الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي ناط الفلاح والتغيير نحو الأفضل بإرادة الإنسان، وجعـل الإنسـان وسيلـة تحقيق التزكيـة، وهدفهـا في الوقت نفسـه، كما اعتبره مسئولا عن التدسية وإفساد نفسه ومجتمعه بالمعاصي المؤدية إلى الخسران المبين، فقـال تعالى: ( قد أفلح من تزكى ) (الأعلـى:14) .

وقال: ( ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ) (الشمس:7-10) .

وبذلك جعل التربية وتطهير النفس من المعاصي، وحملها على الطاعات، وتدريبها على معاني الخير، هـو سبيل النجاح والتفوق الحضاري في الدنيا، وسبيل الفلاح والفوز برضا الله في الآخرة.

كما جعل المناهج والتربية الفاسدة، التي تشيع الفاحشة وتشجعها، وتطلق الغريزة، وتتمحور حول اللذة، وتحط من كرامة الإنسان، سببا في التخلف والسقوط الحضاري وحياة الضنك في الدنيا، وسبيلا للخيبة والخسران، وإحباط العمل في الآخرة.

والصلاة والسـلام على المبعـوث رحمـة للعالمين، القائـل: ))) ( إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا ) (رواه مسلم وأحمد من حديث جابر ، [ ص: 9 ] وكأنما حصر الغاية من ابتعاثه لاستنقاذ الناس بمجـال التربيـة والتعليـم، مصـداقا لقولـه تعالى: ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) (الجمعة:2) .

وبعـد :

فهذا كتاب الأمة الثالث والستون: (النظم التعليمية الوافدة في أفريقيا.. قراءة في البديل الحضاري) للدكتور قطب مصطفى سانو ، في سلسلة (كتاب الأمة) ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في إعادة بناء المسلم الصالح المصلح، الذي يفقه الدين، ويفهم العصر، وإحياء وعيه بمسئولية الإنسانية، وإدراك المتغيرات العالمية، والتبصر بأسبابها، وكيفية التعامل معها، وإبصار موقعه الفاعل بدقة، والدور المنوط به تجاه نفسه وأمته والإنسانية، وامتلاك القدرة على قراءة الواقع، من خلال المعايير التي اكتسبها من معرفة الوحي في الكتاب والسنة، واجتهادات العقل.

ذلك أن سبيل الخروج إنما يتحقق باستيعاب الواقع ووضعه في موضعه الصحيح من مسيرة السيرة النبوية، وعطاء الخلافة الراشدة، ليحسن الإفادة، ويفقه التعامل مع أنموذج الاقتداء، الذي تجسدت فيه القيم الإسلامية في حياة الناس، وحققت التألق والإنجاز الحضاري، والجرأة [ ص: 10 ] على النقد والتقويم لمسيرة العمل الإسلامي، وتحديد الإصابات التي لحقت به، في محاولة للارتقاء بالتجربة من الحسن إلى الأحسن.

إن استيعاب هـذا الواقع والنهوض به، لا يتحقق إلا بإذكاء روح التخصص في شعب المعرفة المتعددة، وإحياء الفروض الغائبة عن الرؤية الإسلامية اليوم، وفي كل مراحـل التخلف، إحيـاء فروض الكفايـة التي ما تزال تدفع الأمة لقاء غيابها الأثمان الباهظة من عقيدتها وثقافتها وقيمها وتقاليدها واقتصادها وأمنها السياسي والاجتماعي، وبكلمة أدق: بسبب تخلفها المؤدي إلى تسلط الأعداء عليها، والتحكم بها ومعاقبتها على معاصيها وعجزها، وعدم إدانتها لنفسها، والعيش في أوهام الأماني والرغبات، والتحول في التعامل عن السنن الجارية التي تحكم الحياة، إلى انتظار السنن الخارقة التي اختص الله بها.

لقد آن الأوان بعد هـذه الرحلة الطويلة من التجارب وردود الأفعال والضجيج الإعلامي والتحشيد الخطابي إلى التفكير في بناء العقلية المنهجية التي تدرك السنن الناظمة للحياة، وتستقرئ الحركة التاريخية، وتعتبر بتجربتها وتجربة العالم من حولها، وتتعرف على شروط الوراثة الحضارية ومستلزمات القيام بأعباء العمران البشري، في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، بحيث ينعكس ذلك على إعلامها وتعليمها وثقفاتها وتثقيفها. [ ص: 11 ]

ذلك أن فهم الواقع اليوم بكل مكوناته وتعقيداته وأسبابه وتداعياته، لا يمكن أن يتحقق بسهولة ويسر، ولا يمكن أن يتحصل للسذج والبسطاء والكسالى والأغبياء.

وإنما أصبحت لهذا الفهم أدواته البحثية، من استبيانات واستطلاعات رأي وإحصاء، وله اختصاصاته العلمية، وأنظمته المعرفية، ومراكز بحوثه الميدانية والنظرية، بحيث باتت الجهـود الفرديـة والتخصصـات الجزئيـة لا تنفع معه ولا تتجاوز في بنائه مساحة اللبنة الواحدة في البناء الكلي الكبير.

والحقيقة الحاضرة الغائبة، الحاضرة على مستوى التنظير والفلسفة والفكر، والغائبة على مستوى التطبيق والفعل، أن سبيل الخروج للأمة المسلمة، واسترداد دورها الفاعل، وإحداث التغيير المأمول، والإقلاع من جديد، لا يتحقق إلا بعد بناء المرجعية الشرعية التي تذكي الفاعلية، وتشكل الضوابط المنهجية لمسيرة الحياة، وتضمن أمن الطريق، ومن ثم توفير التخصصات المتنوعة بشعب المعرفة المتعددة، أو بالمدلول الشرعي: إحياء فروض الكفاية، التي تثمر: تقسيم العمل، وإتقانه، والإبداع فيه، وبناء العمل المؤسسي، وإعادة نسيج شبكة العلاقات الاجتماعية، وتمتين أواصر التماسك الاجتماعي، وحصر الإمكانات، وتحديد الاستطاعات، ووضع الخطط الاستراتيجية والبرامج المرحلية، والتعامل مع الممكن لتذليل الصعب، ومن ثم جعل المستحيل ممكنا. [ ص: 12 ]

ذلك أن الأمة التي لا تتوفر على الاكتفاء الذاتي في المجالات المتعددة، وعلى الأخص في المجالات المعرفية، التي تشكل الرؤية، وتبصر بدليل التعامـل، لا يمكن أن تكـون مؤهلـة لحمـل رسالـة إلى النـاس، ولا يمكن أن تحقق الوراثة الحضارية، مهما حاولت استيراد أشياء الإنسان وتكديسها والظهور بغير الحقيقة.

لذلك نقول: بأن إحياء فروض الكفاية والسعي صوب تحقيق الاكتفاء الذاتي بمفهومه الواسع، هـو سبيل التنمية بكل أبعادها، حيث لا يمكن أن يتحقق النمو في جانب ويتعايش مع التخلف في جانب آخر، لأن التنمية عملية ثقافية حضارية تقنية شاملة، تحقق كفاية متكاملة في جميع المجالات.

إن هـذا الإدراك لأهمية فروض الكفاية ، والنفرة لتحصيلها، والتيقن بأن ذلك دين من الدين، وأن من اختار بعض التخصصات التي تبدأ مسئوليتها كفرض كفاية بالنسبة للأمة بعمومها، تتحول لتصبح فرض عين بالنسبة إليه، وإن المتولي عنها والمنسحب من موقعها يخشى أن يكون حاله ومسئوليته كحال الذي يولي دبره للمعركة، إلا إذا كان متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، لأن هـذه الثغور ما تزال مفتوحة وما تزال نؤتى من قبلها، ولا تزال بحاجة إلى المرابطة والمرابطين... هـذا الإدراك بأبعاده الشاملة السياسية والتنموية والاجتماعيـة والاقتصادية والمعرفية والحضارية، لا يتنزل على الأفراد من فوق، ولا يمكن أن يبدأ من خارج [ ص: 13 ] أنفسهم، ولا أن يحدث بمعجزة أو مصادفة أو لحظة خارقة أو طفرة ثقافية، وإنما يأتي ثمرة لجهود تربوية وتعليمية ومعرفية وثقافية، ترتكز إلى كيفية التنشئة وتغيير ما في نفس الإنسان، حتى يؤهل لأن يغير ويعيد بناء المجتمع.

وفي تقديري أن نقطة الانطلاق في المعالجة والنهوض والإصلاح والتغيير للواقع، إنما تبدأ من محاضن التربية والتعليم، بمفهومها الواسع، وتنتهي في التربية والتعليم، مهما حاولنا التأكيد واستشعار الأهمية للمواقع الأخرى، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية... وغيرها.

التربية والتعليم هـي السبيل الأوحد للإصلاح والبناء والنهوض والتطوير والتغيير، وإقامة مجتمعات المستقبل، وهي الرحم التي تتخلق فيه وتنمو وتتغذى وتمتد وتتوجه أنهار الحياة المتدفقة والممتدة.

لذلك جعـلت الرسالـة الخاتمـة طلب العلم فـرض عين، ( فقـال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم ) (رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة وأبو يعلى وغيرهما، عن جماعة من الصحابة، وصححه الألباني في صحيح الجامع) .

ونص الحديث يجعل طلبه فرض عين على كـل مسلمـة أيضـا، كما هـو معروف لغة وشرعا وواقعا، وإن كانت الرؤية النصفية التي ما يزال يصر عليها بعضنا، وعجز مراحل التخلف والتراجع، انعكست على [ ص: 14 ] الفهم والتفسير للنصوص، حتى أصبح تعليم المرأة في بعض البيئات الإسلامية من الكبائر أو من الجرائم الاجتماعية والفساد العريض، وأصبح الجهل والأمية عند بعض العقول أفضل من العلم، وظن أن هـذا هـو حكم الدين، فترك ذلك انطباعا أن العلم يناقض الدين، وأن التدين هـو بضاعة الجهلاء والمتخلفين، وأن من شروط التعلم الانسلاخ من الدين والابتعاد عن التدين! وسادت الواقع الإسلامي نتيجة لهذا التخلف ثقافات مغشوشة وفهوم معوجة، انتهت إلى أن سبب التخلف هـو الاستمساك بالدين، وليس بالانسلاخ عنه! مع أن التتبع للواقع التعليمي عندما حكم الإسلام الحياة، والواقع التعليمي عندما أقصي الإسلام عن الحياة تحت شتى العلل والمعاذير يشكل دليلا كافيا على أن السبب فيما وصلنا إليه من إنتاج الشخصيات المهزوزة والوجوه الشائهة، والانغماس في حالات التدسية وانطلاق الغرائز، التي نعاني منها على أكثر من صعيد، هـو الانسلاخ عن الإسلام وليس التمسك به.

نعود إلى القول: بأن الرسالة الخاتمة التي انتهت إليها أصول الرسالات السماوية جميعا، والتجارب البشرية التاريخية جميعا أيضا جعلت طلب العلم والتعليم فرض عين، والتخصص في شعبه والنفرة إليه من المواقع الاجتماعية المتعددة فرض كفاية، واعتبرت هـذه النفرة من تكاليف الدين المؤدية إلى الفقه في الدين،

قال تعالى: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (التوبة:122) ، [ ص: 15 ] ذلك أن استيعاب الواقع، والفقه بكيفية إعداد الأجيال للتعامل معه، وتنزيل حكم الله وشرعه عليه، والسير به وفق منهج الله، هـو هـدف التعليم ومنطلقه معا.

لذلك فقد لا يكون غريبا ولا مستغربا أن يبدأ الوحي، أو تبدأ الخطوات الأولى للرسالة، بقوله تعالى: ( اقرأ ) ، كمدخل حضاري ومفتاح ثقافي ووسيلة تربوية ومنطلق علمي، لتحقيق التوجه دائما إلى الكمال والاكتمال لرحلة الحياة.. فبداية الوحي بـ (اقرأ) ، ومن ثم تحديد مقصد القراءة وهدفها ووجهتها باسم الله الذي خلق، وباسم الرب الأكرم، له دلالته الواضحة في تحديد نقطة الانطلاق لكل إصلاح وبناء وتغيير.

فلم يبدأ الوحي بالأمر بالدعوة إلى فرائض الدين، لأن الدعوة بدون بصيرة، بدون علم وفقه، سوف تكرس التخلف والجهل والوثنية، أو تصبح سبيلا لتنفير الناس من حيث يدري صاحبها أو لا يدري.. إن الدعوة إلى الدين بلا علم، دعوة مفتقرة إلى البصيرة، ومفتقرة إلى الحكمة، ومفتقرة إلى إدراك أبعاد الموعظة الحسنة، وأساليب الجدال بالتي هـي أحسن، والأحكام الشرعية المصوبة للعمل في كل مرحلة من مراحله،

والله تعالى يقول: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هـي أحسن ) (النحل:125) . [ ص: 16 ]

كما أن الرسالة الخاتمة لم تبدأ بالدعوة إلى الجهاد، على الرغم من تكالب الأعداء وشراستهم، واستمرارهم في العدوان على المؤمنين، لأن الحركة الجهادية العمياء، بلا علم ولا فقه تؤدي إلى القتال تحت الرايات العمية، وهدر الطاقات ووضعها في غير موضعها، والعجز عن دراسة الجدوى وتحديد الاستطاعة، وتصبح سبيلا لابتزاز الأعداء وتوظيف الطاقات الإسلامية في غير المصلحة الإسلامية، وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية بدماء المسلمين.

إن الرسالة لم تبدأ بالدعوة إلى إقامة الشعائر -بمعناها الخاص من صوم وصلاة وحج وزكاة- ولا بالحديث عن أركان الإسلام وأسس بنائه، ولا ببيان نظام التعامل الاقتصادي، ولا بمرتكزات الحياة السياسية ومقوماتها، ولا ببيان القيم الأخلاقية، ولا حتى ببيان أركان العقيدة، وإنما بدأ بمفتاح ذلك كله ومحور ذلك كله، بدأ بـ (اقرأ) .

فالجهاد بلا علم، يؤدي إلى الكارثة.. والعقيدة بلا علم تقود إلى التحلل والشرك والخرافة.. والعبادة بلا علم، توصل إلى الشرك والوثنية والبدع واستباحة المنكرات.. وهكذا فالعلم والتعليم والتربية هـو مدخل ذلك كله، ووسيلة ذلك كله، لذلك جعل العلم والتعليم عبادة بحد ذاته ومدخلا لسائر العبادات. [ ص: 17 ]

ولعل الأمر الملفت والمؤسف حقا، أنه مع استمرار حديثنا الطويل والممتد عن أهمية التربية والتعليم، ودوره في البناء والتطوير والتغيير والإصلاح والتنمية، ومخاطر الغزو الثقافي، والآثار التي خلفها في العالم الإسلامي، التي ما تزال ماثلة للعيان، على الرغم من صور الاستقلال السياسي، إلا أننا ظننا خطأ أن مهمتنا تنتهي عند التحذير وقرع الطبول وتدبيج الخطب، وإطلاق الأصوات العالية، وتأجيج الحماسات، حيث يكثر ويزداد الخطباء ويقل ويغيب الفقهاء، وتطفو على السطح قيادات الأصوات المرتفعة والحناجر السميكة، ويتقدم الأعلى صوتا، دون أن يقودنا ذلك كله إلى دراسة المشكلات بعمق وموضوعية، ويحملنا على تحديد أسبابها، ومن ثم وضع الخطة الشاملة لمعالجتها في ضوء الإمكانات المتاحة، وتقدير الزمن المطلوب، ووضع الخطوات الصحيحة على الطريق، مهما كان طويلا وشاقا، أو إنضاج أي بحث يحقق عملية التحويل في وجهة التعليم المطلوبة، كشأننا في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية، تلك الشئون جميعها المترتب فسادها على فساد الشأن التعليمي، حيث لم تخرج محاولاتنا في معظمها عن الاقتصار على الندب والبكاء على الأطلال.. وكل عصر يقذف لنا بأطلال جديدة ومتلاحقة، تتجاوز حتى إمكانية البكاء.

إن إصلاح نظام التعليم لا يتأتى بالاحتجاج على الواقع -وإن كان الأصل أن الإحساس بالأزمة يقود إلى إدراك أبعادها، ويبصر بسبل [ ص: 18 ] العلاج- ولا يتأتى بمجـرد الإدانـة للنـاتـج، والمقارنـة مـع (الآخـر) ، ولا باستيراد أشياء (الآخر) وفلسفته التربوية، ولا بالاغتراف من أوعية (الآخر) ، ولا بترجمة سياسته التربوية والتعليمية، ولا بالتأنق في العبارات وحسن رصفها، ولا حتى الاحتماء بالتاريخ التعليمي لفترات التألق الثقافي والإنجاز الحضاري، لتجاوز مركب النقص، وإنما يتأتى بالدراسة الميدانية، طبقا لأدوات البحث الحديثة، وتحديد موطن الخلل، ودراسة أسبابه، ووضع خطة متأنية للمعالجة ضمن زمن كاف، وعدم الاستعجال للنتائج، وتجاهل سنة الأجل، لأن التربية والتعليم من الصناعات الثقيلة البطيئة والمديدة، التي قد لا تتحصل نتائجها في جيل واحد، حيث لا بد أن تعطى الخطط التعليمية الزمن الكافي لتؤدي إلى عملية التحويل، ولابد أيضا أن تدرك طبيعتها النوعية التي لا ينفع معها الاستعجال، لأن الاستعجال قد يؤدي إلى البتر والارتكاس، بدل أن يؤدي إلى النمو والترقي.

فالعملية التربوية والتعليمية لها خصوصيتها في كون أداتها الإنسان، وموضوعها الإنسان، في الوقت ذاته، لذلك أي خطأ فيها يشكل ألغاما اجتماعية يمكن أن تؤدي إلى نتائج خطيرة ومدمرة.

ولما كانت العملية التربوية والتعليمية بهذه الأهمية والخطورة في الآثار المترتبة عليها، لذلك لا بد أن يتقدم لها ويضطلع بها أهل الاختصاص والحماس والاحتساب، لأنها لا تقابل بأجر دنيوي مهما [ ص: 19 ] عظم.. وقد تتباطأ نتائجها لدرجة قد تعود باليأس والإحباط على المتعاطين معها، اللهم إلا أصحاب النفوس الكبيرة والعزائم العظيمة، لذلك تتطلب النماذج الممتازة من أصحاب النفوس الراقية، والهمم العالية، والإيثار الكبير، وانتظار لما عند الله.. تتطلب خيرة الطاقات، وخلاصة الكفاءات، وأفضل الإمكانيات، وأعظم الميزانيات، كما تتطلب أقدارا اجتماعية فائقة من الاحترام للمعلم، ورعاية كاملة لأحواله، وتأمينا متميزا لظروفه، ليتوفر على الأداء بكل طاقاته، لأنه هـو الذي يشكل المحور الأساس للعملية التعليمية، فهو يعلم ويربي ويشكل النموذج المحتذى والمثير للاقتداء.

لذلك فإن أي اهتراء لرمز التعليم، أو الحط من قدره، أو سوء لمعايير اختياره، أو إهدار لقيمته الاجتماعية بين شرائح المجتمع جميعها، أو احتياج مادي يدفعه للتحرك خارج الهم التعليمي، أو تثير فيه القلق على مستقبله، دون أن ندرك مخاطر ذلك، فإن الأمر يعني الدمار الكامل لأجيالنا والتحطيم لمستقبلنا.

ذلك أن المعلم هـو محور العملية التعليمية كما أسلفنا، ومهما حاولنا التقدم في المنهج والكتاب والمرجع والتوجيه والتقنيات التربوية، وغاب المعلم الكفء، فإن الكارثة ستحل بالأمة إن عاجلا أو آجلا. [ ص: 20 ]

ولا شك أن العملية التعليمية والتربوية عملية متراكبة وشاملة، وتخص الأمة جميعا، بأجيالها المتعاقبة وقيمها المتوارثة، وخبراتها المتراكمة.. لذلك لا يجوز أن تقتصر مسئوليتها وبناؤها على مجموعة واحدة، حتى ولو كانت من أهل الاختصاص في التربية والتعليم، وإنما لا بد أن تشارك في بنائها وتقويمها ومراجعتها، مجموعة تخصصات نفسية واجتماعية وأخلاقية وإعلامية وثقافية وتاريخية، بل وأكثر من ذلك إنها تخص كل أسرة، وكل مؤسسة، وكل موقع من مواقع الحياة المختلفة، لذلك لا بد أن تأتي السياسة التعليمية ثمرة لرؤية جماعية، لكل فيها نصيب، فهي مسئولية أمة، وهي مسئولية عامة وتضامنية، وإن كانت إنجاز نخبة، هـم رجال التعليم.

ومهما حاولنا وتوهمنا أن النهوض والتغيير والإصلاح يمكن أن يتم خارج مواقع التعليم، فإن التاريخ والواقع والتجربة الذاتية والعالمية، تؤكد أن التربية والتعليم هـي -كما أسلفنا- السبيل الأوحد، إلى درجة يمكن أن نقول معها بدون أدنى تحفظ: إن التربية هـي التنمية بكل أبعادها، وأي مفهوم للتنمية بعيد عن هـذا فهو مفهوم جزئي وعاجز عن تحقيق الهدف.

لذلك فإن أية تنمية لا يمكن أن تتم خارج رحم التربية ومناخها، وإن المدارس والمعاهد العلمية والتربوية، هـي طريق القادة السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين والتربويين والإعلاميين والعسكريين، وسائر المواقع الأخرى. [ ص: 21 ]

لذلك لا يمكن أن تتحقق المهمة التربوية، ولا أن تدرك مقاصدها وأهدافها بدون استيعاب كامل لمنطلقاتها وأبعادها المتعددة، وأن نعلم بالضبـط ماذا نريد من العملية التربوية؟ ولماذا نريد؟ وكيف نحقـق ما نريد؟ وأن نقوم بالمراجعة الدائمة، ونعتبرها أحد طرفي المعادلة الغائب في العملية التربوية؟ ولا بد أن نطرح باستمرار السؤال الكبير: هـل اجتهاداتنا التربوية حققت لنا ما نريد أو بعض ما نريد؟ ولماذا لم تبلغ العملية التربوية أهدافها المرجوة؟ فقد تكون المشكلة أو الأزمة التربوية اليوم تكمن في عجزنا عن تطوير مناهجنا التربوية ونظمنا المعرفية، من خلال قيمنا وميراثنا الثقافي، فنتوهم أن ما عند (الآخر) يحقق لنا ما نريد.

وفي كثير من الأحيان قد يكون ذلك عن حسن نية، فنستورد المناهج والبرامج والسياسات التعليمية والتربوية التي أعدت لغير مجتمعاتنا، وضمن مرجعية غير مرجعيتنا، فتزداد المشكلة تأزما، والحال خبالا، ويزداد الشرخ بين أفراد الأمة، ويكبر التصدع والانشطار الثقافي، وتمزيق رقعة التفكير، لأن هـذه المستوردات لا مشروعية لها في قيمنا وميراثنا الثقافي ونظامنا الأخلاقي، ولا تشكل نباتا طبيعيا متناسبا مع طبيعة التربية التي تزرع فيها، والمناخ الذي تنمو فيه، وهي أشبه بربط الثمار بخيوط خفية على غير أشجارها، وهي وإن كات مغرية في فترة بسيطة، إلا أنها لا تلبث أن تذبل وتنكمش ويفتضح أمرها. [ ص: 22 ]



وبكلمة مختصرة: فإن هـذه النظريات التربوية والنظم المعرفية المستوردة، لا مشروعيـة لهـا في إطـار قيـم الأمة وتاريخهـا وثقافتها، ولا بديل لنا ولا منقذ إلا بتطوير نظريتنا التربوية الذاتية والامتداد بها، ورسم سياستنا التربوية، وتحديد منطلقاتها، وتوضيح أهدافها، واكتشاف أدواتها، من خلال قيمنا في الكتاب والسنة، ومواريثنا الثقافية وتقاليدنا الاجتماعية.

لقد قضينا ردحا من الزمن نتوهم أن مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية وأزماتنا التربوية والتعليمية يمكن أن تعالج باستيراد خبراء، نشأوا ودرسوا وخبروا وتشكلوا في مجتمعات تختلف عن مجتمعاتنا، في عقائدها وتراثها وتاريخها ومشكلاتها، فجاء استيرادهم (ضغثا على إبالة) ، كما يقول المثل العربي.. لقد ساهموا بتكريس المشكلة بدل حلها، وبذلك أضعنا المال وخسرنا الأجيال، وقذفنا للمجتمع نماذج مشوهة، دون أن نتنبه -ونحن ندعي أننا نعمل في حقل التربية- أن المستوردين لم ينموا ويتطوروا من خلال الذات، وإنما نشأوا في خارجها، فجاءوا عبئا علينا، وليس تلامذتهم من أبناء المسلمين، الذين تولوا شأن التعليم والتربية، بأحسن منهم حالا.

ونحن هـنا لا ندعو إلى الانغلاق وعدم الإفادة من إنتاج الأمم الأخرى، وإنما ندعو لوضوح فلسفة التربية والتعليم، ومدى انطلاقها وارتباطها بمعرفة الوحي في الكتاب والسنة، وتحرير معيار القبول والرفض، وامتلاك [ ص: 23 ] المعدة الهاضمة تربويا، القادرة على استيعاب كل التجارب والإفادة من الجوانب الإيجابية، والتقوي بها، وطرح سائر الفضلات والنفايات الثقافيـة، التي لا يحمـل لنـا الاحتفـاظ بهـا إلا التخمـة والمـرض والعجز والوهن.

أما ابتلاع الثقافة والفكر والنظم التعليمية الأخرى، بأهدافها وفلسفتها ونظمها التربوية، دون مضغها وهضمها، ومحاولة وضع بعض الرتوش لتحسين وجهها، وتحضير القبول لها في عالم المسلمين، وبذل المحاولات المستميتة للتفتيش في مواريثنا الثقافية والانتقاء منها، أو اللجوء لعملية الانتقاء من تاريخنا الثقافي والتربوي، وتقطيع صوره المتكاملة، التي أنتجت في إطار ومناخ قيم الكتاب والسنة، لتأمين المشروعية الثقافية والاجتماعية لهذه الأفكار التربوية القادمة من مجتمعات أخرى، مع الإبقاء على فلسفتها وأهدافها ووسائلها، فإن ذلك لا يخرج عن أن يكون من المخادعة التربوية، أو الخداع الثقافي بشكل أعم، وتتمحـض المحاولـة في النهايـة لتكـون تغطيـة وسبيـلا لاستدعـاء (الآخر) .

إن وضع اسم الله الأكرم في مفتتح العمل التربوي والثقافي، دون أن تحكم هـذه البسملة وجهة القراءة، وتحدد أهدافها، وتستصحب وسائلها، أو بعبارة أدق: دون أن ندرك معنى القراءة والتعلم باسم الله الذي خلق، أو باسم الله الأكرم، ولا نتميز عن غيرنا من أصحاب الفلسفات التربوية [ ص: 24 ] والتعليمية الأخرى إلا بالبدء باسم الله والانتهاء بحمد الله، ونتوهم أننا أنتجنا معارف إسلامية، أو أسلمنا المعارف الأخرى، فأخشى أن أقول: بأن ذلك تكريس للأزمة وتجذير للعجز، وفسح المجال لامتداد ثقافة (الآخر) التربوية، ومنحها المشروعية في داخلنا، والتي سوف لا تزيدنـا إلا خبالا وتآكلا وتقطيعا في الأرض أمما، وأخشى أن يكون ذلك مضيعة للأجر والعمر.

بل لعل واعظا بسيطا في قرية معزولة يجتهد ما أمكنه في ترقيق قلوب الناس وتعليمهم بعض الأحكام الشرعية، وحثهم على العمل الصالح، وإشعارهم بالمسئولية عن أعمالهم يوم القيامة ومراقبة الله لهم، يحقق عطاء تربويا وسلوكا قويما، وينتج معارف إسلامية أكثر من تلك الدعاوى العريضة التي بدأت تخادع عيوننا بسراب وعقولنا بضبابية فلسفيـة، وانتهـت إلى بـروق خلبيـة، أضاءت للنـاس لمحـة ثم أظلمت عليهم.

إن إسلامية المعارف أو أسلمة المعارف لا تأتي من فوق، ولا تتحقق لنا ونحن عاجزون عن تطوير فلسفتنا ونظمنا المعرفية والامتداد بها، وتوليدها من خلال قيمنا وتقاليدنا ومعادلتنا الاجتماعية.. وعندما نكون مرتهنين للمدرس والمنهج والمرجع في إطار الفلسفات الأخرى، وبعد ذلك نحاول التوفيق والتلفيق والتبني لأفكار ونظريات ليست نابتة في تربتنا ولا متولدة من ثقافتنا وحضارتنا ومواريثنا الثقافية، ونكتفي [ ص: 25 ] بوضع شعار الإسلامية أو الأسلمة عليها -دون فحصها واختبارها- لتمريرها إلى عالمنا، فإن ذلك يعتبر من أخطر أنواع الغزو الثقافي ، حيث عندها يصبح الغزو ذاتيا، وعلى الأخص إذا كان يقف على رأس هـذه السبيل والدعوة لها أناس لا نصيب لهم ولا زاد من معرفة الوحي في الكتاب والسنة أو من السيرة التطبيقية لهذه المعرفة في حياة الناس.

والأخطر من ذلك الجرأة في الإقدام على الاعتساف في التفسير والتأويل بدون مقومات ذلك ولا مؤهلاته، في محاولة لتكييف القيم الإسلامية، والخروج بها حتى عن البيان النبوي باسم التجديد والمنهجية المعرفية، لتمنح المشروعية لقناعات وثقافات غنوصيـة لا تمت إلى الإسـلام بصلة.

والناظر في تاريخنا الثقافي والتربوي والسياسي، أو في التاريخ الحضاري للأمم، يجد أن امتداد (الآخر) واستدعاءه إنما يوجد باستمرار عند العجز عن النمو والتطوير والامتداد الذاتي لعطاء قيمنا، وامتلاك القدرة على قراءة الواقع من خلالها وتقويمه بها، عندها يتم اللجوء إلى (الآخر) ، واستدعاء ثقافته وفلسفته التربوية، لأن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب، كما يقال، وإن كانت هـذه المقولة الحضارية لم تتحقق في عالم المسلمين بإطلاق.. فلما كان المسلمون في مستوى إسلامهم تربويا وتعليميا، كانت قيم وحضارة المغلوب أقوى من عسكر الغالب، فتأثر الغالب وأسلم وأصبح ظهيرا للمسلمين. [ ص: 26 ]

فحيثما يكون العجز وتصاب الأمة بالعقم عن التوليد، يكون من الطبيعي اللجوء إلى التبني والاستدعاء.. فالغزو الفكري أو التربوي أو الثقافي، مرده إلى العجز والعقم والفراغ، فالذنب ليس ذنب أصحاب الثقافات والفلسفات الأخرى، وإنما الذنب هـو ذنبنا والجريمة جريمتنا، والمسئولية مسئوليتنا:

( قل هـو من عند أنفسكم ) (آل عمران:165) .

ولو كنا في مستوى إسلامنا وعصرنا وقيمنا التربوية والثقافية، لحقق لنا التبادل المعرفي والثقافي استنقاذ (الآخر) وإلحاق الرحمة به، وتخليصه من الشرك التربوي والسياسي والثقافي، وتحرير ضميره من التسلط والخوف والقلق والذل والعبودية، واسترداد إنسانيته، وهي غايات التربية والتعليم العليا، والإفادة من عطائه التعليمي وتقنياته ووسائله.

إن التبادل المعرفي شيء، والغزو الثقافي شيء آخر.. والتاريخ خير شاهد عندما استوعبت القيم الإسلامية في مرحلة التألق والإنجاز الحضاري جميع الشعوب، فخلصتها من نظراتها الوثنية، وأنقذت إنسانها من الذل والعبودية لغير الله، وتسلط الإنسان على الإنسان، وأطلقتها من قيودها، وطبعتها بطابعها الرباني.. وعلى العكس من ذلك حملت إلينا فترات التخلف والعجز والتخاذل الثقافي، ثقافات الأمم الأخرى التربويـة والمعرفيـة، بكـل عجـرها وبجـرها، لاهتـزاز معيار القبول والرفض. [ ص: 27 ]

وإذا سلمنـا بأن الحقـائـق العلميـة لا تتعـدد ولا تختلـف، وأنـه لا جغرافية لها، وأنها من المشترك الإنساني والعطاء العالمي، فإن منطلقاتها التي تصنع أهدافها وتحددها وتحكمها، وتحدد وجهتها، وتبين كيفية التعامل معها، وتبدع أوعية حركتها، تختلف من أمة لأخرى بحسب عقيدتها وقيمها وتقاليدها الاجتماعية، أو بكلمة أعم: بحسب ثقافتها.

لذلك نقـول: بأن إسـلاميـة المعـارف أو أسـلـمـتهـا، لا تتحـقـق إلا بالامتداد والنمو والتطوير لفلسفتنا وقيمنا التربوية ونظمنا المعرفية من داخل الذات، وعند ذلك تتحقق القدرة على الهضم الثقافي والإفادة من (الآخر) .

أما أن ندعو إلى أسلمة المعرفة، وندعي إسلامية المعرفة، مع افتقادنا للمرجعية الشرعية، أو الخروج عليها ونقضها باسم تطبيق روح الإسلام، أو روح الشريعة بسبب تغير العصر، فهو عبث من العبث.

إن إنتاج معارف إسلامية لا يتحقق إلا من خلال بناء مسلمين متخصصين، يمتلكون المرجعية الشرعية، وينضبطون بمعرفة الوحي في الكتاب والسنة، ويتخصصون في شعب المعرفة، ويستوعبون الواقع، ويقرءون باسم الله الذي خلق، وباسم الله الأكرم، ليأتي عطاؤهم مسددا بالوحي.. أي أن إسلام العلماء أو إنتاج علماء مسلمين، قمين بأن ينتج معرفة إسلامية أو يؤسلم المعارف ويقدم أنموذجا آخر. [ ص: 28 ]

فالأسلمة للمعرفة، هـي نتيجة لعمل تربوي وتعليمي وتخصصي، وليست مقدمة لذلك.. هـي ثمرة لابد من التفكير بكيفيات ومساحات ونوعيات تخصصها، فوضع العربة أمام الحصان يساهم بالتوقف، أو على أحسن الأحوال بالتراجع والسير إلى الوراء.

والمشكلة أو الأزمة في العالم العربي والإسلامي اليوم، لا يكاد يبرأ منها أحد، سواء في ذلك الذين يدعون للانكفاء العاجز عن التوليد والامتداد المعرفي، أو الذين يدعون للارتماء في ثقافة (الآخر) ، دون أن يتحققوا بالمعيار المعرفي المتأتي من معرفـة الوحـي، وبذلك فقـد ينقلـون ما يضر ويعجزون عما ينفع.. وخلاصة الفريقين، العجز والاستنقاع الحضاري، وعدم القدرة على تحقيق النقلة النوعية المطلوبة.

وهنا قضية قد يكون من المفيد التوقف عندها، وإلقاء بعض الأضواء عليها فيما نحن فيه، وهي أن معرفة الوحي في الكتاب والسنة من طبيعتها وخصائصها صفة الهيمنة،

بدليل قوله: ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه.. ) (المائدة:48) ،

وأن الهيمنة من بعض الوجوه، تعني توفر المعيارية القادرة على التصديق والقبول لما هـو نافع من الثقافات والنظم المعرفية الأخرى، والتصويب لما فيها من الانحراف والوثنية والجنوح. فغياب هـذا المعيار أو افتقاده، يعني الضلال والسقوط الثقافي والغزو الفكري والتربوي. [ ص: 29 ]

لذلك نعتقد أن الذي لا يتحقق بمعرفة الوحي ولا يمتلك هـذا المعيار الدقيق والموضوعي غير المنحاز، لأنه من الله وليس من صنع الإنسان، غير مؤهل ابتداء للتعامل التربوي والثقافي، سواء كان ذلك إنتاجا أو تبادلا.. وإذا كانت معرفة الوحي في الكتاب والسنة لها صفة الهيمنة، بالمدلول الذي أشرنا إليه، فإن المنتج الثقافي والتربوي المنضبط بها، له صفة الهيمنة أيضا على الثقافـات والمعـارف المنتجـة للعقائـد الأخرى، من بعض الوجوه.

ونستطيع أن نقول: بأن الثقافات والمعارف والنظم المعرفية العالمية جميعها إنما تولدت في إطار ومناخ الرؤى الدينية، أي أن منطلقها وأصولها دينية، مهما ادعت الحياد وعدم التحيز، ذلك أنها لا تخرج بعمومها عن أحد أمرين: إما أن تحاول الانطلاق من القيم الدينية والامتداد بها، وإما أن تحاول الخروج عليها ونقضها، وفي كلا الحالين تكون الرؤية الدينية وراء إنتاجها سلبا أو إيجابا، انتصارا ودفاعا أو نقضا وهجوما، لذلك نقول: بأن المرجعية الشرعية، أو معرفة الوحي، هـي المعيار للقبول والرفض، وهي المنطلق والمنهج للتوليد والامتداد والنمو والتطوير والإصلاح، وإن الغائب عنها أو المفتقر لها، عاجز عن التوليد الذاتي، وعاجز عن الإفادة من (الآخر) وأسلمة معارفه، مهما كان حماسه للإسلام وإنجازه له. [ ص: 30 ]

ولعلنا نقول: إن المشكلة الأساس التي يعاني منها النظام التعليمي أو العملية التربوية والتعليمية بشكل عام، هـي أنها في معظمها قائمة على التناقض في المرجعيات، والتشاكس في فلسفة التعليم وغموض أهدافه، الأمر الذي سوف يؤدي إلى التبعثر وتمزيق رقعة التفكير، واضطراب رؤية الحياة وكيفية التعامل معها.. وبدل أن يكون نظام التعليم وسياسته سبيلا للترقي والتفكير والنمو، يصبح محلا للحيرة والارتباك والتلقين والعطالة وبعثرة المواهب.

ومرد ذلك في رأينا، أن منطلقات العملية التربوية والتعليمية وأهدافها وسياساتها، أو فلسفة التربية والتعليم بشكل عام المستوردة، تفتقد المرجعية والانطلاق من القيم التي تدين لها الأمة، أو تتجاهلها أو تحيدها على الأقل، وهذا بحد ذاته يميت الفاعلية، ويحول دون التجاوب المطلوب، كما أنها تفتقد المشروعية الإسلامية، وتفتقر إلى معادلة الأمة الاجتماعية وتقاليدها ومواريثها الثقافية، وتتجاهل طبيعة مجتمعها ومشكلاته وعمر هـذا المجتمع الحضاري والثقافي، وماذا نريد له، وكيف نحقق ما نريد له ؟ بل أستطيع أن أقول: إن فلسفة التربية والتعليم في كثير من بلاد العالم الإسلامي، تتم خارج المجتمع وحاجاته وطبيعة تطوره، حتى في تلك البلاد التي تدعي الاستقلال السياسي.

وقد يكون أحد أهم أسباب الارتباك والحيرة والتخاذل وانطفاء الفاعلية، هـو في عجزنا عن الامتداد ووضع أوعية تربوية لحركة العملية [ ص: 31 ] التعليمية والتربوية، أو وضع فلسفة تربوية متولدة عن مرجعيتنا، ومنطلقة من قيمنا، ومحددة لأهداف مجتمعنا، الأمر الذي استدعى تلقائيا (الآخر) -كما أسلفنا- فلا نحن استطعنا أن نقدم المطلوب والمأمول، ولا السياسات التي جلبت إلينا استطاعت أن تحل المعادلة الصعبة، لعدم وجود القابليات أو المناخ المناسب لها، لأنها نبات مجتمع آخر بظروفه ومشكلاته وعقائده وعمره الحضاري والثقافي وأهدافه في الحياة، ونظرته إلى الكون والإنسان، حتى ولو كان جسورها ووسائلها إلى العالم العربي والإسلامي بعض أبنائه، الذين تخصصوا في الغرب وعادوا مسكونين بمناهجه ومصادره ومراجعه وفلسفته التربوية، ولو حاولوا القراءة والبدء باسم الله والاختتام بحمد الله، لأن ضوابط القراءة المطلوبة باسم الله الذي خلق، وباسم الرب الأكرم، لم تترافق مع كل أبجديات العملية التعليمية، ولو توهم بعضهم أن الانتماء لبعض الحركات والتنظيمات أو المؤسسات الإسلامية دون أن يتوفر على زاد شرعي يمنحه المرجعية الكافية لأسلمة أفكاره والمرور بها إلى عالم المسلمين.

إن الإقدام على عملية الأسلمة دون مؤهلات، يجعل الخطورة أكبر.. فبينما نجد أن الفكر الوافد يستفز الأمة ويتحداها ويحفزها للصمود والمواجهة، ويساهم في تجميع طاقاتها واكتشاف شخصيتها، والمحاولة من جديد، نجد أن الفكر الذي تشكل من خلال فلسفات غير إسلامية، وبدأ باسم الله وانتهى بحمد الله، وادعى الالتزام بروح الشريعة، [ ص: 32 ] وهو في الحقيقة متجاوز لضوابطها الصريحة، يوقع الأمة في الوهم ويتسلل لداخلها، ويصبح كالداء الدفين، فهـو كدابـة الأرض التي تأكـل منسأتنـا من الداخـل ولا ندركها إلا عند الوقوع، الذي لا يتنبه له إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن تضل أجيال بكاملها.

فالقراءة الصحيحة المتولدة عن الذات غائبة بالأقدار المطلوبة، وقراءة (الآخر) من خارج الذات مرفوضة، والمتعلم ما يزال في غرفة الانتظار يراوح في مكانه، وكل واحد منا يلقي بالتبعة على غيره، فمؤسسات ووزارات التعليم الأساس يلقون بالتبعة على الجامعة والمعاهد العليا، والجامعة والمعاهد العليا تلقي بالتبعة على مخرجات التعليم الأساس والثانوي، وضعف خريجيه، الذين يصعب استنقاذهم مهما بذلت الجامعة والمعاهد العليا من جهود.

والناظر في مساحة مؤسساتنا التعليمية بشكل عام، وكليات التربية التي تربو على المائة في العالم الإسلامي فقط، ومجموعة رسائل الماجستير والدكتوراه في السنوات الأخيرة، يكاد يفجع ولا يصدق الحال الآخذة في التدني التي نحن عليها، وكأن الكثير من هـذه الشهادات أصبح كالعملة الزائفة التي لا تصرف شيئا في الواقع، ولا تسد حاجة، وإنما تساهم بالوهم وزيادة الأعباء المالية والثقافات الغثائية الهشة. [ ص: 33 ]

وأعتقد أن جميع الحلول المقترحة والمجربة لم تلمس الخلل الواقع، بدليل أنها لم تحقق الشفاء من الإصابة ولم تشخص المرض والداء بدقة.

وقد يكون بعض وجوه المشكلة أو الأزمة أننا نتوهم أن محل التغيير هـو الأشخاص والأشياء دون الأفكار والفلسفات والسياسات والأهداف.. صحيح بأن الأشخاص وما يحملون من أفكار سوف تنعكس على العملية التعليمية والتربوية، لكن من الخطورة بمكان أن تصبح هـذه القضية المركزية بالنسبة للأمة والمجتمع جميعا، محلا للمجازفات الشخصية، بعيدا عن الضوابط والرؤى المشتركة والموضوعية، ليكون الشخص في خدمتها لا أن تتحول إلى إقطاعية بشرية لتقديم خدمات شخصية.

ولعل من المجازفات الخطيرة أيضا -من الناحية المنهجية والموضوعية- طالما توهمنا أن الأشخاص والأشياء هـم محل التغيير والإصلاح فقط وليس الأفكار والسياسات، أن ينسف كل شخص ما بناه الآخر دون الاختبار السليم للصواب والخطأ، فنعود لنقطة البداية من الصفر، وبذلك نقفز من فوق التجارب الذاتية والعالمية معا.

وقد يكون من الإصابات البالغة للعملية التربوية والتعليمية في الكثير من البلاد العربية وبلدان العالم الإسلامي، عدم التقدير الدقيق لقضية اللغة العربية ودورها كوسيلة تعليم، وأداة تثقيف، وسبيل تغيير [ ص: 34 ] وإصلاح، حيث ما تزال -بسبب فساد مناهجنا وسياساتنا التربوية- تغيب عن مؤسساتنا الثقافية والتربوية علاقة لغة التعبير بتشكيل التفكير وإحداث التغيير وبناء الذاكرة الجماعية، وتحقيق الانسجام في الرؤية للأمور والحكم عليها، وبناء وحدة الأمة وتفاعل وتواصل أجيالها، ومد مساحات التفاهم والقواسم المشتركة بين أبنائها، واستيعاب تجاربها، والتحقق بمخزونها الثقافي، والارتباط بجذورها، والانطلاق والامتداد في فلسفتها التربوية والتعليمية من ذاتها، والانضباط بقيمها، والالتزام بمرجعيتها في الكتاب والسنة، والاعتبار بتاريخها الحضاري وتجارب أسلافها في الصواب والخطأ.

فاللغة وعاء الفكر والعلم والتربية والتعليم والتراث والقيم والتاريخ.. ومن أهم وأبرز أدوات تثقيف العقل وتشكيله وتغييره وإثارة عملياته التفكيرية هـي اللغة.. وقد تكون هـناك أهمية خاصة وفي مجال التربية والتعليم بالذات، لبحوث عميقة ومطولة عن كون اللغة وسيلة ودليل تفكير وليست أداة تعبير وتفاهم فقط.. فالأمة التي لا تتعلم بلغتها ولا تعلم لغتها، أمة معرضة للذوبان في ثقافة (الآخر) ، وإن كان لها استقلالها السياسي، ووضعها الجغرافي.. والأمة التي لا تفكر بلغتها في تعليمها وإعلامها وثقافتها أمة مشلولة التفكير، مهيأة لقبول عقل (الآخر) ، والتشكل بثقافته، والتعبير بلسانه. [ ص: 35 ]

ومع شديد الأسف، أننا ما نزال نعيش اليوم، في بعض بلدان العالم الإسلامي، حالة الارتهان الكامل للغزو الفكري والاستلاب الحضاري في معظم ركائز العملية التعليمية والتربوية، في اللغة والكتاب والمرجع والمنهج والمدرس والتخصص، وقد ننشئ الكثير من التخصصات غير المطلوبة لمجتمعنـا، وندفـع بالكثيـر من الخريجين الذين لا مجـال لهـم ولا حاجة بهم في مجتمعاتنا، فتزيد نسبة العطالة والخبال فيها.

لذلك نقول: بأن العملية التربوية والتعليم أخطر بكثير من أن يستأثر بها شخص أو مؤسسة أو وزارة أو تخصص أو جماعة أو فئة. إنها عملية متراكبة ومشتركة ومستمرة، تتطلب الكثير من التشاور والتفاكر والتناصح والتخطيط واختبار النواتج، أو مخرجات التعليم، من قبل جميع المتخصصين في العلوم الاجتماعية والإنسانية، حيث لا بد من استيعاب الواقع بكل أبعاده، وكيفية التعامل معه، واستشراف المستقبل، وكيف نعد له، ونبصر تماما لأي مجتمع نربي أبناءنا، وكيف ننمي قدراتهم ونضعها في الموضع الصحيح، وما هـي أدوات القياس والاختبار لنواتج العملية التربوية، وكيف نحقق الإنتاج المأمول؟ وكيف نعيد الفاعلية لقيمنا التربوية، التي أنتجت خير الأجيال وأكثرها عطاء ؟ لأن خلود القيم يعني قدرتها على إنتاج النماذج في كل زمان ومكان.

والناظر في تاريخنا التربوي والتعليمي، يكاد يشك بأن هـذا الواقع ينتسب إلى ذلك التاريخ، أو إلى تلك القيم، فالمشكلة إذن بأدوات [ ص: 36 ] التوصيل وتحقيق الانفعال بين الإنسان وبين قيمه، وهذه هـي المهمة الأولى للعملية التربوية.

ويزداد الأمر أهمية أكثر من أي وقت مضى، في عالم المتغيرات السريعة والتطورات الهائلة، في القيم والمفاهيم وأنماط الحياة، والنزوع صوب العولمة وانتشار الإعلام الفضائي، وانتقاص الأرض، وتدفق المعلومات، واختزال المسافات، بحيث أصبحت رؤية العالم كله متاحة لكل إنسان، فكيف -والحال على هـذا الشأن- يجوز أن يسيطر الركود والاستنقاع على المؤسسات التعليمية، التي تمثل منبع الأجيال وامتدادها ؟ وكيف لا يبقى ملف التعليم والتطوير والمراجعة والتقويم، مفتوحا باستمرار، لنحسن إعداد الطالب للمجتمع الذي سوف يتعامل معه ؟

وتأتي أهمية هـذا الكتاب، بأنه يعتبر إحدى المحاولات والمساهمات والمجاهدات المطلوبة لملف التربية والتعليم اليوم بشكل عام، ولواقع القارة الإفريقية بشكل خاص، لأن التربية والتعليم تبقى هـي المدخل والمفتاح لكل تغيير وإصلاح وتطوير وتنمية، واسترداد الذات، واستشراف المستقبل، ولأن محاولة استشراف وبناء المستقبل المأمول، بعيدا عن مؤسسات التربية والتعليم، نوع من الحراثة في البحر، والقتال بغير عدو.. ولعل الكثير من أزمات التعليم وإصاباته ونواتجها المتوضعة في إفريقيا، موجودة بشكل أو بآخر في كثير من بلاد العالم الإسلامي. [ ص: 37 ]

ولذلك فإن المطلوب بعد هـذه الرحلة الطويلة من الضياع والتضليل وتوهم الإنقاذ المرابطة في مواقع العملية التربوية والتعليم المتعددة، والاستمرار في المراجعة وإعاة النظر والتقويم والنقد، وتوليد البديل الملائم، المنطلق من عقيدتنا وقيمنا ومرجعيتنا بشكل عام، والتنبه إلى أن الاجتهاد الخاطئ في هـذا لا يجوز أن يوقف بذل الجهد للارتقاء بالعملية التعليمية، وتحقيق الإنتاج المأمول، والإفادة من الخطأ للاهتداء إلى الصواب.

وقد تتفاوت وجهات النظر في طريقة بناء البديل، وأساليب العملية التربوية والتعليمية، وتحديد أهدافها، وبيان مقوماتها، وتحرير مفهومها، وإعادة بناء واسترداد المعيار المنطلق من معرفة الوحي، الذي يشكل الهيمنة والمعيار للاختصاصات، كما يحدد منطلقات التعليم وأهدافه، لإنتاج المعارف ذات الأهداف الإسلامية، ذلك أن الأسلمة مقدمة ونتيجة في الوقت ذاته.

ويبقى ملف التربية والتعليم بطبيعته مفتوحا لمزيد من النظر والتقويم، والمراجعة والمشاورة والنقد، واقتراح البدائل، والإفادة من التجارب، ويستدعي أكثر من بحث وأكثر من باحث، لعل الله أن يهييء لهذه الأمة أمر رشد تبلغ فيه هـدفها في إلحاق الرحمة بالعالمين.

والله المستعان. [ ص: 38 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث