الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم : عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي جعل الأمة المسلمة أمة الرسالة الخاتمة الخالدة، وناط بها الشهادة على الناس، وقيادتهم إلى الحق والخير، قال تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [البقرة:143].

فلقد خصت الأمة المسلمة بالشهادة على الناس والقيادة لهم، لا بسبب اللون أو القوم أو الجنس والإقليم - أو سائر الفوارق القسرية الأخرى، التي لا يد للإنسان في إيجادها أو نفيها - وإنما بسبب ما تؤمن به، وتمتلكه من القيم المعيارية المعصومة، في الكتاب والسنة، والتي تشكل لها أدوات التصويب والتجديد، وتمنحها الإمكان الحضاري، وتحتفظ لها بخميرة النهوض، وتحديد مواقع القصور، وتبين أسباب التقصير. وبسبب ما تمتلك من رصيد تجربة تاريخية حضارية، وخاصة منها مرحلة النبوة، ومجتمع خير القرون، الذي تجسده السيرة النبوية، التي تشكل الأنموذج والقدوة للفرد والأمة، في تحويل النظرية إلى ممارسة، والفكر إلى فعل، والقيم إلى برامج، وتقدم المعيار العملي، لتنزيل قيم الإسلام على الواقع، وتقويم سلوك المجتمع الإسلامي بها، وتحقيق مقاصد الدين، [ ص: 7 ] من خلال عزمات البشر، تعاملا مع السنن، والأسباب الإلهية الجارية في الأنفس والآفاق، بعيدا عن انتظار المخلص، نزوعا إلى السنن الخارقة وطلب المعجزات.

والصلاة والسلام على الشاهد، المبشر النذير، الذي أنزل عليه القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنا عليه؛ قال تعالى: ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ) [المائدة:48]، فكانت نبوته ورسالته معيارا للنبوات السابقة، وتصويبا لما لحقها من التحريف والتبديل والإخفاء والإلغاء والنسيان، الذي انتهت إليه أصول الرسالات السماوية جميعا، من لدن آدم عليه السلام ، والذي يقف على قمة التجربة الإنسانية التاريخية، للأنبياء مع أقوامهم، وبذلك لم تقتصر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، على الشهادة على الحاضر، ومعايرته وتقويمه بشرع الله، وإنما امتدت لتقويم التاريخ، وبيان مواطن الخلل في المسيرة البشرية، وكيفيات تعاملها مع قيم السماء، ليكون ذلك رصيدا للأمة الإسلامية، فلا تقتصر على الاعتبار بتاريخها الخاص، والانتهاء عند حدوده، وإنما طلب إليها السير في الأرض، والتوغل في التاريخ العام، لتكتشف السنن والقوانين، التي تحكم الحياة والأحياء، وتتحقق من نفاذها، وحكمها في عملية السقوط والنهوض. تلك السنن التي لا تحابي أحدا ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) [الفتح:23]، فتضيف تجارب إلى تجربتها، وعقولا إلى عقلها، [ ص: 8 ] وتهتدي إلى فاعلية سنن السقوط والنهوض، التي شرعها الله، وتتعظ وتعتبر بها، وتحقق الوقاية الحضارية، من التعرف إلى أسبابها، وتقدير نتائجها، استجابة لخطاب الله تعالى، وتكليفه لها بقوله: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هـذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) [آل عمران:137- 138].

وبذلك نتبين: أن وظيفة الأمة المسلمة ليست فقط تصويب الحاضر، وتقويمه بقيم الدين، وإنما استشراف الماضي، وإعادة معايرته، والاعتبار به، حماية للحاضر، وحسن بناء وتقويم المستقبل.

فالرسالة الخاتمة تعني، فيما تعني: معايرة التاريخ، وتقويم الحاضر، وتصويب التوجه إلى المستقبل، والقدرة على إنتاج النماذج التي تظهر بالحق، لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله، وهي على ذلك.

وبعد:

فهذا كتاب الأمة التاسع والثلاثون " قيم المجتمع الإسلامي من منظور تاريخي " للدكتور أكرم ضياء العمري ، أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، في سلسلة " كتاب الأمة " ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر ، [ ص: 9 ] مساهمة في استرداد شخصية المسلم المعاصر، وبناء الإنسان الصالح المصلح، للوصول إلى المجتمع الإسلامي المأمول، وتقويم سلوكه، وضبط حركته بالقيم الإسلامية، وتحقيق الوقاية الفكرية والحصانة الثقافية، وإعادة بناء المرجعية الشرعية، وتشكيل مركز الرؤية في ضوء هـدايات وعطاء الوحي، وتجارب ومكتسبات العقل، ليصبح المسلم قادرا على النقد والتقويم والمراجعة، وفق معايير شرعية منضبطة، فيعرف الحق ليعرف أهله، ويزن الأشخاص بالحق، ولا يزن الحق بالأشخاص، ويمتلك الإمكانية على رؤية واكتشاف سنن الله، وقوانينه في الأنفس والآفاق، التي تحكم الحياة والأحياء، فيسخرها بدل أن يكون مسخرا لها، ويدفع القدر بالقدر، ويعلم أن ما يلحق به من إصابات وسقوط وتخلف، إنما هـو بسبب جنوحه عن منهج الله، أو تقصيره في استبيانه، أو غفلته عن السنن الجارية المطردة، وكيفيات التعامل معها، وتوهمه أن مسيرة الحياة، هـي لون من العبث لا يحكمها قانون، ولا يضبطها نظام، ليصبح شعاره الدائم قول الله تعالى: ( قل هـو من عند أنفسكم ) [آل عمران:165].

والقضية التي نحب أن نعرض لها، ونؤكد عليها، بادئ ذي بدء، أن التاريخ بشكل عام، والتاريخ الإسلامي بشكل خاص، ليس هـو التاريخ السياسي، أو تاريخ السلطة الحاكمة فقط، وإن كان يتمحور في معظمه حولها، ويتوجه بالدرجة الأولى، وبتوجيه من السلطات نفسها، إلى تسجيل وإبراز نشاطاتها، أو بمعنى آخر: [ ص: 10 ]

ليس هـو تاريخ الدولة، بأجهزتها المتعددة، وإنما هـو تاريخ الأمة بشكل عام، وعطاؤها الحضاري، على مختلف الأصعدة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والعلمية..إلخ.

وأن من الخطأ العلمي والمنهجي والديني والتربوي، الاقتصار في التاريخ على الجانب السياسي، سواء في ذلك كتابة التاريخ أو قراءته أو تقويمه، وبخاصة تلك الفترات التي ينفصل فيها السلطان عن القرآن، أو تنفصل الدولة عن الأمة، أو تغيب المبادئ والقيم والعقائد عن السياسات والدول والحكومات.

لذلك نقول: إنه من الخطأ المنهجي والموضوعي الاقتصار على تاريخ الحكام والأمراء والخلفاء، وتغييب تاريخ المجددين والمصلحين، والعلماء العاملين، والطوائف التي تحمل الحق وتظهر به، وتدافع عنه، وتتولى حسبة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتحقيق الرقابة العامة في الأمة.

كما أن من الخطأ التربوي والثقافي والديني أيضا الاقتصار على إبراز الجوانب المشرقة، وتضخيمها في التاريخ الإسلامي، وتصوير مجتمع المسلمين، على أنه مجتمع ملائكة معصومين عن الخطأ، وتغييب أو إسقاط فترات الانكسار، والهزيمة، والسقوط، التي قد تمثل النقاط السوداء، والسلبية، في مسيرة الأمة، إذا ما تمت معايرتها بالقيم، وإن كانت مساحتها في التاريخ الإسلامي لا تكاد تذكر أمام الإنجازات العظيمة، والعطاء الحضاري الإنساني. [ ص: 11 ]

ذلك أن حاجتنا إلى معرفة الشر، ودراسة أسبابه، مخافة أن تدركنا، قد لا تقل أهمية في المجال التربوي، والثقافي، وإعادة البناء للحاضر، والاستشراف للمستقبل، عن حاجتنا إلى معرفة أسباب النهوض وجوانب القوة وعوامل الحصانة والصمود، لممارستها وتمثلها.

إن التاريخ هـو وعاء لفعل الأمة، وتسجيل لحركتها، ومدى فهمها لقيمها، واستجابتها لها، وقدرتها على تنزيلها على الواقع. وهذا الوعاء لا بد أن يسجل بأمانة ودقة ومسؤولية، حتى تواريخ الجماعات والفرق الخارجة على النظام السياسي، ودراسة أسباب خروجها وتقويمه، وتاريخ حركات التغيير، ومنطلقاتها، وأهدافها، ووسائلها، وأسباب إخفاقها وعجزها. ذلك أن الانحياز العاطفي للتاريخ الإسلامي، بسلبياته وإيجابياته، ومحاولة إيجاد المسوغات والمبررات العاطفية والحماسية، غير الموضوعية، وغير العلمية لبعض السلبيات، والإحجام أو عدم القدرة على تقويم ذلك ومعايرته، من خلال القيم المعصومة في الكتاب والسنة، وتحقيق الاعتبار به، سوف يساهم باستمرار حالة الركود، والتخلف، والاستنقاع الحضاري، التي نعاني منها على مختلف الأصعدة، بعيدا عن إضافة التجارب إلى تجربتنا والأعمار إلى عمرنا، والعقول إلى عقلنا.

فقراءة التاريخ دون القدرة على دراسته، وتقويمه بشجاعة وأمانة وموضوعية، لا تمنحنا الرؤية الكافية لقوانين السقوط والنهوض، ولا تمنحنا التبين والاهتداء والاتعاظ، والوقاية الحضارية [ ص: 12 ] التي أشار إليها قوله تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هـذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) [آل عمران:137- 138].

إن النتائج السلبية والإحباطات التي تترتب على فلسفة التبرير، والتستر على بعض الإصابات والانحرافات، التي حدثت في التاريخ الإسلامي، تفوق بكثير الفوائد الموهومة، من الناحية التربوية. فإذا كان الحاضر هـو مستقبل الماضي، وكان الماضي بمجموعة متألقا وسديدا، والحاضر لا خطأ فيه، يصبح السؤال المطروح والمعلق بدون إجابة شافية: لماذا انتهينا إلى ما نحن عليه؟!

ولعل عقلية الانحياز العاطفي للتاريخ الإسلامي، والتستر على بعض إصابات المجتمع الإسلامي وجنوحه وانحرافاته، ومحاولات تبرير وتسويغ الخطأ والانحراف، أدى إلى لون من التشكيل الثقافي والتربوي الخطأ. أدى إلى تشكيل عقلية التستر على أخطاء وانحرافات الكثير من ممارسات مؤسسات وتنظيمات العمل الإسلامي، باسم حماية الصف من التشويش والخلخلة والاضطراب، والحيلولة دون تبصير الأعداء بأخطائنا، حتى لا ينفذوا منها إلينا، إلى درجة جعلت هـذه العقلية تتوضع مع الأخطاء، التي ما تزال تشكل ألغاما موقوتة في جسم العمل الإسلامي يمكن أن تقضي عليه [ ص: 13 ] والأمر المقلق حقا، أو المعادلة الصعبة أمام الإنسان المسلم اليوم: إذا كانت كل ممارساتنا صحيحة، ومعصومة عن الخطأ، وأنها جاءت صوابا محضا، فما معنى التردي المستمر في جوانب كثيرة من حياتنا؟! هـل لأننا مسلمون تلحق بنا الإصابات، مع أننا نحسن العمل؟!

إن مخاطر استمرار السكوت عن الأخطاء والتستر عليها، ومحاولات تسويغها، وعدم كشفها ومعالجتها، تحت شتى المحاذير، من: الحفاظ على وحدة الصف وقوته، وعدم تبصير العدو بمواطن الضعف، كان - ولا يزال - وراء الكثير من نكباتنا وإحباطاتنا. وليس ذلك فقط، وإنما تكريس الخطأ واستمراره وتكراره.

إن الأجيال القادمة سوف تقع بالإصابات نفسها؛ لأننا لم نعطها الدليل، ونبين لها سبب السقوط.

ونعتقد أن عمليات التصويب والتقويم، وكشف الخطأ، إذا ما وزنت بمردودها وفوائدها النهائية، يمكن أن تتمخض أخيرا، وتتحول إلى نعم على المدى البعيد، للصف الذي ننشد وحدته وقوته، ذلك أن الصف الذي لا يحتمل معالجة الخطأ، ولا يمتلك القدرة على تجاوزه ومعالجته، هـو صف لا يوثق به ابتداء، إضافة إلى أن ذريعة تبصير الأعداء بمواطن الضعف، هـي ذريعة باطلة، خاصة إذا ما عرفنا أن عدونا أعرف بأخطائنا منا، وأنه قد يكون وراء صنع الكثير منها، وتشجيع عقلية التستر عليها، وأن من مصلحته تكريسها واستمرارها، وأننا بالدرجة الأولى والنهائية، أمة دعوة، نخاطب الناس جميعا، المؤمن منهم والكافر، وليس لدينا ما نخاف منه أو عليه، [ ص: 14 ] حتى أننا لنعتقد أن الاعتراف بالخطأ والعودة إلى الحق، من أكثر وسائل الدعوة تأثيرا. فالإسلام ليس حكرا علينا، ولم يبدأ بنا، ولن ينتهي عندنا.

فالتاريخ هـو في نهاية المطاف فعل إنساني، فردي وجماعي، يجري عليه الخطأ والصواب، والسقوط والارتقاء، والضعف والقوة. والإفادة من التاريخ إنما تكون بالقدرة على معايرته، وبيان مواطن الضعف والانحراف فيه، وتحديد أسبابهما، واكتشاف السنن التي تحكم الحياة والأحياء، لتحقيق الدرس والعبرة، للوصول من ثم إلى الحصانة الحضارية - كما أسلفنا - وتحقيق الاستجابة للتكليف الشرعي، أو الأداء للفرض الكفائي.

وقد يكون من الخير العميم، والتميز الذي اختصت به الأمة المسلمة، والذي ضمن لها الخلود والاستمرار، وجود المعايير الثابتة الضابطة والمعصومة، لمسيرة العقل الإنساني والفعل البشري، من خلال معرفة الوحي في الكتاب والسنة، كقيم معيارية خارجة عن وضع الإنسان، غير منحازة لفعله أو تبريره، وغير متأثرة بتكوينه وظروفه، والتي يمكن من خلالها تبين المنطلقات والمقاصد والأهداف والممارسات للفعل الإنساني، والتبصر ببعض النماذج، من الوسائل المشروعة كدليل عمل. كما يمكن من خلالها تحديد مواطن الخطأ والصواب، والسداد والانحراف، والتعرف إلى أسبابهما، وكيفية التعامل مع آثارهما. لذلك تأتي الدراسة والتقويم، من خلال قيم الكتاب والسنة، عملية منهجية، لا تتأثر نتائجها ولا مناهجها بالإنسان صاحب الفعل، الذي ينحاز بطبعه إلى فعله، [ ص: 15 ] ويحاول الدفاع عنه، أو التستر عليه. إنها دراسة منهجية، محكومة بقيم معصومة ثابتة، وليست محاولة مذهبية تتحكم فيها فلسفات الإنسان نفسه، بحيث يصبح فعله هـو محل البحث، ويصبح هـو وسيلة هـذا البحث وأداته.

وفي تقديري أننا لو أدركنا تماما هـذا التكليف الشرعي، الذي يدعو إلى الكشف والمعايرة، والاهتداء إلى السنن، من خلال القيم المعيارية المعصومة، في الكتاب والسنة، بعيدا عن الأهواء والرغبات، لكان ذلك سبيلا إلى قوة الصف، ووحدة وتماسك النسيج الاجتماعي للأمة والجماعات والتنظيمات الإسلامية، ومحاصرة للخطأ، وسد الطريق أمام العدو. لكن أخشى أن أقول: إن الكثير منا – إلا من رحم الله – عند المعايرة المطلوبة، ومن خلال عقلية التبرير والتسويغ الشائعة، انعكست عنده المعادلة، فأصبح يعرف الحق بالأشخاص، ولا يعرف الأشخاص بالحق. يعاير القيم بالفعل البشري، ويئول على هـواه، ولا يعاير الفعل والسلوك بالقيم. لذلك يستمر الارتكاس، والتردي، والتراجع، وتستمر عملية العبث بالقيم، وتفصيلها على الواقع لتسويغه لاتصويب الواقع بها.

والأمر الذي لا بد من التوقف عنده قليلا أن التقويم والدارسة والمعايرة، لم تتوقف لحظة واحدة في فترة السيرة التي تمثل المجتمع القدوة، حتى في أشد حالات السقوط والهزيمة، وأفضل لحظات النصر، والظفر، على الرغم من أن المجتمع الأول كان بقيادة النبوة وحراسة الوحي وتسديده، لكن أريد له أن يكون مجتمع البشر وفعل البشر وعزمات البشر وأخطاء البشر، [ ص: 16 ] ليكون ذلك أنموذجا يحتذى في المعايرة والدراسة والتقويم والقدرة على التعامل مع القيم، وتنزيلها على الواقع، وتحقيقها من خلال عزمات البشر.

فإذا كان مجتمع النبوة، محلا للمعايرة والمناصحة والنقد والتقويم، وأن هـذه المراجعة والتقويم والمعايرة بالقيم، لم تتوقف في الأحوال كلها، سواء في ذلك مراحل النصر أو الهزيمة، وكانت بمثابة الحراسة الدائمة لاستمرار وسلامة قيم المجتمع الإسلامي، وكانت تكليفا لعموم الأمة، يقوم بها كل مسلم بقدر وسعه، ووسيلته المشروعة، فأين مجتمعنا وأعمالنا الإسلامية اليوم من ذلك؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) [رواه مسلم ].

فأضعف الإيمان هـو: المقاومة السلبية للمنكر، وعدم السقوط به، والتستر عليه. ويقول أيضا: ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) [رواه أبو داود والترمذي وغيرهما].

( ويجيب أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها عندما سألته: أنهلك وفينا الصالحون؟ قائلا: نعم إذا كثر الخبث ) [رواه مسلم ]. ذلك أن الفتن والبلاءات لا تقتصر على الظالمين فقط، وإنما تصيب الأمة جميعها، لقبولها بالظلم والانحراف، وقعود الصالحين عن مدافعته ومواجهته بما يستطيعون. فالله سبحانه وتعالى يقول: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا [ ص: 17 ] منكم خاصة ) [الأنفال:25] لقد بلغ أمر المناصحة والمراجعة والنقد والتقويم لحراسة القيم الإسلامية والمجتمع الإسلامي، مرتبة يمكن أن نقول معها: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستمرار المعايرة للواقع بالقيم، هـذه المسؤولية الوسيلة، أصبحت من القيم نفسها، وارتقت إلى مرتبتها. أصبح ذلك من التدين السليم، الذي تتميز به الأمة المسلمة، ويكون سببا في خيريتها، ولم يعد وسيلة لحماية القيم وحراستها، وضمان شيوعها واستمرارها في المجتمع فقط، يقول تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) [آل عمران:110].

صحيح بأن وسائلنا وأساليبنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بما يسمى الرقابة العامة لقيم المجتمع، لم تتطور ولم تتأصل وتتأسس، وتبنى في مؤسسات التعليم والتربية بالشكل المطلوب، كما هـو الحال في البلدان الأخرى، التي تأصلت فيها أنظمة الرقابة المالية والإدارية والقضائية والإعلامية، وأصبح لها مؤسسات متخصصة، وأقسام في المعاهد والجامعات لإعداد المتخصصين في ذلك، إلى درجة أصبحوا يعتبرون معها الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، يشكل السلطة الرابعة، لأهميته وقدرته، وما يمكن أن يقوم به من الرقابة العامة على المجتمع، وممارسات أفراده وأدائهم، حتى ليكاد يصبح السلطة المؤثرة الأولى، التي تراقب أداء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، [ ص: 18 ] وحتى التعليمية.... وأن هـذه القيم التي لم تمتد عندنا بالشكل المطلوب، بدأت تغيب وتتراجع وتضعف وتحاصر وتأخذ أشكالا قد تكون بدائية وعفوية أو فردية، بسبب غياب التأصيل والتأسيس لها في المجتمع الإسلامي، وخاصة على مستوى الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم الإسلامي، التي لا تريد أن تضبط مسيرتها، أو تحاسب على ممارساتها. لكن صحيح أيضا بأن هـذه القيم لا تزال تعيش في ضمير الأمة المسلمة، وتضمن تماسكها واستمرارها، وتظهر بها جماعات وأفراد؛ لأن غيابها الكامل يتنافى مع خاتمية وخلود الرسالة الإسلامية.

ولعلي أقول هـنا: قد يكون من أهم الخصائص التي تتمتع بها أو تتميز بها الحضارة المعاصرة الغالبة، على الرغم من كل إصاباتها، إنها تحاول أن تكتشف أخطاءها بنفسها، وتعالج نفسها بنفسها، وأن صيحات التحذير التي تبين الانحراف وتحذر منه، لا تتوقف، وأن دراسة الظواهر الاجتماعية والتوجهات المجتمعية في مراكز البحوث، وإصدار الدراسات، التي تحاول معالجة الخطأ، وتسديد المسيرة، مستمرة ودائبة، بل هـي اليوم جزء من جسم الأمة، حتى أنها في كثير من الأحيان، تتمتع بالاستقلالية الكاملة عن جسم مؤسسات المجتمع العاملة، حتى لا تتأثر بأخطائها، وتمتلك القدرة على الرؤية من خارج النسق اليومي.

إن مؤسسات الرقابة العامة لقيم المجتمع عندهم، أصبحت قادرة على أن تسلط الأضواء، وتمارس النقد لكل انحراف وتقصير، وتقف بالمرصاد لكل تصرف، وتقوم بالاستبيانات [ ص: 19 ] والاستطلاعات والإحصاءات، التي تمكنها من أداء وظيفتها إلى درجة أصبحت معها اليوم، ليست قادرة على تقويم الانحراف فحسب، بل تمتلك القدرة على إلغائه، وإسقاط صاحبه، هـذا على الرغم مما يداخل ذلك، من تحكم وتوجيه، في لعبة الصراع والتدافع السياسي، وغياب الضمير الديني والوازع الداخلي، لمثل هـذه المؤسسات في الحضارة الغربية الغالبة، التي قد تتسرب إليها البلايا بسبب غياب الوازع الداخلي وانعدام قيم الثواب والعقاب. فكيف يمكن أن يكون عليه الحال لو أن المسلمين استطاعوا أن يؤسسوا ويؤصلوا قيم المناصحة والمراجعة والنقد والرقابة العامة، والارتقاء بوسائل حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتقدموا للعالم بأنموذج المجتمع المتميز بالقيم المعصومة من الوحي التي تحقق إنسانية الإنسان؟!

وقد يكون من المفيد أن نورد بعض الأمثلة والنماذج لعلميات التقويم والنقد والمراجعة، من مجتمع القدوة، الذي تقوده النبوة ويحرسه الوحي، لنبطل حجج أصحاب فلسفة التبرير والتستر، ولنتبين أن ذلك لم يتوقف لحظة واحدة؛ لأنه جزء لا يتجزأ من عملية بناء الأمة وتسديد مسيرتها، ولنبين أيضا خطورة غياب النقد والتقويم والمراجعة، ومما يؤدي ذلك إليه من الجنوح والانحراف وتكرار الخطأ وتكريسه، ونبين أن الادعاء بأن ذلك الغياب أو التغييب، تدين وغيرة على الإسلام، وقيمه هـو تفكير معوج، وتدين مغشوش، واعتذارات وانحرافات عن الجادة، يمكن أن تكون أقبح من الذنوب والمعاصي نفسها. [ ص: 20 ] وسوف نكتفي بثلاثة نماذج فقط، حيث إننا نعتبر بلا مغالاة أن آيات القرآن كلها، إنما جاءت لتقويم سلوك المجتمع بقيم الإسلام، واستمرار حراستها.

· ففي غزوة أحد ، حيث الرسول صلى الله عليه وسلم هـو القائد، والصحابة هـم الجنود، وهم أبناء مجتمع خير القرون، والمواجهة مع الكفار والوثنين، وحيث الهزيمة بلغت أوجها، ونالت أبعادا خطيرة من النفوس والقلوب، وعلا صوت الكفر (أعل هـبل) ، وأشيع قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتزلزل الإيمان عند بعض المسلمين، وكان المسلمون أحوج ما يكونون لوحدة الصف وتماسك القوة. مع ذلك نزلت الآيات لتقويم الحال وبيان الأسباب التي أدت إلى هـذه النتائج، والتي لم تقتصر على رصد الظواهر التي يبصرها الناس، وإنما تجاوزت إلى بيان دخائل النفوس التي كانت سببا لهذه الظواهر. تلك الآيات التي ما نزال نتلوها ونتعبد بها، دون أن تكون عندنا المقدرة الكاملة - مع الأسف - للامتداد بمقاصدها ووظائفها في حياتنا، وكأنها أصبحت اليوم تتلى للتبرك فقط، يقول الله تعالى: ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم [ ص: 21 ] في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ) [آل عمران:152- 155].

( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هـذا قل هـو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) [آل عمران:165].

ولا بد لنا هـنا من وقفة للتأمل والتفكر، فالتنازع في الأمر والعصيان، وعدم الطاعة، وإرادة الدنيا، والظن بالله غير الحق، والإخفاء في النفس غير الإظهار للناس، واستزلال الشيطان، والوقوع في إغراءاته...إلخ، هـي مجموعة قضايا وإصابات ومقدمات أدت إلى الهزيمة. وهي لا تخرج هـنا عن أهمية إلقاء بعض الأضواء، وفتح بعض النوافذ. لكن حتى تدرك الصورة كاملة [ ص: 22 ] لا بد من التمعن في الآيات كلها، ودراسة أسباب نزولها بالتفصيل، في مكانها من سورة آل عمران. إنها تعتبر أعلى درجات النقد والتقويم والمراجعة، لأرقى المجتمعات وأكثرها خيرية، في أشد الظروف حراجة ودقة وخطورة، حتى لقد قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم: ما كنا نعلم أن فينا من يريد الدنيا، حتى نزول الآيات!! .

وبعد هـذا، ألا يحق لنا أن نقول: إن النقد والتقويم والمراجعة، تكليف شرعي ودين من الدين؟ وأن أية جماعة أو مؤسسة أو تنظيم أو مجتمع بعد مجتمع النبوة، لا يجوز شرعا ولا عقلا، أن يكون فوق النقد والتقويم؛ لأنه الأحوج إلى ذلك؟ إن مجتمع النبوة كان يمكن أن يكتفي بتسديد الوحي وحراسته وعصمة النبوة، لكن كيف يمكن له أن يشكل أنموذجا للمجتمعات القادمة فيما بعد انقطاع الوحي؟ كيف يمكن لمجتمع معصوم عن الخطأ أن يكون أنموذجا لمجتمع يجري عليه الخطأ والصواب؟

لذلك نرى أن العدول عن النقد والتقويم باسم الدين هـو نوع من التدين المغشوش والتفكير المعوج كما أسلفنا.

· ولنأخذ مثالا آخر من مواقع النصر، في معركة الفرقان، التي كان لها ما ليس لغيرها من المعارك والانتصارات، والتي اتجه بعدها أمر الدين، وتجاوز القنطرة، كما يقال. ومنح أصحابها ما لم يمنحه أحد من المسلمين، ولنذكر هـنا قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه : ( ما يدريك لعل الله اطلع على أصحاب أهل بدر فقال: اعملوا [ ص: 23 ] ما شئتم فقد غفرت لكم ) [السيرة النبوية لابن هـشام،4/41].. " اللهم إن تهلك هـذه العصابة اليوم لا تعبد " [السيرة النبوية لابن هـشام،2/279]. هـذه أقوال النبوة فيهم. ولنتابع التأمل في بعض الآيات:

يقول تعالى: ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) [الأنفال:5].

( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) [الأنفال:7].

( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) [الأنفال:17].

( وما النصر إلا من عند الله ) [الأنفال:10].

( قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) [الأنفال:1].

يقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه : اختلفنا في غنائم بدر، حتى كادت تسوء أخلاقنا، فنزعها الله منا، وجعل أمر قسمتها لله والرسول

ولما ظن بعض الصحابة من الشباب أن النصر كان بمهارتهم وشجاعتهم، وبعض الصحابة من الشيوخ أنه كان بخطتهم وحكمتهم، قال تعالى: ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما [ ص: 24 ] رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) .... ( وما النصر إلا من عند الله ) ، أليس هـذا أرقى أنواع التقويم، ووضع الضوابط وتقويم النفوس والعقول، وتعميرها بالإيمان في حالات الظفر، ونشوة الانتصار، والحفاظ على قيم الإسلام الأصلية، حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها؟

·وليس الحال في معركة حنين بأقل شأنا، حيث لا نزال نقرأ قوله تعالى: ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) [التوبة:25].

وهكذا تستمر الحراسة العامة في كل حال وموقف، ولا تقتصر على المجال السياسي أو العسكري، وإنما تستغرق المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وحراستها، والظهور بها، حتى لا تغيب قيم المجتمع الإسلامي الذي يعتبر استمرار قيمه، من لوازم الرسالة الخاتمة الخالدة، والظهور بها، من لوازم أمة الرسالة الخاتمة.

ولا يخفى أن التاريخ الإسلامي أو حركة المجتمع الإسلامي، هـي في الحقيقة، تمثل استجابة المسلمين لقيم الدين، وانفعالهم بها، وتجسيدها في الواقع. وهذا التنزيل قد يصيب وقد يخطئ، وقد يختلط فيه الخطأ بالصواب، وتسود تقاليد اجتماعية، وتترسب عادات، وتغيب تعاليم سماوية، ويضعف الالتزام بها، وتضيق دائرة الطائفة القائمة على الحق، التي تظهر به أو تتسع بين فترات السقوط والنهوض، لكن في النهاية يبقى التاريخ الإسلامي، [ ص: 25 ] فعل بشري، اجتهادي، متجسد في برامج عمل، في إطار القيم المعصومة، يمكن أن يلحق بهذه البرامج والاجتهادات الضعف والجنوح، والرفض في بعض المراحل، لذلك لا يمكن بحال من الأحوال أن يصبح التاريخ الذي هـو اجتهاد بشري، يجري عليه الخطأ والصواب، هـو المعيار ومصدر التشريع للأحكام، والتنزيل للقيم على الواقع، وإنما هـو مصدر للدرس والعبرة والعظة، واختبار التجارب، ميدانيا للتعرف إلى القوانين والسنن، التي تحكم حركة المجتمعات في سقوطها ونهوضها، فالمعيار ومصدر التشريع، إنما يتمثل ويتوحد دائما في القيم المعصومة في الكتاب والسنة، ويستمد من معرفة الوحي.

وهنا قضية لا بد من لفت النظر إليها، والتوقف عندها قليلا، وهي أن السيرة النبوية، على الرغم من أنها تمثل من الناحية الزمانية، مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي، إلا أنها تتميز عنه بأنها تنزيل للقيم على الواقع، وبيان عملي تطبيقي لقيم الكتاب والسنة من قبل المعصوم عن الخطأ وبحراسة الوحي. ومن هـنا تتميز السيرة النبوية، بأنها مصدر للتشريع والأحكام، لأنها تعتبر من السنة، سواء كانت من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو من إقراره لفعل الصحابة. كما أنها تعتبر فترة القدوة، أو المعيار العملي، لتنزيل الإسلام على الواقع، ووسيلة الإيضاح المعينة على التنزيل، والتي هـي أشبه ما تكون بالتجربة المخبرية، التي تمكن من الامتداد بالأحكام الشرعية، وكيفيات التعامل معها، وتجسيدها في الواقع، وتحقيق انفعال الناس بها، وتمثلها في حياتهم. [ ص: 26 ] ولحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى - ولعل ذلك من لوازم وأسباب حفظ الذكر - بقاء وحفظ قيم الدين وتطبيقاته المعصومة، في زمن النبوة والخلافة الراشدة، لتبقى هـي المعيار دون سواها من فترات التاريخ الإسلامي، وذلك بسبب انقطاع الرشد بشكله الشامل، وتعرض مسيرة المجتمع الإسلامي وتاريخه، لسنن التدافع البشري والتداول الحضاري

والسقوط والنهوض ليصبح مصدر عبرة وعظة ووقاية حضارية. وتبقى فترة السيرة والخلافة الراشدة وحدها تمثل المعيار.

وقد تكون المشكلة اليوم في رد فعل بعض الباحثين، على العطالة، وانطفاء الفاعلية، التي يعاني منها مسلمو اليوم، الذي قادهم إلى المغالاة في اعتبار التاريخ هـو المختبر الحقيقي للقيم والمبادئ، ووسيلة لاكتشاف صوابها من خطئها، إلى درجة قد يجازف معها، ويتجاوز النصوص في الكتاب والسنة ومقاصدها. وأكثر من ذلك، فقد ذهب إلى اعتبار التاريخ مصدرا للمعرفة، وليس النص، وكأن الأمرين متقابلان، حيث يقول: " إن القرآن حسم موضوع المعرفة. بأن جعل المرجع الذي يحسم الموضوع كله قوله: ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) [العنكبوت:20]. ويتابع القول: إن المرجع في كيفية بدء الخلق كله، ومنه خلق الإنسان، مرجعه ليس النص، بل النص يردنا إلى البحث في الأرض " .

والكلام غريب وعجيب ومحل نظر، وسوف لا نتكلم عن القيمة العلمية [ ص: 27 ] والوثائقية للنصوص التاريخية، التي سوف تشكل لنا مصدرا للمعرفة في زعمه، بل نقول: إن القرآن حتى من الناحية التاريخية والوثائقية - وليس من الناحية الدينية فقط - يشكل أقدم وثيقة تاريخية تفيد علم اليقين، لما توفر لها من منهج النقل المتواتر. فهو بهذا الاعتبار، مقدم وثائقيا على النص التاريخي. ونحن هـنا لا نرفض المعرفة التي يمنحها لنا التاريخ، فهو مصدر للتعرف على أحوال الأمم السابقة، واكتشاف قوانين الحركة الاجتماعية، لكن نرى أن التاريخ لا يرقى ليصبح حكما على النص المعصوم ومختبرا له.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يمكن أن نطرح السؤال التالي: ما قيمة النصوص في الكتاب والسنة، التي قررت، وبينت بالتفصيل: كيف بدأ الخلق، وكشفت عن تطور مراحله، ثم كيف ينشئ الله النشأة الآخرة، كمعرفة معصومة من الوحي، ومن ثم طلبت معرفة الوحي (النصوص نفسها) ، من الإنسان السير في الأرض للتحقق وتحصيل اليقين؟!

فالمعرفة بدأت من الوحي، من السماء. والسير في الأرض (التاريخ) طلب للتأكد والبرهنة ورؤية الآيات واكتشاف قوانين وسنن التسخير؛ قال تعالى: ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) [فصلت:53]. لذلك رأينا - ولا نزال نرى - أن السائرين في الأرض (التاريخ) بلا دليل الوحي ومعرفة الوحي، وقعوا بتناقضات وتخبطات ونظريات لا نهاية لها. [ ص: 28 ] والأمر الذي نريد إيضاحه هـنا، أن التاريخ هـو بحق الأب الحقيقي للعلوم الاجتماعية، والوسيلة التي تمكن من اكتشاف سنن وقوانين الاجتماع والعمران، التي تعتبر المؤثر في حركة الحياة، من خلال حرية الإنسان واختياره وفعله، حيث رتب الله نفاذ سنن التغيير بإرادة الإنسان واختياره، فقال تعالى: ( إن الله لا يغير ما بقوم ) [الرعد:11]. والفاعل في قوله تعالى: (لا يغير) يعود على الله سبحانه وتعالى . وفي قوله تعالى: ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [الرعد:11] نرى أن الفاعل في (يغيروا) هـو الإنسان، وكأن سنن التغيير التي شرعها الله، ربط نفاذها باختيار الإنسان. فالكثير من السنن الاجتماعية في الأنفس، لا يمكن التحقق منها في الحاضر، الذي سوف نعلم نبأه بعد حين، قال تعالى: ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) [ص:88]. ليس ذلك لأن الإنسان أداة البحث وفعله ومحله فقط، وإنما لأن طبيعة السنن تقتضي زمنا وبطئا في تحولها وتحققها، على خلاف قوانين المادة، وأن المصدر الوحيد للتعرف عليها وكشفها، والتيقن منها هـو التاريخ، وأن النص في الكتاب والسنة، أشار إلى بعضها، وطلب من الإنسان السير في الأرض للتحقق والتأكد من نفاذها في الأمم السابقة، لأن الحاضر لا يحقق ذلك، ولحث الإنسان على اكتشاف قوانين وسنن اجتماعية أخرى حتى يتمكن من تسخيرها.

وفي اعتقادنا أنه من المفيد التوقف عند هـذه القضية قليلا، وتسليط بعض الأضواء عليها، بالقدر الذي يسمح به المجال؛ لأن لها من الأهمية، ما يجعلها محل بحث قائم بذاته، ويستدعي الفقه بها، [ ص: 29 ] ومتابعة النظر إليها، في ضوء معرفة الوحي في الكتاب والسنة، ومدارك العقل في دراسة التاريخ، والتأمل في السيرورة البشرية، والسنن أو القوانين التي تحكمها، وما يمكن أن يلمح من التصادم بين القدر والحرية، والتي يعبر عنها أحيانا كمسلمة: بأن التاريخ يعيد نفسه. تلك المقولة التي حاولت جعل الفعل البشري مسيرا كجزء من فلسفة عامة في تفسير الحركة الإنسانية واستجاباتها، ومعايرتها، طبقا لقوانين المادة الصماء، في محاولة لقطع علاقة الإنسان بالخالق المدير للكون، وجعل حركة التاريخ حتمية ذاتية، ألغت معها حرية الإنسان، أو أية إرادة خارجة عن إطار المادة!

وعلى الرغم من سقوط الحتميات التي ادعى لها فلاسفتها وأنصارها، أنها الآلهة البديلة عن الله خالق الكون، إلا أننا لا يمكن أن نقول: بأن حركة الحياة هـي عبث من العبث، خارج عن نطاق أية سنة أو نظام أو انضباط وإرادة مطلقة، بل نقول: إن الحقيقة التي أكدتها التجارب البشرية المتطاولة، والنتائج التي انتهت إليها تواريخ الكثير من الشعوب، ومنها تاريخ الأمة المسلمة، أن هـناك سننا، وقوانين اجتماعية، وضعها الله وقدرها، فهي أقدار لحكم حركة الحياة والأحياء، وبينت معظمها معرفة الوحي في الكتاب والسنة، ودعت إلى التأكد من نفاذها، والتحقق منها بطلب السير في الأرض، ودراسة تاريخ الأمم السابقة للاهتداء إليها، ومعرفة التعامل معها، وكيفية المداخلة في مسارها وتسخيرها. [ ص: 30 ] هذه السنن والقوانين هـي من السنن الجارية، وليست الخارقة لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي أحدا. وأنها مطردة تتكرر نتائجها كلما وجدت مقدماتها، ما لم تتخلف بعض الشروط، أو توجد بعض العوائق التي ما على الإنسان إلا اكتشافها لنفي العجز وإعادة المحاولة ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) [الأحزاب:62]، ( ولن تجد لسنت الله تحويلا ) [فاطر:43]. وأن الإنسان لا يمكنه أن يبدلها أو يخرج عن نسقها أو يبطلها، وإنما يمكن له من خلال إدراكها والإحاطة بها، أن يقوم بالمداخلة التي تمكن من التسخير. وهذه المداخلة وهذا التسخير لا يمكن أن يتم بعيدا عنها، وذلك بمغالبة قدر بقدر، أو سنة بسنة.

والأمر الذي لا بد من إيضاحه أيضا هـو أن الله سبحانه وتعالى بفضله ونعمته وتكريمه للإنسان، ناط نفاذ السنن ونتائجها، وما يترتب عليها من تغيير بإرادة البشر، ولم يجعلها قوانين صارمة، بعيدة عن إرادة وفعل البشر، فالتاريخ لا يعيد نفسه، وإنما يخضع لسنن مضطردة، متفاعلة مع إرادة البشر، حيث رتب الله كثيرا من سنن السقوط والنهوض، على إرادة وفعل البشر. ولا يتسع المجال لإيراد الكثير من النماذج على ذلك.

ونستطيع أن نقول: إن النص طرح هـذه السنن كقوانين مطردة صارمة لا تتخلف، وأتى بنماذج تطبيقية من خلال مجتمعات الأنبياء السابقين، للتدليل على اطرادها ونفاذها، وعدم تخلفها وتبدلها، وتحدى بالعواقب المترتبة عليها، والتحدي بالعواقب [ ص: 31 ] مرحلة تعتبر فوق مرحلة تقرير النتائج، التي تترتب عندما تتوفر المقدمات في قوانين العلوم. من هـنا نقول بأن التاريخ مصدر لاكتشاف سنن وقوانين التسخير، التي تحكم الحياة والأحياء، حتى يتمكن الإنسان وخاصة المسلم، وريث النبوة وصاحب الرسالة الخاتمة، أن يبصرها ويمكن له تسخيرها، ومغالبة قدر بقدر، والمداخلة في بناء الحاضر، واستشراف المستقبل، حتى يستطع القيام بمهمة الاستخلاف وفق منهج الله، الذي بينه الوحي، وأكده التاريخ.

والحقيقة التي لا بد من استصحابها باستمرار، هـي أن القيم المعيارية التي تحدد الأهداف، ونقوم بها التاريخ والحاضر، ونزن بها العقل، والاجتهاد البشري في محاولته التنزيل الإسلامي على الواقع، ونحدد على ضوئها الخطأ والصواب في المسيرة الحضارية الإنسانية، والحركة التاريخية الإسلامية، وتمنحنا الدليل المنهجي الثابت في دراستنا للتاريخ وتحليلنا للواقع، وتكشف لنا السنن والقوانين الناظمة للحركة الاجتماعية حتى نتحقق منها، وندرك أن تسخيرها يعصمنا من القراءات المذهبية والأبجديات الخاطئة، ووجهات النظر الشخصية، وتعميم التجارب الذاتية، سواء في قراءة التاريخ أو في إعادة كتابته، وتحملنا أعلى درجات المسئولية والموضوعية، سواء في تحصيل المعرفة، أو في الالتزام بأدبها وأخلاقها، إنما هـي القيم المعصومة، التي جاءتنا بها النبوة في الكتاب والسنة، وحققتها لنا معرفة الوحي، لتشكل لنا معايير ثابتة مأمونة؛ لأنها خارجة عن وضع الإنسان، وغير خاضعة لرغباته وأهوائه، وعلمه المحدود، وعمره المحدود أيضا، ومعارفه النسبية، [ ص: 32 ]

والتي تكتسب فاعليتها واستمرارها من الإيمان بها، وإنها بمجموعها نظريا وتطبيقيا هـي الدين. والالتزام بها هـو الأمانة التي حملها الإنسان. وأن حسن أدائها وفق منهج الله هـو العبودية التي خلق الإنسان لها. وأن حراستها والقيام بحسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هـو سبيل الخيرية والتميز التي اختص الله بها هـذه الأمة بقوله: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) [آل عمران:110].

وينبغي أن نقول إنه من الأهمية بمكان، الاستمرار بالتفكير والاجتهاد في إيجاد الأدوات المعرفية والمناهج اللازمة، لتأسيس وتأصيل القيم الإسلامية في الكتاب والسنة، في الواقع الإسلامي، ووضع الخطط والبرامج التعليمية والأوعية الشرعية، والامتداد بالاجتهاد في إقامة المؤسسات، ووضع الدراسات، والإفادة من التجارب التاريخية العامة والخاصة، لحماية هـذه القيم، ومراقبة تطبيقها، وحسن تنزيلها على الواقع، والحيلولة دون القراءات الخاطئة لفهم المجتمعات الإسلامية، والتأويل الخاطئ للقيم نفسها في الكتاب والسنة، لإعطاء مسوغ تراثي أو شرعي لمذاهب الرفض والخروج والاختراق. كما لا بد من نقد التاريخ بأمانة وشجاعة، وكشف الآليات الاجتماعية، أو السنن الاجتماعية، وكيفيات تسخيرها، والمداخلة في مسارها؛ لأن استشراف التاريخ ووضع الحاضر في موقعه المناسب من المسيرة التاريخية للأمة، وامتلاك القدرة [ ص: 33 ] على اكتشاف السنن وتسخيرها له من الأهمية في البناء الحضاري، ما يفوق محاولات استشراف المستقبل، ومحاولة التحكم بمسارات الحاضر، ذلك أن الحاضر هـو مستقبل الماضي، وأنه ماضي المستقبل ومقدماته، التي لا يمكن لنا حسن بناء المستقبل ما لم نصوبها. وأن أية محاولة للنهوض بالحاضر لا بد أن تتم في ضوء معايرة الماضي التاريخي للأمة في ضوء قيمها في الكتاب والسنة.

ونعتقد أن استمرار التخلف والركود والتراجع، إنما هـو بسبب معايرة الواقع الذي نحن عليه بتاريخ وقيم حضارية أخرى، غريبة عن أصوله وقيمه الحضارية، بعيدة عن ماضيه، وأن الأمة المسلمة في تاريخها الطويل، حافظت على القيم الإسلامية، وكان انحيازها للقرآن كلما انفصل السلطان عن القرآن، وأن هـذا كان يشكل لها دائما خميرة النهوض، ويمنحها الإمكان الحضاري، إذا توفرت شروطه وظروفه، ويحول دون موتها وانقراض حضارتها.

وقد تكون المشكلة اليوم أن عمليات النقد والمراجعة والمعايرة، وإعادة قراءة التاريخ أو كتابته، إنما تتم بعيدا عن القيم التي جاء التاريخ استجابة لها، أو جنوحا عنها، بسبب سوء الفهم للتعامل معها، وتتخذ من قيم الحضارة الغربية، وكلياتها ومذاهبها السياسية والاجتماعية، معيارا للحكم على التاريخ الإسلامي، ومحاولة مقاربته ومشابهته بالمراحل التاريخية، التي مرت بها المجتمعات الأوروبية، وما سادها من قيم، الأمر الذي لم يورث الأمة المسلمة إلا مزيدا من التبعية والتخلف والانحطاط، والتشويه، والتخاذل الثقافي. [ ص: 34 ] وحسبنا أن نقول: إنه خلل منهجي لتجاهله تاريخ الأمة ومعادلتها الاجتماعية.

ولعل الإشكالية التي نعاني منها في مشروعات النهوض، أو دعوات الإصلاح والتجديد، ووسائل التغيير للواقع، الذي نحن عليه: الاقتصار على الإحساس بالمشكلة، وعدم امتلاك القدرة على تجاوز ذلك، إلى مرحلة تحليلها، ودراسة العناصر التي تتكون منها، والأسباب التي تكمن وراءها، أو بمعنى آخر عدم الإحاطة بعلمها كما ينبغي، في ضوء استيعاب المعادلة الاجتماعية للأمة المسلمة، التي تمكننا من اكتشاف الخلل، وتشكل لنا دليل المعالجة، وترسم لنا سبيل الخروج من الواقع الذي نعيشه.

لذلك رأينا أن الفشل لحق بمساعينا للنهوض جميعا، سواء في ذلك المشاريع المستوردة من الخارج من الأمم الأخرى التي لها معادلتها الحضارية ومنظومتها الفكرية وتاريخها الثقافي، أو المشاريع النهضوية وأدوات التغيير، التي طرحت في الداخل الإسلامي؛ لأنها - كما أسلفنا -لم تتجاوز الإحساس بالمشكلة إلى الإحاطة بها، والتعامل معها من خلال استصحاب المعادلة الاجتماعية للأمة، التي لا بد لها من الارتكاز والانطلاق من عقيدة الأمة وقيمها. أو بتعبير آخر، منظومتها الفكرية أو عالم أفكارها بالدرجة الأولى، ومن ثم التاريخ المتطاول لهذه الأمة، برؤية شاملة لفترات السقوط والنهوض، لأن التاريخ في نهاية المطاف [ ص: 35 ] يمثل الاستجابة الصحيحة أو المغلوطة لمنظومة القيم وعالم الأفكار، ويبصر بالعقل العام أو الجمعي للأمة، ويفقه بالكيفيات التي تعامل فيها مع القيم، وتفاعل معها في الظروف المختلفة. ومن ثم لا بد من الإحاطة بالحاضر، وتشكله الاجتماعي والثقافي والسياسي، وأين يمكن تصنيف موقعه من القيم والتفاعل معها، وأين يمكن أن يكون من المسيرة التاريخية للأمة؟

إن أي مشروع للنهوض يتجاهل أحد هـذه العناصر الثلاثة: منظومة القيم أو عالم الأفكار، والتاريخ الذي يمثل الوعاء والاستجابة والتجسيد لهذه القيم في الظروف المختلفة، والحاضر كحلقة من هـذا التاريخ؛ لأن الحاضر هـو مستقبل الماضي - كما أسلفنا - كعناصر تتركب منها المعادلة الاجتماعية للأمة، سوف يبوء بالفشل والعجز عن تحقيق أي نهوض، على الرغم من امتلاك إمكانيته، حيث إننا في هـذه الحالة، قد نمتلك القدرة، لكننا نفتقد الإرادة التي تتحقق من خلال الرؤية الشاملة، التي لا بد منها في أية عملية للنهوض، وتجنب الارتكاس والإحباط وانطفاء الفاعلية.

إن القراءات النقدية التقويمية، التي ندعو إلى تأصيلها وإشاعتها، وتشكيل العقل الناقد المتسلح بالمعايير الدقيقة في الكتاب والسنة، المتسم بأمانة المعرفة وأخلاقها، يجب ألا تقتصر على الماضي (التراث والتاريخ) ، بل لا بد أن تمتد إلى نقد وتقويم الواقع المعاصر، وتكون قادرة على كشف الأسباب الممتدة في التاريخ، والنتائج التي انتهت إليها في الحاضر، وامتلاك القدرة على وضع الحاضر - كما أسلفنا - في موضعه الصحيح من المسيرة التاريخية، [ ص: 36 ] حتى يمكن الإفادة من التاريخ في تصويب الحاضر، والتحضير للمستقبل.

وإننا حينما ندعو إلى الصدق مع أنفسنا، وعدم الانحياز العاطفي للتاريخ الإسلامي، ونؤكد على أهمية النقد والمراجعة والتقويم لتصويب مسيرة الحاضر، وحسن رؤية المستقبل، يحزننا أن نقول بأن ما يمكن اعتباره من السلبيات في التاريخ الإسلامي، أو من النقاط السوداء أثناء معايرته بالقيم في الكتاب والسنة، إذا ما قورن بالحاضر الذي نحن عليه، يجعل الحاضر الذي لا نجرؤ على نقده دون سوية تلك السلبيات، التي ننتقدها في التاريخ الإسلامي!

وبعد:

فإن هـذا الكتاب الذي نقدمه في إطار السلسلة، يأتي في وقته المناسب، ليساهم في إبراز مقومات الهوية الإسلامية - بعد أن اشتدت المحاولات الدولية في حقبة العلو اليهودي الثقافي والسياسي، بعد مرحلة العلو العسكري لطمسها وإلغائها – وبيان قسمات المجتمع الإسلامي وتميزه، من منظور تاريخي، وليدلل على عمق قيم الكتاب والسنة، واستمرارها، وانحياز الأمة إليها، حتى في أشد الفترات؛ لأنها هـي القوة الدافعة للنهوض، المانعة من السقوط، ولأن أية محاولة للنهوض بعيدا عن معادلة الأمة الاجتماعية، واستصحاب قيمها المعيارية، والاهتداء بظروف وشروط ميلادها الأول، في السيرة النبوية، سوف تبوء بالفشل كما هـو الحال، ويبقى المطلوب اليوم: كيفية تحويل القيم الإسلامية إلى مؤسسات فاعلة، قادرة على الامتداد بها، والحراسة لها، ووقاية الأمة وعدم الانشغال [ ص: 37 ] عن ذلك بالتراجع إلى مواقع الفكر الدفاعي، التي يحدد ساحاته العدو، والتي استنزفت - ولا تزال - الكثير من الطاقات، وحالت دون المرابطة في المواقع الغائبة عن ساحة الفعل الإسلامي.

ولعلي أقول: بأن الحاجة إلى التأسيس والتأصيل والارتباط بالجذور، في هـذا الوقت بالذات الذي بدأ يتمدد فيه الآخر، المهيمن على الثقافة والحضارة والتاريخ، وعلى التشكيل العقلي، لكثير من المفكرين العرب والمسلمين، باتت اليوم أشد من أي وقت مضى.

وتأتي ميزة الكتاب أيضا من أن الأخ الدكتور أكرم ، بما يمتلك من مرجعية شرعية، ونظرات نقدية منهجية، ودراسات تخصصية في التاريخ الإسلامي، يعتبر إضافة نوعية، ولبنة أساسية في المنهج المطلوب للعقل المسلم المعاصر. والله المستعان. [ ص: 38 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث