الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم بقلـم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الرحمن، الذي خلق الإنسان، علمه البيان، وأهله بقابليات العلم والتعلم والاكتساب، الأمر الذي ميزه الله به، فأسجد له الملائكة، وسخر له سائر الخلق،

قال تعالى: ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هـؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) (البقرة:31-33) .

وقـال تعـالى: ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) (الحجر:29) .

فالإنسان بهذه المؤهلات استحق أن يكون محل الوحي الإلهي، ووسيلة تطبيقه وتبليغه والإعلام به، وحمله إلى الأجيال المتعاقبة، وبيان محاسنه، لتحقيق الانفعال به، والالتزام بمقتضياته، وتلك هـي إذن مهمة بالغة، وأمانة حملها هـذا الإنسان المؤهل لحملها، وقول ثقيل،

قال تعالى: ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) (المزمل:9) .

فأمانة حمل الدعوة وحسن تبليغها وامتلاك الحجة، والتحلي بالحكمة، والإخلاص في النية، [ ص: 9 ] والصواب في العمل، من الصناعات الثقيلة فعلا.. ولعل مسألة الإعلام تعتبر جماع ذلك كله، وخلاصة ذلك كله.

والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وكان في الذروة من قومـه فصاحـة وبلاغة وأمانـة وتميـزا فـ ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) (الأنعام:124) ،

الذي جعل البلاغ المتسم بحسن الإبانة وقوة التأثير وملائمة مقتضى الحال، غاية مهمته ووسيلة دعوته،

قال تعالى: ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) (النور:54) .

وقال: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هـي أحسن ) (النحل:125) .

وقال: ( فإنما عليك البلاغ ) (الرعد:40) ...

إلى آخر هـذه الآيات التي تحدد المهمة وتبين أبعادها وتقدم نماذج تطبيقية عليها في الكتاب والسنة.

وبعـد:

فهذا كتاب الأمة الرابع والستون: (إشكاليات العمل الإعلامي بين الثوابت والمعطيات العصرية ) للأستـاذ الدكتـور محي الدين عبد الحليم، في سلسلة (كتاب الأمة ) التي يصدرها مركز البحوث والدراسات بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في اكتشاف مواطن الخلل الواقع في الحياة الإسلامية، في محاولة لمعالجة أسباب هـذا الخلل، وعدم الاكتفاء والتفكير بترميم آثاره، حيث ما نزال نراوح في مواقعنا في [ ص: 10 ] مجالات عدة، لم نحقق إنجازا يذكر، ونتوهم أحيانا بأننا نقطع المسافات ونفيد من الزمن، مهما حاولنا إيجاد المسوغات وصناعة المبررات، إلى درجة يمكن أن نقول معها: إن الجهد الذي نبذله في صناعة المسوغات -الأمر الذي يساهم بتكريس التخلف وتنمية العجز- لو بذلنا بعضه في المواقع المجدية لتغير الحال، ولأمكننا توظيف إمكاناتنا المتاحة بشكل أفضل، ووضعنا ولو خطوة واحدة صائبة على الطريق، تتلوها خطوات في الاتجاه الصحيح.

وما أزال أعتقد أننا نفتقد الرؤية الاستراتيجية المطلوبة على مختلف الأصعدة، التربوية والتعليمية والإعلامية والسياسية والاقتصادية، بل أستطيع القول: بأن المسلمين بعامة والكثير ممن يدعي النخبوية والقيادة منهم، مجرد من قابلية التفكير الاستراتيجي، وليس مجرد غياب الرؤية الاستراتيجية التي تبصر بالأهداف وتحددها وتجدولها بحسب الأولويات، وتتعرف بدقة على الإمكانات المتوفرة، وتدرس الظروف المحيطة، وتضع البرامج والمناهج والوسائل التي تحقق هـذه الأهداف، وتتحسب للتداعيات الممكنة، وتستعد للاحتمالات المتوقعة، وتقوم بعمليات التقويم لكل مرحلة من مراحل الطريق، والمراجعة الشاملة لتحديد الإصابات والأخطاء التي لحقت بالاجتهاد في ذلك كله، وإضافة كل تجربة إلى رصيد التجارب السابقة لتكون محل دراسة. [ ص: 11 ]

فالعاقل هـو الذي يعتبر بنفسه وغيره، والأحمق هـو الذي يصير عبرة لغيره، ولا يفيد من أخطائه وأخطاء الآخرين.. فاستشراف الماضي هـو الأساس والسبيل للتعرف على الواقع واستشراف المستقبل.

وما لم يتحقق لنا هـذا النهج الفكري ونتوفر على قابلية التفكير الاستراتيجي في مجالاتنا كلها، وما لم تتوفر لنا الرؤية الاستراتيجية لأنشطتنا كلها، فسوف ننمي التخلف، ونكرس الركود والتقليد والاستنقاع، بكل ما يحمل ذلك من التضليل والضلال عن الأهداف والذرائعية القاتلة.

ولا يكفي في ذلك الندب والبكاء على الحال، والحماس الآني، واتهام (الآخر ) ، والإلقاء بالتبعـة على عظـم التحديات وخطورتهـا، كما لا يكفي الانفعال وردود الأفعال واعتماد عامل الإثارة، ومحاولة المعالجة بمزيد من الخطب ورفع الأصوات وسماكة الحناجر، والهروب من قضية إلى أخرى، دون إنضاج موضوع أو دراسته بجرأة وشجاعة وتقويمه لبيان موطن الخلل فيه، وعوامل النجاح.

لقد أردت هـذه الغوغائية الكثير من الشباب، وهدرت الكثير من الطاقات، ودمرت الكثير من الجهود، وبعثرت الكثير من التضحيات.. دفعت الكثير من الشباب إلى الجهاد والموت تحت رايات عمية وحماس عامي، وتحركات يغلب عليها عمى الألوان.. وأخطر من ذلك كله، أنها [ ص: 12 ] ألقت بالتبعة والمسئولية على الشباب، وشكت من استعجالهم وحماسهم وعدم وعيهم، دون التفتيش عن المسبب الحقيقي، ومن كان وراء ثقافة الاستعجال وحالـة غياب الوعـي وصـور الحمـاس المردي.. وقد لا نكون بحاجة إلى ذكر ساحات الخسائر المتلاحقة، واستمرار خطباء وزعماء الهزائم والإحباطات يضربون الطبول، وينتقلون بزعامة الهزيمة وقيادة الهزيمة والخذلان من موقع إلى موقع.

وكم كان يتمنى الإنسان أن تقع يده على دراسة واحدة خلال نصف قرن أو يزيد على عمر العمل الإسلامي الحديث، بجوانب أنشطته المتعددة، تقوم التجربة، وتحدد الأخطاء، وتبصر بالطريق، وتلغي العصمة الكاذبة، وتدرب الأفراد على النقد والتقويم والمراجعة، واستعادة البشرية الغائبة لقيادات العمل، وعدم الخوف من الخطأ، ذلك أن التستر على الخطـأ مع الأسف أصبح ثقافـة، وأصبح له سدنـة متخصصـون، بحيث لم يعد يقتصر على مجالات العمل الجماعي، وإنما انعكس على ثقافة الفرد وممارساته في المجالات كلها.

وقد بدأ الإنسان يدرك -وإن كان هـذا الإدراك جاء متأخرا- لماذا يطلب زعماء وقادة ومشايخ الثقافة الذرائعية النظر دائما إلى الخارج، وتجريم محاولات النظر إلى الداخل، على الرغم من ادعائهم وخطبهم وكتاباتهم أن عمليات الإصلاح والتغيير تبدأ من الداخل، من النفس، [ ص: 13 ] واستشهادهم بقوله تعالى: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد:11) .

وبدأ يدرك أيضا لماذا توجه علماء الإصلاح إلى الأمة قبل أن يتوجهوا إلى الدولة، وتمحور اهتمامهم بالنظر في خطورة فساد العلماء وقادة الفكر، واعتبارهم هـم السبب، أكثر من اهتمامهم بفساد الحكام والأمراء -لأن فساد قادة الرأي هـو الفساد- والتوجه نحو إصلاح المبادئ والعقائد والأفكار، أكثر من توقفهم عند فساد الأشياء والآثار.

والدارس المتتبع لآثار الإمام ابن تيمية رحمه الله، الذي بعتبر من فقهاء الميدان، وأئمة الإصلاح، يرى ذلك واضحا في منهجه، حيث توجه بكل اهتمامه الإصلاحي إلى عالم الأفكار وحملتها من العلماء والفقهاء، لأنهم القادة الحقيقيون، ولم يتوقف إلا قليلا عند مناصحة الأمراء والحكام، لأنهم في نهاية المطاف هـم الـمنتج الثقافي للعلماء والمربين وقادة الفكر، ( فكما تكونون يولى عليكم ) ، و (عمالكم أعمالكم ) .

والواقع الذي لا يمكن إنكاره، يعتبر خير شاهد إدانة مستمر لحال مؤسسـات التربيـة والتعليـم والإعـلام وكـل وسائل التشكيـل الثقافي، بما تنتجه من شخصيات مهزوزة قائمة على التقليد والمحاكاة، بعيدة عن التفكير والاجتهاد والتبصر بالنتائج والاعتبار بالعواقب، والقدرة على أن تستوعب الماضي وتستشرف المستقبل، أو بعبارة أخص: بعيدة عن [ ص: 14 ] التفكير الاستراتيجي، أو صناعة قابلياته على مختلف الأصعدة، الفردية والجماعية.

لقد كان العطاء المتميز هـو المأمول من مؤسسات التربية والتعليم والإعلام، وخاصة المؤسسات الأكاديمية المعنية بتوفير التخصصات والدراسات المنهجية والموضوعية، التي تنتج التخصصات المطلوبة في شعب المعرفـة المختلفـة، وتهيئ القابليـات، وتدرب على البحـث العلمـي، بما تطرحه من مشروعات رسائل الماجستير والدكتوراه، وبما تقيمه من حلقات بحيث وندوات ودوريات محكمة ومراكز بحوث، وبما تخرج من كوادر مطلوبة للمجتمع.

لكن مع شديد الأسف نجد أن بعض هـذه المؤسسات التي شيدت لتشكل مجتمعات أنموذج، أو مواقع متقدمة للمجتمع، تدرس هـمومه وإصاباته ومشكلاته، دراسة موضوعية، وتقدم له الحلول والمعالجات المطلوبة، وتضعه على طريق التغيير والارتقاء، تحولت إلى مشكلة وعبء مالي، وفي كثير من الأحيان عبء ثقافي، لأنها انتهت إلى خدمة الأفراد القائمين فيها وعليها بدل أن يكون الأفراد في خدمتها، ولم تستطع انتشال الأمة من واقعها.

ونستطيع القول: إن الكثير من رؤى التغيير والتطوير والتجديد وتحديد المشكلات والإحساس بها، دخلت على هـذه المؤسسات [ ص: 15 ] الأكاديمية من المجتمع، ولم تخرج منها إلى المجتمع، بحيث تحولت الأشكال الأكاديمية إلى قوالب متيبسة وأسوار شبه مقدسة لا تمس، يختبئ وراءها الكثير من الصور الثقافية المشوهة والمهزوزة المأزومة، وفي أحسن الأحوال قد تعيد إنتاج فكر (الآخر ) ، وإصداره باسمها كما هـو، بكل عجره وبجره، لعدم توفرها على المرجعية الشرعية التي تشكل معيار الاختيار والاختبار والتنقية، وعدم إدراكها لمعادلة الأمة الاجتماعية ولمشكلاتها الذاتية، لذلك لم تحقق المأمول منها تماما، وضخت في المجتمع بعض الخريجين، الذين أصبحوا عالة ومشكلة بدل أن يساهموا بتنمية المجتمع والنهوض به.

وقد يكون من أخطر المشكلات التي ما نزال نعاني منها، لوجود العناوين الكبيرة وافتقاد المضامين البسيطة، المسارعة في الإعلان عن أقسام في العلوم والدراسات الإنسانية والاجتماعية في المعاهد العليا والجامعات، دون أن يتوفر لها المتخصصون، وتتبلور لها المناهج والأدوات المعرفية الكافية، الأمر الذي اضطر القائمين عليها إلى تغطية ساعات التدريس فيها بنظريات وأساتذة ومناهج وكتب ومراجع وبرامج (الآخر ) ، فلا المتخصص متوفر، ولا المنهج ولا المرجع ولا الكتاب، ولا حتى فلسفة القيم النضيجة في شعب المعرفة المطلوبة، وبذلك نكون فتحنا أقساما ومعاهد أتحنا فيها مساحات إضافية لثقافة (الآخر) ، وفي أحسن الأحوال تقديم مواضيع ودراسات غير مقنعة أمام تقدم هـذه العلوم والمعارف عند [ ص: 16 ] (الآخر) ، تنتهي إلى مصلحته عند المقارنة، لذلك لم تستطع هـذه المعاهد والجامعات أن تمد الوجود الإسلامي بشيء يذكر.

وكذلك الحال بالنسبة لوسائل الإعلام والمواد الإعلامية المقدمة بشكل عام، حيث نتفاخر في كثير من الأحيان بإصدار صحف ودوريات، ونعجز عن ملئها وتحريرها، فنقدم مساحات إضافية لثقافة (الآخر) ، ويكون نصيبنا منها التمويل والمسئولية، شأننا في ذلك شأن المرأة المستوصلة التي تستعير شعر غيرها وتوصله بشعرها، فتحاول الظهور على غير الحقيقة لمخادعة الناس.

وليس الحال في مجال البث الإذاعي والتلفزيوني بأحسن حالا، حيث يتم إنشاء المحطات، والإعلان عن ساعات طويلة من البث، وإمكاناتنـا في حقيقتهـا قد لا تغطـي بعض بعضها، لا من الأشخـاص ولا من البرامج، فنضطر إلى استدعاء (الآخر ) ،

ويصدق علينا قول ربنا: ( يخربون بيوتهم بأيديهم ) (الحشر:2) .

وفي تقديري أن الأبعاد الإعلامية اليوم، لا تقتصر على وسائل الإعلام المسموعة والمكتوبة والمرئية، من إذاعة وصحافة وتلفزيون، وعلى ما يطرح من خلالها من البرامج والفقرات المتنوعة، حيث تحاول اليوم أن تتعاطى وتمتد إلى تغطية جميع جوانب الحياة من ثقافة وسياسة واجتماع واقتصاد وتربية وفلسفة...إلخ، وتستخدم جميع الأساليب، بحيث [ ص: 17 ] أصبحت قادرة على اختزال الحياة وطي المسافات، واستدعاء الأشخاص وإشراكهم بالعطاء من مواقعهم، أو بمعنى آخر: يحاول القائمون على أجهزة الإعلام أن يكون الإعلام بديلا عن كل شيء، ويصبح المصدر الوحيد للتلقي والتثقيف، وهو ما يتطلب أضخم الإمكانات وأرقى الخبرات وجميع التخصصات بل خلاصة التخصصات.

إن التقدم الرهيب في المجال الإعلامي جعل الدولة الإعلامية هـي الطور الأخير للدولة في مراحل تطورها المتعددة، من الدولة السياسية إلى الدولة الاقتصادية إلى الدولة الثورية، إلى أن صار العالم اليوم يتجه إلى مرحلة الدولة الفكرية الإعلامية، لأن الإعلام اليوم هـو المروج والصانع والممكن لكل سمات وأبعاد الدولة بمفهوماتها وأطوارها التاريخية.

نقول: إنه على الرغم من ذلك كله، فإن الأبعاد الإعلامية تمتد لتشمل جميع مجالات الأنشطة الذهنية والفكرية والثقافية والفنية كلها، وتشارك في بنائها العقائد والأفكار، وتصب في خانتها أدبيات الأمة جميعها، بمدارسها وجامعاتها ومعاهدها ومؤلفاتها في مختلف العلوم والفنون والآداب، حتى إن مخزونها التراثي الذي يعتبر المنجم الحقيقي للعملية الإعلامية يحتل خانة أساسا في الكيان الإعلامي الشامل، ومن هـنا تبدو الخطورة واضحة عندما تتحول وسائل الإعلام لضخ فكر (الآخر ) ، وتصبح مجالا لامتداد (الآخر ) ، وإن كانت وطنية [ ص: 18 ] في جغرافيتها إلا أنها غريبة في هـويتها، لذلك فإن المسئولية عن القضية الإعلامية هـي مسئولية تضامنية عامة ومشتركة، كل في موقعه ومن موقعه، ولا يعدم أحد كائنا من كان قدرة ما على المساهمة في المسألة الإعلامية، عطاء ووقاية.

وقد لا يكون غريبا ولا مستغربا أن تربو مساحة المواد الإعلامية للدولة التي تحكم العالم اليوم على 90% من الضخ الإعلامي العام على مستوى العالم كله، الذي بات يشكل القرية الإعلامية المسكونة بإعلام الدولة القوية والمتحكمة، وأن عصر الهيمنة على الأثير قد بدأ عقب عصر الهيمنة على الأرض والهيمنة على البحار.

وأخشى أن أقول: بأن دول العالم الإسلامي أو دول البلاد النامية بشكل عام، تعيد التجربة التاريخية الخائبة على المستوى الإعلامي من جديد، فكما أنها استوردت التجارب الاقتصادية والسياسية والثقافية فأدى ذلك إلى التكديس وتكريس التخلف والاعتماد على (الآخر ) ، وكما نمى هـذا الاستيراد الأعشى العجز وحال دون الإبداع، وأضاعت الأمة في ذلك أجرها وعمرها وأموالها، لأنها حاولت أن تعيش على المظاهر الخادعة، وتقف على أقدام وأشياء (الآخر ) ، كما يتكرر ذلك اليوم بالنسبة للمسألة الإعلامية. [ ص: 19 ]

لكن الخطورة تتمثل في أن القضية الإعلامية تملك من الطاقات والإمكانات والإغراءات وقوة التأثير الثقافية ما كانت تفتقده المستوردات السابقة، إنها لم تعد تقتصر على توجيه الرأي العام والتحكم به وتشكيله حسب أهدافها ومقاصدها، وإنما تحولت من توجيه الاهتمامات إلى زراعتها وصناعتها ومن ثم قيادتها.. إنها بدأت تحتل اليوم العقول والعواطف والهوايات والأوقات جميعها، فقد تقود الإنسان من عقله، وقد تقوده من هـواياته، وقد تقوده من شهواته وغرائزه، لأن بعض تلك المحطات الفضائية أصبح أقرب ما يكون إلى المواخير والأندية الليلية، وإشاعة الانحلال الخلقي، لأن مثل هـذا الانحلال الذي يدخل على الناس باسم الحرية الشخصية أو الحرية الفكرية، التي تسوق المنكر والفساد، والاعتداء على القيم، وتعدي حدود الله، هـو الذي سوف يؤدي إلى الذوبان وانعدام روح المقاومة، وافتقاد الذات، وتحضير القابلية والتمكين لامتداد (الآخر ) .

إن إلغاء الحدود السياسية والجغرافية بين الأمم، الذي يمارسه الإعلام اليوم، والقفز من فوقها، واحتلال الفضاء، وإرسال الصواعق من فوق الرءوس، وتحريك الزلازل والبراكين من تحت الأقدام، سوف يؤدي إلى لون من الاستنساخ الثقافي والإعلامي، فتصبح جميع الدول والأمم تمثل رجع الصدى للدولة الإعلامية والثقافية الأقوى التي لا يقف أمامها شيء، ويفلسف لذلك بطروحات بدأت تسود وتؤصل باسم العولمة والعالمية [ ص: 20 ] والإنسانية، وما لها من المشترك الإنساني شيء، وما لها من حوار الثقافات شيء، فهي ليست أكثر من حوار مع الذات بقوالب إعلامية مغرية، وليست أكثر من الجبرية الإعلامية لثقافة الغالب والتمكين لها.

وقد تكون المشكلة الأساس تكمن في بعض وسائل الإعلام في بعض بلدان العالم الإسلامي التي تستورد التقنيات والبرامج والأشخاص، ومن ثم تحسب الشحم فيمن شحمه ورم، فتعيش على الورم والانتفاخ، وتظن أنه نمو وسمنة طبيعية فتسيء لنفسها في استعمال هـذه التقنيات، فتتحول إلى وسائل لهز الثوابت وتوهين القيم، وكسر الموازين، واغتيال مواثيق الأمة وأعرافها، والاعتداء على حرماتها وتقاليدها باسم حرية الرأي، وتنتهي هـذه الحرية المدعاة كما هـو مخطط لها، لتصبح النافذة التي يدخل منها (الآخر ) .

ومن هـنا نقول: بدل أن تمارس وسائل الإعلام في دول العالم الإسلامي رسالتها في التحصين الثقافي والوعي الحضاري، وتقدم النماذج التي تبني الشخصية، وتحمل الرسالة، وتثير الاقتداء، وأدلة التعامل مع الإعلام الغازي، وتشعر الأمة بالاستفزاز والتحدي الذي يجمع طاقاتها ويبصرها بطريقها ويساهم بصمودها، تحولت إلى وسائل هـدم تساهم بتكسير أسلحة الأمة وإلغاء حدودها الفكرية والثقافية لتمكن لمرور (الآخر ) ، وقد تتجاوز أكثر من ذلك حيث تصبح أداة (للآخر ) ، فتبرز [ ص: 21 ] العمالة الإعلامية اليوم كحال العمالة الثقافية والسياسية والاقتصادية في مراحل تطور الدولة التاريخي.

إنه طور من الاستعمار الإعلامي في الدول المتخلفة، وعلى الأخص في كثير من الدول الإسلامية التي وصلت الأمور أو كادت تصل في كثير منها إلى المرحلة الأخطر وهي مرحلة الغزو الإعلامي الذاتي.. وهذا الطور وإن كان جديدا أو أكثر وضوحا على المستوى الإعلامي اليوم، فهو مسبوق بالغزو الثقافي والحضاري الذاتي الذي سبقه ومهد له، إذ لم تعد الدول المهيمنة بحاجة إلى الزج بنفسها في المعارك الثقافية والحضارية والإعلامية طالما هـي قادرة على صناعة من يقوم بالدور بالنيابة عنها من أهل البلاد أنفسهم، لأن ممارستها المعلنة قد تؤدي إلى الاستفزاز واستشعار التحدي والمساهمة بيقظة الأمة.

وقد سبق هـذا الطور إقامة مؤسسات إعلامية وثقافية، أو دول إعلامية بالمعنى الأدق، خارج الحدود، لتصب منتجاتها الإعلامية داخل الحدود الجغرافية، بحيث يتم تحضير المجتمع لما يراد له.

ونستطيع أن نقول: إن الإعلام اليوم يتجه إلى سلب الإرادة والدخول في لون من الجبرية الإعلامية والثقافية، وإن كثيرا من المصطلحات المبهمة والموهمة تقودنا خلفها دون إدراك كامل منا لحقيقتها وتداعياتها والآثار المترتبة عليها، بحيث أصبحنا نعيش في معسكرات الأسر الإعلامي، أو حقبة الاسترقاق الإعلامي. [ ص: 22 ]

ومع ذلك بالإمكان القول: إن هـذه الوسائل أو التقنيات الإعلامية المتطورة والمتسارعة بشكل مذهل، بمقدار ما تشكل لنا مشكلة وإصابة بمقدار ما تمنح لنا حلا وإمكانيـة.. وبمقـدار ما تشكـل لنا نقمـة، بمقـدار ما نستطيع تحويلها إلى نعمة، لو قدرنا على استيعابها وكيفية التعامل معها، إذا أحسنا القراءة، ووضعنا الأبجدية الصحيحة لقراءتها.

والمستقرئ لتاريخ هـذه الأمة، يرى أن عمليات الاستعمار والاستفزاز والتحدي، واستهداف عقيدة الأمة وقيمها ومقدساتها، التي يراد منها موت الأمة، كثيرا ما كانت سببا في إحيائها وإثارة معاني الخير فيها، فرب ضارة نافعة.. لذلك نجد كثيرا من التحديات التاريخية والعقوبات التي وقعت على الأمة المسلمة بسبب معاصيها، كانت السبب في العودة إلى الذات، والتشبث بالأصول، والاهتمام بالتاريخ والتراث، وكانت السبب الأساس في العودة إلى الانتماء للإسلام والالتزام بأحكامه، والشعور بالاستعلاء الإيماني حتى في أشد مراحل الهزيمة، الأمر الذي لا يمكن أن تحققـه مئـات الكتب والخطب والمواعظ.

لكن يبقى المطلوب: كيف نخاطب العقل وندعمه بفقه الواقع، ونفيد من العبرة التاريخية، ونجيش المشاعر، ونلهب العواطف، لتتوجه جميعا صوب حماية قيم الأمة وتنميتها، وتحويل هـذه السموم الناقعة إلى أدوية [ ص: 23 ]

إن حسن قراءتنا لهذه التحديات، وتبصير الأمة بها، ونقل الأمة من موقع التلقي والعطالة وحالة الانهيار والاستسلام، إلى موقع استشعار التحدي، سوف يجعل من هـذه التحديات محرضات حضارية، ومفاعل خير، ومنجم عطاء.

كما يجعل من هـذه الوسائل الإعلامية سبلا لحمل رسالة الإسلام ونشره على مستوى العالم.. إن إلغاء الحدود والسدود وامتلاك القدرة على الوصول إلى جميع أنحاء العالم هـو في صالح الإسلام، ذلك أن أحد مسوغات الجهاد إزالة العوائق أمام انتشار الإسلام، لأن الإسلام رسالة الإنسان العالمية، القوي بذاته، القادر على التأثير والامتداد

لذلك فقد يكون صحيحا إلى حد بعيد القول: إن المغلوب مولع بتقليد الغالب في جميع جوانب حياته، وعلى الأخص عندما يكون فقيرا يعاني الفراغ أو القابلية التي تسمح باحتلال (الآخر ) ، لكن وإن صدق هـذا في معظم مراحل التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي، فإنه أكثر صدقا في مجال الغلبة الإعلامية التي نلحظ آثارها الواضحة اليوم، حيث يسود التقليد والمحاكاة ورجع الصدى، وتعجز كثير من الأمم على النمو الذاتي، وحتى معرفة أبعاد ومشكلات وحاجات الذات.

لكن الصحيح أيضا أن هـذه السنة أو القاعدة بإطلاقها، لم تصدق تاريخيا ولا واقعيا على عالم المسلمين، حيث كانت عقيدة المغلوب بكل [ ص: 24 ] منتجاتها الثقافية والأخلاقية والإدارية والاقتصادية والتشريعية أقوى من جنود الغالب.. لقد استطاعت الأمة المسلمة تاريخيا، من خلال ما تمتلك وتتحصن وتتمنع به من عقيدتها وحضارتها وتجربتها التاريخية، أن تستوعب كل الموجات العاتية وتهضمها وتحولها إلى طاقات ووقود حضاري لمسيرة الأمة وحملها لرسالتها.

لقد قلبت المعادلة في الساحة الإسلامية، وتغيرت السنة التي ظن لها الاطراد، وانقلب السحر على الساحر، فأصبح الغالب مولعا بمحاكاة المغلوب وتقليده والإفادة منه، فانقلب العدو اللدود إلى صديق وأخ ودود، تحول من العمل على هـزيمة الإسلام والمسلمين إلى نصرة الإسلام والمسلمين.. وهذه سنة ماضية، لأن الأمة المسلمة حاملة الرسالة الخالـدة لا تنطلق من فراغ، ولا تعيش فراغا يمكن من امتداد (الآخر ) ، وإنما هـي قادرة على العطاء في كل حين، في حالات غياب الدولة المسلمة، أو انكماشها، حيث يبرز دور الأمة ونخبها وطوائفها القائمة على الحق.

ويبقى المطروح: كيف تتحول هـذه الوسائل الإعلامية المذهلة إلى انتشار الإسلام وانتصاره ذلك أن الرفض والإدانة وإدارة الظهر للأمور، وعدم التفكير بكيفية التعامل معها، ولها هـذا الحضور الكبير، نوع من الغيبوية الممهدة للوفاة. [ ص: 25 ]

ولعل في امتداد الإسلام وانتشاره واعتناقه في أكثر الدول قوة وحضارة ومدنية اليوم، وأكثرها تخلفا وجهلا وبداوة، ابتداء من إفريقيا ومرورا بأوربا وأمريكا، لخير دليل على امتلاك الإسلام القدرة والإمكان الحضاري، حتى ولو طغى السيل وارتفع الزبد الإعلامي، الذي وصل إلى مراحل مخيفة ورعيبة من القدرة على جعل الحق باطلا والباطل حقا.

وهنا قضية على غاية من الأهمية، قد يكون من المفيد التوقف عندها قليلا، لأنها قد تشكل إصابة بالغة تلحق بالأمم في حالات العجز والتخاذل والتخلف وسيادة الذرائعية وعقلية التسويغ والتبرير والفهم الأعوج والتدين المعوج، وهي الظن بأن الله سبحانه وتعالى الذي تعهد بحفظ هـذا الدين، ليس بحاجة لنا ولنصرتنا، فللبيت رب يحميه ا! وهي حالة من الفهم المعوج وتسويغ التخاذل وانطفاء الفاعلية، تناقض العقل والوحي والتاريخ وفهم خير القرون.

ذلك أن هـذا الدين إنما يحفظ وينتصر وينتشر من خلال عزمات البشر وسنن الله في الأنفس والآفاق الجارية في السقوط والنهوض، واستشعار المسئولية، وتقديم التضحية والاستشهاد في سبيله، والمغالبة الحضارية، وإعداد القوة في المجالات المتعددة، ودخوله الحياة من كل أبوابها، والمجاهدة في تصويب مسيرة الأمم والشهادة عليها، والقيام بشأن الدعوة والبلاغ المبين، وعدم انتظار السنن الخارقة التي تعفي فلسفتها [ ص: 26 ] والترويج لها الإنسان من أي مسئولية وفاعلية، وتنتهي به إلى ضروب من الإرجاء وموت الحس بالتحدي والاستفزاز.. ونحن هـنا لا ننفي السنن الخارقة وقدرة الله على أن يقول: كن فيكون، وإنما نؤكد على السنن التي تعبدنا الله بها، وهي السنن الجارية، حيث إن الله جعل مفاتيح التغيير وعوامل القوة ومغالبة قـدر بقـدر ودليل الوصـول إلى ذلك بأيدينا، وهـذا لا يناقض إرادة الله، في أن كل إنسان ميسر لما خلق له، وإنما يعني أن الله صاحب الحكم والأمر والإرادة المطلقة، هـو الذي أراد لنا أن نريد، وأن نقدم، وأن نفكر، وأن ندبر، وأن نتعامل مع الحياة بعقولنا وإرادتنا وعزائمنا في ضوء هـدايات الوحي وتطبيقاته في فترة النبوة المعصومة والخلافة الراشدة المشهود لها من المعصوم، حيث لم يتخاذل الصحابة وجيل خير القرون في معركة أو موقف بحجة أن الله سينصر دينه ويقيم شرعه.

ولقد تسارع الصحابة رضي الله عنهم لكتابة القرآن وحفظه بعد التحدي الكبير في معركة اليمامة واستحرار القتل بالقراء،

ولم يفهموا من قوله تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9) ،

الإعفاء من المسئولية.. وهكذا كانت سائر أحوالهم.

هذا جانب من القضية، والجانب الآخر هـو مظهر الهزيمة النفسية واليأس والانتهاء إلى حالة الاستحالة وذهنية الاستحالة، التي تؤدي إلى السقوط أمام (الآخر ) ، وافتقاد أية قدرة على توظيف حتى الإمكانات [ ص: 27 ] المتاحة، والاستسلام الكامل، حيث تصبح قوة (الآخر ) وقدراته لا تقاوم ولا يمكن الوقوف أمامها ولا التعامل معها بأضعف الإيمان، فيكون التوقف والتراجع والجمود والموت، وتحويل المدن إلى مقابر، والحياة إلى متاحف، وتنطفئ الروح.

وليس أقل من ذلك خطورة غياب استشعار التحدي وشيوع ذهنية الاستسهال وعدم استيعاب وحسن تقدير الأمر وإعداد العدة المطلوبة لذلك، والظن بأن القضايا الكبرى يمكن أن تعالج بحماس، أو رفع صوت، أو رغبة صادقة، أو خطبة عصماء، أو التوهم أن الجرأة في الإقدام على موقف دون إدراك لتداعياته وامتلاك لمقوماته، وبذلك تتحول الطاقات العمياء والتضحيات العشوائية الجاهزة دائما للاستثارة لصالح العدو، وتفتح النوافذ المطلوبة لرؤية العدو لمكامن ضعفنا، وتبصيره بكيفية القضاء علينا، ويصبح حالنا كحال ذلك السائل للرسول صلى الله عليه وسلم عن تحديد موعد يوم القيامة، بقوله: (متى الساعة، ويكون جواب الرسول صلى الله عليه وسلم بإعادته إلى صوابه وموطن فاعليته بقوله: ( ماذا أعددت لها. ) وهذا الأمر أو هـذا الجواب، هـو المطلوب لحالنا التي نعاني منها، حيث يبقى السؤال الكبير: ماذا أعددنا لقضايانا حتى نكون في مستوى إسلامنا وعصرنا، فنتصرف في حدود إمكاناتنا المتاحة، وفي ضوء الظروف المحيطة بنا [ ص: 28 ]

وقد تكون المشكلة، كل المشكلة -كما أسلفنا- في غياب مبدأ التفكير الاستراتيجي أو وجود الخطة الاستراتيجية التي تتحدد في ضوء الإمكانات المتوفرة والظروف المحيطة، ووضع المنهج الصارم لعدم الخلط بين الإمكانيات والأمنيات، وهذا لا يتأتى في المجالات جميعا إلا بالإحاطة بالقضايا المطروحة، وبالإمكانات المتاحة، وبالظروف المحيطة، وبالزمن المطلوب، وبالاحتمالات المتوقعة.

ومعالجة المشكلة -فيما أرى- تبدأ من الوقوف على طريق الحل، والمبادرة إلى تصويب إيماننا في التعرف إلى مقتضياته وإحياء فروض وتكاليف الكفاية في حياة الأمة.

إن فهم فروض الكفاية حق الفهم، كفيل باستنقاذ الأمة من وهدتها، ذلك بأن الأمة لا تخرج من العهدة والخلوص من الإثم ما لم تقم بهذه الفروض، أي تؤديها على الوجه الأكمل، وليس يعني ذلك مباشرتها فقط دون القيام بها ومن ثم الإيمان بأن النهوض رهين بالتخصص وتقسيم العمل، بحيث يتحقق لنا الإتقان والإبداع، وتتكامل المواقع، وتتعدد الأدوار، فلا تعالج المشكلة بالتمني والخطب والحماس، وإنما بالجهد والصبر والفهم، والممارسة العملية والاجتهاد، والخطأ والصواب، وهندسة الطاقات، وإحياء القابليات، ووضع تخطيط علمي وموضوعي وذكي للتخصصات، وتخطيط التعليم في ضوء متطلبات المجتمع ومؤشرات نموه [ ص: 29 ] المستقبلي، وتخليص الأمة من التحشيد الكلامي الذي يصنع الرجل الملحمة الذي يدعي كل شيء.. تخليص الأمة من الأنصاب والأوثان البشرية، والتحول من الأشخاص إلى القيم والأفكار.

ذلك أن نقل القدسية والعصمة من القيم والمبادئ إلى الأشخاص التي يحملونها، على ما يجري عليهم من إمكانية الخطأ والصواب، سوف يؤدي إلى التباس الأحوال، وضياع المعايير، وضلال الرؤية، حتى تصل القضية إلى مرحلة لا نحسد عليها، فيصبح أي تخطيئ أو نقد أو تقويم للشخص أو للشيخ يعني اعتداء على الإسلام وتخطيئا له، وهنا تبدأ مرحلة السقوط، حتى لو توهمنا العافية، والوقوع في علل الأمم السابقة، الذي انتهت معه قيم الدين إلى الأشخاص الذين يمثلون أو يتحدثون باسم الله، فيحلون ويحرمون ما يروق لهم.

إن غياب إدراك أهمية فروض الكفاية والإيمان بالتخصص وتقسيم العمل، سيؤدي إلى بروز الرجل الملحمة الذي يتطاول على كل شيء ويدعي المعرفة بكل شيء، ولا يعتذر عن الإجابة عن شيء، ولا يعتذر عن خطأ وقع منه، فيبدو وكأنه المعصوم ويحتل مرتبة فوق مرتبة النبوة، وذلك على الرغم من رفع الشعارات الموهمة أو المخدرة وقراءة النصوص القرآنية التي تدعو إلى التخصص والعلم والإحاطة، والنهي عن أن يقفو الإنسان ما ليس له به علم، وأن الرجال يعرفون بالحق، وأن الحق لا يعرف [ ص: 30 ] بالرجال، لكنها جميعا صارت شعارات وليست شعائر يعيشها المسلم ويمارسها ويلتزم بها.

ولعل من أخطر المواقع اليوم -كما أسلفنا- هـو الموقع الإعلامي تخصصا وتأثيرا، فهو علم وفن وتخصص، وليس ادعاء وتطاولا، أو بعبارة أدق: هـو ثمرة لمجموعة تخصصات متعددة ومتنوعة.

وقد لا تكون المشكلة دائما بالمدعين والمتطاولين على ما يحسنون وما لا يحسنون، وإنما بالمجتمعات المتخلفة الفاقدة للرؤية والمعيار، التي يصعب عليها التمييز، لذلك تبرز من خلالها قيادات إعلامية خائبة، وتصبح هـذه المجتمعات مجالا لكل مدع للطب والعلم والدين والسحر والشعوذة والخوارق...إلخ، حيث لا يزال يصدق علينا، وعلى معظم المجتمعات المتخلفة في المجال الإعلامي وغيره، المثل أو القاعدة السائدة في مجال الاقتصاد: (دكان القرية سوق المدينة ) ، لأننا ما نزال نعيش في مرحلة دكان القرية، فصاحبها يبيع كل شيء، ويكدس كل شيء، من الأغذية والأحذية والقماش والأدوات المنزلية والمبيدات الحشرية ومواد الاشتعال وغيرها، ويدعي كل شيء.

فالزعامة تكون للأعلى صوتا، والأسمك حنجرة، والأكثر ادعاء، والأقدر تطاولا، وليس للأعلم والأكثر تخصصا. [ ص: 31 ]

وعلى الرغم من كل هـذا الواقع، فإن ما نمتلكه من وسائل الإعلام، كما وكيفا، وما نمتلكه من نماذج الخطاب في الكتاب والسنة، وما نرتكز إليه من التجربة الحضارية التاريخية، وما نحمله ونتميز به من رسالة محلها ورصيدها الفطرة الإنسانية، يناقض تماما هـذه الحقيقة المرة التي انتهت الأمة إليها، ويشكل شاهد الإدانة لهذا الواقع الإعلامي الذي نحن عليه.

إن المنبر الذي اتخذه الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم وكان أحد مقومات المجتمع الإسلامي في فترة التأسيس، منذ الخطوات الأولى للدولة المسلمة والمجتمع الإسلامي، قد مضى على عمره أكثر من أربعة عشر قرنا، من حيث العمق الزماني والتاريخي، وإن مساحة ما تمتلكه الأمة المسلمة اليوم من المنابر والمساجد المنتشرة في هـذه المساحات الهائلة من العالم الإسلامي والعالم، والمزروعة في باطن المجتمع وجنباته المتعددة، وقراه وأمصاره، إضافة إلى هـذه الطاقات والكتل البشرية من جمهور المتلقين الذين يحضرون إلى الاستماع والإنصات طائعين مختارين، يعتقدون أن الاستماع والفهم والاستيعاب جزء من الدين، وأصل في التدين الصحيح، وما تضخه المحاريب من التلاوة لآيات القرآن الكريم، محور المجاهدة ومنطلق العقيدة والرسالة، خمس مرات في اليوم والليلة، وما يحمله البيان النبوي من جوامع الكلم والبلاغ المبين الذي يمثل دليـلا وأسـوة، قمين بأن يحقق لنـا ما نصبو إليه، وينتشلنا مما نعانيه. [ ص: 32 ]

إن هـذا المخزون الإعلامي والدعوي العظيم، على مستوى الفكرة والوسيلة والعمل التاريخي والمساحة الأفقية، يشير إلى حد بعيد إلى القدرات التي نملكها ونتميز بها، إلى درجة يمكن القول معها: إننا ما نزال نمتلك، رغم التخلف والعجز والحصار والغزو الإعلامي، من الإمكانات الإعلامية المؤثرة، أكثر بكثير مما يمتلك غيرنا من أي أمة من الأمم، لكن هـذه المنابر والمواقع الإعلامية تعاني اليوم من العطالة والإصابة البالغة والجمود والتيبس القاتل.. لقد انطفأت فاعليتها وخبا نورها، وأصبحت وسائلنا الإعلامية ومنابرنا عبئا علينا بدل أن تكون سندا لنا، ومع ذلك نرفع أصواتنا بمر الشكوى من وسائل الإعلام وما تحمله لنا من السلبيات والإصابات، وكيف وراءها اليهود والصليبيون وأعداء الدين، الذين يتآمرون علينا صباح مساء، وبذلك نـدع ونعطـل ما نملكـه، ونتطلع إلى ما يملكنا، فيزداد عجزنا وتتعمق مأساتنا.

وما أعتقد أننا بما يتوفر لدينا من تخصصات إعلامية حقيقية -هذا إن وجدت- قادرين على تغطية بعض أجزاء أو أزمان المسألة الإعلامية، إلا إذا ظننا أن الإعلام أن نقف خطباء إذا كتبنا، أو إذا تحدثنا، أو حاورنا، أو ناظرنا، أو حاضرنا، أو مارسنا التربية والتعليم، وكذلك سائر الأوعية الإعلامية الأخرى. [ ص: 33 ]

والناظر فيما يسمى الإعلام الديني والإسلامي في إطار الصفحات الدينية في الجرائد، مضمونا وإخراجا، وبعض البرامج الدينية في الإذاعة والتلفزيون، لا يفاجأ كثيرا بالحال التي نحن عليها، علما بأننا أمة القرآن الكـريم، الـذي كان محور البـلاغ المبين، ووسيلـة مجاهـدة (الآخـر ) ،

قال تعالى: ( وجاهدهم به جهادا كبيرا ) (الفرقان:52) ، وكان غايـة ما يملكه الكفار محاولة الحصار الإعلامي للقرآن،

قال تعالى: ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) (فصلت:26) .

إن القرآن الكريم الخالد المجرد عن حدود الزمان والمكان، يمتلك صفة الهيمنة في العقيدة والعبادة والتشريع والثقافة والإعلام، كما يمتلك من خصائص ومواصفات الخطاب الإعلامي ما يحقق له خاصية حماية الذات، واستنقاذ (الآخر ) وإلحاق الرحمة به، لو أدرك المسلمون أبعاد هـذا الخطاب وكيفية التعامل معه والقبس منه.

لقد ارتكز الخطاب الإعلامي في القرآن والبيان النبوي على العقل، وانطلق من الوحي، وتوجه صوب الفطرة الإنسانية، واستخدم الأسلوب البياني والبرهاني والعرفاني، ووثق طروحاته بشهادة الواقع، وأفاد من عبرة التاريخ ومسيرة الأمم السابقة، وعرض مشاهد لواقعها في العقيدة والسياسة والتشريع والفكر والثقافة والعادات والأخلاق والتوارث الاجتماعي، ووظف لذلك -كما أشرنا- القصة، والحوار، والمناظرة، والمباهلة، [ ص: 34 ] والمناقشة، والمثل السائر، والعواقب التي أفضت إليها المقدمات، كشواهد على صدقية المعالجة والدعوة. وجاء الخطاب القرآني ثمرة للإحاطة بحال المخاطب من كل جانب.. ولم يكتف القرآن برصد واقع المخاطبين وتحديد أسباب إصاباتهم، وإنما تجاوز إلى الكشف الواضح والصريح عن عقائدهم وأفكارهم وطوايا أنفسهم، ليوافق الكلام مقتضى الحال، وليوضح السنة المطردة وقانون حركة التاريخ التي حكمت حياتهم.

لذلك نجد القرآن اهتم بفن صياغة الكلمة، وفن اختيار الكلمة المناسبة، وفن اختيار الوقت المناسب، والتوجه بذلك صوب الإنسان المناسب، وأخذ بمبدأ التدرج في التربية وبناء اللبنات الفكرية والتشريعية.. كما نجد أن مواصفات الخطاب القرآني، الذي استخدم جميع وسائل التعبير وأساليبه، تعامل مع المخاطبين بحسب طبيعة الحال وهدف المعالجة التي يتوجه إليها الخطاب، فخطاب الدعوة، له مواصفاته وخصائصه وهي: الدفع بالتي هـي أحسن:

قال تعالى: ( ادفع بالتي هي أحسن ) (فصلت:34) ..

الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة،

قال تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هـي أحسن ) (النحل:125) ..

والقـول اللين، قـال تعالى: ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) (طه:44) ..

وخطاب المجادلة له مواصفاته، وخطاب المباهلة له مواصفاته، وخطاب العقيدة له براهينه [ ص: 35 ] ومقتضياته، وخطاب المعركة له أساليبه وإثاراته ومحرضاته، وخطاب التعبئة النفسية والإعداد له مقوماته، وخطاب الحوار له مجالاته وطرائقه.

حتى لنكاد نقول: إن الكثير من جوانب المشكلة الدعوية والإعلامية اليوم، هـو في هـذا الخلط في الأسلوب المطلوب، والتداخل والالتباس الرعيب بين مواصفات خطاب الدولة، وخطاب الأمة، وخطاب الدعوة، وخطاب المعركة، وخطاب التربية، وخطاب التشريع، وخطاب العقيدة، والخطاب الاجتماعي.

لقد خاطب القرآن الإنسان كله، بعقله وعواطفه وفطرته، ومصلحته ومقاصده، وتاريخه ومصيره، بما يوقظ وعيه بشكل عام، وليس إيقاظ عقله أو عواطفه فقط، وعرض نماذج لطبيعة المجتمعات الذي توجه إليها الخطاب، ومعاناتها، بلغت من المساحات التعبيرية ما لا يقل عن طرح مبادئ الإسلام وقيمه.

لقد بين القرآن الكريم عقائد هـذه المجتمعات، التاريخية والحاضرة، وعاداتها ومشكلاتها الاجتماعية، أي أن الخطاب انطلق في تعاطيه مع (الآخر ) ، من فهم هـذا (الآخر ) ، فجاء الخطاب مطابقا لمقتضى الحال وليس رسما بالفراغ.

فكيف سيكون الحال لو استوعب المسلمون مواصفات الخطاب في القرآن، وكانوا في مستوى إسلامهم وعصرهم من الناحية الإعلامية. [ ص: 36 ]

وقد يكون بعض جوانب المشكلة التي نعاني منها، والتي جاءت ثمرة لانسلاخنا الثقافي والإعلامي عن الإسلام، هـذا الانفصال الرعيب بين وجود تدين وإخلاص وتوثب بدون تخصص من جانب، ووجود تخصص فاقد للمرجعية والرؤية الشرعية، التي تمنح المعيار والقدرة على بلورة رؤية أو فلسفة إعلامية، منطلقة من قيمنا في الكتاب والسنة، من جانب آخر.. رؤية محققة للهدف ومقاصد الشريعة، ومتسلحة بالوسائل والتقنيات الإعلامية، قادرة على الاستنبات بدل الاستيراد، والإبداع من خلال الذات بدل التكديس والتظاهر الإعلامي.

وهنا لا بد أن نقول: بأن الكثير من المؤسسات الأكاديمية الموجودة في العالم الإسلامي، المسكونة بثقافة وحضارة (الآخر ) ، ما تزال رهينة لكتابه ومنهجه ومرجعه وخريج معاهده، والافتتان بالتقدم الرهيب على مستوى الصوت واللون والصورة، لم تستطع أن تقدم شيئا يذكر، لقد قدمت محاولات مدبلجة لا تسمن ولا تغني من جوع، واحتمت بالأسوار والتقاليد الأكاديمية، لتحول دون النقد والمراجعة والتقويم، وكأن مفهوماتها مقدسة لا تمس، حتى ولو تحولت إلى استنقاع الأمة وتكريس تخلفها.

ونرى أنه لا بد أن نذكر أن انتماء الإنسان للإسلام أو لمؤسسات وجماعات إسلامية، لا يمنحه المرجعية الشرعية ومن ثم القدرة على إبداع رؤى إسلامية مقدورة، بل قد يقع ويوقع الكثير من المتلقين، سواء كانوا [ ص: 37 ] من الطلبة أو من الجمهور، بحفر يصعب ردمها وتجاوزها..وحتى نستطيع ردم هـوة التخلف والفصـام بين تدين بلا تخصـص، وتخصص بلا تدين سليم، لابد أن تبرز في حياتنا الإعلامية، كما هـو الحال في المسألة الاقتصادية والمصرفية، مؤسسات تشكل العقل الجماعي المتكامل، من شتى التخصصات، تمارس في أجوائها المفاكرة والمشاورة والمثاقفة والحوار والتخطيط والتقويم ودراسة الجدوى لأعمالنا في المجالات المتعددة، حتى نسترد حياتنا الإسلامية بشكل صحيح، ونقضي على ذلك الفصام الخطير، وننطلق إلى سائر التخصصات في شعب المعرفة من مرجعية شرعية، تكون معرفة الوحي فيها المعيار والمنطلق والإطار المرجعي.

ولئن كان مفهوم الفلسفة يعني اليوم من بعض الوجوه، النظر لإنتاج العقل والعلم بالعقل، فإن العقيدة تعني من كل الوجوه النظر بالوحي لإنتاج العقل والعلم.

والكتاب الذي نقدمه، يعتبر إحدى المحاولات لبلورة رؤية إعلامية، وتحديد بعض الملامح والمعالم الرئيسة للمنهج الإسلامي في الإعلام، ذلك أن الجهود التي تناولت المنظور الإسلامي للإعلام بما فيها ما يطلق عليه: (الجهود الأكاديمية ) ، لا تزال متواضعة لا ترقى إلى مستوى المنبر الإسلامي المطلوب، ولا تحقق الاضطلاع بمهمة البلاغ المبين، كما أنها لا ترقى إلى مستوى العصر، بكل عطائه وتقنياته الإعلامية، وكأن الإعلام في عالم المسلمين ما يزال يعاني غربة الزمان والمكان. [ ص: 38 ]

ولعل السبب في ذلك اتساع فجوة التخلف بين الماضي المشرق والواقع المتخلـف، شأنهـا في ذلك شـأن الفجـوة القائمـة بين ما يسمى الإعلام الإسلامي -تجاوزا- والإعلام العالمي، حتى انتهى عالمنا الإسلامي إلى موقع التلقي لكل ما يصب عليه، بحيث تكاد تكون معظم مشاركاته تمثل رجع الصدى للإعلام العالمي، وإعادة إنتاجه وإرساله.

وما لم نحي فروض الكفاية في الحياة الإسلامية، ونخطط لتحصيل الاختصاص في شعب المعرفة جميعها، ويتم تقسيم العمل، وتتكامل الأدوار في بناء العقل الجماعي، الذي يمتلك الحواس الاختصاصية جميعا، ونخلص من مركب النقص الذي يقود إلى الادعاء والفخر المخدر، لتعـويض هـذا المركب، وما لم نتخلص مـن عقـدة الرجـل الملحمـة الذي يدعي العلم والفهم في كل شيء، فسنبقى نراوح في مكاننـا، إن لم نكن نتراجع.

فالإعلام علم وفن، بل هـو ثمرة لمجموعة علوم اجتماعية وإنسانية، والأمة المسلمة تمتلك القيم من عطاء الوحي في الكتاب والسنة، التي تشكل لها المعيار الذي يمكنها من الإفادة من الإنتاج الإعلامي العالمي دون إصابات.

وإذا عرفنا أن الحوار الحضاري، أو الصراع الحضاري، ميدانه الإعلام وسلاحه اليوم الإعلام، الذي بدأ يحتل السماء والأرض، ويرسل شبكته [ ص: 39 ] العنكبوتية (الإنترنيت ) لتحيط بالإنسان وتحاصره من كل جانب، لتشل حركته الذهنية، والتحكم به من قبل الأقوى، وأن الناس على دين إعلامهم -كما يقال- أدركنا المخاطر الكبيرة التي تنتظرنا على أعتاب القرن الحادي والعشرين، حيث لا بد من المسارعة في فتح ملف الإعلام، وإعادة مراجعته وتقويمه وتنسيق الجهود، ووضع ولو خطوة صحيحة على الطريق، قادرة على توظيف وسائل وفنون الإعلام المعاصرة، حيث تبقى الكلمة الطيبـة كالشجـرة الطيبـة أصلهـا ثابت وفرعهـا في السمـاء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، إذا أحسنا تقديمها.

فالمعركة اليوم -فيما أرى- سوف يحسمها السلاح الإعلامي، والجهاد الإعلامي، أو البلاغ المبين، الذي يمثل غاية رسالة الإسلام ومهمة الدعاة.

ولعل هـذا الكتاب يضع لبنة على طريق البناء المأمول، ويفك بعض القيود الذهنية التي لحقت بالوسائل التي أساسها التطور، ويصلح بعض الخلل والعطب الذي لحق بأدوات توصيل الإسلام إلى الإنسان، وتحقيق الانفعال به، وتخليصه من حياة الضنك، وتخليصه من العبوديـة، وتسلط الإنسان على الإنسان، والعودة به إلى الله عبدا متحررا من جميع الوثنيات.

والله غالب على أمره. [ ص: 40 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث