد غير موصول إليه ، والرضى دليل عليه ، وأما الإجماع عن قول فهو أوكد منه ، لانتفاء الاحتمال عنه ، وليس انقراض العصر شرطا في انعقاده ، وذهب بعض أصحابنا إلى أن انقراض العصر شرط في انعقاده ؛ لأن لبعض المجمعين الرجوع كما رجع علي - رضي الله عنه - في بيع أمهات الأولاد ، لو كان منعقدا لما جاز خلافه ، وهذا خطأ ، لأن الإجماع إنما ينعقد بالنظر والاستدلال ، وذلك مما يبطل بالموت فلم يجز أن يكون انقراض العصر شرطا فيه ، لأن الموت يبطل ما انعقد الإجماع به ، ولأن كل من كان قوله حجة بعد موته كان قوله حجة في حياته كالنبي صلى الله عليه وسلم ، وليس يمتنع أن يكون لبعضهم الرجوع ، وإن كان الإجماع منعقدا ، لأن إجماعهم ليس بحجة عليهم ، وإنما هو حجة على من بعدهم .

فصل : الصنف الرابع

فأما الصنف الرابع وهم الصحابة فتقليدهم يختلف على حسب اختلاف أحوالهم فيما قالوه ولهم أربعة أحوال :

أحدها : أن يجمعوا على الشيء قولا ، ويتفقوا لفظا ، فهذا إجماع لا يجوز خلافه ، وتقليدهم فيه واجب ، والمصير إلى قولهم فيه لازم .

والحال الثانية : أن يقول واحد منهم قولا ، وينتشر في جميعهم وهم من بين قائل به ، وساكت على الخلاف فيه فذلك ضربان :

أحدهما : أن يظهر الرضى من الساكت عما ظهر النطق من القائل ، فهذا إجماع لا يجوز خلافه ؛ لأن ما يدل عليه نطق موجود في رضاء الساكت .

والضرب الثاني : أن لا يظهر من الساكت الرضى ولا الكراهة ، فهو حجة ، لأنهم لو علموا خلافه لم يسعهم الإقرار عليه وهل يكون إجماعا أم لا ؟ على قولين :

أحدهما : يكون إجماعا ، لأنه لو كان فيهم مخالف لبعثته الدواعي على إظهار خلافه ، لأن كتم الشريعة ينتفي عندهم ، فالقول الثاني لا يكون إجماعا ، قال الشافعي : من نسب إلى ساكت كلاما فقد كذب عليه ، وكان أبو إسحاق المروزي يقول : إن كان ما قاله الواحد فيهم حكما حكم به كان انتشاره فيهم وسكوتهم عن الخلاف فيه إجماعا وإن كان فينا لم يكن إجماعا ؛ لأن الحكم لم يكن فيهم إلا عن مشورة ومطالعة وبعد نظر ومباحثة ، وإن كان أبو علي بن أبي هريرة يقول بضد هذا ، إن كان فينا إجماعا ، وإن كان حكما لم يكن إجماعا ، لأن الحكم لازم لا يجوز اعتراض الساكتين فيه ، لما فيه من إظهار المباينة ، والفتيا غير لازمة ، وليس المخالفة فيها مباينة ، وكان السكوت دليلا على رضى وموافقة .

والحال الثالثة : أن يقول الواحد منهم قولا لا يعلم انتشاره ولا يظهر منهم خلافه فلا يكون إجماعا ، وهل يكون حجة يلزم المصير إليه أم لا ؟ على قولين :

أحدهما : قاله في القديم ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة : إنه حجة يلزم المصير إليه لقوله عليه السلام : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولأن الصحابة قد كان بعضهم يأخذ بقول من غير طلب دليل ، فدل على أن قول آحادهم حجة ، فعلى هذا هل يجوز أن يختص به عموم الكتاب والسنة أو لا ؟ على وجهين :

أحدهما : يجوز لأن العموم يختص بقياس محتمل ، وقوله أقوى من القياس المحتمل .

والوجه الثاني : لا يجوز تخصيص العموم به ؛ لأن الصحابة قد كانوا يتركون أقوالهم لعموم الكتاب والسنة ، والقول الثاني قاله في الجديد : إن قول الصحابي من غير انتشار ليس بحجة ، ويجوز للتابعي خلافه ، لأن المجتهد لا يلزمه قبول قول المجتهد ، ولأن القياس حجة علينا وعلى الصحابي ، وليس قول الواحد حجة على جميع الصحابة ، فعلى هذا إن وافق قول الصحابي قياس التقريب فهل يكون أولى من قياس المعنى بانفراده أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : أن قياس المعنى بانفراده أولى لأن بانفراده حجة .

والوجه الثاني : أن قول الصحابي مع موافقة قياس النص أولى من قياس المعنى المنفرد به .

وقال ابن أبي هريرة : وقد أخذ الشافعي به في عيوب الحيوان حيث أخذ بقضاء عثمان لموافقته قياس التقريب مع مخالفته قياس المعنى .

والحالة الرابعة : أن يقول الواحد منهم قولا يخالفه فيه غيره فيظهر الخلاف بينهم وينتشر فيهم ففيه قولان .

قال في القديم : يؤخذ بقول الأكثرين لقوله عليه السلام : عليكم بالسواد الأعظم فإن استوى أخذ بقول من معه من الخلفاء الأربعة لقوله عليه السلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي فإن استوى صار كالدليلين إذا تقابلا فيرجع إلى الترجيح .

والقول الثاني : قاله في الجديد إنه يعود عند اختلافهم إلى ما يوجبه الدليل ، ويقتضيه الاجتهاد ؛ لأن التقليد مع الاختلاف يفضي إلى اعتقاد ما لا يؤمن كونه جهلا ، والإقدام على ما لا يؤمن به يكون قبيحا ، وقبح ما يجري هذا المجرى مقرر في العقول ، وإفراد الصحابة كإفراد سائر الأمة فيما عليهم من الاجتهاد في الحادثة لكن إذا اختلف الصحابة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث ، بخلاف ما ذهب إليه داود وأهل الظاهر ؛ لأن ذلك إجماع منهم على ما سوى القولين باطل ليس بحق ، فهذه أربعة أصناف يجوز تقليدها على ما ذكرنا من ترتيب الحكم فيها ولم يرد الشافعي شيئا منها بنهيه عن تقليد غيره .

فصل : وأما من يختلف حالهم باختلاف حال السائل والمسئول فهم علماء الأمصار ، فإن كان السائل عاميا ليس من أهل الاجتهاد جاز له تقليدهم ، فيما يأخذ به ويعمل عليه ، لقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، [ الأنبياء : 7 ] . ولأن العامي عادم لآلة الاجتهاد للوصل إلى حكم الحادثة فجرى مجرى الضرير يرجع في القبلة لذهاب بصره إلى تقليد البصير لكن اختلف أصحابنا هل يلزمه الاجتهاد في الأعيان من المعينين على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج يلزمه أن يجتهد ولا يقلد إلا أعلمهم وأورعهم وأسنهم .

والوجه الثاني : وهو قول جمهور أصحابنا لا يلزمهم ذلك ؛ لأنه لا يصل إلى معرفة الأعلم إلا أن يكون مشاركا في العلم ، والعامي ليس بمشارك فصار عادما لآلة الاجتهاد في أعلمهم ، كما كان عادما لآلة الاجتهاد في حجة قولهم ، فعلى هذين الوجهين لو وجد عالمين وعلم أن أحدهما أعلم فعلى الوجه الأول يلزمه تقليد الأعلم عنده ، وعلى الوجه الثاني : هو بالخيار ؛ لأن كون أحدهما أعلم في الجملة لا ينبغي أن يكون الآخر أوصل إلى حكم الحادثة المسئول عنها ، أو مساويا فيها ، وعلى هذين الوجهين ، لو استفتى فقيها لم يسكن إلى فتياه فعلى الوجه الأول يلزمه أن يسأل ثانيا وثالثا حتى يصيروا عددا تسكن نفسه إلى فتياهم ، وعلى الوجه الثاني لا يلزمه سؤال غيره ، ويجوز له الاقتصار على فتياه ، لأنه ليس نفور نفسه ولا سكونها حجة .

ولو استفتى فقيها ، ثم رجع الفقيه عن فتياه ، فإن لم يعلم السائل بالرجوع فهو على ما كان عليه العمل بها ، وإن أخبره برجوعه ، فإن كان الفقيه خالف نصا لزم السائل أن يرجع عن الأول إلى الثاني ، وإن كان قد خالف أولى التصوير ، فإن كان قد فعل السائل بما أفتاه به لم ينقضه به ، وإن كان لم يعمل به أمسك عنه ، ولو استفتى فقيهين فأفتاه أحدهما بتحليل ، والآخر بتحريم ، ففيه وجهان :

أحدهما : أنه بالخيار بالأخذ بقول من شاء منهما ، كما كان بالخيار في الاقتصار على قول أحدهما .

والوجه الثاني : يأخذ بأثقلهما عليه ، لأن الحق ثقيل .

فهذا ما في تقليد العامي للعالم ، ولم يرده الشافعي رحمه الله بالنبي عن تقليده ، فأما العالم إذا أراد أن يقلد عالما فعلى ضربين :

أحدهما : أن يرد تقليده فيما يفتي به أو يحكم ، فلا يجوز له ذلك ، وجوزه أبو حنيفة ، ولذلك أجاز للعامي القضاء ليستفتي العلماء فيما يحكم به ، وهذا خطأ ، لقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ الأنبياء : 7 ] . فجعل فقد هذا العلم في سؤال أهل الذكر ، لأنه ليس تقليد أحدهما لصاحبه بأولى من تقليد صاحبه له ، كالمبصرين لا يجوز لأحدهما تقليد صاحبه في القبلة .

والضرب الثاني : أن يرد تقليده فيما نزلت به من حادثة ، فإن كان الوقت متسعا لاجتهاده فيها لم يجز تقليد غيره ، وإن ضاق الوقت عن الاجتهاد فيها فقد اختلف أصحابنا هل يجوز تقليد غيره فيها ؟ على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج يجوز له تقليد غيره ، ويصير كالعامي في هذه الحادثة لتعذر وصوله إلى الدلالة .

والوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق ، وأبي علي بن أبي هريرة لا يجوز له التقليد ، لأنه قد يتوصل إلى الحكم بطريق النظر بالسؤال عن وجه الدليل فيصل باجتهاده ونظره بعد السؤال والكشف إلى حكم الحادثة من غير تقليد ، فهذا ما في تقليد المجتهد للمجتهد ، وهذا الذي أورده الشافعي بالنهي عن تقليده وتقليد غيره .

فصل : قوله : " لينظر فيه لدينه " فالمعنى بالناظر هو المريد ، والنظر ضربان :

الأول : نظر مشاهدة بالبصر .

والثاني : نظر فكر بالقلب ، ومراده هو الفكر بالقلب دون المشاهدة بالبصر كما قال تعالى : أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض [ الأعراف : 185 ] . يعني أفلم يتفكروا بقلوبهم ليعتبروا في المراد بقوله : " لينظر فيه لدينه " تأويلان على ما مضى .

أحدهما : في العلم . والثاني : في مختصره هذا ، وأما قوله " لدينه " فلأن الفقه علم ديني ، فالناظر فيه ناظر في دينه ، وأما قوله " ويحتاط لنفسه " : أي ليطلب الاحتياط لنفسه بالاجتهاد في المذاهب فترك التقليد بطلب الدلالة . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث