الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم بقلم : عمر عبيد حسنة

الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هـادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وبعد:

فهذا الكتاب السادس في سلسلة (كتاب الأمة ) التي اعتزمت رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية إصدارها مساهمة في تحقيق الوعي الثقافي، والحصانة الفكرية، وإعادة بناء الشخصية المسلمة [ ص: 7 ] الفاعلة بعد أن انطفأت فاعليتها أو كادت بسبب من السقوط الحضاري، والانكسار العسكري، والوهن الخلقي، الأمر الذي أفقدها الرؤية الشمولية والتوازن الاجتماعي، واستشعار التحدي الذي يوقظ الحس ويلهب المشاعر ويذكي الروح ويجمع الطاقات النفسية والمادية لتبدأ عملية النهوض من جديد، ونقل المسلمين إلى الموقع الذي يجعلهم في مستوى إسلامهم تكليفا وإرادة، وفي مستوى عصرهم قدرة وعطاء وقيادة.

ولا بد لنا بين يدي التقديم للكتاب، وقد اختار مؤلفه مصطلحا، يمكن أن يكون جديدا على الساحة الفكرية الإسلامية (المذهبية الإسلامية ) من القول: إنه إلى جانب المعارك الكثيرة والمتعددة التي تدور رحاها على الأرض الإسلامية في إطار الاستعمار ومحاولات الاحتواء الثقافي هـناك معركة يمكن أن تكون الأخطر في مجال الصراع الحضاري، هـي معركة المصطلحات، حيث تقذف مجتمعاتنا يوميا عن طريق وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بكثير من المصطلحات السياسية والفكرية والجغرافية [ الديمقراطية ، الوجودية ، العلمانية ، الماركسية ، اليمين واليسار، الشرق الأوسط ، الشرق الأدنى ، حوض المتوسط ... الخ ] البديلة لما ألفنا وعرفنا إلى درجة الإغراق لتخرجنا عن مواقعنا الفكرية، وتستلب شخصيتنا الحضارية، وتطارد مصطلحاتنا وتحدد لها المعاني التي [ ص: 8 ] تريدها، حتى أصبح الكثير منا يخاف من طرحها أو من مجرد الانتساب إليها، كمصطلح ( السلفية ) ومصطلح (التراث ) الخ... مع العلم أن (السلفية ) أول ما تعني الانتساب لجيل القدوة، خير القرون، ( خير أمة أخرجت للناس ) بناة الحضارة الإنسانية، ولا تعني بحال من الأحوال التحجر والجمود والانقطاع عن التواصل الحضاري، وعدم استيعاب منجزات العصر من خلال الرؤية الإسلامية السليمة، ذلك أن السلفية الصحيحة دافع للإفادة وليست مانعا منها.

وكذلك مصطلح (التراث) حيث تفرض علينا مدلولات معينة أرادها أصحاب المذاهب المادية والعلمانية، الأمر الذي أخرجنا عن مدلول القضية وأصلها في المصطلح الإسلامي، يقول تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هـو الفضل الكبير ) [فاطر:32].

" ويقول أبو هـريرة رضي الله عنه :

(... أنتم هـنا، وميراث محمد صلى الله عليه وسلم يوزع في المسجد " .

فإذا كان مدلول التراث يعني النبوة وعطاءها (الكتاب والسنة ) الذي ورثته الأمة، فنحن تراثيون؛ وإذا كان المدلول: فهوم المسلمين غير المعصومة للكتاب والسنة، مما يقع في دائرة الاجتهاد ، [ ص: 9 ]

فهذا أمر قابل للفحص والاختبار، ومن ثم للصواب والخطأ... وقد تكون المشكلة أو الكارثة - إن صح التعبير - أن معظم المثقفين في عالمنا الإسلامي اليوم أصبحوا أسرى المصطلحات والأفكار الأوروبية بشكل عام، ينطلقون منها، ويفكرون من خلالها، ومن الصعوبة البالغة التحرر منها لأنها صورة من صور الاحتواء الثقافي نتيجة الإصابة بمركب النقص أمام التحدي الحضاري الغربي، وقد ينتصر بعض البسطاء عاطفيا للإسلام، فيحاول إسقاط المفاهيم والمصطلحات الغربية على المفهومات الإسلامية فتعييهم عملية التوفيق، ولكن كثيرا من الخبثاء يحاولون الالتفاف حول القضية، ويتسللون إلى الشخصية الإسلامية من خلال إسقاط هـذه المصطلحات على المفهومات الإسلامية، أو يمارسون الخداع لجماهير المسلمين بادعاء أن هـذه المصطلحات ليست غريبة عن طبيعة الإسلام ووجهته ليخفوا بذلك حقيقة أمرهم ودعوتهم في المجتمع الإسلامي، ذلك أنهم أدركوا أن بوابة العالم الإسلامي ستبقى موصدة أمام كل دعوات التغريب ومصطلحاتها بعد التجارب والمحاولات الكثيرة، فكان لا بد لهم من تغيير استراتيجيتهم في ذلك ومحاولة التسلل إلى عالم المسلمين من خلال المعاني الإسلامية نفسها حيث يسقطون عليها مصطلحاتهم، ويوهمون السذج والبسطاء أنهم ليسوا غرباء عن فكر الأمة في ادعاءاتهم، فالديمقراطية هـي الشورى ، والرأسمالية هـي [ ص: 10 ] مبدأ إقرار الملكية في الإسلام، والاشتراكية هـي العدالة الاجتماعية، والصراع من أجل السيطرة الاقتصادية هـو الفتح الإسلامي، والصدام الحتمي بين اليمين الرجعي واليسار التقدمي هـو التفسير لبعض المشكلات الداخلية في المجتمع والتاريخ الإسلامي...

قد تكون المشكلة عند معظم مثقفينا، جيل ما بعد الاستعمار العسكري، ادعاء العصمة للحضارة الغربية الأوروبية [1] بسبب من التفوق الغربي والتخلف في عالم المسلمين، وجعلها مقياسا لكل حضارة وتقدم، وتطبيق المعايير المادية الأوروبية على الإسلام ومحاكمة تاريخه على ضوء التاريخ الأوروبي، وعدم قياس الحضارة الإسلامية بمقاييسها وردها إلى أصولها، وإنما ردها إلى أصول حضارة غريبة عنها، مادية في أصولها، وهذا بلا شك أوقع الكثيرين في عملية التخليط في النظر إلى أحكام العقل واجتهاده القابل للخطأ والصواب، وأحكام الوحي ونصوصه الثابتة المعصومة... وأن [ ص: 11 ] مقاييس الفحص والاختبار التي يخضع لها حكم العقل لا يمكن بحال من الأحوال أن تطبق على حكم الوحي، وإنما يقتصر دور العقل في ذلك على التأكد من ثبوت النصوص من حيث السند وسلامة مدلولاتها فقط، لأن الأمر قائم على قاعدة التسليم بالنبوة ابتداء.

لقد ظهرت على الساحة الفكرية كتابات كثيرة كانت صدى لمشكلات فكرية إنسانية، وكان أن تناول الحديث في هـذه القضايا كتاب ومفكرون من اتجاهات مختلفة، ونحن لا بد أن نعترف أننا مسبوقون إلى طرح كثير من القضايا بعد أن توقف المجتمع الإسلامي عن النمو، والعقل الإسلامي عن العطاء، لذلك جاءت أكثر كتاباتنا في إطار ما يسمى (الفكر الدفاعي) بسبب من طرح غيرنا، وهنا انبرى للمواجهة الثقافية من يحسنها ومن لا يحسنها من الذين يفتقدون الثقافة الإسلامية الأصيلة، فوقعوا بمغالطات فكرية واصطلاحية ساهمت بتكريس التخلف والضياع، وأثقلت الذهن الإسلامي وزادت من عجزه...

من هـنا كان لا بد من التنبيه إلى ضرورة المحافظة على المصطلحات في الأمة، والاحتفاظ بمدلولاتها، والعمل على وضوح هـذه المدلولات في ذهن الجيل لأن هـذه المصطلحات هـي نقاط الارتكاز الحضارية والمعالم الفكرية التي تحدد هـوية الأمة بما لها من رصيد نفسي ودلالات فكرية، وتطبيقات تاريخية مأمونة، إنها أوعية النقل الثقافي [ ص: 12 ]

وأقنية التواصل الحضاري، وعدم تحديدها ووضوحها يؤديان إلى لون من التسطيح الخطير في الشخصية المسلمة والتقطيع لصورة تواصلها الحضاري..

وقد نبه القرآن الكريم لهذه القضية الخطيرة عندما أرشد المسلمين إلى ضرورة استخدام مصطلح (انظرنا ) ونهى عن مصطلح (راعنا) الذي كان يستعمله يهود ليحققوا فيه أغراضا في نفوسهم، قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ) [البقرة:104].

إن أهمية المصطلح، وقضية الوضوح في دلالته، أمر ذو أهمية بالغة إلى درجة أصبح معها كثير من المؤلفين يفردون صفحات في مؤلفاتهم لمعجم المصطلحات المستعملة والدلالات التي أرادوها من استعمال هـذه المصطلحات، وهي طريقة محمودة فكريا وثقافيا حتى يتحقق الوضوح ولا يحمل الكلام أكثر مما يحتمل...

ومن الأمور التي تسترعي الانتباه أن قضية المصطلحات أخذت من الأخ المؤلف عناية مشكورة، ومساحة لا بأس بها، وقد كانت مناقشة المصطلح مدخله إلى الكتابة حينما اقترح أن تكون التسمية (المذهبية الإسلامية ) بدل (الفكر الإسلامي ) أو (التصور الإسلامي ) وخطأ [ ص: 13 ] من ذهب إلى اصطلاح (الفكر الإسلامي ) و (التصور الإسلامي ) لأنه تخوف أن يخلط بسبب ذلك بين إفرازات العقل واجتهاداته وبين الكتاب والسنة كوحي معصوم، ونحن نعتقد أن التنبيه إلى هـذا لدفع احتماله ذو أهمية في المجال الفكري الإسلامي، وإن كنا لا نعتقد حصول مثل هـذا الالتباس عند أصحاب المصطلحين، وعند الكثير من قرائهم، على كل تبقى وجهة نظر تغني العقل الإسلامي وتسهم بإيضاح الصورة ودفع الالتباس... ولا شك أن مصطلح (المذهبية الإسلامية) الذي ارتضاه المؤلف سوف يذهب ببعض الناس سريعا إلى الساحة الفقهية ويصنع لهم حاجزا نفسيا، وقد يسرع باتخاذ موقف تجاهه، ولا يستسيغه بتلك السرعة حتى يتحقق من التحديدات والمقارنات التي أوردها المؤلف، ووجهة نظره في الاختيار...

نعود إلى القول: إن هـذا الكتاب جاء مساهمة طيبة في مجال إنهاء حالة العطالة التي وقع فيها كثير من المسلمين في مواجهة التغيير الاجتماعي بسبب من التصور المحزن، من أن مشيئة الله تعني السلبية وتعطيل الأسباب دون أن يعلموا أن الله هـو الذي شرع الأسباب وأمر الناس بالتعامل معها للوصول إلى النتائج، وأن هـذه الأسباب هـي إرادة الله ومشيئته، وأن عملية الاستخلاف لا تؤدي ولا تتحقق إلا بالتماسها، وقد جعل الله لكل شيء سببا، وأن التزام هـذا [ ص: 14 ] والتعرف عليه هـو غاية التكليف، ودور النبوة في ذلك هـو الهداية والتدريب ومسئوليتنا حسن التأسي وسلامة الاقتداء.

كما أن الكتاب ساهم وإلى حد بعيد بتحقيق قسمات الذات الحضارية المسلمة،ذلك أنه على الرغم من الكلام الكثير عن التميز الحضاري الإسلامي وضرورته لنهوض الأمة، لا يزال الأمر في حدود الشعار، بعيدا عن الممارسة، لأن كثيرين من دعاة التميز يعيشون ضمن الأطر الغربية في حياتهم ومعاشهم ووسائلهم... ذلك أن ترميم بعض المفاهيم والأفكار من خلال القراءة الجانبية والانتصار العاطفي للإسلام لا يكفي لنقل المثقف المسلم إلى الخط الإسلامي الصحيح والمنظومة الحضارية الإسلامية ومصطلحاتها...

والله نسأل أن يسدد الخطا ويجزل مثوبته للأخ الدكتور محسن عبد الحميد أحمد وينفع به، إنه حسبنا ونعم الوكيل. [ ص: 15 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث