الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم : عمر عبيد حسنـة

الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

والصلاة والسلام على محمد ، الذي ابتعث من قومه، ليكون بصيرا بواقع أمته، محل دعوته، والذي كانت الغاية من إرساله إلحاق الرحمة بالناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء : 107) وبعد:

فهذا كتاب الأمة الثاني والعشرون، (في فقه التدين فهما وتنزيلا ) للدكتور عبد المجيد النجار ، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، برئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية، في دولة قطر ، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري، والتحصين الثقافي، وإعادة بناء الشخصية المسلمة، بعد أن افتقدت كثيرا من فعاليتها، ومنهجيتها، وصوابها، ومسئوليتها [ ص: 7 ] في الشهادة على الناس، والقيادة لهم، وتقويم حياتهم بشرع الله، وانحسر شهودها الحضاري المعاصر، إلى درجة كادت تضيع معها معالم الشخصية الحضارية التاريخية للأمة.

والغياب الحضاري، الذي نحن بصدده، قد لا يكون بسبب نضوب منابع الدين في حياتها، بقدر ما هـو خطأ في منهج ووسائل الوصول إلى هـذه المنابع، وحسن التعامل معها وترجمتها إلى لغة الواقع، وإثارة الاقتداء بها عند الناس.

فإصابة الأمة اليوم، تكاد تنحصر في منهج ووسائل التدين، خاصة بعد أن تكفل الله بحفظ الدين، الذي يعني فيما يعني: خاتميته وخلوده. ويبقى الأمر المطروح بإلحاح، في كل زمان ومكان: الكيفية التي بها تكون إثارة النزوع إلى التدين، وتفجير ينابيعه، في النفس البشرية، ومن ثم تقويم السلوك الفردي والاجتماعي بنهج الدين القويم.

ذلك أن قضية التدين، أو تقويم الحياة بنهج الدين، هـي قضية ملازمة لوجود الإنسان؛ فطالما أن هـناك إنسانا، يمتلك أهلية الاختيار، فلا بد له من منظومة قيم، يؤمن بها، ويصدر عنها في القبول والرفض، والإقدام والإحجام، هـذه المنظومة هـي مجموعة معارف وقناعات، إما أن يختارها بنفسه، أو يرثها عن مجتمعه، أو ينقلها عن مجتمعات أخرى، وقد يتجاوز عالم حواسه، وترقى في النظر العقلي، إلى آفاق واستفهامات لا يمتلك الإجابة الشافية عليها، فينتهي إلى ضرورة التلقي عن النبوة، فتكون ضميمة الوحي، التي لا تخرج في الاهتداء إليها عن العقل. [ ص: 8 ] فالإنسان مخلوق متدين، والتدين نزعة فطرية، لا يمكن تصور إنسان بدونها، مهما كانت صورة ذلك التدين، والاستقراء يؤكد أنه وجدت في التاريخ مدن ليس فيها مصانع، ولا معامل، ولا مدارس، ولا نواد، لكن لم توجد في تاريخ الإنسان الطويل مدينة بلا معابد، وكثير من المفكرين وفلاسفة المادة الذين يقولون: على الرغم من انشغالنا طيلة النهار بضجيج الآلات، وزيادة الإنتاج، وتحسينه، إلا أننا عندما نأوي إلى مضاجعنا تؤرقنا مجموعة أسئلة، لا نجد لها جوابا شافيا، كيف بدأ الخلق؟ وكيف سينتهي؟ وهل الموت يعني الانطفاء النهائي؟!

فالنزوع إلى التدين ملازم للإنسان كما أسلفنا، لكنه قد يلتقي بهداية السماء، ويستقيم بشرع الله، وقد يضل طريقه، متخذا أربابا من دون الله، ومن لم يكن عبدا لله فهو عبد لسواه، والذين يظنون أنهم تمردوا على دين الله، وخرجوا عليه لم يدركوا أنهم سقطوا في عبودية الأشخاص والأهواء والشهوات قال تعالى: ( أفرأيت من اتخذ إلهه هـواه ) (الجاثية: 23)

وقد لا يكون المجال هـنا مجال مناقشة وموازنة، بين هـدي الله وما يمنحه للإنسان من الحرية والعدالة والكرامة والمساواة؛ وألوان التدين الأخرى، لكن لا بد لنا من التأكيد أن الذين حاربوا هـداية الله إنما حاربوها لأنها تسويهم بغيرهم من الخلق، وهم يريدون لأنفسهم أن يكونوا آلهة وأربابا، لهم حق السيادة والأمر والنهي، وأن الصراع، والحوار، والمواجهة.. إنما هـو في الحقيقة صراع بين ألوان من التدين، أو من الدين - إن صح التعبير -. [ ص: 9 ] هذا النزوع المفطور في الإنسان، هـو الذي يشكل القابلية والتهيؤ لاستقبال الهدي الإلهي، وبقدر ما يكون جهاز التوصيل سليما، والإرسال صحيحا، ويكون المرسل بصيرا وفقيها بأساليب الخطاب، وأحوال المخاطبين، وكيفية إثارة كوامن هـذا النزوع بالاتجاه الصحيح، بقدر ما يكون الكسب الديني متعاظما وممتدا، وبقدر ما تصاب أجهزة الدعوة إلى الدين، بقدر ما يكون التأثير محدودا، فالعلة ليست دائما في المخاطب، فقد تكون العلة كلها في المخاطب الذي يريد توصيل الدين إلى الآخرين.

لذلك نرى أكثر الفترات تألقا وامتدادا فترة النبوة والصحبة، والمراحل التاريخية التي استطاعت استصحاب روح تلك الفترة. لقد استطاعت تلك المراحل التاريخية إثارة كوامن التدين، وأحسنت في إيصال الإسلام إلى الناس، وتقويم واقعهم بهديه، فالقرآن هـو القرآن كما أنزل، والسنة بيانه، محفوظان بحفظ الله الذي أثمر جهود العلماء، أوعية الحفظ وأدواته، لكن المشكلة اليوم ليست فقط في إتقان وإدراك الخطاب الديني المحفوظ، أي ليست في معرفة نصوص الدين، وإنما بإصابة أجهزة الدعوة بالعطب، ولا نعني بأجهزة الدعوة الوعظ والإرشاد، بقدر ما نعني امتلاك القدرة على فقه الإنسان، وفقه المجتمعات، والتبصر بكيفية خطابها، وطرائق بسط الدين على حياتها لتستقيم بنهجه.

ومن الأمور التي تدعو للاعتزاز والإعجاب - والتي جاءت ثمرة حفظ الله لهذا الدين - الجهود العلمية التي بذلت لحماية نصوصه وتنقيتها، ومن ثم وضع الأصول والقواعد لمعرفة المراد الإلهي. [ ص: 10 ] فلقد تطورت العلوم التي تخدم هـذا المقصد في مجال مناهج التفسير، وعلوم القرآن، ومصطلح الحديث، وأصول الفقه، ومناهج الاستنباط، وعلوم اللغة، ودلالات الألفاظ، وهو ما يسمى علوم الآلة ، تطورا كبيرا، وكلها تشكل في نهاية المطاف وسيلة لفهم الدين، لكنها انقلبت في عصور التقليد والركود والتخلف إلى غاية بحد ذاتها، معطلة بيد أصحابها يصعب إعمالها، وتعديتها إلى مجرد مثال آخر، غير مثال الأقدمين، وغاية ما استطاعت فعله، هـو المحافظة على الصورة واستبقائها، ونقلها إلى الجيل التالي، أما تشغيل هـذه الآليات، وتطويرها لتحقيق المقاصد منها، والإفادة مما قدمه العصر من تقنيات للحفظ والتيسير فلم يحظ بالحد الأدنى، كما أن التعامل مع الصورة الجديدة للواقع بظروفه وشروطه، من وجهة نظر إسلامية يكاد يكون توقف تماما من خلال تلك الآليات التي تعطلت منذ زمن.

ونستطيع القول: إن هـذه الآليات (آليات الفهم ) للمراد الإلهي في المراحل المتأخرة - حيث أصبحت تجريدات ذهنية بعيدة عن الواقع - بدل أن تكون أداة تيسير وفهم، انقلبت إلى حواجز ومعوقات تحول دون القدرة على الاغتراف من مصادر المراد الإلهي - الكتاب والسنة - للتعامل مع العصر، وأصبح التدين مقتصرا على مجرد حفظها وترديدها، وليس القدرة على إعمالها، ولو أحسنا إدراكها - إلى جانب حفظها - لتمت النقلة المطلوبة في بيان المراد الإلهي لمشكلات الأمة وقضايا الواقع، وبسط الدين سلطانه على الفعاليات المختلفة. [ ص: 11 ] لقد دون الوحي ليحفظ، وجمع لئلا يضيع، ودون الحديث، وصنف لتنقيته من الدخيل على الوحي، ونشأت دواعي علم النحو والصرف ودلالات الألفاظ لحماية النص وعدم الخروج بالمعنى عما وضع له اللفظ، لكن إلى أي مدى وخاصة في عصور الركود والتقليد استطعنا تجاوز أسوار الحماية هـذه إلى الانتفاع بما في داخلها، لحاضرنا ومستقبلنا؟!

لقد بدأت القدسية للنص القرآني والحديث النبوي وهما مقدسان بلا شك لأنهما وحي يوحى، وكان لهذه القدسية معنى حياتي، وبعد حضاري، ثم انتهى القرآن إلى لون من التراتيل، يتلى للتبرك، بعيدا عن دوره في بناء العقل، وتعمير الأرض، والقيام بأعباء الاستخلاف الإنساني، وأصبح صحيح البخاري ، وموطأ مالك ، وكتب السنة الشهيرة، تقرأ في النوازل، ثم انتقلت القدسية إلى فهوم البشر واجتهاداتهم في عصر معين، وأصبح المراد الإلهي وقفا على فهمهم وعصرهم ومشكلاتهم وكادت هـذه الفهوم تحل محل الكتاب والسنة، وبذلك افتقدا بهذه الصورة التي صارا إليها صفة الخلود والقدرة على العطاء المتجدد.

صحيح أن أصول المشكلات الإنسانية وثوابتها، يمكن أن تكون واحدة في العصور كلها، وأن مظاهرها وأشكالها، هـي التي تتعدد، وتتنوع، وتختلف، ولولا هـذا التجدد لاكتفت البشرية بالنبوة الأولى، ولما جعل الاجتهاد المستمر مصدرا للتشريع في النبوة الآخرة، ولما جاءت معظم نصوص المراد الإلهي، عامة ومرنة، لتكون قادرة على استيعاب العصر وتصريف شئون الناس [ ص: 12 ] وفق الهدي الديني، فيما وراء الثوابت، الأمر الذي لا بد له من الاجتهاد لكل عصر.

وإذا سلمنا بأن المجتهد هـو ابن عصره وبيئته، وأن الاجتهاد لبسط الدين على واقع الناس، وتقويم مسالكهم بنهجه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار معطيات العصر، ومشكلات الناس، الذين هـم محل الحكم الشرعي، فلا بد لنا من القول: بأن هـذه المسلمة لحقت بها إصابات بالغة وقد نقول: قاتلة، من خلال ما نلاحظه من انفصال المجتهدين والمفكرين عن هـم أمتهم وقضايا عصرهم ومشكلاته، والدوران في فلك الاجتهاد والأفكار البشرية السابقة، التي على الرغم من دقتها وتميزها وإبداعها، إلا أنها إنما جاءت ثمرة لعصر معين، بقضاياه ومشكلاته. وأقل ما يقال فيها: إنها لم تكن محصلة لهذا العصر، وإن الالتجاء إليها، والاحتماء بها، قد يحافظ عليها حفاظا تاريخيا، لكن الاقتصار على ذلك، دون القدرة على الإفادة منها، كمعين للفهم والنقل الثقافي، والشهود الحضاري، يفقدها قيمتها، ويبعد بها عن إغناء حياة المسلمين، فتنقلب معوقا، ومانعا حضاريا، بدل أن تكون دافعا ومشروع نهوض.

ولعل الأخطر من ذلك - وارتباط الأمرين ببعضهما ارتباط سبب ونتيجة - التوقف المذهل في إطار العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهي الأدوات والآليات الضرورية لفهم الواقع، وإدراك أبعاد الإنسان، والتعرف على مفاتيح شخصيته، وطرائق تفكيره، والأسباب الحقيقية الكامنة وراء مشكلاته، وهو محل الحكم الشرعي. [ ص: 13 ] إن هـذه المعرفة بما تقدمه من نتائج تصبح ضرورة شرعية، وأعتقد أنها تقع ضمن إطار الفروض العينية للذي يتصدى لعملية الاجتهاد وبيان المراد الإلهي، وبسطه على واقع الناس، والحكم على مسالكهم، لتتم عملية الموافقة والتكيف بين الحكم ومحله بدقة، ولا بد أن نذكر هـنا تنبه بعض المؤسسات العلمية الإسلامية - كلية الشريعة بجامعة دمشق - إلى أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية بقدر أهمية العلوم الشرعية نفسها، فكانت لها أسبقية في هـذا المجال، حيث اعتمدت دراسة علم النفس، وعلم الاجتماع، وحاضر العالم الإسلامي مواد أساسية في منهجها.

ولعل خطورة توقف العلوم الاجتماعية والإنسانية، في أنه حرم المفكر والمجتهد من التعرف إلى ساحة عمله، وأضاع عليه خارطة الطريق، التي يحاول أن يسلكها، لتنزيل المراد الإلهي على واقع الناس، وتحقيق تقويم سلوكهم بدين الله، وامتلاك شروط التغيير السليمة؛ ولا مناص من الاعتراف اليوم بأن آليات العلوم الاجتماعية تطورت تطورا كبيرا على أيدي غير المسلمين، وبلغت شأوا واسعا، في معرفة الإنسان، الأمر الذي لا مندوحة منه لبسط الإسلام على حياة الناس، وإلا كان التعامل مع مجهول. لقد توقف العقل المسلم عن السير في الأرض، والتعرف على تاريخ الأمم في النهوض والسقوط، واكتشاف آيات الله في الأنفس والآفاق، وآليات التغيير الاجتماعي، التي وردت في القرآن بشكل لافت للنظر، وهي أشبه ما تكون بالمعادلات الرياضية بعد أن أصبح القرآن مجرد تراتيل للتبرك... فظن كثير من المجتهدين، أن [ ص: 14 ] العملية الاجتهادية، تكفي لها الرؤية النصفية، وهي الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي، أما دراسة محل الحكم، والكيفية التي يتم بها بسطه على الواقع، وطبيعة هـذا الواقع، بتركيبه المعقد، وأسبابه القريبة والبعيدة، فلم تأخذ الاهتمام المطلوب، فانفصل الدين عن الحياة، وانتهى الفقه إلى تجريدات ذهنية وأراجيز حفظية لا نصيب لها من الواقع.

والذي يحاول التعرف على شروط الاجتهاد التي وضعها العلماء يجد أن من جملة هـذه الشروط معرفة أعراف الناس ومألوفهم، إلا أن هـذا الشرط لم يحظ بشيء من الدراسة الجادة، والبيان الشافي والتأصيل العلمي، على عكس الشروط الأخرى كلها التي يمكن أن نقول: إنها درست وأنضجت حتى كادت تحترق؛ لأنها أدخلت في طور استحالة التحقق، أما هـذا الشرط، وهو معرفة الواقع، فاكتفي فيه بإشارات بسيطة وساذجة في كثير من الأحيان، هـي أقرب للملاحظات والمشاهدات، منها للمناهج والدراسات، اللهم إلا الجانب القليل من مباحث الاستحسان والمصالح المرسلة ، وسد الذرائع ، والعرف ، أو ما يمكن أن نسميه بالمصادر التبعية، ذلك أن النظر الاجتهادي في هـذه المصادر اعتبره بعضهم ملحقا إلى حد بعيد بالقياس - القياس الخفي - لبيان المراد الإلهي، أكثر منه تعلقا في معرفة واقع الناس محل التنزيل؛ أما مكونات الإنسان، وعوامل تشكيل شخصيته، وبناء علاقاته الاجتماعية، والقوانين التي تحكمها فلم يكن له النصيب المطلوب، إلا من بعض البوارق التي لم يكتب لها الاستمرار. [ ص: 15 ]

لقد كان المجتهد جزءا من الحياة يتعامل معها ويحترف بحرفها ويخوض معاركها ويكون لمشاهداته ومعاناته الميدانية نصيب كبير من فقهه، أما عندما انفصل المجتهد عن مجتمعه، وابتعد عن هـمومه فقد فاته الإدراك الواعي لمشكلاته، فجاءت اجتهاداته اجتهادات نظرية مجردة، تنطلق من فراغ، وتسير في فراغ، مما جعل بعض المفكرين يطلقون عليها مصطلح " فقه الأوراق " لأنها تكونت بعيدا عن واقع الناس وميدان نشاطهم. فأية قيمة للحكم تبقى إذا لم ينزل على محله وكيف يعرف محله دون دراسة وعلم؟! لذلك نرى من لوازم الاجتهاد اليوم، الاستيعاب المعرفي الشامل للواقع الإنساني، وهذا لا يتأتى كله من مجرد المعايشة، والنزول إلى الساحة - الأمر الذي لا بد منه - وإنما النزول، والتزود قبله، بآليات فهم هـذا الواقع، من العلوم الاجتماعية التي توقفت في حياة المسلمين منذ زمن، ذلك أن عدم الاستيعاب والتحقق بهذه الشروط اللازمة لعملية الاجتهاد، أدى إلى انفصال أصحاب المشروع الإسلامي، عن واقع الحياة، وإن لم ينفصلوا عن ضمير الأمة، التي لا تزال ترى في المشروع الإسلامي بوارق الأمل للإنقاذ والتغيير.

والتغيير لا بد له من إدراك المراد الإلهي أولا ومن ثم آليات فهم المجتمع بالمستوى نفسه، حتى يتم الإنجاز، وقد تكون مشكلة الحضارة اليوم أن الذين أدركوا آليات فهم الواقع لم يؤمنوا بالخطاب الإلهي، وكثير من الذين آمنوا بالخطاب الإلهي لم يدركوا آليات فهم الواقع. [ ص: 16 ]

فالاجتهاد الفردي في هـذا العصر يكاد يكون مستحيلا، بعد هـذا التوسع، والتبحر في الاختصاص، والتعقيد في تركيب المجتمعات، والتشابك في العلاقات الاجتماعية، والتأثر والتأثير بين الأمم من جهة، وبين جوانب الحياة المتعددة، لذلك لا يتسع عمر الفرد ولا علمه - مهما بلغ من النبوغ - لهذا النوع المطلوب من الاجتهاد، فلا مندوحة والحالة هـذه من التقدم باتجاه المؤسسات ومراكز البحوث والدراسات، وبناء العقل الجماعي المؤسسي، الذي يمتلك نوافذ الرؤية من الجهات كلها وفي العلوم كلها.

لقد حفل العصر السابق بإنجازات فردية هـامة جاءت ثمرة لمقتضيات العصر نفسه، أما بعد أن توسعت الأمور وأصبحت الدنيا كلها محل رؤية الإنسان وخطابه، فلا بد من إعادة النظر في عملية الاجتهاد. حتى يمكن تحويل الإسلام من قيم ومبادئ ومواثيق أخلاقية وإرشادات عامة توجه مسيرة الحياة إلى برامج وأحكام تصوغ الواقع وتضع الأوعية الشرعية الصحيحة لحركته.

فالإيمان بخلود هـذا الدين، وصلاحيته لكل زمان ومكان وقدرته على النهوض بالأمة إلى مرتبة الشهود الحضاري، أصبح مسلمة لا تحتمل شكا، ولا استزادة لمستزيد، وتعاظم المد الإسلامي إلى آفاق لم تكن بالحسبان، لكن لا بد من الاعتراف بأن حركة الاجتهاد لترشيد تدين هـذا المد، ووضع البرامج والأوعية الشرعية لحركته، لم تكن بالمستوى المطلوب، ولا الموازي لحركة المد الإسلامي، ذلك أن الجماهير المسلمة آمنت بالإسلام، لكنها لم تبصر بالواقع وكيفية التعامل معه، وتقويمه بنهج الدين، لقد [ ص: 17 ] امتلكت القاعدة الإسلامية العريضة وافتقدت القيادة الواعية الرشيدة الفقيهة، فلحقت بها إصابات بالغة ليست كلها بسبب أعدائها، وهذا يقتضي ديمومة النظر وبذل الجهد والاجتهاد في كل وقت وعصر للإفادة من الخطاب الإلهي في تقويم مسالك الناس ومعالجة مشكلاتهم وفق الهدي الديني، ذلك الاجتهاد (الفقه ) الذي يمكن أن نمثل له بدور الطبيب، الذي يدرس حالة المريض، ويحدد أسباب المرض وآثاره، ويختار له من مجموعة الأدوية المحفوظة في الصيدلية، ما يناسبه ويعالج حالته، دون أن يكون لذلك آثار جانبية قد تعيق شفاء المريض، أو تضاعف مرضه، أو تفضي إلى الإصابة بمرض آخر. فالصيدلي الذي يحفظ الدواء ويعرف مركباته يبقى عاجزا عن المعالجة؛ لأن المعالجة لا تكفي فيها معرفة الدواء، وإنما تتطلب المعرفة الدقيقة بحالة المريض وما يناسبه وما لا يناسبه من الدواء، والمقادير المطلوبة، والزمن المقدر، والتوازن بين أكثر من دواء إلخ. فمنهج النقل والحفظ للخطاب الإلهي أقرب ما يكون إلى عمل الصيدلي، ومنهج الفهم والفقه من هـذا المنقول أقرب ما يكون شبها بعمل الطبيب، وقد لا تفيد كثيرا كثرة الصيادلة، ومعامل الدواء، إذا انعدم وجود الأطباء؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى وضع الدواء في غير محله، فيهلك المريض من حيث يراد له الشفاء والنجاة.

فالمشكلة اليوم ليست في عدم وجود العلاج، وإنما هـي في عدم وجود المعالج، فالإسلام هـو الدواء، والشفاء، ولكن كيف نستعمل هـذا الدواء ولمن نستعمله؟ ومتى؟ هـذه هـي المشكلة اليوم التي يعاني منها الواقع الإسلامي، وهي مؤشر مؤرق بسبب غياب [ ص: 18 ] فقهاء المجتمعات، وفقهاء التربية، وفقهاء التخطيط، وفقهاء استشراف آفاق المستقبل، وفقهاء علوم الإنسان، فقهاء الحضارة عامة، الذين يشكلون عقل الأمة، ويعرفون كيف يغترفون من هـذا الإسلام، لمصلحة الأمة في واقعها المعاصر، وكيف يتعاملون مع هـذا الإسلام، ويعودون بالأمة إليه.

ويصير الأمر أكثر لزوما بعد الإحباطات الكثيرة التي تعرض لها العمل للإسلام، بسبب العجز الواضح في فقه الحركة والميدان، وإبداع البرامج العملية التي تترجم القيم والمبادئ الإسلامية وتنزلها على واقع الناس المعاصر، في ضوء رؤية ذات دراية وفقه، وتتأكد وتتعاظم مسئولية المشتغلين بالقضية الإسلامية في أن يطرحوا الأمر بجدية وموضوعية، بعيدا عن الحماس والتوثب، وخروجا على الأسوار الحزبية وممالأة الجماهير، وردود الأفعال، والأساليب التعبوية، التي أدت دورها كاملا في مرحلة إعادة الانتماء للإسلام والتي باتت لا تفيد كثيرا في مرحلة الانطلاق إلى الأمام.

لقد بقي شعار ترشيد الصحوة نظريا، ونستطيع أن نقول: إن أعداء الإسلام أفادوا من رصد حركة الصحوة، ووضع استراتيجيات المواجهة، على المستوى السياسي، والثقافي، والأمني، أكثر من أصحاب الصحوة أنفسهم، الذين عجزوا حتى الآن عن اغتنام الفرصة وحسن الإفادة منها.

لقد كانت الصحوة من بعض الوجوه فرصة لانكشاف مواقع العجز، أكثر من أن تكون زخما عاقلا لعملية النهوض، من هـنا نرى أنه لا بد من العمليات الجراحية الجذرية لاستئصال العجز، [ ص: 19 ] والعدول عن المهدئات والمسكنات، التي توهم العافية ولا تقدم العلاج، والعلاج إنما يكون بالاستيعاب المعرفي للعلوم الاجتماعية والإنسانية كما أسلفنا؛ لأن استيعابها أصبح ضرورة شرعية لازمة، لتحقيق المناط، كما يقول علماء الأصول، ولامتلاك صفة الاجتهاد، في تنزيل شرع الله على الواقع البشري، فالاجتهاد اليوم يقتضي فقهاء في الاختصاصات كلها، وإن الاقتصار على فقهاء معرفة الحكم الشرعي، دون فقهاء معرفة محل الحكم، سوف لا يحقق إلا نصف المطلوب.

إن فتح أبواب الاجتهاد، على مصراعيها، لا شك أنه سوف يأتي بالغث والسمين، لكن عصمة الأمة بعمومها عن الخطأ، وتواتر الوحي في الثوابت، التي تحمي كيان المجتمع من العبث. وطبيعة التعدد والتباين بوجهات النظر، والتدافع، يبدد الخوف، ويبقي الأصلح، وقد يكون من أهم عوامل تبديد الخوف الإدراك بأن الاجتهاد الفكري أو الفقهي هـو كسب بشري، قابل للفحص والاختبار، والتصويب والتخطيء، والحوار والجدل، وليس له صفة القدسية، أو على الأقل ليس هـو الدين، وإنما هـو فهم الإنسان للدين، وخطأ هـذا الفهم لا يعني بحال من الأحوال خطأ الدين المعصوم، لذلك قد يكون لنا بعض التحفظ على كثير من المصطلحات الموهمة أن اجتهاد فلان هـو الدين، فلا قدسية لرأي ولا اجتهاد، ولا كهانة في الإسلام، ولا حملة كتاب مقدس، ينطقون باسم الله. وإنما هـي فهوم بشرية لتنزيل الإسلام على واقع الناس، معرضة للخطأ كما هـي معرضة للصواب. وكل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هـذا القبر، كما يقول الإمام مالك رحمه [ ص: 20 ] الله، لأنه مسدد بالوحي ومؤيد به، ولا شك أن كثرة الحوار حول الأمور الفكرية والفقهية المطروحة، يبلور الصواب، ويسدد الوجهة، ومن هـنا نقول: إن ما ورد في الكتاب من اجتهادات فكرية أو فقهية تبقى قابلة للفحص والاختبار، والتحاور والتفاكر، والتناظر والتشاور، ذلك أن فهم الإسلام ليس حكرا على إنسان أو جماعة أو مؤسسة أو منظمة أو طائفة، أو عصر، عدا عصر النبوة، ولعل الكتاب الذي نقدمه بجزئيه يطرح مجموعة من القضايا الهامة للمناقشة التي تثير الجدل وتستدعي الحوار، وتحرك العقول، وتشحذ الفاعلية، وعلى الرغم من أن بعض الرواد، وفقهاء الدعوة المعاصرين، طرحوا موضوع فقه التدين، ووضعوا له بعض المعالم والملامح، وفتحوا للعقل المسلم أكثر من نافذة، ليطل منها المهتمون بالقضية الإسلامية. ولسوف يبقى لهم أجر السبق والدلالة على الخير، إلا أن الكتاب الذي نقدمه قد توفر على القضية، وأصلها بشكل منهجي، وأحاط بها من جميع جوانبها، إحاطة واعية.

فالكتاب محتاج إلى دراسة وتأمل وتدبر، أكثر من كونه كتابا للقراءة؛ لأنه كتاب في منهج الفهم، في وقت عزت فيه الدراسات المنهجية، ذلك أن مشكلة المسلمين اليوم تكاد تتحدد في منهج الفهم، أو منهج التناول والتعامل مع المصادر الأساسية، من الكتاب والسنة، ومنهج التعامل مع التراث، وإعادة طرح كثير من المسلمات وتحرير القول فيها.

فلقد حمل سوق الصحوة التجاري الغث والسمين مما أطلق عليه فكر إسلامي، ودخل ساحة الكتابة والتأليف من يحسن ومن يسيء [ ص: 21 ] تحت وطأة رواج الكتاب الإسلامي، ولا شك أن بعض تلك الكتب والكتابات ساهمت سلبيا في التبعثر والإنهاك الفكري. وأثرى كثير من الكتاب ماليا، لكنه لم يثر العقل المسلم بفكر فاعل، ونخشى أن نقول: إن بعض الكتابات كرست العلل والأمراض والتخلف وعجزت عن التبصير بعوامل النهوض.

والله نسأل أن يلهمنا الإخلاص في القصد والصواب في العمل إنه نعم المولى ونعم النصير. [ ص: 22 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث