الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم: عـمر عبيـد حسـنة الحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانا لكل شيء، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي ناط الله به مهمة البيان بقوله: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) (النحل : 44 ) ، فكانت سيرته وسنته هـما البيان النبوي العملي، والصورة التطبيقية المعصومة لتنزيل الآيات على واقع الناس، واقترنت السنة بالقرآن وسيلة للبيان ومصدرا للأحكام، وبعد،

فهذا كتاب الأمة الرابع والعشرون (في الاقتصاد الإسلامي: المرتكزات ـ التوزيع ـ الاستثمار ـ النظام المالي ) للدكتور رفعت السيد العوضي ، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات برئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية في دولة قطر، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري، والتحصين الثقافي، وإعادة بناء الشخصية المسلمة بعد أن افتقدت كثيرا من منهجيتها وفاعليتها ووسطيتها التي تؤهلها للشهادة على الناس والقيادة لهم، وإلحاق الرحمة بهم بتقويم سلوكهم بشرع الله، وانتشالهم من التورط الاقتصادي والتحكم الثقافي الذي لا تزال مؤسساته التي تعبر عنه تعمل عملها في الحياة الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى شيوع المناخ الثقافي الذي يمثل فكر الاستعمار وتشكيل الإنسان المسلم وفق الأنماط الاستعمارية حتى تجري عليه سنة التقليد كما تجري على كل كائن فقد صلته بفكره الأصيل، فلا يعود يرى حل مشكلاته ومعالجة قضاياه إلا من خلال القوالب والمناهج والمقاييس التي اكتسبها من التبعية الثقافية والمناخ الاستعماري، وإذا امتلك الخيار فإنما يقتصر خياره على ساحة الحلول المطروحة من الخارج الإسلامي، مع شيء من التلفيق، لكنه يبقى عاجزا عن التفكير في ارتياد طريق آخر هـو الطريق الإسلامي المتميز بعد أن طال على العقل المسلم الأمد في التقليد والتوقف عن الاجتهاد والعطاء، فاقتصر على النظر والاجتهاد والفتوى على تسويغ وتبرير بعض أشكال وأعمال مؤسسات الاقتصاد الربوي، مستخدما فقه الحيل، أو مبيحا الربا تحت عنوان : الضرورة ـ فالضرورات تبيح المحظورات ـ مسويا المصلحة بالضرورة، متناسيا أن الضرورة حالة مؤقتة استثنائية، تعرض للفرد والأمة، وليست هـي الأصل المستمر، وأن الضرورة تقدر بقدرها.

وتكاد هـذه الصورة، تشكل الحالة الغالبة لعامة المسلمين، حتى الماضي القريب، لكن لا بد لنا أن نسجل هـنا صورة الوجه الآخر للقضية، وهي أن كثيرا من المسلمين أيضا رأى في مؤسسات الاقتصاد الربوي طريق هـلاك نفسي وانمحاق اقتصادي، وأفزعه ما ورد من تهديد ووعيد لآكلي الربا وموكليه ـ ولم يقتصر ذلك التهديد على الآكل والموكل، بل امتد إلى المشاركين والمساعدين من الكتبة والشهود ـ إلى جانب ما يرى من الانهيارات الاقتصادية التي تتسبب عن الربا، فآثر الانسحاب من الساحة وتقليص نشاطه ومعاملاته الاقتصادية إلى الحد الأدنى المسموح به شرعا، لأنه عاجز عن إيجاد البدائل.

هذا الانسحاب وإن كان يشكل مواقف فردية تعتصم بالتقوى، وتنأى بنفسها عن مواطن الشبه ـ والموقف الفردي قد يكون ضروريا لأنه يدق ناقوس الخطر، ويشكل صوت النذير الذي يحذر من الانغماس في مؤسسات الاقتصاد الربوي ويستفز العقل المسلم، ويؤرقه للتفكير في إيجاد البديل الإسلامي ـ لكنه، على كل حال، لا يعتبر حلا للمشكلة، أو يمنح القدرة على مواجهتها، وكيفية التعامل معها، حيث لا خيار من النزول إلى الساحة، وعدم الاعتداد بالمواقف الفردية الصارمة التي لا يمكن بأي حال أن ترفع الجماهير كلها إلى مستواها، وإذا أمكن الارتقاء بحس الجماهير المسلمة وتوثبها الروحي إلى مستوى المقاطعة للاقتصاد الربوي لفترة، فإنما يعني ذلك إيقافا للمشكلة وليس حلا لها.

وقد تكون مشكلة كثير ممن وقعوا في أسر الرؤى الاقتصادية غير الإسلامية، بسبب من تحكم مناخها، أو الدراسة في جامعاتها، وفقر في المعرفة الإسلامية، أنهم عاجزون عن الإدراك، ومن ثم التسليم بأن هـناك نهجا اقتصاديا غير الذي درسوه. لذلك، نجدهم يستغربون ويستنكرون ويجفلون، وقد يسخرون، عندما يلقى على مسامعهم بأن هـناك نهجا اقتصاديا إسلاميا متميزا مرشحا لإنقاذ الإنسان من ورطاته وأزماته المتلاحقة، وأن منطلقاته وأهدافه وفلسفته بشكل عام موجودة بالكتاب والسنة وقد ترجمت إلى برامج وأشكال وأوعية وسعت حركة المجتمع الاقتصادية في عصر الاجتهاد والتألق الإسلامي، وأن المشكلة اليوم في العقل الذي توقف عن تصنيع تلك المواد الخام، وتحويل المبادئ والقيم الاقتصادية إلى برامج وأوعية تسع حركة المجتمع المسلم على هـدي تلك القيم والمبادئ، وجنح إلى التقليد والمحاكاة، سواء كان التقليد داخليا، وذلك باستدعاء تلك الأشكال والأوعية والحلول التي وضعت لمشكلات عصر معين، له سوقه ومنتجاته وهياكله الاقتصادية والمالية وشركاته، ومحاولة تطبيقها على هـذا العصر بكل مداخلاته الاقتصادية المعقدة؛ أو كان التقليد خارجيا، وذلك باستدعاء البديل الأسهل: مناهج اقتصادية تحمل خصائص وصفات مجتمعات لها عقيدتها وظروفها، وتجربتها، ومشكلاتها، وعمرها الثقافي والحضاري، ولها منطلقاتها وأهدافها بعيدا عن قيم أمتنا ومعادلاتها النفسية والاجتماعية، لذلك بقيت عاجزة عن النهوض والتحديث، كما عجزت الأشكال القديمة عن تقديم الحل المطلوب، ودفعت بالكثير إلى التفكير باستيراد البديل من الخارج، كما أسلفنا.

وقد يكون من المفيد أن نذكر بنظرة الإسلام، المتميزة إلى المال والاقتصاد، وإن كان الكتاب الذي نقدمه في سلسلة (كتاب الأمة ) غطى بعضا منها.

لعل هـذا التميز يستفز العقل المسلم، ويشكل هـاجسا وقلقا له ليتابع رحلة البحث والاجتهاد والإنضاج لإبراز معالم الاقتصاد الإسلامي ، ويتقدم خطوة أكثر في فتح بعض القنوات، وإيجاد الوسائل والأوعية الشرعية لحركة المجتمع الاقتصادية، فتنحسر أكثر فأكثر مؤسسات الاقتصاد الربوي التي تؤرق الضمير المسلم، وتكرس معاصينا الاقتصادية.

فمن الأمور التي تكاد تكون مسلمة عند المسلم الذي يمتلك الحد الأدنى من المعرفة الإسلامية ـ وهو ما يجب أن يعلم من الدين بالضرورة ـ أن النظام الاقتصادي، أو سياسة المال في الإسلام، جزء لا يتجزأ من عقيدته، وأنه ينطلق منها، ويرتبط بها، وأن الحركة الاقتصادية، ابتداء من نية الإنسان (تشكيل الفكرة والعزم على الفعل) أو كسبه العملي، وممارساته المختلفة، خاضعة لفكرة الثواب والعقاب، إلى جانب التحذير من بعض المخاطر الاقتصادية التي تقود إليها الممارسات المحظورة شرعا. ولعل هـذا يشكل مفترق طريق ابتداء بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاديات الأخرى التي لا تعترف بالجانب القيمي للعملية الاقتصادية، ولا تقيم له وزنا. فالحركة الاقتصادية، والكسب المالي، إذا لم يضبط بقيم أخلاقية كسبا وإنفاقا، ينتهي بصاحبه إلى الطغيان، والأثرة، والدمار الاجتماعي.

والمال في الإسلام وسيلة لتحقيق رسالة، وليس هـدفا قائما بذاته، والله تعالى يقول:

( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ) (القصص : 77 ) فإذا تجردت الحركة الاقتصادية عن ضابطها الخلقي، وهدفها، وانقلبت الوسيلة إلى غاية، انتهى الأمر بالإنسان إلى أزمات نفسية، واجتماعية، واقتصادية تجعل المعيشة ضنكا، وتحوله إلى عبد للمال، وخادم له بدل أن يكون المال في خدمة الإنسان.

والمال في نظر الإسلام له وظيفة اجتماعية، والتصرف به كسبا وإنفاقا مرهون بتحقيق تلك الوظيفة للفرد والأمة على حد سواء وأي تصرف اقتصادي أو امتناع عن تصرف يلحق الضرر بالجماعة، محظور شرعا، ويحتاج صاحبه إلى وصاية وحجر ، قال تعالى: ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) (النساء: 5 ) .

ولعل من أهم المنطلقات الأساسية في نظرة الإسلام إلى المال والحركة الاقتصادية التي تميز المنهج الاقتصادي الإسلامي عن غيره، وتجعله متفردا، هـي: الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى هـو المالك الحقيقي للمال، لقوله تعالى: ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) (النساء: 126 ) ، ( ولله ملك السماوات والأرض ) (آل عمران : 189 ) .

وأن ملكية الإنسان للمال ملكية وكالة واستخلاف، قال تعالى: ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) (الحديد: 7 ) .

وهذا الاعتقاد، الذي هـو جزء من عقيدة المسلم ينتج عنه ـ حكما ـ أن تصرف الإنسان الاقتصادي ـ كسبا وإنتاجا وإنفاقا ـ محكوم بإرادة المالك الأصلي وهو الله، وهذا يعني بشكل أوضح أن الإنسان لا يمتلك حرية التصرف من كل ضابط، في كسب وإنفاق المال، وإنما هـناك ضوابط شرعية وضعها المالك الأصلي تحكم ممارساته جمعيا، الأمر الذي يترتب عليه قيود للكسب، وقيود للإنفاق، أو بمعنى آخر : هـناك وسائل كسب شرعية، ووسائل كسب محظورة وغير شرعية لا يحق للمسلم ممارستها كالربا ، والميسر ، والاحتكار ، والغبن والغش، وكل العقود التي تتضمن الغرر والخداع.

وإن كانت هـذه الضوابط بطبيعتها أقرب للأحكام أو فقه المعاملات ، منها إلى تفسير ودراسة الظواهر اقتصاديا، إلا أنه تشكل بوصلة الحركة الاقتصادية التي سوف تضل العملية الاقتصادية بدونها.

ويجئ إقرار الإسلام لمبدأ التملك الفردي بشروطه الشرعية، استجابة لدواعي الفطرة وحافزا لزيادة الإنتاج، في الوقت نفسه لم يجز وقوع التملك على المرافق ذات النفع العام، بل جعل ملكيتها جماعية، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( الناس شركاء في ثلاثة: الكلأ، والماء، والنار. ) ورأى كثير من الفقهاء أن المرافق العامة ليست حصرا في هـذه الثلاث، وإنما قاسوا عليها كل ما يقع في حكمها، ولم يجيزوا ملكيتها لأحد مهما كانت صفته. وأن المرافق الثلاثة الواردة في الحديث إنما جاءت على سبيل المثال والأنموذج، ولم تأت على سبيل الحصر، لذلك يمتد الحكم إلى ما كل ما يشابها.

ولا بد من التأكيد هـنا أن ما ورد في الكتاب والسنة حول المسألة الاقتصادية بشكل عام، أو ما يمكن أن نسميه نظرة الإسلام إلى المال، إنما هـو قيم وسياسيات ومبادئ عامة لضبط السيرة الاقتصادية، ورسم اتجاهها وحمايتها من الانحراف، أكثر من كونها برامج تفصيلية وأوعية لحركة الأمة الاقتصادية، وأن العقل المسلم هـو الذي يجتهد في ضوء هـذه القيم والسياسيات العامة في إيجاد البرامج والأوعية الشرعية للمسألة الاقتصادية في كل زمان ومكان.. والادعاء اليوم بوجود البرامج، أمل يعوزه الدليل الواقعي، إلا بعض ما ورد في الميراث وأنصبة الزكاة. إلخ....

ولا بد أن نعترف: أن كثيرا من العلوم الإنسانية ومنها علم الاقتصاد، قد توقفت في حياة الأمة على المستوى العام، إلا من بعض محاولات، وملاحظات لم يكتب لها أن تشكل مجرى إسلاميا في حمأة الاقتصاد الربوي، وأنه لا بد لنا اليوم من النزول إلى الساحة لاستئناف المسيرة الاقتصادية الإسلامية، ومجاوزة عقدة الخوف من الخطأ التي يتولد عنها استسهال عملية التقليد والمحاكاة سواء كانت داخلية أم خارجية.

وهنا، قد يكون بالإمكان الإفادة من الكسب البشري للأمم الأخرى وما أنجزته في مجال التقنية الاقتصادية وآلات الفهم والتفسير في كل الجوانب التي ليس لها علاقة بالجانب القيمي، مع الحذر الشديد أن كثيرا من هـذه التقنيات ليست محايدة، بل هـي إفراز لحضارة وثقافة، وإنسان، وظروف، وشروط قد تختلف جزئيا أو كليا عن ظروفنا، وأن إصرارنا على تمييز الاقتصاد الإسلامي من غيره، تأكيد لهذا الحذر، وإبراز للأهداف والقيم التي تحكمه من دون سائر الأنماط الاقتصادية الأخرى، ذلك أن تلك الأنماط قد تكون أتقنت الوسيلة الحكمة والهدف.

ولا شك أن العقدين الآخرين قد شهدا نتيجة للتحدي والاستفزاز، وكأمر مواز للصحوة الإسلامية محاولات جيدة وجادة في تحديد وإبراز معالم المنهج وملامح الاقتصاد الإسلامي، وأسست معاهد ومراكز وأقسام في الجامعات متخصصة في مجال الاقتصاد الإسلامي، يأتي على رأسها مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة، والمعهد العالمي للاقتصاد الإسلامي في جامعة إسلام أباد ـ باكستان ـ ومركز الدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي ـ إكس، فرنسا ـ ومركز التدريب والبحوث الإحصائية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد الإسلامية في أنقرة، إلى جانب الجهود الفردية الفذة التي تشارك في هـذا المجال.

ولم يقتصر الأمر على مستوى التنظير، بل جاءت تجربة المصارف الإسلامية كأوعية تنفيذية ومراكز تدريب ميدانية، ومختبرات عملية لحركة الاقتصاد الإسلامي تغني التنظير، وذلك باختباره ميدانيا، وتتقدم بالمشكلات والمعوقات التي تعترض المسيرة والتي تقتضي حلولا واقعية ذات أولوية في الدراسة.

فالمصارف الإسلامية في هـذا، يمكن أن تعتبر المراكز التطبيقية للدراسات النظرية.

من هـنا نقول: إن تجربة المصارف الإسلامية تمثل إحدى الخطوات العملية في محاولة لترجمة المبادئ إلى برامج، وإيجاد الأوعية الشرعية لنشاط المسلم الاقتصادي بعيدا عن المؤسسات الربوية التي تتحكم بتصرفاته، وتنغص عليه حياته. ولا شك أن هـذه التجربة التي برزت على أكثر من موقع على خارطة العالم الإسلامي، والتي جاءت ثمرة لحركة الوعي الإسلامي سوف تواجه بكثير من التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء، وسوف تكال لها التهم كيلا، وتكبر أخطاؤها وقد يكون في بعض هـذه التهم حق، لكن لا شك أن فيها الكثير من التجني، وقد تكون الأخطاء من طبيعة الريادة التي تسدد الطريق، وتغني التجربة، وتصلب عودها، وتقوم مسارها.

كما أن التجربة سوف تحاصر من المؤسسات الربوية على أكثر من مستوى، وبأكثر من وسيلة لإسقاطها، وإعادة التحكم من جديد، والاستئثار بالنظام المصرفي للعالم الإسلامي، وقد تدخل الساحة مؤسسات مصرفية تجارية، ترفع شعارات إسلامية في محاولة لاقتناص شعور المسلمين وانحيازهم إلى المصارف الإسلامية التي خلصتهم من المعاملات الربوية المحرمة، وتحاول إفساد التجربة من الداخل، ونزع الثقة بها، إضافة إلى أن الكثير من العثرات يمكن أن تأتي من المسلمين أنفسهم، وقد يكونون مسلمين مخلصين لكنهم غير متخصصين، يظنون أن مباشرة العمليات المصرفية وتقديم الحلول والأوعية الشرعية لحركة المصارف يمكن أن تغني فيها العاطفة الطيبة، ولا بد من الاعتراف ـ وعلى أكثر من مستوى، سواء كان ذلك في مجال الإعلام، أو الاقتصاد والأعمال المصرفية وغيرها ـ أننا لا نزال نفتقد أصحاب التخصص الذي يمتلكون أهلية التحمل والأداء معا، فتفرض علينا الحاجة الاستعانة باختصاصين لا يتحققون بالقدر المطلوب من التصور والمعرفة الإسلامية، فتجيء تصرفاتهم وممارساتهم، والحلول التي يقدمونا أو يقترحونها صورة طبق الأصل عن ممارسات المؤسسات الربوية التي ما أنشئت المصارف الإسلامية إلا للتخلص من رباها.

لذا يمكننا القول بأن قيام المؤسسات المصرفية الإسلامية، والمؤسسات الإعلامية الإسلامية وغيرها، كشف لنا الكثير من جوانب التقصير والتخلف في أكثر من ميدان، وكأننا بالعقل المسلم المعاصر لم يبصر إلا ميدانا واحدا للحركة، وطريقا خاصا في الدعوة، ووسيلة محدودة في العمل الإسلامي، أما بقية الميادين فتكاد تكون خالية تماما [1] .

وعلى الرغم من ذلك كله نستطيع أن نقول: بأن ما كتب حتى الآن هـو عبارة عن توجهات وملحوظات ووجهات نظر لا يزال يعوزها كثير من التحديد والدراسة، والتمحيص، والحوار حتى تتبلور وتتحدد معالم المنهج، ويزول التداخل الذي لا يزال قائما بين ما يخص علم المالية وعلم الاقتصاد، والمذهب الاقتصادي، وفقه المعاملات الشرعية إلخ....

ولعل الكتاب الذي نقدمه في سلسلة " كتاب الأمة " للأخ الدكتور رفعت العوضي، أحد المهتمين بهذا الأمر، يشكل مساهمة طيبة في هـذا الموضوع، وخطوة إلى الأمام على الطريق الطويل الذي يقتضي دراسات وندوات وحوارات حتى يتضح منهجه، ويستقيم على سوقه، والله من وراء القصد....

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث