الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الأكرم، الذي علم الإنسان ما لم يعلم، ميزه بالعقل، ومنحه حرية الاختيار، وبذلك جعله أهلا لتحمل المسئولية، والقيام بأعباء الاستخلاف الإنساني، فهو المخلوق المكلف.. والمسئولية في حقيقتها تكليف وتشريف، فهي تكليف يحمل الأمانة الثقيلة، التي عرضها الله على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، فلو لم يكن مؤهلا للحمل، بما يمتلك من خصائص وصفات ومزايا وقدرات هـائلة، لما نيطت به الأمانة من دون سائر الخلق. وهي تشريف أيضا؛ لأن اختياره من الله لحمل الأمانة دليل شرفه وتميزه وأهليته، والتكليف والمسئولية إنما هـما في الحقيقة دليل الحرية وامتلاك الاختيار، فالمسئولية فرع الحرية فلا مسئولية بلا حرية.

والصلاة والسلام على البني الخاتم، الذي انتهت إليه تجربة النبوة التاريخية وأصول الرسالات السماوية، فكانت رسالته في قمة التجربة البشرية، قال تعالى: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. ) (الشورى: 13) .

وطلب من أصحاب الرسالة الخاتمة، أن يتبصروا بأحوال الأمم السابقة ويستشرفوا التجربة البشرية التاريخية، فينقلوها من ورائهم إلى أمامهم، ليعتبروا ويحول اعتبارهم دون السقوط الحضاري، وانتقال علل الأمم السابقة إليهم، والتعرف من خلال الأمر بالسير في الأرض، والنظر في أحوال الأمم، على سنن وقوانين النهوض والسقوط. فالتاريخ العام هـو المصدر الأساسي للفقه الحضاري، والمختبر الحقيقي لصواب الفعل البشري، قال تعالى: ( أولم يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (الروم: 9) . فاكتشاف سنن السقوط والنهوض من لوازم البناء الحضاري، وإن شئت فقل: من لوازم الشهادة على الناس، والتأهل لقيادتهم، والقدرة على اختيار وتمثل الموقع الوسط. قال تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة: 143) .. وبعد: فهذا كتاب الأمة السادس والعشرون: ( أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق ) ، للدكتور أحمد محمد نعمان ، في سلسلة الكتب، التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، برئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية، بدولة قطر ، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري، والتحصين الثقافي، وإعادة بناء الشخصية المسلمة، بعد أن افتقدت الكثير من فعاليتها، ومنهجيتها، وصوابها، وانحسر شهودها الحضاري، وتوقفت عن السير في الأرض، والتبصر بالقوانين، التي تحكم حركة الحياة والأحياء، وبذلك تكررت أخطاؤها، وتكرس تخلفها وعجزت عن التقويم والمراجعة، ومعرفة أسباب القصور، وتحديد مواطن الخلل والتقصير، فأصبح موقعها خارج التاريخ، والواقع المشهود، والمستقبل المأمول. والغياب الحضاري، أو الأزمة الحضارية، التي نعاني منها ليست بسبب الفقر في القيم، التي أكملها الله، وتعهد بحفظها في الكتاب والسنة، الأمر الذي تستلزمه خاصيتا الخلود والخاتمية في الرسالة الإسلامية، أو بتعبير آخر: ليست المشكلة، التي يعاني منها العقل المسلم اليوم، مشكلة قيم أو أزمة قيم، وإنما المشكلة كل المشكلة في العجز عن التعامل مع القيم، والإنتاج الفكري، الذي يجسر العلاقة بين القيم، وبين العصر، أو يساهم بتعديه الرؤية القيمية المحفوظة بالكتاب والسنة، ويفيد من خلود الرسالة الإسلامية وقدرتها على العطاء المتجدد، المجرد عن حدود الزمان والمكان، لحل المشكلات الإنسانية، وهذه وظيفة الفكر أو عالم الأفكار الذي نعاني من التأزم فيه، لذلك نرى أن الخلط بين الأزمة الفكرية، التي يعاني منها العقل المسلم اليوم، والتي أورثته العجز عن التعامل مع القيم، وبين التوهم بأن الأزمة في القيم نفسها، كان وراء الكثير من المغالطات، والتراجعات، التي لا تزال تكرس التخلف باسم التدين.. لذلك نعتقد أن من الأبجديات الأولى الضرورية لقراءة المسلم اليوم: إزالة الخلط بين المباديء المحفوظة، والبرامج المطلوبة، بين القيم الثابتة، والأفكار الغائبة، التي تبسط تلك القيم على الواقع المعاصر، وتقومه بها. فالانحسار الحضاري، أو الأزمة الحضارية، التي نعاني منها اليوم هـي أزمة فكر أولا وقبل كل شيء؛ لأن النسغ الفكري للحضارة الإسلامية، توقف عند حدود العقول السابقة، وكأن الله خلق عقولنا لنعطلها عن الإنتاج، ونعتبر العصور الأولى هـي نهاية المطاف، وغاية البعد الزمني بالنسبة للرسالة الإسلامية، حتى انتهينا إلى هـذه المرحلة من الانحسار، والاستفزاز، والتحدي الحضاري، التي لا بد معها من العكوف على الذات، وتحديد مواطن الخلل والإصابة، واستلهام القيم، في محاولة للتوصل إلى صناعة فكرية معاصرة، قادرة على الحوار الإنساني، والمواجهة لكل الإصابات والأمراض، التي لحقت بالشخصية المسلمة، فأفقدتها صوابها، وإن لم تفقدها الإخلاص الذي لا بد من استصحابه في أية عملية نهوض. لقد اتهم العقل المسلم بأن السبب في عجزه وانحساره الحضاري هـو اعتماده في النظر والتفكير على المنهج القياسي الاستنباطي، بمعنى أنه محكوم ومكبل دائما بأصل يقيس عليه، أو بنص يحول بينه، وبين الطلاقة في التفكير، فهو دائما فرع لأصل، يدور في إطار سابق، لا يمتلك الاستقلالية، والحرية. وأن السبب في انطلاقه وإنجاز العقل الأوروبي هـو اعتماده على المنهج الاستقرائي، الذي يحرر العقل من القيود المسبقة، من الأنموذج الحاكم، أو المثال السابق، أو الآبائية كما يعبر عنها بعضهم، أخذا من قوله تعالى: ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) (الزخرف: 23) . وهذه القضية، لا بد من التوقف عندها، بما تسمح به هـذه العجالة، فمما لا شك فيه أن العقل المسلم يعتمد المنهج القياسي، أو الاستنباطي، في قضايا الفقه التشريعي، في إطار الحلال والحرام، وذلك عند إعمال العقل في النص الديني الموحى به لإدراك أبعاده ومقاصده، وتحديد علته، ومن ثم تعدية هـذه العلة إلى الفرع الذي تتوفر فيه العلة نفسها ليأخذ حكم الأصل المقاس عليه، ويكاد هـذا الأمر ينطبق على الإجماع بالمصطلح الشرعي ( قياس الجماعة ) والقياس ( الاجتهاد الفردي ) والاستحسان ، والاستصلاح ، والاستصحاب ، بمعنى أن العقل إنما يتحرك في إطار سابق محكوم ببعض القيود والضوابط التي جاء بها الوحي. أما فيما وراء الحكم الفقهي التشريعي، فالإسلام يعتمد المنهج الاستقرائي.. يعتمده في كشف السنن، والقوانين الثابتة.. والمطردة، التي تحكم الحياة والكون والأنفس، والآفاق، الأمر الذي يتأتى منه البصارة واستقراء حركة النهوض والسقوط والتداول الحضاري، بل لعل البرهان والدليل على ثبات السنن واطرادها هـنا يتحقق من الاستقراء، وليس من القياس، فالسير في الأرض، واكتشاف السنن الحاكمة لحركة الحياة، أو فقه الحياة نلمحه في قوله تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا.. ) (آل عمران: 137) . وقوله تعالى: ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (فصلت: 53) .. فاكتشاف السنن والتوصل إلى الدليل الذي يبين الحق، إنما يتأتى من استقراء التاريخ، والواقع، وآيات الأنفس والآفاق، لكن المشكلة جاءت من الامتداد بأحد المنهجين، وتعطيل الآخر، خاصة عندما توقف العقل المسلم عن السير في الأرض، وتعطل عن النظر في الأنفس والآفاق، في العصور المتأخرة، الأمر الذي أدى به إلى الانحسار الحضاري. وحقيقة أخرى لا بد من إيضاحها هـنا، وهي أن المنهج الاستقرائي، الذي يعزى إليه الإنجاز والإبداع الحضاري، وإطلاقه للعقل من القيود، لم ينطلق من فراغ كما يتوهم بعضهم وإنما جاء الكشف والإبداع نتيجة النظر في سوابق قائمة، أيضا، تستقرأ أو تستنطق، والمقدمات أو السوابق التي تمكن من النظر موجودة في كلا المنهجين. وخلاصة القول: إن الفقه التشريعي في الإسلام يخضع للمنهج الاستنباطي القياسي، وأن الفقه الاجتماعي والحضاري يخضع للمنهج الاستقرائي. والإصابة اليوم التي لحقت بالعقل والفكر الإسلامي لم تقتصر على أحدهما دون الآخر، وقد تكون من بعض مشكلات العقل المسلم المعاصر، الخلط بين المنهجين وعدم القدرة على استخدام كل في مجاله. وقضية السنن بمعنى القوانين المطردة والثابتة، التي تحكم حركة الحياة والأحياء، وتحكم حركة التاريخ، وتتحكم بالدورات الحضارية، بما يمكن أن نسميه سنن التداول الحضاري، استيحاء من قوله تعالى ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران: 140) والتي تعتبر معرفتها شرطا أساسيا للتبصر بالعواقب، وتؤهل معرفتها إلى تسخيرها والتمكن من الإنجاز والإبداع الحضاري، لا يتأتى إلا من السير في الأرض، الذي فرضه الله على المسلم بقوله: ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل.. ) (الروم: 42) . هذا السير وهذا الاستقراء، الذي يحقق الاعتبار لأولي الأبصار، لم يأخذ بعد البعد المطلوب في العقل المسلم المعاصر، وعلى الرغم مما قيل حتى الآن من تعريف للسنن وأهمية إدراكها، وضرورة التعامل معها، إلا أن رصيدنا لم يخرج في ذلك عن بدايات ونظرات لم تتجاوز إلى الكنه، ولم تتسع لتشكل مجرى ثقافيا عاما في الأمة، وإنما بقيت في إطار بعض المفكرين، والمتأملين، الذين يمكن اعتبارهم رواد الاستطلاع والاستشراف على الرغم من أن القرآن حض على ذلك في أكثر من موضع. لقد كان جيل القرون الأولى يتعامل مع السنن بشكل عملي وتلقائي، لأنهم فقهوا الوحي، أما نحن فلم نزل نبحث فيها، وننظر في مدى أهميتها، وإن كان الاهتمام بالموضوع بدأت تتسع مساحته في إطار الفكر والعقل الإسلامي في السنوات الأخيرة، على الرغم من اقتصار الأمر في معظم الأحيان على الحديث عن أهمية الموضوع وضرورته في إعادة تشكيل العقل وتصميم الذهنية الإسلامية، التي لا تزال تعاني من التخلف، بسبب الغفلة عن السير في الأرض والكشف عن سنن الله في الأنفس والآفاق، وأهمية ذلك في معرفة قيام المجتمعات وسقوط ونهوض الأمم. وبالإمكان القول: بأننا إلى الآن لا نمتلك الرصيد الفكري المأمول في هـذا الموضوع، الذي تنبه له بعض الرواد مبكرا من مثل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، الذي حاول لفت النظر إليه بمختلف الوسائل، إلا أن العقل المسلم المعاصر بسبب تشكيله الخاص لم يتح له أن يأخذ حقه من نظرات مالك، ومنبهاته الحضارية، وبقيت تلك النظرات عبارة عن بوارق، ونوافذ تستدعي الكثير من التفكير، والتأصيل والنظر، حتى تتبلور، ويتم تحويل الذهنية الإسلامية من الألم والإحباط، إلى الأمل، ومن الأمل والأمانيإلى الفعل والعمل والممارسة. ذلك أن الرؤية القرآنية، والتوجيهات النبوية، تؤكدان أن هـناك قوانين وسننا، تحكم حركة التاريخ، والاجتماع البشري، لا تتخلف ولا تحابي أحدا، ولولا ذلك لما كان في الدعوة للسير في الأرض، والتبصر بالعواقب، والمآلات، التي انتهت إليها التجمعات البشرية أي معنى أو مردود، خاصة وأننا نحن المسلمين، نخضع للقوانين نفسها، حيث لا يكفي النظر في النتائج، كما هـي حالنا اليوم، بل لا بد من النظر في المقدمات والأسباب التي انتجتها، حتى يتمكن المسلمون من التحكم بها، وأخذ الحذر من الوقوع فيها، وحتى لا ينتهوا النهاية نفسها، فالمقدمات نملكها، والنتائج تملكنا، وقد تكون إحدى آفات العقل المسلم اليوم أننا ندع ما نملكه إلى ما يملكنا. ولا شك أن معطيات الوحي، في الكتاب والسنة تضمنت خلاصة السنن التي تحكم الحياة والأحياء، بما عرضت له من القصص القرآني، عن نهوض الأمم والحضارات وسقوطها، وربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، بشكل أشبه ما يكون بالمعادلات الرياضية، التي تحكم عالم المادة، ليعتبر أولوا الأبصار. وهنا قضية أخرى لا بد من لفت النظر إليها أيضا: وهي أن الدعوة للسير في الأرض، التي حث عليها القرآن، إنما هـي في الحقيقة للاستدلال والتأكد من فاعلية السنن، التي قررها القرآن، وعدم تخلفها، من جانب، والامتداد والاكتشاف لسنن أخرى بالاستقراء والملاحظة، وديمومة النظر العقلي، من جانب آخر، وإلا فما قيمة القصص القرآني الخالد، إذا لم يشكل عقلا مدركا للقوانين والسنن، التي تحكم التجمع الإنساني، وتتحكم بقيام وسقوط الحضارات، هـي حكايات لتزجية الوقت أسقطها الزمن وطواها التاريخ؟ وقد يكون المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في مجال الدراسات الإنسانية التي بلغت عند غيرنا شأوا بعيدا، أن نتوجه صوب فقه القصص القرآني، بالقدر نفسه الذي توجهنا به نحو آيات الأحكام، واستنبطنا منها هـذه الكنوز العظيمة في مجال التشريع، لنكتشف فقها حضاريا في إطار علوم الإنسان، والقوانين الاجتماعية، التي تحكم مسيرة الحياة والأحياء، والتي تخلفنا فيها إلى درجة لا نحسد عليها. لكن إلى أي مدى يمكننا القول: بأن السنن التي تحكم النفس والمجتمع هـي بنفس الدقة والصرامة التي تخضع لها المادة الصماء، التي لا خيار لها، كما يخضع لها الحيوان الأعجم المدفوع بالغريزة، والجانب المادي في الإنسان نفسه، وإلى أي مدى يمكن أن تتحكم بالإنسان الحر المختار، الذي يخضع في مسالكه وحركته لكثير من الظروف والتغييرات والمؤثرات؟ فالإنسان والواقع الإنسان، يختلف في طبيعته عن الواقع الكوني المادي من حيث صرامة السنن والقوانين، التي تحكم سيرورته، ولذلك يمكن القول: بأن كشف القوانين والسنن، التي تحكم المادة الصماء والكون المادي، تثمر المعرفة اليقينية، وعلى ضوئها يتعامل الإنسان مع الكون في جهوده التي يبذلها في تسخيره لمصلحته، لكن الإنسان، والواقع الإنساني، ليس منضبطا كواقع المادة، فالعنصر الروحي في تكوين الإنسان، والإرادة الحرة، جعلا هـذا الواقع يتصف بكثير من الخفاء والغموض في العوامل والأسباب، التي تنشأ عنها الظواهر السلوكية، الأمر الذي يجعله عصيا عن الفهم اليقيني، والاطراد الصارم، خاصة وأن الإنسان هـو أداة التحليل ومحله في وقت واحد، بينما في إطار المادة والكون، فالإنسان هـو أداة التحليل، أما المحل فشيء آخر منفصل عنه. وهذا لا يعني أن حركة الإنسان، ونهوض وسقوط الحضارات، تسير بشكل عشوائي عبثي، خالية من كل قانون ثابت، بل هـي محكومة بقوانين عامة تحكم توجهاتها ومساراتها العامة، ولو قبلنا جدلا أن خصائص وصفات المادة والحيوان الأعجم، يمكن أن تنطبق على الإنسان لأفقدنا الإنسان الكثير من حرية الحركة والاختيار، ووقعنا بلون من القدرية الرهيبة، التي تلغي إنسانية الإنسان، وعقله ومسئوليته، وتمنعه من القدرة على المداخلة والتحكم، وهو أهم ما امتاز به.. لذلك نرى أن الاعتقاد بأن معرفة السنن يحسم قضايا الاختلاف في الاجتهاد والتنوع والاختلاف في وجهات النظر ويؤدي إلى وحدة النظر، فيه الكثير من المجازفة والتجاوز والتداخل بين المنهج القياسي والمنهج الاستقرائي. من جانب آخر، فإن نفاذ السنن، والتحول الاجتماعي والإنساني الذي يخضع لها يتم ببطء شديد، وعمر مديد، قد يستغرق حياة الإنسان، لذلك يكون من الصعوبة بمكان رصد مساراته، والتعرف على اتجاهاته بدقة في الواقع المشهود. فالنظر إلى موضوع السنن، التي تحكم الأنفس والآفاق، من خلال بعض الجزئيات في الحاضر التي قد تبدو عصية عن الانسلاك في نطاق السنة، وخارجة عن الاطراد، بل ومناقضة لحقيقة، ومعادلة اجتماعية ثابتة، أو النظر إلى ذلك من خلال مدى زمني أقل من العمر المطلوب الذي يقتضيه التفاعل الاجتماعي، بمعنى غياب سنة الأجل المفترض للتغيير الاجتماعي عن أدوات الدراسة، قد يؤدي إلى لون من الضلال في الرؤية، واضطراب في الموازين، وإنكار لموضوع السنن أصلا، والانتهاء إلى لون من العبثية والوجودية المدمرة. من هـنا نقول: إن الكشف عن السنن التي تحكم الحركة الاجتماعية لا يتأتى إلا من السير في الأرض، واستقراء التاريخ، والتعرف على القوانين التي حكمت حركة البشر، للإفادة منها للحاضر والمستقبل، فالحاضر على كل حال، ليس محلا كافيا للقراءة والاستقراء. فقد يكون الحاضر نتيجة لمقدمة في الماضي، وقد يكون مقدمة لنتيجة لا تظهر إلا في المستقبل، فاستقراء الحاضر وكشف السنن التي تحكم حركته، لا يكون دقيقا إلا باستصحاب الماضي وما يعطي من حقائق ثابتة لا يمكن أن يخرج عنها الحاضر.. فالإفادة للحاضر إنما تتحقق بالقدرة على قراءته من خلال وضعه في موقعه المناسب من الحركة التاريخية. بينما يمكننا أن نلمح حدوث التفاعل في المجال المادي، واطراد القانون، في زمن قد لا يعتبر شيئا في عمر الفرد بعد انقضاء رحلة الاستكشاف التي قد تطول وقد تقصر. ولعل من الرحمة بالإنسان، والتكريم له، أن تكون السنن والقوانين، التي تحكم حركته، ملامح وتوجهات عامة، وبذلك تتضاءل الأخطاء ويمكن تجنبها، وتكون ساحة التفاعل والانفعال والحرية أوسع مدى، ولعلنا نستطيع أن نقول: بأن السنن في مجال المادة والكون هـي أشبه ما تكون بقضبان الحديد التي يسير عليها القطار وتحكم وجهته بصرامة، حيث لا يستطيع أن يعدل عنها أو يخرج عليها، فإذا حاد عنها تعرض للخطر، بينما السنن التي تحكم قضايا الإنسان هـي أقرب لحركة السيارة التي تحدد الاتجاه والهدف، ويمتلك السائق معها حرية الحركة أكثر في الوصول إلى غايته، وكل محكوم باتجاه، وإن اختلفت طبيعة ومدى حركته. لذلك نرى علماء وفلاسفة الاجتماع والحضارة، الذين حاولوا وضع قوانين وسننا للدورات الحضارية وأسبابا للبناء الحضاري، لم يتمكنوا من الوصول إلى الحتمية على الرغم من أن دراساتهم ذات قيمة علمية رفيعة، إلا أنها لم تتسم بالصرامة والدقة التي خططت للمادة الصماء، ولا نزال نسمع بالتفسير المادي، والنفسي والسياسي، والاقتصادي، والمذهبي، والقومي، والقبلي، والديني.. للتاريخ، والتاريخ ثمرة لذلك كله وإن تفوق بعض العوامل في بعض الظروف.. ونستطيع أن نقول باطمئنان: بأن سننهم وقوانينهم وحساباتهم لم تنطبق تماما على الحضارة الإسلامية، التي كانت ولا تزال عصية على تلك القوانين بشكل صارم، وإن خضعت لها في بعض الجوانب. إن السقوط المريع للبناء الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية، دليل جديد بعد تجربة أكثر من نصف قرن، على سقوط الحتميات وقوانينها التي حاول فلاسفتها أن يخضعوا البشر لها كما أخضعت المادة. ونحن هـنا، لا نريد أن نهون من الكسب البشري في كشف السنن في مجال العلوم والدراسات الاجتماعية، وإنما الذي نريد أن نبينه: أن تطبيق قوانين المادة الصماء على الإنسان الحر المختار المكلف المسئول، بنفس الصرامة واليقينية، فيه القليل من الصواب، والكثير من المجازفة، وذلك لخضوع الإنسان للعديد من الرغبات والأهواء والمؤثرات والانفعالات والحالات النفسية المعقدة، التي يمر بها؛ ولأن الإنسان أداة الكشف والتحليل ومحله، كما أسلفنا، فليس موضوع الدراسة شيئا خارجا عنه، فهو الأداة، وهو المحل، ومن هـنا يحق لنا أن نفخر نحن المسلمين أن السنن الأساسية التي تحكم الحياة والأحياء عندنا يقينية؛ لأنها ليس من وضع الإنسان، إنما نستمدها من الوحي، من علم الله الذي لا يخطيء، وأقداره النافذة، وقد بسطها القرآن وبينتها السنة، وأن ما طلب إلينا من السير في الأرض، إنما هـو وسائل إيضاح معينة على الفهم والإدراك، لأحقية وصواب ويقينية السنن. إن المميزات التي اختصت بها الأمة المسلمة تؤكد على أن السنن التي تحكم الحياة والأحياء لا تتصف بالصرامة واليقينية التي تخضع لها المادة وحتى الجانب المادي في الإنسان أيضا. نلمح ذلك في: - مواثيق الله وما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم من أن تسليط الأعداء على الأمة المسلمة ليس تسليط استئصال، وأن إصابتهم للمسلمين وإضرارهم بهم، ما هـو إلا أذى، وليس إنهاءا لهم، لأنهم أمة الرسالة الخالدة، والخاتمة، والشواهد التاريخية دليل ذلك.. فالأمة المسلمة تمرض وتضعف، لكنها تستعصي على الموت الذي لحق بالكثير من الحضارات السابقة لها واللاحقة عليها. - وأن الأمة المسلمة لا تجتمع على الخطأ والضلالة، فلا تزال عصمة الأمة بعمومها قائمة ومستمرة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. - وأن هـناك طائفة من الأمة لا تزال قائمة على الحق تحرسه، وتحول دون الانحراف عنه، وتضمن سلامة التواصل الثقافي بين الأجيال، لا يضرها من يخالفها حتى يوم الدين، والتي تشكل خميرة النهوض والإمكان الحضاري في كل حين. - وأن العشرين الصابرين من المؤمنين المقاتلين يغلبون مائتين، وذلك حتى بعد التخفيف. - وأن الاستمساك بالإيمان واق من آثار الهزيمة، وما تورثه من الوهن والحزن، وداع إلى الاستعلاء وعدم السقوط، والمعاودة للشهود الحضاري بعد الانكسار، إلى جانب عدم انطباق قانون الدورات الحضارية الذي انتهى إليه علماء التاريخ والحضارة والاجتماع، على الأمة المسلمة.. وهذه القضية يمكن أن نعتبرها من خصائص أمة الرسالة الخاتمة، ومواثيق الله لها، مهما حاولنا الحديث عن توفر أو تخلف الشروط والظروف. نعاود القول: إن الاجتماع البشري لا شك أنه يخضع لسنن قد عرض لها القرآن، وأكدها من خلال تاريخ البشرية الطويل، في القصص القرآني والبيان النبوي، وأن الله لم يخلق الناس عبثا، وأن من يعمل سوءا يجز به، وأن الإنجاز والإبداع والشهود الحضاري له شروطه ومقدماته وأسبابه وفروضه، وهو ليس عبارة عن أماني ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) (النساء: 123) .. هـذا قانون الله، لكن المشكلة أن نقول: بانطباق قوانين المادة الصماء على الإنسان المختار، وهذا لا يعني أن حركة الإنسان خلو من القانون والنظام، وإنما يعني أن المعيار هـنا عند الإنسان غيره عند وسائل الإنسان المادية. وأخشى ما نخشاه - ونحن نطرح موضوع سنن الله في الأنفس والآفاق من خلال ضغوط العجز والتخلف الداخلي التي يعاني منها العقل المسلم اليوم، والتحدي، والاستفزاز المادي الخارجي - أن تغيب عنا النظرة المتوازنة، وهي: إدراك العلاقة بين البعد الإيماني والغيبي، والسنن التي تحكم عالم الشهادة، ودور البعد الإيماني في الهداية إلى هـذه السنن، والتفاعل الذي يحدثه الإيمان بين هـداية السماء واستجابة الأرض لتحقيق الشهود الحضاري، وربط نتائج ذلك بقضية الإيمان.. إن اكتشاف انتظام هـذه القوانين , وعملها يقود إلى الإيمان بالله، والاستدلال بالأمور المادية والسنن الكونية على الأمور النفسية والإيمانية. ودور الإيمان في التنبه لهذه السنن، وإعمالها، وما يهب الإيمان والتقوى الفرد المسلم من استعدادات تدفعه إلى الإنجاز، ولا تقعد به عاطلا عن التعامل معها. نقصد أن العلاقة بين البعد الإيماني والإنجاز الحضاري، تحتاج إلى مزيد من النظر والتأمل.. لذلك رأينا بعض المدارس الحديثة التي كانت تتعامل مع المادة فقط، تراجعت لتقرر: أنه لا بد من إعادة صياغة المعادلة النفسية والاجتماعية للأمة، حتى تصبح قابلة للتطور والإنجاز التكنولوجي؛ لأن التكنولوجيا تأتي ثمرة لفلسلفة، وعقيدة، ومعادلة نفسية معينة، وبالتالي فلا يمكن أن تتطور في مجتمع عقيدته تغاير أو تختلف عن مجتمع نشوئها.. لقد ربط القرآن كثيرا من النتائج المتحصلة من إعمال هـذه السنن بالتقوى.. فمثلا: ربط بين التقوى وما تؤدي إليه من بصيرة في النظر للأمور، والحكم عليها بالحق والباطل، والصواب والخطأ.. يقول تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) (الأنفال: 29) . وهناك ارتباط بين الإيمان والتقوى، وبين اكتشاف سنن التسخير وزيادة الرزق: ( (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) ( الأعراف: 96 ) . وهناك ربط بين الإيمان والصبر الإيجابي وبين تجاوز المحن: ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) (البقرة: 155) . وربط أيضا بين الاستغفار والتوبة وبين نزول المطر وتحقق الخير.. وهناك ربط بين الانتصار في ميدان المبادئ، والانتصار على الشهوات وبين الانتصار على العدو. وهناك أيضا الربط بين الظلم الاجتماعي ومنع الفقراء حقوقهم، وبين فقدان الثروة.. وهناك أيضا الربط بين الفسق والترف، وبين الهلاك.. وهناك أيضا ربط بين غياب العدل وانقراض الأمم والحضارات. ونحن بسبيل الحديث عن سنن الله في الأنفس والآفاق، ومدى خضوع الحياة والأحياء لها، لا بد أن نوضح أنها قدر من قدر الله سبحانه وتعالى ، فهو الذي شرعها وسنها وناط تكليف الإنسان بها، وربط جزاءه وقيمة إنجازه بمقدار ما يكشف منها، ويلتزم بها، فالقيام بأمانة الاستخلاف الإنساني لا تتم إلا بالتعرف عليها؛ لأن أمر تسخير الكون مرتبط إلى حد كبير بحسن إدراكها، ذلك أن التعرف عليها لا يمنح الإنسان القدرة على تسخير الكون فحسب، وإنما يمنحه قدرا كبيرا من التحكم بالنتائج، والتخفيف من الآثار السلبية ومغالبة قدر بقدر، والفرار من قدر إلى قدر، وفي ذلك انفساح هـائل أمام طاقات الإنسان غير المتناهية، وتحكم في الكون الذي خلق الله الإنسان سيدا له، وجعله محل تسخيره. والسنن التي تحكم الكون والحياة قدر من قدر الله تعالى كما أسلفنا والتعرف عليها والانضباط بمقتضياتها هـو حقيقة التكليف، وحقيقة الإيمان، والتوكل، وهي مظهر من مظاهر العدل الإلهي المطلق، حيث لا يصح غير ذلك على الله سبحانه وتعالى ، فكيف يصح عدلا أن يعطى من لا يعمل، ويحرم من يعمل، وكيف يمكن للإنسان أن يستجيب لأمر الله، دون معالم هـادية، وأسباب موصلة إلى النتائج؟

ويمكننا أن نقول: إن الانحسار الحضاري، الذي يعاني منه المسلمون اليوم كان بسبب العدول عن الانضباط والانسلاك بالسنن، التي شرعها الله للشهود الحضاري (الشهادة على الناس والقيادة لهم) : ونخشى أن نقول: إن بعض علل الأمم السابقة التي حذرنا الله منها، والتي كانت سبب انحسارهم الحضاري تسربت إلى المسلمين، في عصور التخلف والانسلاخ عن الدين، وهي ما يمكن أن نعبر عنه بالغزو الفكري في المجال الديني: من عدم الاعتقاد بثبات السنن، والتوهم بأن الاعتقاد أن الأسباب توصل إلى النتائج يتعارض مع الإيمان بقدرة الله الذي شرع الأسباب وقدر أن تكون موصلة للنتائج، ويناقض التوكل، ويتعارض مع قدر الله، فكان العدول عن كشف السنن، هـو الذي أورثنا الاستنقاع الحضاري، الذي نعاني منه ونظن أننا أكثر إيمانا ويقينا، كما فعل رجال الكنيسة، فأوقفوا عجلة الحضارة والتقدم العلمي.

وقد تكون المشكلة أو بعض جوانبها، في الخلط بين السنن الجارية التي تتطلب فعل مقدمات تحكمها نتائج، وبين السنن الخارقة التي لا تخضع للمقدمات والنتائج، ومن ثم الاستشهاد بالآيات التي غالبا ما تنصرف إلى السنن الخارقة، في مجال السنن الجارية، وبذلك خروج عن المنهج، وضياع عن السنن الجارية والخارقة معا.

ويتفرع عن هـذا أيضا: ضرورة مراجعة وتحديد مصطلح الغيب الذي ورد ذكره في الكتاب والسنة وهو ما اختص الله بعلمه، فقد يطلق الغيب ويراد به الماضي (ذلك من أنباء الغيب) ، وقد يطلق على الأمر الغائب عن ساحة المشاهدة، وقد يطلق على المستقبل في عالم الشهادة نفسه، وقد يطلق على العالم الآخر (ما بعد الموت) ، وهذا التحديد يمنحنا فرصة ومدى أكثر رحابة لجولات العقل، وكشفه، ومساحاته، ويجعلنا أكثر اطمئنانا عندما نحاول رصد المقدمات والأسباب في الحاضر، والتنبؤ بالنتائج في المستقبل أننا لا نقترف إثما، ولا نرجم بالغيب، ولا نتدخل بعلم الله الخاص به سبحانه. وعلى الرغم من أن الغيب، بمعنى العالم الآخر، له سننه وقوانينه، وطبيعته المختلفة، وأن مصدر معرفته هـو الوحي فقط، ودور العقل هـو فهم الوحي دون الاستقلال بالنظر، إلا أن مفهوماته العامة، كما جاء بها الوحي، لا تخرج عن المعقولية من ربط الأسباب بالمسببات، والعلة بالمعلول، والمقدمات بالنتائج؛ لأنه منطق العدل الإلهي، كما أسلفنا.. فالدنيا كلها أو عالم الشهادة، مقدمة ومزرعة للعالم الآخر، وواقع المؤمن في الآخرة مرهون بما يقدم في الدنيا، وما يفعله في الدنيا بدافع ما يأمل في الآخرة من نتائج على عمله. فالمؤمن يشعر أن عمله واختياره وإنجازه في الدنيا له دور كبير في تحديد مستقبله ومصيره في الآخرة. ألا يحق لنا بعد هـذا، أن نستغرب عزوف المسلمين عن دراسات المستقبل من خلال التعرف على السنن وملاحظة اطرادها، والمستقبل عندهم لا تحده الدنيا وتغيب عنهم عمليات التخطيط واستشراف المستقبل بعد أن أصبح علما له مقوماته واختصاصاته؟ لقد ربط الإسلام إمكانية الإنجاز بمعرفة الأسباب، وكشف السنن، التي تحكم الكون وعالم الحياة والأحياء، وقدم القرآن ذو القرنين ) أنموذجا متجسدا لربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، واعتبر ذلك مقدمة لا بد منها للنهوض والإنجاز الحضاري، وبذلك لم يكتف القرآن بتأكيد موضوع السنن نظريا. فذو القرنين الذي آتاه الله من كل شئ سببا فأتبع سببا، وكان له التمكين في الأرض؛ لأنه عرف السنن وانضبط بها: سار في الأرض وكانت مساحة رحلته من مشرق الشمس إلى مغربها، وتعرف من خلال هـذا السير إلى أسباب العجز الحضاري، والتحديات والمعاناة التي تواجه البشر، وأيقن بضرورة توفير الظروف والشروط التي تكسبهم المنعة، فكان أشبه بالمهندس الذي عرف أسباب التردي، ووسائل التمكين، في الأرض، ووضع الخطط، وأشرط الأيدي العاملة، واستحضر المواد المطلوبة لإتمام عملية الإنجاز.. وقد تكون العودة إلى النص القرآني والوقوف أمام هـذا الأنموذج بدون حواجز، أدعى إلى التأمل المطلوب: قال تعالى: ( ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ) (الكهف: 83-97) .

وبعد: فهذا الكتاب الذي نقدمه اليوم، للأخ الدكتور أحمد محمد كنعان ، لا شك أنه يعتبر محاولة متقدمة في هـذا المجال، تفتح الأبواب والنوافذ لمزيد من الدراسات والبحوث في هـذا الموقع الحيوي الهام والغائب بالنسبة لاستئناف المسملين دورهم الحضاري، ومعالجة حالة الركود والانحسار، التي يعيشونها.

ويمكن أن نقول: بأن الكتاب مساهمة طيبة وإن كان لا يخلو من بعض الاجتهادات التي لا تزال تستدعي الكثير من الحوار والنقاش والتفكير والتأصيل.

وحسبنا في هـذا الكتاب أنه يستدعي موضوع سنة الله في الخلق إلى ساحة اهتمام العقل المسلم بعد هـذا الغياب الطويل، ليبدأ رحلة التفتيش عن مواطن الخلل، ويدرك أسباب القصور، فيستدركها، ويصوب المسيرة، ويمارس عمليات النقد والمراجعة والتقويم في ضوء تلك المقاييس السننية التي لا يمكن أن تتم أية عملية مراجعة دقيقة بدون إبصارها، والتي لا تزال غائبة بشكل أو بآخر عن ساحة الفكر والعمل الإسلامي، والله من وراء القصد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث