الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم بقلم:

الأستاذ عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي تعهد بحفظ القرآن، خطاب السماء الخاتم الخالد، المجرد عن قيود الزمان والمكان، إلى الإنسان المخلوق المكلف المكرم، فقال تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر: 9) .

وهذا التعهد بالحفظ، بمقدار ما يمنح الأمة المسلمة من الاطمئنان لصحة وسلامة عالم أفكارها، ومصدر قيمها، بمقدار ما ينيط بها من المسئوليات ويكلفها من التبعات في حمل الأمانة، التي تقع ضمن عزمات البشر، والتي هـي تشريف للإنسان وارتقاء به، قبل أن تكون تكليفا له وتبعة عليه، فهو المخلوق المكرم؛ لأنه يمتلك من الصفات والخصائص والمزايا ما يجعله أهلا لهذا القول العظيم الثقيل، وهو المخلوق المكلف -والتكليف دليل الحرية وعلامة الاختيار؛ لأنه يمتلك من القدرة والإرادة، ما يجلعه قادرا على إدراك الحق وحسن التلقي، وترجمة القيم والتعاليم السماوية والأفكار والقناعات إلى أفعال.

وتعهد الله الأكرم بحفظ الذكر، لم يقتصر على القرآن -على أهمية ذلك وضرورته على المستويات الدينية والثقافية والحضارية- وإنما امتد التعهد بالحفظ أيضا إلى البيان، ذلك أن حفظ البيان (التفسير والتطبيق والتنزيل على الواقع) ، لا يقل أهمية وضرورة عن حفظ القرآن، من حيث حماية مدلولات النص من التحريف، والتأويل، والانتحال، والغلو،

قال تعالى: ( إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه ) (القيامة: 17-19) .

فالبيان النبوي المعصوم، أو ما صح من البيان المأثور، الذي توفرت له ضوابط النقل والتوثيق، من فهوم وتطبيقات القرون المشهود لها بالخيرية، هـو الذي يشكل المرجعية الشرعية، والمعيارية لفهم آيات القرآن الكريم في كل زمان ومكان.. فللإنسان المسلم أن يمتد بالرؤية القرآنية إلى أمداء وآفاق وفضاءات حضارية واسعة، وينظر إلى المشكلات الإنسانية، ويجتهد في إيجاد الحلول الملائمة لها، ويبصر مسارات المستقبل، ويرسم معالمها في ضوء هـدايات ومعارف الوحي، شريطة ألا يعود ذلك بالنقض أو الإلغاء للبيان المحفوظ، الذي يشكل المرجعية، التي لم تكتف بوضع الإطار، ورسم المسارات، ووضع المنهج للفهم القرآني، وإنما أقامت المنارات، ووضعت الإشارات الهادية، للحماية من السقوط أثناء السير في الطريق.

وفي اعتقادنا أن البيان النبوي الذي تعهد الله بحفظه، وفهم القرون المشهود لها بالخيرية من الرسول عليه الصلاة والسلام ، له صفة الخلود والامتداد، ومقاصده مجردة عن قيود الزمان والمكان أيضا؛ لأنه بيان النص الخالد.. ومن هـنا نقول: إننا لا نعني فقط بتوفر المرجعية الشرعية، أن لا يعود أي فهم أو اجتهاد في كل زمان ومكان، بالنقض أو الإلغاء للبيان النبوي، أو فهم القرون المشهود لها بالخيرية، وإنما نعني أيضا ضرورة استصحاب أي فهم أو اجتهاد، للبيان النبوي ابتداء، لما في ذلك من التقوى وأمن السلامة، والحماية من الزيغ والزلل والضلال، وعدم التقدم إلى التعامل مع أي قضية والنظر فيها، قبل التحقق بالمرجعية الشرعية، التي أشرنا إليها،

استجابة لقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ) (الحجرات: 1) .

ونرى أن غياب هـذه المرجعية وعدم وضوحها بالشكل المطلوب، إضافة إلى الجنوح إلى الهوى وإتباع الظن، كان وراء الكثير من حركات الرفض والخروج، وتشكل الفرق الضالة، على هـوامش المجتمع الإسلامي.

والصـلاة والسـلام على الرسـول الذي عهد الله إليه بمهمـة البـلاغ والبيان،

فقـال تعالـى: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (المائدة: 67) .

وقال: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) (النحل: 44) .

وبذلك لم تقتصر مهمة البيان والتصويب وبناء المرجعية الشرعية على حاضر الناس، وإنما امتدت لبيان وتصويب ما لحق بالأقوام السابقة مـن علل التـدين، نتيجـة لتحريفـات نصـوص الدين ومدلولاتـه، التي عبث فيها أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ولعل النص: ( لتبين للناس ) ينصرف أول ما ينصرف بمقصد بيانه إليهم، أي: اليهود والنصارى ، لتبين -يا محمد - حقيقة ما نزل إليهم، وزيف ما هـم عليه، وتبين للمسلمين معاني ومقاصد الآيات القرآنية، وكيفيات التعامل معها، وتجسيدها في الواقع، وتكون في ذلك قدوة عملية، وتبين لهم سنن الله الاجتماعية التي تحكم الحياة والأحياء، والتي كان التاريخ وقصص الأنبياء مختبرا حقيقيا لها، ليأخذوا حذرهم، ويقوموا حاضرهم، من خلال ماضي الأمم السابقة والنبوات السابقة، ويبصروا مستقبلهم من خلال حاضرهم، فيهتدوا إلى سنن السقوط والنهوض، ويتعظوا ويحققوا الوقاية الحضارية، فلا تتسرب إليهم علل التدين التي كانت سببا في هـلاك الأمم السابقة.

وبعـد:

فهذا كتاب الأمة الخامس والخمسون: (أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية) للدكتور أحمد بن عبد العزيز ابن محمد الحليبي ، في سلسلة (كتاب الأمة) ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر ، مساهمة في التشكيل الثقافي، وتحقيق الوعي الحضاري، وإعادة بناء المسلم المعاصر، وإحياء وعيه برسالته الإسلامية الإنسانية، ووظيفته في الشهادة على الناس والقيادة لهم إلى الخير، وإلحاق الرحمة بهم، بعد تحققه بالمرجعية الشرعية، وتبصره بالسنن الإلهية في الأنفس والآفاق، التي تمثل أقدار الله وسننه المطردة التي لا تتبدل ولا تتحول، ليحسن التعامل معها، ويمتلك القدرة على تسخيرها، ومغالبة قدر بقدر أحب إلى الله، في محاولة لتصويب المفاهيم وتصحيح المعايير، والتحقق بفقه النص في الكتاب والسنة، وفهم الواقع الذي عليه الناس، للمساهمة بتجديد أمر الدين، ونفي نوابت السوء عنه، ولا سبيل لتجديد أمر الدين إلا بالعودة بالتدين إلى التلقي عن الينابيع الأولى، وبناء الفهم والفقه العملي، في ضوء ما تمنحه السيرة النبوية الصحيحة والخلافة الراشدة وفهم خير القرون المشهود لها، في كيفية فهم وتنزيل الكتاب والسنة على الواقع المعيش، وامتلاك القدرة على التعامل مع قيم الكتاب والسنة، من خلال مشكلات الإنسان والمجتمع وقضاياه، وإيجاد الحلول الشرعية التي تتلائم مع هـذا الواقع في ضوء إمكاناته واستطاعاته، والتعامل مع الواقع وتصويب مسيرته على هـدي من قيم الوحي، والتحول من التفكير الارتجالي الآني القائم على ردود الأفعال، إلى التفكير الاستراتيجي، الذي يحيط بمعرفة الواقع، ويدرس الأسباب والسنن التي تقف وراءه، ويتعرف بدقة على الإمكانات والاستطاعات، ويحدد مدى التكليف الشرعي المطلوب والممكن في كل مرحلة، والتبصر بالعواقب والمآلات، وعدم الخضوع إلى الإثارة والاستفزاز، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) (متفق عليه من حديث أبي هـريرة ) .

والقضية التي لا بد من الاستمرار في طرحها، والتأكيد عليها، هـي ضرورة استئناف السير في الأرض، والتوغل في التاريخ البشري بشكل عام، والتاريخ الإسلامي بشكل خاص، للاهتداء إلى سنن السقوط والنهوض، وأخذ الدروس والعبرة، والحذر من تسرب علل تدين الأمم السابقة إلى أمة الرسالة الخاتمة، وتحقيق الوقاية الحضارية،

استجابة لقوله تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) (آل عمران: 137-138) »

والتوقف طويلا بالدرس والتحليل والاستقراء والاستنتاج لحركات الإصلاح والتجديد والتغيير، والتعرف على حياة المجددين كنماذج تاريخية، وخاصة أولئك الذين شكلوا منعطفات تاريخية، والذيـن كانت تتشابـه ظروفهم مـع ظروفنـا وواقعنـا، حيث لا ينكر دور النماذج التاريخية المضيئة في بناء الأجيال، والإفادة من تجاربهم سلبا وإيجابا، وتأصيل منهج التقويم والمراجعة والمناصحة والنقد والمشاورة والمثاقفة والمفاقهة والحوار.

إن عمليات التجديد والإصلاح لا يمكن أن تتم بالفراغ، أو ترسم في البروج العاجية البعيدة عن ساحة التفاعل الاجتماعي، فأولى خطواته -فيما نرى- تتمثل في نقد الواقع، ومراجعة تقويمه، ومعايرته بقيم الكتاب والسنة، وتحديد مواقع الخلل، وإدراك أسبابه، ورسم سبل الخروج والتصويب، وهذا لا يمكن أن يتم أو يتحقق بعيدا عن أدواته وآلياته، من الحوار والمثاقفة والمفاقهة والمناصحة والنقد؛ لأننا نعتقد أن ( قول الرسول صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) (رواه أبو داود والحاكم ) ، هـو إخبار بامتداد هـذا الدين، واستمرار سلامة قيمه، من خلال التصويب والمراجعة والتوثيق، وهو -من جانب آخر- تكليف للأمة أن تستمر فيها حاسة الرقابة العامة، ومراجعة المسيرة، ومعايرة الواقع، بعيدا عن أي استنقاع حضاري، أو ركود ثقافي، أو استسلام وخلود إلى الأرض.

ولعل حركات الإصلاح والتجديد، تكون معنية بالدرجة الأولى بتحديد مواطن الشر، والتعرف على أسبابه، مخافة أن يدركها، أو يعلق بمسيرتها وسلوكها بعض أمراض مجتمعها التي تريد إصلاحه، ولتكون على بصيرة في معالجة الأسباب، عندما تحاول التصويب والإصلاح والوقاية ونفي نوابت السوء من جانب، والتجديد والتنمية لمجالات الخير من جانب آخر.

ولا شك أن ظهور ووجود حركات الإصلاح والتجديد والتغيير، ووجود نماذج مضيئة من المجددين الذين ينفون نوابت السوء، ويقتلعون البدع في الفقه والفكر والعقيدة بالقرآن والبيان، ويقفون سدا منيعا في وجه التحريف، والمغالاة، والتعطيل والإرجاء، والتأويل والتضليل والضلال، يعتبر من لوازم الرسالة الخاتمة الخالدة المجردة عن حدود الزمان والمكان، حيث توقف عندها التصويب من السماء؛ لأن سمة الخلود تؤكد من بعض الوجوه قدرتها على التجدد الذاتي، وذلك بإنتاج نماذج للاقتداء والاتباع، قادرة على التجديد، وإعادة معايرة الواقع بقيم الكتاب والسنة، وتجديد الفاعلية، وتجاوز التقاليد الاجتماعية المترسبة، إلى التعاليم الشرعية المعصومة.

وهذه النماذج التجديدية، على مستوى الأفراد والجماعات، قد تضيق مساحتها وقد تتسع، لكنها لم تنقطع عبر التاريخ، القديم والوسيط والمعاصر، فسنن المدافعة جارية في الحياة، لأن الشر من لوازم الخير.. وتتبع هـذه النماذج ودراستها، وتحليل طروحاتها الفكرية، ووسائلها في الدعوة والإصلاح، ضرورة علمية ودعوية وثقافية وحضارية وسياسية معا، وذلك لإثارة الاقتداء، وإحياء الفاعلية واستشعار المسئولية في حمل الأمانة، واختبار وسائل السقوط والنهوض، والفقه بكيفية التعامل مع قيم الكتاب والسنة، وتنزيلها على واقع الناس، وتحقيق العبرة بالتعرف على جوانب النجاح والإخفاق، وتحديد مواطن التقصير وأسباب القصور والإخفاق، لتكون سبيل اهتداء، للتعامل مع الحاضر، وبصارة المستقبل، واستدراك الخلل، وتصويب المسيرة، وإضافة هـذا الرصيد الثقافي والحضاري والدعوي لإمكانات الحاضر وتطلعات المستقبل.

ولعل الأولى بالتحليل والدراسة والاتباع، وإثارة الاقتداء في تاريخ حركات التجديد والإصلاح والتغيير والمجددين: أولئك الذين واجهوا ظرفا مشابها لما حولنا، وواقعا مماثلا لواقعنا، واغترفوا من معين الكتاب والسنة، واهتدوا بفهم القرون المشهود لها بالخيرية من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعاشوا في قلب الواقع الإسلامي بكل مشكلاته وقضاياه ومعاناته، وقادوا المسيرة بفقه وفكر وفعل، وكانوا من الطلائع التي تتقدم الصفوف، تعطي الأنموذج لفعل الحلال ومنع الحرام، أو بعبارة أخرى: كانوا يصنعون التاريخ، ولم يكونوا من الساقة الذين يخرجون من المعركة، ويسيرون خلف الصفوف، كل هـمهم أن يحكموا على تصرفات ومسالك الناس وأفعالهم بعد وقوعها، بالحل والحرمة، بعيدا عن أي صناعة حضارية، فتحولوا من صناعة التاريخ ومغالبة الأقدار في ضوء السنن الربانية، إلى الاقتصار على قراءة التاريخ، والخروج من الواقع.

وقد يكون الشيخ الإمام المجدد ابن تيمية رحمه الله، ومدرسته الفقهية ومنهجه الفكري، على رأس قائمة هـؤلاء المجددين، من حيث أهمية التعرف على منهجه، نظرا للتشابه الكبير بين ظروف عصرنا وظروف عصره، بكل ما حمل من تقليد فقهي، وجمود فكري، ووهن حضاري، وغزو ثقافي، وتسلط سياسي وعسكري، وتمزق اجتماعي، وتضليل فلسفي، وهجمة باطنية، وموالاة غير المسلمين، واختراق سياسي، وإشاعة الثقافات اليهودية والنصرانية، والافتتان بتقليد الكفار والتخلق بأخلاقهم، وتوهين قيم الكتاب والسنة، وتمزيق وحدة العالم الإسلامي العقدية والفكرية والسياسية، وكثرة فرق الضلال والتضليل.

لقد اهتم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالحفاظ على الثقافة الإسلامية، والشخصية المسلمة بكل خصائصها وامتيازاتها، وخاصة عندما رأى من آثار اجتياح التتار للدول الإسلامية، وظهور اليهود والنصارى .. ولعل من القضايا المبكرة التي تنبه لها وأدرك خطرها، من الناحية الدينية والثقافية والسياسية والحضارية، قضية التقليد والمحاكاة، والتشبه بالكفار من اليهود والنصارى ومضاهاتهم، والانسلاك في منهجهم، والتتبع لسننهم، وما يؤدي إليه ذلك من الانحلال الثقافي، ونقض عرى الإيمان، والضلال.. والمعروف نفسيا وثقافيا، أن شيوع تقليد الغالب، والتشبه به في لباسه وعاداته وأعياده ولغته، يورث تشاكلا وتناسبا، كما يورث مودة وموالاة بين المتشابهين.

ولقد توقف رحمه الله عند قضية اعتماد العربية، لغة القرآن، وأهمية تعلمها والتزام النطق بها، وأنها من الدين، ودورها كوعاء للتفكير وأداة للتعبير، وإحدى وسائل التشكيل الثقافية، وبين موقف الصحابة من ذلك، الذي يتمثل في " قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (إياكم ورطانة الأعاجم " ، فكان الصحابة يكرهون أن يتكلم المسلم بغير العربية، على وجه الاعتياد والدوام ولغير ضرورة؛ لأن اللغة الأجنبية بشكل عام، إذا لم تؤخذ بحذر ودقة، وبعد التحصين وبناء المرجعية، تصبح أحد معابر الغزو الثقافي؛ لأنها أداة تفكير وتغيير، وليست وسيلة تعبير فقط.

إن تشابه الظروف بين الحال التي نحن عليها، والواقع التاريخي الذي تعامل معه الإمام المجدد ابن تيمية رحمه الله، يجعل مدرسته في الإصلاح، ومنهجه في التغيير والتعامل مع الواقع في ضوء قيم الكتاب والسنة، هـي الأولى بالدرس والتحليل، على الرغم من البعد الزماني الذي يفصلنا عنه، والذي قد يتجاوز السبعة قرون؛ لأن أصول المشكلات الإنسانية واحدة، وإن اختلفت أعراضها وأحجامها وأشكالها من حين لآخر.

ونحن لا ندعي بهذه الإلماحة السريعة، الإحاطة بمنهج ابن تيمية ومدرسته في الإصلاح والتجديد والتغيير، وإنما هـي نوافذ وإضاءات وملامح أساسية لمنهجه، قد تكون قادرة على إعطاء فكرة عن السمات والخصائص البارزة لهذا المنهج، المحددة لبعض منطلقاته الأساس.

لقد كان المحور الأساس الذي انطلق منه شيخ الإسلام رحمه الله، في فكره وفقهه ودعوته التجديدية والإصلاحية، هـو: تنقية التوحيد، والعودة به إلى صفائه، وتحرير مفهوم العبودية بكل أبعادها؛ لأن تنقية التوحيد وتحرير العبودية، هـو الذي يحقق السعادة للإنسان، ويرفع عنه الآصار والأغلال، ويمنحه الأمن النفسي تجاه مسألتي الرزق والأجل، وبذلك ينعتق من كل العبوديات الأرضية، مهما كان نوعها، ويتمتع بالحرية والإرادة.

وقد بين رحمه الله أن العبودية لله نوعان: عبودية قسرية تتمثل في كون الله ربنا ومالكنا، وكوننا خاضعين للقوانين التي جرى عليها الكون، والسنن التي نظم بها الخليقة، فنحن عباد لله بهذا المعنى، شئنا أم أبينا.

ونوع آخر من العبودية نستطيع أن نسميه: (الخضوع الإرادي) ، أو (الانقياد الشرعي) ، وهو الإقرار لله وحده بالعبادة والطاعة فيما شرعه لنا، من قوانين لا تصبح نافذة وجارية في الواقع، إلا بتدخل من إرادتنا، وهو ما يعبر عنه بـ (عبودية الإلهية) .

ويرى: أن كل من استكبر عن عبادة الله، لا بد أن يعبد غيره ويذل له، ويعلل ذلك بقوله: (... إن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، وكل إرادة لا بد لها من مراد تنتهي إليه، فيكون الإنسان عبدا ذليلا لذلك المراد المحبوب) .

ويبلغ الآفاق الاجتماعية والسياسية، حين يتحدث عن بعض مظاهر العبودية لغير الله وآثارها، تلك التي تبدو ظاهرا بعيدة كل البعد عن أن يكون صاحبها عبدا، فيقول:

(وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عما يجترحونه، ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظـاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع. والتحقيق أن كليهما فيه عبودية للآخر، (عبودية متبادلة) . (انظر التقديم القيم الذي كتبه الأستاذ عبد الرحمن الباني لرسالة العبودية، إصدار المكتب الإسلامي) .

ولابن تيمية رحمه الله، سيرة حافلة بالعلم والجهاد، والمعاناة والمحن، وقد تضافرت جهود الحكام في عصره مع جهود بعض العلماء لمحاربته والنيل منه، فمنهم من كفره، ومنهم من رماه بالزندقة، ومنهم من وصفه بالفيلسوف الغارق في التشبيه والتجسيم.

وهكذا كانت حياته سلسلة من الصراعات الفكرية والفقهية مع خصومه.. وقد رافق هـذه الحياة الحافلة بالمواجهة، جهد علمي، وانقطاع لا مثيل له إلى المناصحة والدعوة وإعلاء كلمة الحق.. حارب في كل الجبهات، وصنف في شتى العلوم والمعارف.

ولعل إلقاء نظرة على عناوين مؤلفاته، التي لا يتسع المجال لسردها جميعا، يمكن أن تعطي فكرة واضحة عن سمات شخصيته وطبيعة اهتماماته، وساحـات معاركـه الفكـرية والفقهيـة.. وقد يكون أبـرز ما يميزه، معرفته بمن حوله، واستيعابه لعصره، ومعرفته الدقيقة بمكوناته الثقافية والسياسية.

لقد تناول علوم عصره بالدرس العميق، والفحص الدقيق، ثم تناولها بالتأليف والرد، وكانت معركته حامية الوطيس مع الفلاسفة، وعلماء الكلام والمنطق والتصوف المنحرف، وكان نتيجة ذلك أن ترك ثروة غنية من المؤلفات قد تصل إلى خمسمائة مصنف.

فقد كتب في التفسير رسائل كثيرة بالغة الأهمية، منها رسالة في أصول التفسير، وكيف يكون؟ ولاتزال هـذه الرسالة مرجعا في منهجه في التفسير واستخراج الأحكام الشرعية.

وكتبه في العقيدة كثيرة، منها كتاب (الإيمان) ، ثم كتاب (الاستقامة) ، وكتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ، وكتاب (الفرقان) .

وفي مناهج الاستدلال، كتاب (نقض المنطق والرد على المنطقيين) ، وكتاب (منهاج السنة) ، وكتاب (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، أو درء تعارض العقل والنقل) .

وفي الفقه، الفتاوى المختلفة، التي كان بعضها في مصر ، وبعضها في الشام ، ووضع ضوابط وقواعد يلتقي عندها المختلفون.. ومن رسائله القيمة، رسالة (القياس) ، ورسالة (الحسبة) ، وكتاب (في نكاح المحلل) ، وكتاب (العقود) ، وغير ذلك من كتب ورسائل في الفقه والأحكام (انظر كتاب: (ابن تيمية ومنهجه الفكري) ، للدكتور محمد حسني الزين) .

وقد كان معيار الفتوى والاجتهاد عند شيخ الإسلام رحمه الله، تحقيق مقاصد الدين، وتحصيل مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، واعتماد الفقه العملي الذي يعايش واقع الناس ويعالج مشكلاتهم ويبصرهم بالحكم الشرعي، لينضبطوا به، بعيدا عن التجريدات الذهنية في الاجتهاد، التي لا تشكل حاجة عملية، على الرغم من خصوبة ذهنيته، ورصيده الشرعي والعقلي في الرد على الفلاسفة، ودحض مفتريات الفرق الضالة وشبهات الملحدين على مستوى الفكر والعقيدة.

وقد كانت له فتاوى واجتهادات فقهية خالف فيها الجمهور، وبعضها خالف فيها أصحاب المذاهب الأربعة، لما تبين له من دلالات النصوص في تحقيق المقاصد وتحصيل المصالح، من أبرزها:

* جواز إقدام الحائض على الطواف عند الضرورة، ولا فدية عليها.

* أن الطلاق البدعي -الطلاق في الحيض، أو في طهر بعد الوطء قبل أن يتبين الحمل- لا يقع.

* وأن طلاق الثلاث المجموعة -في طهر واحد- محرم، ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة.

* وأن من علق الطلاق على شرط والتزمه، لا يقصد بذلك إلا الحظر أو المنع، يجزئه كفارة يمين.

* وأن الخلع لا ينقص به عدد الطلاق، ولو وقع بلفظ الطلاق.

* وأنه يجوز التضحية بما كان أصغر من الضأن.

* وأنه يجوز قصر الصلاة في كل ما يسمى سفرا، وأن سجود التـلاوة لا يشترط له وضوء.

* وأنه يجوز إبدال الوقف للحاجة أو المصلحة.

* وأنه يجوز إخراج القيمة في الزكاة، للحاجة أو المصلحة أو العدل.

هذا عدا عن الفتاوى الكثيرة في المجالات السياسية والاجتماعية، التي كانت ترتكز إلى الانطلاق من النص الشرعي، وتهدف إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، إلى درجة يمكن معها اعتبار منهجه في الفتاوى والاجتهادات أقرب ما يكون إلى ما اصطلح على تسميته: السياسة الشرعية.

ولعل من أبرز ما يميز منهجه الفكري ومدرسته في التجديد والإصلاح والتغيير، إعادة الاعتبار لمعرفة الوحي في الكتاب والسنة، والامتداد بالرؤية التجديدية، والانطلاق بها من خلال فهم القرون المشهود لها بالخيرية، واعتماد النبوة وسيلة المعرفة الصحيحة، والتركيز على حاجة البشرية إلى النبوة على أنها الوسيلة الوحيدة للمعرفة الصحيحة والهداية الكاملة، وأن الأنبياء هـم الأدلاء على ذات الله وصفاته الحقيقية، وهم الوسيلة الوحيدة لمعرفة الله تعالى، المعرفة الصحيحة، التي لا يشوبها جهل ولا ضلال، ولا سوء فهم، ولا سوء تعبير، وأن هـذه المعرفة لا يستقل بها العقل، ولا يغني فيها الذكـاء، ولا تكفي فيها سلامة الفطرة، والإغراق في القياس العقلي والتأمل الفلسفي، وأن سر ضلال الفلاسفة، اعتمادهم في ذلك على عقلهم وعلمهم وذكائهم ومهارتهم في بعض العلوم والصناعات.. حتى ليمكننا القول:

إن شيخ الإسلام ابن تيمية ، رحمه الله، استطاع وإلى حد بعيد، حل المعضلة المزمنة بين العقل والوحي، وخلص الفكر الإسلامي من الثنائية والانشطار الثقافي والخيار بين الوحي والعقل، والعلم والإيمان، وإعادة فحص واختبار المقدمات المغلوطة التي كانت مطروحة على سبيل التقابل والثنائية بين العقل والدين، أو بين العلم والإيمان، وأعاد بناءها الصحيح، وصوب المعادلة، لتتحول من التقابل والثنائية إلى التكامل والوحدانية، وكان من أجل وأهم مؤلفاته: (درء تعارض العقل والنقل، أو موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) ، في وقت كان يخضع فيه العالم الإسلامي أو العقل الإسلامي، للاجتياح الفلسفي والجدل الكلامي، وتغييب معرفة الوحي، فجاء إنتاج ابن تيمية ومنهجه الفكري بحق، يشكل الترسانة الفكرية التي حمت الثقافة الإسلامية من الاجتياح، كما وصف ذلك بعض الباحثين المسلمين المعاصرين، فلا دين بلا عقل، ولا عقل بلا دين.

وقضية أخرى على صلة بأهمية الارتكاز على معرفة الوحي وإعادة الاعتبار إليها، التي كانت من أبرز محاور اهتمام شيخ الإسلام، وهي في تقديرنا على غاية من الأهمية؛ لأن الفقه بها وحسن إدراكها، يعتبر من التفكير العلمي والموضوعي، أو بعبارة أدق: من التفكير الاستراتيجي، الذي يحفظ الطاقات، ويحمي الإمكانات، ويحول دون هـدر الأوقات، ويحسن توظيفها، ويخلص العقل والعمل الإسلامي من الإحباطات المتلاحقة، واختلاط الأمنيات بالإمكانيات، واختلال الموازين الشرعية في النظر للأشياء والحكم عليها، وهي:

أن ابن تيمية لم يقصر النظر على تحرير النص الشرعي، والاجتهاد في بيان دلالاته ومقاصده، وإنما اجتهد وبذل جهدا مقدورا في فحص واختبار وبيان محل النص وخصائص مورده، وحدود وقوع التكليف، وربط ذلك بمدى توفر الاستطاعة.. فكان له اجتهاد في مورد النص، كما أن له اجتهادا في تحرير النص وتبيين مقاصده ومدلولاته؛ لأن الأمر لا يتعلق فقط بمعرفة حكم الشرع وما يطلبه منا، والتأكد منه، والانطلاق لإنجازه، بل يتعلق باستكمال أبعاد أخرى تخص ساحة التنفيذ والتنزيل على الواقع، وكيفياته، ومنهجية ومرحلية الإنجاز، خصوصا عند تراجع أقدار التدين، وانتقاص آثار النبوة في الخلق، وضعف صلة الناس بالإسلام فهما وممارسة، حيث يحتاج الاجتهاد والعمل إلى بصيرة نافذة وعقل راشد، وفقه نضيج، يمتلك مفاتيح المعادلات المركبة التي يفرزها التدافع غير المتكافئ بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، والمصلحة والمفسدة، وهو ما عناه العلماء بقولهم: ليس الفقيه هـو من يعرف بأن هـذا مصلحة وهذا مفسدة، بل الفقيه هـو الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين. وقد يكون من المفيد أن نجلي هـذه الفكرة بإيراد نص كلام شيخ الإسلام نفسه، يقول شيخ الإسلام:

(العالم تارة يأمر، وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي... كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء، حتى علا الإسلام وظهر. فالعالم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال الآيات، وبيان الأحكام، إلى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيانها.

فالـمحيي للدين والمجدد للسنة، لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه، ويؤمر بها كلها، كذلك التائب من الذنوب، والمتعلم، والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين، ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه، لم يكن واجبا عليه في هـذه الحال، وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه عليه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كمـا عفـا رسـول الله صلى الله عليه وسلم عمـا عفـا عنه إلى وقت بيانـه.. ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات، وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل.. ومن هـنا يتبين سقوط كثير من الأشياء، وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل، لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب والتحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان في الأصل) (مجموع الفتاوى: 20 / 58 -60) .

هذه النظرة الفقهية الدقيقة لمحل تنزيل النص، ومدى توفر الشروط والظروف لهذا التنزيل، أي توفر الاستطاعة بمعناها الأشمل، ليقع التكليف - حيث لا يكلف الله نفسا إلا وسعها - التي يمكن أن نسميها: " فقه المرحلة " ، أو فقه الحالة التي عليها الناس، ووضع الإجابات الشرعية لكيفية التعامل معها، لا تعني القبول بالواقع، وعدم تنمية القدرات والاستطاعات للارتقاء بمستويات التكليف، وبلوغ حالة القوة والتمكين، وإنما تعني - من بعض الوجوه - تعامل الشريعة مع حالة الناس التي هـم عليها، والارتقاء بهم من خلال تنفيذ ما يطيقون من أحكامها، أي يتربون ويترقون وتتطور استطاعاتهم، من خلال ما يقع عليهم من أحكام التكليف، وبذلك يكون الحضور المستمر لأحكام الدين في حياة الناس، مهما كانت استطاعتهم وأقدار تدينهم صعودا وهبوطا.

ويمكن أن نقول: بأن هـذا ليس انتقاصا لتطبيق الشريعة، وإنما هـو تطبيق للشريعة في حدود الاستطاعة وواقع الناس في الحالة التي هـم عليها، وتأهيل للمجتمع من خلال أحكامها.. أما رفع الشريعة بحجة عدم تأهل المجتمع لأحكامها، والبدء بتحضير المجتمع ليصبح محلا لتطبيقها، فأعتقد أن القضية من الخطورة بمكان، ذلك أن التأهيل إنما يتم ضمن أحكام الشريعة نفسها، الملائمة للمجتمع في حالته الراهنة.. فالمشكلة تكون عند عدم فقه الحالة التي عليها الناس ( محل الحكم ) ، والأحكام الشرعية التي تتلائم مع استطاعاتهم في تلك الحالة؛ لأن غياب الاستطاعة تعني من بعض الوجوه، أنهم ليسوا مكلفين في هـذه المرحلة إلا بهذه الأحكام، فتطبيق الشريعة بالنسبة لهم حدوده هـي هـذه الأحكام، التي يقع بها التكليف.

ولعل من فقه الشيخ الإسلام ونظراته الدقيقة، أن دارسته لمحل تنزيل الحكم الشرعي، وتحديد استطاعته، التي تستدعي نوع ومستوى التكليف، عادت بفقه جديد للنص الشرعي نفسه، أو بمعنى آخر: إن محل الحكم الشرعي عنده كان له الأثر الكبير في إعادة النظر بمقاصد النص نفسه وتحليله وتعليله، وعدم الاقتصار على تفسيره وبيان معناه المقصود، فمثلا قوله تعالى: ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ) . ( القصص: 26) ،

يعني أن القوة والأمانة، أو بمعنى آخر: الإخلاص والصواب، أو التدين والتخصص، هـما الصفتان المطلوب توفرهما في كل مسئول ولكل مباشرة بعض المهمات، ولم تتوافر الكفاءة المطلوبة من القوة والأمانة، نرى هـنا أن من فقه ابن تيمية العملي والواقعي، النظر في طبيعة الوظيفة وطبيعة المهمة، فبعض المهام والأعمال تتطلب مزيدا من الأمانة والحرص والحماية وعدم التفريط، كالقيام على الأموال وما في حكمها، فيرجح لهذا العمل الأمين.. وهناك أعمال تتطلب قوة وشكيمة وصمودا وثباتا وتضحية، كالأعمال العسكرية والقيادية، فيختار ذو القوة.. كل هـذا في حال عدم توفر القوة والأمانة معا، وهي الصورة الأمثل التي لا بد من الانتهاء إليها، لكن لا يقف الفقيه عاجزا عن التعامل مع الحالة القائمة للناس، ضمن إطار الأحكام الشرعية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله، في كتاب السياسة الشرعية، تحت عنوان: ( قلة اجتماع الأمانة والقوة في الناس ) :

" اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا " كان عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة " . فالواجب في كل ولاية، الأصلح بحبسها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررا فيها، فتقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع،وإن كان فيه فجور فيها، على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف: مع أيهما يغزي ؟ فقال:أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يؤيد هـذا الدين بالرجل الفاجر ) ، وروي: «أقوام لا خلاق لهم» . فإذا لم يكن فاجرا، كان أولى بإمارة الحرب ممن هـو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، ( وقال: إن خالدا سيف سله الله على المشركين ) ، مع أنه أحيانا كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه - مرة - رفع يديه إلى السماء ( وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد ) ، لما أرسله إلى جذيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك...

وكان أبو ذر رضي الله عنه أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هـذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم ) (رواه مسلم ) . نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية، لأنه رآه ضعيفا، مع أنه قد روي: ( ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، أصدق لهجة من أبي ذر ) ...

ويقدم في ولاية القضاء، الأعلم الأورع الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم، والآخر أورع، قدم - فيما قد يظهر حكمه، ويخاف فيه الهوى - الأورع، وفيما يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه: الأعلم " . (انظر كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية، ص29- 34) .

ولعل من القضايا المهمة التي عرض لها شيخ الإسلام رحمه الله، ووضع المنهج الصحيح للتعامل معها، المنهج الذي يضمن لها السداد والصواب: الاهتمام بخلق المعرفة والعلم، والنظر في غاياتهما ومقاصدهما، ذلك أن الاهتمام بالمعرفة نفسا؛ لأن العلم بدون توفر الخلق وتحديد الأهداف والمقاصد، سوف ينقلب إلى لون من البغي والظلم والفساد وتفريق الدين، ويكون سببا للفرقة والتنازع والتآكل، بدل أن يكون سببا في الوحدة والتكامل والقوة.. فقيام الحضارة، والتحرك في الإصلاح، وتجديد أمر الدين، لا بد له من الكتاب: ( العلم والمعرفة الصحيحة، عن طريق النبوة ) ، ولا بد له أيضا من الميزان: ( العدل والالتزام بخلق المعرفة ومقاصدها ) ، وذلك انطلاقا من قوله تعالى: ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) ( الحديد: 25) .

ذلك أن غياب الميزان واهتزاز المعيار، ولو كان صاحبه على شيء من العلم، فإن علمه يقوده إلى البغي والتطفيف، وبخس الناس أشياءهم، وإلحاق الأذى والسوء بهم، كما يؤدي إلى عدم الإنصاف، وشيوع فقه الحيل والمخارج الشرعية وأكل الحقوق، وغياب فقه المقاصد وميزان الاعتدال، كما يؤدي إلى التفرق والتعصب والغلو والتشرذم، وغلبة النزوع الحزبي والطائفي.. وعند فقد الميزان، تصبح الكبائر المهلكة من الهنات واللمم، إذا وقعت من جماعتي وحزبي وعصبتي وطائفتي !! وتنقلب الهنات واللمم إلى كبائر، إذا وقعت من الآخرين !!

ولا شك أن هـذا من علل التدين، التي وقعت بها الأمم السابقة وقص الله علينا تاريخها وسبب هـلاكا في القرآن ن لتأخذ الأمة المسلمة حذرها،

قال تعالى: ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) ( الشورى: 14) .

إن صور البغي التي تسلل إلينا، دليل على غياب الميزان واهتزاز المعيار، حتى ولو كنا على شيء من الفقه والعلم، حيث أصبح الحق يعرف بالناس، ولا يعرف الناس بالحق، ونزال امتداد الكثير من فرق الرفض والخروج والمغالاة تتحرك تحت شعار العلم والجدول العلمي، فانقلبت المعادلة، وأصبحت معرفة الوحي تبعا لهوانا، بدل أن يكون هـوانا تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا لا يعني أن ابن تيمية رحمه الله، كان يتنكر للاختلاف في الرأي والفقه؛ لأن الاختلاف ظاهرة طبيعية وصحية، ومن سنن الله في الخلق، لكن الاختلاف المحمود هـو الذي يتحلى بأدبه، ويكون اختلاف تنوع لا اختلاف التضاد المذموم.. نختلف وتتعدد وتتنوع وجهات نظرنا، لكن لا نفترق، فلا بد أن تكون لنا اصول وقواعد، لنعرف كيف نختلف، كما نعرف كيف نتفق.

لذلك دافع عن أئمة الهدى والاجتهاد، وألف في ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) ، على الرغم من مخالفته لهم في كثير من المسائل الاجتهادية.

وطرح منهجا دقيقا ومتميزا، ووضع معايير منضبطة في الحكم على الأفكار والأشخاص.. لقد فرق بين الحكم على الأفكار ومعايرتها وتقويمها، وبين الحكم على الأشخاص، وبذلك استطاع أن يتحدث عن الأفكار والعقائد والفلسفات الضالة، والمكفرة المخرجة عن الملة، وجاهد في ذلك جهادا كبيرا، لكنه لم يقع في عملية تكفير الأشخاص، الذين تنسب إليهم تلك الأفكار والعقائد، إلا بعد التحقق والتأكد، والإصرار بعد الاستتابة والبيان، وبذلك فرق بين الفعل والشخص، وكان هـذا مسلكا تربويا رائعا حقا.. فالتنفير والتخويف والترهيب من الأفكار والمبادئ والعقائد المخرجة عن الدين أمر مطلوب، ليكون الناس على بينة، أما الحكم على الأشخاص قضائيا، فيتطلب التأكد والتحقق والبينة.

ونستطيع أن نقول:إن ابن تيمية رحمه الله، تميز من بين رواد الإصلاح والتجديد، بأنه كسر قيود التقليد الجماعي، التي عطلت وجمدت حركة الأمة الإسلامية، بمجاهداتها الفقهية والفكرية، وأوضح منهج التحول من التقيد والابتداع، إلى الاقتداء والاتباع، بكل شروطه ومستلزماته، ومقوماته، وأبعاده.

وأن فقهه انطلق من القيم الخالدة في الكتاب والسنة، ومرجعيته من خلال فهم القرون المشهود لها بالخيرية، واستوعب ما وحوله من فلسفات وأفكار وأوضاع اجتماعية وأسرية واستطاعات بشرية، لا يمكن للفقيه تجاوزها أثناء محاولة تنزيل النصوص الشرعية على واقع الناس.

لذلك كان له هـذا الدور المتميز بين قادة الإصلاح والتجديد، حيث شكل إضافة نوعية على مستوى المنهج، في الفقه والفكر، ما يزال عطاؤها ممتدا في الحياة الإسلامية، على الرغم من تطاول الزمن.. ولعل من أبرز خصائص منهجه، أنه لم يتحرك في إطار فكر الآخرين، وإنما جاءت اجتهاداته منطلقة من قيم الكتاب والسنة وفهم خير القرون، واستيعاب وفهم ما حوله من واقع الناس.

والكتاب الذي نقدمه اليوم، يشكل لبنة مهمة في بناء المنهجية الفكرية والفقهية وأصول التربية الاجتماعية، حيث يسعى إلى تصويب معايير النظر والحكم على القضايا والأشخاص، وتأصيل المرجعية الشرعية، من خلال قيم الكتاب والسنة، وفهم القرون المشهود لها بالخيرية، والتي تكاد تصبح غائبة عن الكثير من الكتاب والمفكرين والباحثين، على الرغم من حماسهم للإسلام وانتصارهم له.

ذلك أن من أخطر الإصابات الذاتية، التي يمكن أن تلحق بالنخبة والأمة على حد سواء: انتقال علل التدين، التي كانت سببا في سقوط الأمم السابقة وانقراضها عندما افتقد العلم أخلاقه وأهدافه الخيرة، فتحول من معرفة بانية، إلى وسيلة باغية، وأصبح سببا في تمزيق الأمة وتفريق الدين،

قال تعالى: ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) ( الشورى: 14) .

فجاء الإسلام مصححا للمعادلة، مصوبا للمعيار، مرتكزا في بنائه الحضاري على العلم والعدل، على الكتاب والميزان: ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) ( الحديد: 25) .

وتأتي أهمية إبراز جوانب من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التجديد، في هـذا الوقت بالذات، حيث يعيش العالم الإسلامي اليوم على المستوى الداخلي والخارجي، ظروفا مشابهة لتلك الظروف التي عاشها ابن تيمية، من حيث الاجتياح الفكري، والاستلاب الحضاري، والانشطار الثقافي، والتحكم الدولي، بإنسانه وإمكاناته، ومحاولات تغييب ما جاء به الوحي كمصدر للمعرفة الصحيحة، إضافة إلى حالة التآكل والتمزق والتنازع، التي تفتك بنسيج الأمة الاجتماعي، وما يخلفه ذلك من الفشل والإحباط والتلاوم، والمجازفات التي توصل إلى إنطلاق موجة الاتهام بالتكفير والتفسيق، والتطرف والمغالاة، وشيوع التطفيف وبخس الناس أشياءهم.

كل ذلك بسبب غياب العلم تارة، وغياب الميزان والمعيار تارة أخرى، واعتبار الأشخاص هـم المعيار، في هـذا ما فيه من الاضطراب والخلل، وخضوع للأمزجة والهوى.. فلو عرفنا الحق واعتمدناه معيارا، لعرفنا أهله: " اعرف الحق تعرف أهله " ، وبذلك تتوقف المجازفات الباخسة، ويلجم الهوى والرغائب الجانحة، ويصبح الحكم على الأفعال والأفكار والنظر إليها، من خلال أصول ثابتة حددتها معرفة الوحي، ويصبح التعامل معها من خلال مقاصد الدين.

لذلك نقول: إن هـذا الكتاب جاء في الوقت المناسب، سائلين المولى أن ينفع به ويجزي المؤلف أجزل الجزاء.

والحمد لله رب العالمين.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث