الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

وبذلك كانت مهمة البعث الإلهي الأولى في الأمة الأمية تلاوة آيات الله، والتعليم بالمشافهة وحفظ الآيات، والإفادة التربوية من الاختزان في الذاكرة للأميين، وتحقيق التفاعل مع هذه الآيات ومضموناتها، والتحقق بأبعادها التربوية والتكليفية.

ذلك أن القراءة والمشافهة والحفظ سوف تفتقد قيمتها ما لم يحدث الأثر المطلوب في النفس والعقل والسلوك.. ما لم تحدث التزكية، والتطهير من الجهل والأمية والضلال والمفاسد واقتراف الخبائث، والتحول العملي صوب الطيبات.. فالتزكية عملية تربوية تشمل العقل والنفس والسلوك، وهي في أصلها اللغوي الطهارة والنماء أو التطهير والتنمية.

فالتنمية للعقل، والتطهير للنفس والسلوك والأخلاق من الدنس والمعاصي المادية والمعنوية، ذلك أن تعليم الكتابة والقراءة وإعمال العقل -أداة فهم الوحي- للوصول إلى الحكمة، التي تعني القدرة العقلية على وضع الأمور في مواضعها ووزنها بموازينها الصحيحة للوصول إلى الحق واليقين، الذي يضفي على صاحبه نمطا من القناعة والالتزام العقلي والانضباط الأخلاقي، هو مهمة النبوة تاريخيا، سواء قلنا: بأن تعليم الكتاب هنا يعني معرفـة قـراءة القرآن بالشكـل المطلـوب بالدرجة الأولى ومعـرفة الكتابة التي لا تتحصل القراءة للقرآن إلا بها، أو قلنا -إضافة إلى ذلك- إن تعليم الكتابة والقراءة بشكل عام مفتاح هذا الدين، وسواء قلنا أيضا: بأن المراد بالحكمة هنا السنة النبوية التي تنضح بالحكمة وتنمية العقل وإطلاق التفكير للموازنة والمقارنة والمقايسة بين الأمور، أو قلنا -إضافة لذلك- ما تنتهي إليه رسالة النبوة وتعاليمها من التزكية وبناء حالة من التفكير السليم والاتزان العقلي الذي يورثه الوحي.

لذلك يمكن التأكيد بأنه لا انبعاث ولا إحياء ولا نهوض للأمة إلا بسلوك النهج الذي شرعه الوحي من تلاوة الآيات، وتعلم القراءة والكتابة، لتحقيق التزكية النفسية والخلقية وبناء الحكمة العقلية التي يورثها كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الذي حدد مهمة ابتعاثه وأبعاد رسالته بقوله: ( إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا ) أخرجه مسلم .. وبعد:

فهذا كتاب الأمة السابع والسبعون: (استخدام الرسول-الوسائل التعليمية ) للأستاذ حسن بن علي البشاري في سلسلة (كتاب الأمة ) التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في إعادة التشكيل الثقافي، وتحقيق الوعي الحضاري، ومحاولة المشاركة في بعث الأمة المسلمة واسترداد دورها الغائب وإخراجها من جديد، تحمل رسالة النبوة الخاتمة التاريخية، التي انتهت إليها أصول النبوات والرسالات السماوية جميعا، أو بتعبير آخر: انتهى إليها تاريخ النبوة لإلحاق الرحمة بالعالمين.

ذلك أن انبعاث هذه الأمة أو إعادة بعثها لمعاودة العطاء من معين النبوة، وإنقاذ البشرية، والمساهمة ببناء حضارة إنسانية، ومعالجة أزمة الحضارة المعاصرة، سوف لا يتأتى إلا إذا كانت الأمة في مستوى إسلامها كتابا وسنة، وتجربتها الحضارية التاريخية درسا وعبرة، وفي مستوى عصرها استيعابا وتعليما وإعلاما واتصالا وحوارا ومشاركة... وإذا كان انبعاث أي مجتمع أو أية أمة مرهونا بتوفير شروط وظروف الانبعاث الأولى، حيث لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، أو كما قال الإمام مالك رحمه الله، فإن المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى بعد هذه التجارب المرة والمريرة، العودة للتلقي عن الأصول والينابيع الأولى، والتحقق بأدوات الانبعاث التي اعتمدتها النبوة لتحقيق الولادة الجديدة للأمة المسلمة، بعد هذا التيه، أو هذا الدخول المعاصر في مرحلة الضياع أو الضلال الثقافي والسياسي عن أهدافها وعن الوسائل الصحيحة للوصول إلى أهدافها والاضطلاع برسالتها الحضارية.

ولعل من الأمور اللافتة والتي تدعو إلى كثير من التأمل والتفكير والاستقراء للواقع والتوغل في التاريخ للوصول إلى حقائق يقينية أثبتتها التجارب الحضارية المتنوعة، بعد أن أسسها الوحي، أن القراءة والكتابة، بكل ما تمتلك العملية التعليمية من أدوات ووسائل، هي مفتاح النهوض وأساس الحضارات، وسبيل الكشف العلمي وتراكم الخبرات والترقي.

ولعلنا نبصر في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك يوم القيامة عند آخر آية تقرؤها ) ، (أخرجه أبو داود والترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح ) ،

إلى جانب الثواب الموعود وعلو المنزلة في الآخرة، أبعادا لا حدود لها للارتقاء والتقدم والنهوض في الدنيا، على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والأمة.

ولقد كانت هذه الحقيقة واضحة كل الوضوح، راسخة كل الرسوخ، على طريق النبوة الطويل، ابتداء من خطواتها الأولى، فالله سبحانه وتعالى أول ما خلق خلق القلم.. فخلق القلم، وهو الوسيلة الأولى والأهم في العملية التعليمية، قبل أن يخلق الإنسان والكون، محل القلم ومجاله، ذو مغزى كبير في النظر للكون والإنسان والحياة وسبيل الحضارة المثلى.. ولا يصح هنا أن يغيب عن الذهن أيضا ما ورد في النبوة الأولى من القول: (في البدء كانت الكلمة ) .. كما لا يجـوز أن يغيب أيضا أن حركة الحياة لأبي الخلق آدم عليه السلام بدأت بتعلم الأسماء، التي تعتبر المفاتيح الأولى للمعرفة والعلم، والتي لا تستقيم الحياة ولا يمكن تسخيرها وقراءتها بأبجدية سليمة بدونها، إضافة إلى الأهلية المركوزة في الخلق للتعلم والترقي،

قال تعالى: ( وعلم آدم الأسماء كلها ) (البقـرة:31 ) ،

وقـال: ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) (النحل:78 ) .

فالحواس هي مصادر المعرفة أو نوافذ المعرفة على العالم الخارجي، التي تمكن الإنسان من الاكتساب المعرفي.. والأمر -فيما نرى - لم يقتصر على مجرد نعمة خلق الأهلية والإمكانية، بل تجاوز ذلك إلى ترتيب المسئولية على تشغيل وإعمال هذه الحواس، والتأدب بأدب المعرفة الذي هو سبيل العلم والتعـلم، وعدم تعطيلها، والالتزام بمعطياتها،

قال تعالى: ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) (الإسراء:36 ) ..

فالمسئولية هنا ذات بعدين: مسئولية الإنسان عن التعطيل وعدم التشغيل للحواس، ومسئوليته عن عدم الالتزام بالحقائق التي توفرها هذه الحواس والتي تقود إلى فهم سنن الكون وقوانينه، وامتلاك القدرة على تسخيرها، ومن ثم الإيمان باليقين الأكبر، بخالق هذا الكون.

ولعل من الأمور المطلوبة التي تتطلب الحضور المستمر لكل القائمين بالشأن الإسلامي بمختلف مواقعهم، ديمومة النظر والاجتهاد في الشروط والمقومات التي حققت البعث لأمة الرسالة الخاتمة وبناء حضارتها الإنسانية والتأهل لحمل رسالة إلحاق الرحمة بالعالمين، لتكون أدلة هداية لطريق الإعادة، وأدوات بحث معرفي تشكل هاجسا للإنسان المسلم بمجرد إيمانه، ولا سبيل غير ذلك يمكن أن يكون، حتى ولو تراءى لبعض الغافلين أن الجهل والأمية والانتصار العاطفي أو الحركة العمية أفضل من العلم والمعرفة، وأن الساعد بديل العقل، وأن العلم بديل الدين، وأن القوة بديل الحكمة والتفكير، وأن علو القوة وشيوع الفساد وسفك الدماء وغياب الحكمة والعقل والعدل وقيم الخير عند (الآخر ) المتسلط قد يعني الخيار الأفضل لحركة العمل للإسلام!!

وقد تكون الإشكالية الأكبر أن يتحول الكثير من الإسلاميين، نتيجة لضغوط الواقع وعلو الفساد وشيوع سفك الدماء، عن امتلاك الأقلام إلى امتلاك السيوف، لا لحماية الحقيقة وتأمين امتدادها والإغراء بها وإنما لفرضها.. فالمشكلة كل المشكلة في الواقع الإسلامي اليوم هي -في نظرنا – استبدال السيـوف بالأقـلام، والعضلة بالعقل، وسفك الدماء بالعدل، لذلك لا يجوز أبـدا الحـكـم عـلى مسـار الحضـارات من خلال لحظة علو زبد، وإنما العبرة دائما بالعواقب وليس بالنتائج القريبة.

فالتأمل بالبعث الإسلامي الذي بدأ مع الوحي، وكيفية إخراج الأمة في الرسالة الخاتمة، وامتلاك القدرة على استلهام المنهج النبوي في معاودة الانبعاث، هو السبيل الوحيد لمعاودة إخراج الأمة المسلمة وميلادها من جديد -كما أسلفنا- بعد أن ضلت السبل، وفشلت التجارب، وعم الضلال والتضليل، وتردت العملية التعليمية إلى أسوأ دركاتها باسم تطويرها وتحديثها، ولا تزال في تراجع مستمر على الرغم من التقدم المذهل في التقنيات التربوية والوسائل التعليمية، لأن المشكلة في المنهج وأدوات البحث.

ولعل محور عملية البعث الحضاري الإسلامي، الذي تجسد في حياة الرسـول القـدوة، وسيرتـه العمـليـة، حـدده فـي قولـه: ( إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا ) (أخرجه مسلم ) ، فالتعليم والتعلم هو منهج النبوة وعطاؤها وسيرتها وحضارتها ودعوتها، وهو منهج بعث الأمم ورقيها وتحقيق إنسانيـتها، بكل أبعـاد العمـليـة التعليمية من القراءة والكتابة والتفكير والحوار والمشافهة والتجربة والاستنتاج والاستقراء والقيـاس والمـلاحظـة والاختـبار والاستـدلال والـبرهـان.

ولعل جمـاع ذلك كـله قـولـه تعـالى: ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ) (الجمعة:2 ) .

كان البعث الأول في الأميين.. ثم كثمرة للتعليم والتزكية تحقق بعث الأميين للعالم.

والتفكير اليوم يجب أن يتمحور حول إعادة بناء سبيل البعث الحضاري من جديد، وذلك بالعودة إلى تلاوة آيات الكتاب، وتدبرها، وتعليمها، والتزكي بعطائها، فالرسول الذي بعث بالكتاب وبعث الأميين به، والكتاب نفسه ما يزال موجودا محفوظا يمكن أن يبعث الأمة من جديد إذا أدركت كيف تتعلمه وكيف تتعامل معه وكيف ترتقي به: ( اقرأ وارتق ورتل... فإن منزلتك يوم القيامة عند آخر آية تقرؤها ) .

والرسول الأمي القدوة، بدأه الوحي بطلب القراءة -كما هو معلوم - فكانت الإجابة السريعة بيانا للحالة الأمية التي كان عليها: ( ما أنا بقارئ ) حيث يصف الحال والمعاناة التي مرت به. وقد يكون من المفيد بل من المطلوب -فيما نرى- إثبات رواية بدء الوحي كما وردت في صحيح البخاري رحمه الله، لما لها من أبعاد وملامح لا بد من التأمل فيها واستلهامها وحضورها لمعاودة البعث الحضاري:

( عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارئ قال: فأخذني حتى بلغ منى الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني . فقال: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ) )

( فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها ، فقال: زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت له صلى الله عليه وآله وسلم خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق )

فهذا الإصرار من الملك المرسل بالوحي على القراءة، وهذه المجاهدة في بلوغها، وهذا التكرار والمعاودة لتحقيقها، مؤشر واضح على أهمية العملية التعليمية والقراءة والكتابة في إطار البعث الحضاري.

فالوحي في الرسالة الخاتمة لم يبدأ بتكاليف عبادية أو مالية أو اجتماعية أو سياسية أو جهادية وإنما بدأ بفعل اقرأ لأن القراءة والكتابة والعلم مفتاح ذلك كله، والرحم الحقيقي التي تتخلق فيها سائر الأجنة الأخرى، وبدونها تصاب الأمة بالأمية والعقم الحضاري.

والقراءة التي أكد عليها الوحي هي قراءة قاصدة هادفة معلمة، ولنتأمل قوله تعالى: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ) (القلم:1-4 ) .

ثم استمر الوحي معلما بأساليب وأدوات عدة، بكل ما تتضمنه من وسائل تعليمية من عبرة واستنتاج لسنن الحركة التاريخية، واستقراء لأحوال السابقين، ومواقف وصراع بين الحق والباطل، وبين الظلم والعدل، والقوة والعقل، والنبوة والطغيان، والوصول إلى العبرة والدرس لواقع الأمة ومستقبلها وعاقبتها، فشمل القصص القرآني مساحات تعبيرية هائلة لمجتمعات النبوة التاريخية.

كما استمر الوحي معلما بطريقة الحوار والمناقشة والاستدلال والبرهنة، والشاهد التاريخي والشاهد المشخص، وأتى لذلك بنماذج غطى فيها المساحات الإنسانية جميعها، بين الأبوة والنبوة، وبين النبوة والأبوة، بين الزوج المؤمن والمرأة الكافرة، وبين الزوجة المؤمنة والرجل الكافر، بين الأقارب بأنواعهم، بين المؤمن والكافر، بين الغني الجاحد والفقير الشاكر، بين الكبراء والمستضعفين، بين الأتباع والمتبوعين، بين أهل الجنة وأهل النار ... بين استعراض النتائج القريبة والعواقب البعيدة، بين الفرد المؤمن والحاكم الطاغية، بين حالات الإنسان أثناء ضعفه البشري وحالات الإنسان أثناء تألهه وطغيانه، بين موقف النبوة الواحد تاريخيا وموقف الكفر الواحد تاريخيا، بين الله تعالى والملائكة، بين الله عز وجل والشيطان رمز الفساد، للتدليل على مسالكه وكيوده والتحذير منها، عن طريق الحوار الموحي وغير المباشر.

كما استمر الوحي معلما بضرب الأمثال وتقديم العينات والنماذج التي تعتبر خلاصات وعصارات تجارب بشرية، ليختصر على الإنسان الزمن، ويوقفه على قمة التجربة البشرية.

واستخدم علم التاريخ والجغرافيا والآثار، ودعا إلى المقارنة والمقايسة، وفتح الباب على مصراعيه للكشف العلمي، الذي لا نهاية له حتى تنتهي البشرية، وجعل التطلع إلى التعرف على الآفاق والآيات في النفس والكون والمجتمع الهاجس العلمي والهم البحثي المستمر ومفتاح الحياة الممتدة.

واستدل بالشاهد على الغائب، وبالمحسوس على المجرد، وبعالم الشهادة على عالم الغيب، وجعل الصورة الحسية التي تملأ الحواس سبيلا إلى إدراك المعاني المجردة والبعيدة التناول والإدراك.

واستفز الحواس جميعها للنظر والتأمل والسمع والوعي، واعتبر تعطيلها وعدم تشغيلها نوعا من الارتكاس في البهيمية، وطلب إلى الإنسان النظر في الكون ومتابعة الرحلة العلمية لكشف كل مكوناته، حتى يكون قادرا على تسخيره والتعامل معه، وجعل عالم الشهادة أو العالم الفيزيائي مجالا رحبا لكسب الحواس، وجعل معرفة الوحي سبيلا للتعرف على عالم الغيب الميتافيزيائي.

ولا يتسع المجال هنا للتدليل والإتيان بالشواهد القرآنية على أساليب وأدوات الوحي المعلم واستقصائها، ولعل التعرف عليها أثناء التلاوة والتدبر ليس بالأمر العسير.

وعلى الجملة نقول: على الرغم من أننا لا نرى أن القرآن إنما نزل ليكون كتاب علم نظري أو تطبيقي، وإنما هو كتاب هداية بالدرجة الأولى، وظف بعض الحقائق العلمية وشحذ الحواس واستنفرها للوصول إلى ما وراء المحسوس، وإدراك سنن الحياة، والوعي البصير بالكون والإنسان والحياة، مع ذلك فقد وضع الإنسان في المناخ العلمي الذي يحرك حواسه ويحرضه على البحث والنظر لكشف المجهول، ومنحه المناهج والوسائل للاهتداء بها، وأتى ببعض الشواهد والأدلة للتدريب على النظر والخلوص إلى حقائق ومعارف تشكل الرؤية التي يهتدي بها الإنسان، ورتب ثوابا على التفكير والكشف العلمي.

وقد لا نكون بحاجة إلى الحديث هنا عن تنوع الأساليب اللغوية في العملية التعليمية من أسلوب السؤال والاستفهام، وإثارة الخاطر، وأسلوب الترغيب والترهيب، وأساليب التحذير، والإغراء، والنداء، والإشارة والإيحاء، والسرد والقصص، والجدال، والدعوة، وتنوع أساليب مواصفات الخطاب أيضا بحسب الحال ومعرفة المخاطبين وحالهم وحاجاتهم واستطاعاتهم، وأخذهم بأحكام التشريع بالتدريج والتحضير والتأهيل، وإشاعة التخصص، واستخدام الصور المدركة لتشارك الحواس العقل في الوصول إلى المعلومة والاحتفاظ بها.

إن القرآن الكريم، الذي بدأت الرحلة التعليمية والبعث الحضاري بتلاوة آياته من قبل الرسول القدوة عليه الصلاة والسلام، مشافهة، ثم كتابة وقراءة وتعليما، ينتج تزكية وتربية وحضارة، وضع الإنسان المسلم في المناخ العلمي بكل مستلزماته من منهاج البحث وأدواته وطرائقه، وقدم نماذج متعددة ومتنوعة لوسائل التعليم وأساليبه، وفرض على الحواس العمل والنظر، وعلى العقل التفكير في مردود الحواس والموازنة والمقارنة والمقايسة، واعتماد الدليل والبرهان واستبعاد الخوارق واتباع الظنون، وأهمية التثبت والاختبار والفحص للأخبار، ووضع له بشكل عام المقومات العلمية التي يرتكز عليها وينطلق منها، عن بدء وفلسفة الحياة في عالم الشهادة وعالم الغيب، وقدمت له معرفة الوحي في الكتاب والسنة الإجابات الشافية للمجالات الخارجة عن نطاق وطاقة حواسه، لكنه حتى في تلك الإجابات لم يتجاهل الحواس ومركزها العقل، بل استخدمها ليجعل من معارفها سبيلا لإدراك معرفة الوحي والوعي بها، من خلال إمكاناتها في عالم الشهادة التي تتعامل معه.

بل لعلنا نقول: بأن القرآن استخدم الحواس وعالم الشهادة بكل ما فيه كوسائل تعليمية معرفية معينة على وعي عالم الغيب البعيد عن تناول الحواس، ومصدره الوحيد معرفة الوحي، إضافة إلى أنه استخدم ابتداء كل مكونات عالم الشهادة كشواهد ووسائل معينة للتعلم وتنمية العقل وتوسيع الخيال وبناء الإدراك.

ولا شك أن الرسول الذي بعث معلما، انطلق من معين الوحي ومنهجه معلما لأصحابه، ومستخدما لكل الوسائل والأساليب التي عرض لها القرآن، وحاول استخدام الأدوات والوسائل المتاحة في البيئة، وتوظيفها لصالح تعميق المعاني والمعارف، واستخدم أيضا أخبار الأمم السابقة، فكثيرا ما كان يقول: ( كان فيمن كان قبلكم ) والنظر في المقدمات، وما تورثه من نتائج، وأهمية النظر في المستقبل والتحضير له بقوله: ( سيأتي على الناس ) كما استخدم الصور الحسية في تأكيد المعاني المجردة وتثبيتها، فكثيرا ما كان يقول: ( أرأيتم لو أن... ) كذا كما استخدم المقايسة والمقارنة: ( أرأيت لو كان عليها دين، أكنت تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء ) (أخرجه مسلم ) .

كما استخدم طرح السؤال والاستفهام، لإثارة الذهن وتحضير قابلية التلقي بكل مكوناتها، وكان حواره التعليمي مع الملك المتمثل بصورة بشر لتأكيد بعض المعاني أنموذجا لوسائل التعليم المتقدمة جدا في العملية التعليمية بشكل عام.

والحقيقة أنه لا يمكن استقصاء الأساليب اللغوية والوسائل المادية التي استخدمها عليه الصلاة والسلام مما توافر في البيئة كوسائل سمعية بصرية لحشد كل الإمكانات لتحقيق المعرفة التي يريد إيصالها.. ولم يقتصر في ذلك على بناء المعاني المجردة بل كان هذا الاستخدام يهدف إلى التدريب وتحقيق المهارات، كما يهدف إلى بناء السلوك القويم، وإلى تحقيق التراكم المعرفي، فكان واضحا في سيرته التعليمية تحقيق الأهداف السلوكية والمهارية والمعرفية، واكتشاف المواهب، وإشاعة التخصصات في ضوء الحاجات القائمة.

وبالإمكان القول: شرع نهجا، ووضح وجهة، وأكد على أهمية الوسيلة المعينة على إيضاح المعنى وتثبيته بما يشكل منطلقات كبرى لمشروعية الوسائل المعينة في العملية التعليمية، وأهميتها، وضرورة الامتداد والابتكار والتطوير لها لتحقيق كسب معرفي أكبر للمتعلم حسب قدراته، وكان واضحا في منهجه التعليمي ربط المعرفة أو العلم بهدفه المعرفي والسلوكي والعملي أو المهاري.

إن هذا المناخ التعليمي، بكل مكوناته، الذي شرعه القرآن وجسده الرسول في سيرته العملية، والمناهج التي أسسها، أنتج علوما وعلماء وحضارة إنسانية ونماذج مضيئة نضحت من معين المنهج النبوي، وبلغت شأوا ما يزال يشكل أنموذجا يحتذى، بل كان أساسا لكثير من الإبداعات في الوسيلة التعليمية والكشف المعرفي.

ولعل في إيراد بعض النماذج على الرؤية العلمية والتعليمية، التي بلغها المسلمون ما يفيد ويؤصل ما نسعى إليه: فهذا الرازي رحمه الله يعتمد التجربة والاختبار للوصول إلى المعلومة، وقصته معروفة عندما طلب إليه عضد الدولة اختبار مكان مناسب وصحي لبناء مستشفى، وكانت وسائله في الكشف محدودة، فقام بوضع قطع من اللحم النيء في أماكن متعددة، ونظر إلى أيها تسرب إليه الفساد أولا.. فكان اختياره للموقع الأنسب والأنقى هواء قائما على التجربة.

وهذا الحسن بن الهيثم رحمه الله يعتمد الاستقراء والقياس والمشاهدة والتجربة، وكثيرا ما استعمل التمثيل لتوصيل الأفكار المجردة بشكل حسي وملموس.. وهذا العالم الإدريسي رحمه الله، يرسم خارطة العالم بشكل مبتكر ومتقدم، وهي لا تزال تحتفظ بقيمتها العلمية والتاريخية، على الرغم من الطفرات العلمية والوسائل المعينة لوضع الخرائط.

هذه الإبداعات والامتدادات العلمية والتحصيل المعرفي إنما جاءت ثمرة للمنهجية النبوية في العلم والتعليم، لكن المشكلة أن تخلفنا وتخاذلنا الثقافي انعكس على قراءتنا للوحي في الكتاب والسنة، فتحولنا للاكتفاء بالمباهاة بها، والاقتصار على التأكيد أنها صحيحة وخالدة ومحفوظة بحفظ الله، والافتخار بإنجاز الأسلاف لتغطية مركب النقص والقصور.. صحيح أن الإمكانية بهذا التوثيق والحفظ وصحة النقل تبقى قائمة، لكن الأمر الخطير الاكتفاء بذلك وعدم التعامل مع هذه النصوص المحفوظة وتنزيلها على الواقع.. فالمشكلة لم تعد في التوثيق والحفظ بقدر ما هي في إعمال هذه النصوص في حياة الناس.

ونحن هنا لا نقلل من قيمة التوثيق والتصحيح والتخريج والحفظ ومناهج النقل عامة، لأنها تحفظ الإمكان وتشكل الأساس الذي يقوم عليه البناء، لكننا نرى أنه على أهمية ذلك وقيمته الكبيرة فإنه يفتقد هذه القيمة عمـلـيا إذا لم يوظـف في بنـاء الأمـة والارتقـاء بها وحمـل الخير للعالمين.. ولا نقلل من شأنه أيضا إن قلنا: إنه بمثابة الحسن لغيره، أو أنه يقع ضمن إطار الوسائل التي لا بد من إعمالها للوصول للأهداف المتوخاة منها.. فإذا لم يستفد من هذه الوسائل، نكون نحن الذين ندعي الإيمان بها والتقديس لها أول من يغتالها عمليا ويسقط قيمتها ويحاصرها ويوسمها بالعقم.

وستبقى الإشكالية المطروحة باستمرار في كيفية التعامل مع هذه النصوص الوثيقة والمحفوظة على مختلف الأصعدة، السياسية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية... إلخ، وكيفية تحقيق الخلود عمليا لها، وذلك بتجريدها عن حدود الزمان والمكان وتنزيلها على الواقع من خلال استطاعاته ومشكلاته وتقويمه بها في كل زمان ومكان.

والخوف كل الخوف أن يحول احتمال الخطأ في محاولات التنزيل على الواقع وتقويمه بها دون إعمال النص ويؤدي إلى تعطيل عمليات التنزيل والتقويم، ظنا من بعض الغيورين أن خطأ التنزيل أو التعسف فيه يصيب بالدرجة الأولى تلك النصوص، لذلك يذهب إلى الاقتناع بأن حمايتها وحفظها هو بإبعادها عن الواقع، فيتحول من التفكير بإعمالها وتصويب إنزالها على الواقع إلى المزيد من التأكيد والتدليل على صحتها وخلودها. وهذه المشكلة في تقديرنا متولدة عن التباس الذات البشرية التي يجري عليها الخطأ والصواب بالقيمة السماوية المعصومة، الأمر الذي يجعل أي خطأ أو تخطيء للذات بالضرورة تخطيء للقيم، وهذا بطبيعته يحاصر عمليات النقد والمراجعة والتصويب ويطاردها للتوهم أنها موجهة إلى القيم وليس إلى الذات التي حاولت تنزيلها على الواقع فأخطأت، كما يوقف بطبيعة الحال المحاولات والاجتهادات التطبيقية، ويحيطها بشروط تعجيزية ويقذف الرعب في قلوب أصحابها، والرهب من قولهم، لذلك أنتجت هذه الحالة النفسية والثقافية التوقف عن الامتداد وتحقيق الخلود للنصوص في المجال التربوي وغيره. ولعل من الإشكاليات الكبيرة في هذا المجال والمجالات الأخرى، الخلط بين التنزيل الذي يعني التعامل مع النص من خلال الاستطاعة والتطلع إلى الكمال والترقي بالنص نفسه، وبين الإسقاط الذي يمارسه بعض العاملين في الحقل الإسلامي اليوم، والذي يعني فيما يعني إسقاط النصوص ومدلولاتها وكمالاتها على أحوال بشرية تحمل من الإصابات والنقائص الكثير، وإعطاءها القيمة الكاملة التي قررتها النصوص على نقصانها، واعتبارها أنها الدين كما ورد في النصوص وليس حالة من التدين قد ترتقي في حالة وترتكس في أخرى. فإسقاط النصوص على واقع ووسمه بها وتفصيل حوادث السيرة التطبيقية على واقعنا وأحوالنا على ما فيها، يحمل الكثير من المخاطر، ويحاصر النصوص بصور تطبيقية مشوهة تحتاج لكثير من الترقية والتنمية للوصول إلى مستوى النص، ولعل هذا من الأسباب التي تدفع بعضهم الآخر للعدول عن إعمال النص والاستمرار بالبحث في توثيقه.

لذلك وفي ضوء ذلك، تتسع الفجوة بين قيمة النصوص وخلودها وصحتها وحفظها ووثوقيتها وبين إعمالها، فتحول النصوص عمليا إلى التاريخ والماضي، فيحدث الفراغ الذي يمتد به (الآخر ) ، أو تسقط بشكل مشوه يستخدم للتنفير من تنزيلها.

إضافة إلى أن الامتداد -حال وجوده - إنما كان في الجانب التشريعي، أي النظر إلى النصوص في الكتاب والسنة على أنها آيات أحكام تشريعية فقط، لذلك اقتصر النظر والاجتهاد في ذلك على آيات الأحكام التشريعية في الكتاب والسنة، والقيام بعمليات القياس والاستحسان والاستصلاح وما إلى ذلك من مصادر التشريع، وغابت أو غيبت الأبعاد الأخرى، التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية... وتحولت آياتها إلى مجرد التلاوة للتبرك فقط، وكأنه لا حكم فيها.

وهذا أدى بطبيعة الحال إلى تحول التعليم والتعلم الشرعي ومؤسساته إلى التمحور حول التدليل على صحة النص والاقتصار على دراسة الفقه وأصوله، والحديث وتخريجه، والتفسير وعلومه، واللغة وسيلة ذلك كله، والتوثيق والرجال، ومناهج النقل، وما يدور على المحور ذاته ويستدعيه من تحقيق المخطوطات والشرح والاختصار والتكرار، والاقتصار على التحرك العلمي ضمن دوائر إنتاج واجتهادات الآخرين من السابقين، حتى في مجال الدراسات العليا والرسائل الجامعية، لذلك اقتصر الجهد العلمي والتعليمي في كثير من الأحيان على الشحن من كتب الأقدمين، لأنها المصدر الأوثق، ومن ثم الصب على رءوس الطلبة، دون القدرة على تطوير المثال أو الإتيان بمثال آخر، فأصبح التعليم الشرعي أو ما يسمى بالإسلامي وكأنه قوالب جامدة تصب فيها المسائل والأقوال السابقة بطرائق تكاد تكون نفسها، ظنا من القائمين على الأمر أن تلك الطرق والوسائل أنتجت علماء، وأن العدول عنها عدول عن إنتاج علماء ومفكرين ومصلحين، على الرغم مما في مثل هذا القياس من مفارقات عجيبة. ذلك أن واقع الكثير من هذه المؤسسات دلل على عجزها عن إنتاج علماء ومفكرين ومجتهدين، لأنها تقوم على مجرد التكرار والاجترار ومحاولة إيقاف للزمن.. ولو حاولنا استعمال قياس آخر للزمن التربوي والثقافي غير اعتماد الأيام والشهور والسنوات لانتهينا إلى أن الزمن توقف عند تلك الحدود الثقافية والفكرية ولم يتجاوزها، وأصبح بدون شك يعاني من غربة الزمان.

كما أن خطط معاهد ومؤسسات التعليم الشرعي الدراسية جاءت - فيما نرى - منقوصة، لأنها غيبت الكثير من الأبعاد والآفاق التي جاءت بها النصوص، واقتصرت على البعد التشريعي والتوثيقي ومناهج النقل والتحقيق، والاكتفاء بالحركة ضمن عقل السابقين تحقيقا ودراسة، أي العيش على هوامش عقل خارج الواقع المعاصر، ذلك أنها لم تتنبه إلى شمولية الإسلام وخلوده عمليا -مع أنها ترفعه ولا تنكره شعارا - وتؤهل تلامذتها وخريجيها للاضطلاع بوظائف المجتمع في مجالاته وتخصصاته المتعددة، التربوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعد بناء المرجعية الشرعية.

هذا الفراغ الكبير الذي صنعناه بأيدينا، أدى الى دخول (الآخر ) بتخصصاته ومؤهلاته لاحتلال جميع تلك المواقع، ومن هنا بدأ الانشطار الثقافي في المجتمع الإسلامي، فقامت مؤسسات ومعاهد التعليم المدني إلى جانب مؤسسات التعليم الديني أو الشرعي، وكان من الطبيعي أن تستدعى المناهج والكتب والمدرسون والمخابر والوسائل والتقنيات التربوية من عند (الآخر ) ، حتى مناهج التربية الإسلامية ومؤلفاتها التي قررت في مدارس التعليم المدني، حملت معها الكثير من خصائص وصفات التعليم الشرعي، شكلا ومضمونا، ولم تنل حظها من التطوير والتقنية التربوية كسائر المواد الأخرى.

صحيح بأن التقنيات التربوية للمواد الأخرى في عمومها تعتبر مستوردة، وأن تطويرها وتطورها إنما يتم عند (الآخر ) ، وأن مدرسيها في معظمهم هم نقلة، وليسوا بأفضل من مدرسي التربية الإسلامية في هذا الجانب، فالإصابة واحدة في العجز عن التطور والتطوير، وإن بدا لونها مختلفا فحقيقتها واحدة.. بل لعلنا نقول: إن التقنيات التربوية التي بدأت تظهر في مجال التربية الإسلامية على استحياء، قد يراها بعضهم خروجا عن المألوف ومثارا للدهشة والاستغراب، إضافة إلى أن المحاولات الحديثة في هذا المجال رغم أنها ما تزال متواضعة جدا ودون سوية الإسلام والمتطلبات التعليمية، إلا أنها على كل حال محاولات ذاتية متولدة عن الذات، وليست مستوردة من (الآخر ) ، دون مراعاة الفروق الاجتماعية والثقافية والحضارية بين المجتمعات من الناحية التربوية.

ولعل الأخطر في الموضوع انقلاب الوسائل التعليمية أو وسائل الإيضاح المعينة في العملية التعليمية إلى غايات، يكتفى بالفخر في استيرادها واحتيازها وتغطية عقدة مركب النقص والتخلف باحتياز الأشياء وتكديسها بدل امتلاك الأفكار التي تستنبت تلك الأشياء.. فكم من المخابر والمعامل والأجهزة والخرائط والمسطحات المركونة في المؤسسات التعليمية هي أدنى من المتاحف التي يغطيها الغبار، بل لعلنا نقول: إن المتاحف في البلاد المتقدمة هي وسيلة معلومة ومعرفة للزوار والرواد، وهي محاول لنقل التاريخ من الوراء إلى الأمام، واختزال التاريخ في عصارات تمكن الطالب والمشاهد من الرؤية الممتدة في العمق الحضاري والتاريخي لتحقيق فهم للحاضر وإبصار للمستقبل.

لذلك بالإمكان القول: بأنه على الرغم من التقدم الهائل في التقنيات التعليمية والتربوية، كما وكيفا، إضافة إلى تطور الكتاب المدرسي أسلوبا ولغة وألوانا وخلاصات ومناقشات ومحاولات تقويم وقياس، مع ذلك فإن التعليم في العالم الإسلامي في عملية تراجع مخيف، بل ترد ينذر بسوء العواقب واتساع فجوة التخلف.

وهنا قد نجد بعض الحق أو وجهة النظر لمن ينتصرون للطرائق التعليمية القديمة ويصرون عليها، على الرغم من التباعد والمفارقات في الزمان والمكان والإنسان، لأن الطرق القديمة أنتجت علماء أثبات ومبدعين في سائر النواحي، بينما نرى أن تقدم الوسائل - بسبب غياب المنهج والفلسفة التعليمية إن صح التعبير وسوء التعامل وسوء الاستخدام - ترافق مع تقهقر وتراجع في تحقيق الأهداف المهارية والمعرفية والسلوكية أو الوجدانية، بل والتحول من الأمية والجهل إلى الأمية الأبجدية، حتى إننا لنرى أيضا أن حال التعليم في بعض مناطق العالم الإسلامي الفقيرة في الوسائل والأدوات أكثر مردودا، وأن الطالب أكثر قابلية، والمدرس أكثر جدية.

فما هي الأسباب الحقيقية أو الإشكالية الحقيقية لتدني التعليم، الذي يمكن القول: بأنه يتناسب عكسا مع تقدم الوسائل التعليمية، حتى أننا في عالمنا الإسلامي ما نزال نبدي ونعيد بعلومنا السابقة دون أي تطوير أو إبداع في ساحتها، إضافة إلى العجز عن عدم إضافة أي فرع معرفي أو علمي جديد، بينما امتدت العلوم، وتنوعت شعب المعرفة، وتفرع كل علم إلى علوم، ويمكن القول: بأنه يوميا تكتشف قوانين وعلوم جديدة قد يصعب استيعابها واللحاق بها، حيث تتسع فجوة التخلف يوميا؟

ما سبب هزيمة الإرادة والأفكار أمام القدرة على تكديس واستيراد الأشياء كوسائل معينة لتحقيق كسب أكبر للعملية التعليمية ؟

ولعل من المفارقات التي تستدعي النظر والتحليل، أن الطلاب العرب والمسلمين في معظمهم من المتفوقين في دراساتهم في الغرب، وفي أمريكا بشكل أخص، في مختلف التخصصات المتاحة، لدرجة النبوغ وإبداع نظريات وتحقيق كشوف علمية، في الوقت الذي يعاني منه العالم العربي والإسلامي من التخلف العلمي والتقني!! فأين الخلل إذن؟

هل هو في النظام السياسي وما يمارسه من الاستبداد والقمع لدرجة تعطيل الطاقات وقتل القابليات والخوف من كل نبوغ، أم في النظام الاجتماعي أوالتربوي أو التعليمي، أم في ذلك كله، حيث لا يمكن أن يتصور تقدم ونهوض وتنمية في جانب من جوانب المجتمع مترافق مع جوانب متخلفة ومتقهقرة في الوقت نفسه ؟

فالعملية التنموية والنهضوية هي أمر شامل متراكب متداخل ومتوازن، وأزمة التخلف بلا شك تنعكس على جميع المجالات، ولذلك تدفع الكثير من القوى وعلى الأخص أصحاب المواهب إلى الهجرة والنزف إلى المناخات المناسبة التي ترعى قابلياتهم وتفتح المجالات لمواهبهم وإبداعاتهم، وإبقاء أوطانها تعاني من مأزق التخلف الذي يستدعي التقليد وإعادة الإنتاج العلمي والثقافي الذي لا يعني تقدما ولا يأذن به وإن ادعي له غير ذلك.

إضافة إلى غياب المعلم وافتقاد أحوال الاتصال غير المباشر بين المعلم والمتعلم، التي لا يتسع المجال للتدليل عليها.. ويبقى المعلم وتأهيله هو الركيزة الأساس في الوسائل المعينة، أو هو وسيلة الوسائل في عملية التعليم، والطالب هو المحور الأساس في عملية التعلم، على أهمية الكتاب والمنهج والوسائل المعينة، حيث تفتقد هذه الوسائل جميعا قيمتها إذا افتقد المعلم المؤهل، لأن المعلم هو الذي يصوب الفعل ويضبط المسار، ويحدد الوجهة، ويعين على استخدام أدوات البحث، ويستخدم الوسائل المعينة ويحدد فاعليتها ويقيس مردودها.

لذلك نقول: إنه عندما وجد المعلم أوجد الطالب وأنتج متعلمين وعلماء، وعندما غاب المعلم المؤمن المؤهل لم تنفع جميع وسائل التعليم على تقدمها وتطورها وكأنها أصبحت تتناسب عكسيا مع النواتج التعليمية، حيث تعود إلينا الأمية التعليمية لكن بشكل جديد.

ولا أدل على ذلك من أنه قد يمر بالإنسان في حياته التعليمية عشرات المعلمين لكنه لا يذكر إلا بعض المعلمين الذين ساهموا ببنائه السلوكي والمهاري والمعرفي، أما ما وراء ذلك فهدر للطاقة وضياع للزمن.

وهنا قضية جديرة بالتنويه بها، وهي أن التدليل على أهمية المعلم وتأهيله وطريقته لا تنتقص من الوسائل التعليمية ودورها في زيادة نجاحه وعطائه، ذلك أن توفير متطلبات المواقف التعليمية الناجحة المقربة من المتعلم تحقق المردود الأفضل.

إن التطورات الرهيبة والسريعة في التقنيات التربوية إلى درجة قد تصعب متابعتها - وهي بدون شك تبقى جزءا من التطور الاجتماعي والحضاري للأمم - شكلت ولا تزال نقلات نوعية تحدد ملامح المجتمعات وتتحدد بها. فتقنيات المجتمع الزراعي التي كانت تحدد قسماته تطورت إلى تقنيات المجتمع الصناعي الميكانيكي، واليوم نعيش تقنيات المجتمع الإلكتروني بكل ما فيه من تدفق المعلومة وتيسير وسائلها، حتى لنكاد نقول: إن التعليم وأدواته أصبح مستمرا، ووسائله متوفرة في كل بيت، من حاسبات إلى كمبيوترات، إلى شبكات اتصال عبر الإنترنت، إلى وسائل إعلام تعج بالندوات والبرامج والمعلوماتية، حتى أصبح أصحاب الوعي بتطور المجتمعات يعتقدون أن المعلومة هي قوة الغد الحقيقية، وأن التعليم أصبح لا يقوم على التلقين وحشو الذاكرة بقدر ما يعلم ويعين ويدرب على مهارات استخدام المعلومة من الأجهزة الإلكترونية المتعددة.

لذلك نقول: إن الوسائل التعليمية ليست شيئا إضافيا يساعد على الشرح والتوضيح فقط، بل هي جزء لا يتجزأ من العملية التعليمية، التي تشترك فيها الأيدي والحواس جميعا.

ولسنا بحاجة إلى تكرار القول هنا والتأكيد: بأن العملية التعليمية بكل مكوناتها هي الرحم الذي يتخلق فيه أو تنطلق منه جميع العناصر والأنشطة البشرية المتعددة، لذلك تعتبر دائما الموقع الأخطر، وأنها في تطور مستمر، وعلى الرغم من قفزاتها النوعية لا تزال إلى الآن قاصرة عن تفجير الطاقات الهائلة أو المهارات الهائلة للإنسان، المخزونة فيه، ويكفي أن نشير إلى الطاقات الخارقة لبعض المعوقين الذين استشعروا التحدي واستخدموا المتاح من الإمكانات المتوفرة لديهم، فتجاوزوا فيها الأسوياء.. فكم في هذا الإنسان، هذا الخلق العجيب، من الطاقات المركوزة والمخزونة، التي يناط بالتعليم اكتشافها وإطلاقها من عقالها!؟

وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

ولعل اختزال الزمان والمكان والتدفق المعلوماتي الذي نلحظه في حقبة العصر الإلكتروني التي نعيشها، والإنجاز الرعيب، يدل من وجه آخر على الأبعاد العميقة لآيات الأنفس والآفاق التي ما تزال غائبة ومهيأة لرحلة الكشف العلمي، والتي يلمس الإنسان بعض أبعادها من قوله تعالى:

( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) (الكهف:109 ) ..

فكم هي الآفاق واسعة وعميقة: ( وإنا لموسعون ) (الذاريات:47 )

وكم هي الطاقات الإنسانية والإمكانات البشرية مهيأة للاستجـابة؟ وكـم هي المجـالات مفتـوحـة ؟ ومفتاح ذلك كله صوابـية العملية التعليمية.

لذلك بالإمكان القول: بأن المسلمين اليوم دون سوية عصرهم وإسلامهم، وأن التجمد على الأساليب والأبعاد القديمة في التعليم ليس دينا كما يتوهم بعضهم، وأن الحركة التعليمية في نطاقها الشرعي والديني - إن صح التعبير - لا تزال تراوح عند إثبات النص وتحقيقه وتوثيقه وتخريجه فقط، دون التفكير في كيفية تنزيله وإعماله في المجالات المتعددة.

من هنا ندرك كم نحن متخلفون عن قيمنا في الكتاب والسنة، وما عرضت له من الوسائل المعرفية والتعليمية، على مستوى الإفادة من القصة، والمثل، والجغرافيا، والتاريخ، واللغة، والأساليب المتنوعة، والصور الحسية، واستخدام كل الوسائل المتاحة، وكيف تحولت الأمة الأمية التي لا تقرأ ولا تحسب إلى أمة العلم والعلماء، فكان الإسلام هو البعث الحضاري للأمة، وذلك بالتركيز على مفاتحه الأصلية في العلم والتعلم، والقراءة الهادفة باسم الرب الأكرم، والاستمساك بالقلم الوسيلة الأساس وأول المخلوقات.

ونحب أن نوضح أن القول في استخدام الرسول للوسائل التعليمية كالقول في شتى المجالات والأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فهي بعمومها قيم ومناهج وسياسات ومحركات ومحرضات ومنطلقات ومرجعيات ومشروعيات للانطلاق وليست برامج تفصيلية، ذلك أن البرامج منوطة بالإنسان المسلم في ضوء التطوير والتطور والإمكانات المتاحة.. فالإسلام لم يأت ببرامج وإنما جاء بقيم ومعايير، وترك البرامج للعقل الإنساني لينطلق فيها.

ولا شك أن الاستخدام الجيد لمجموعة من وسائل الاتصال وتيسير إيصال المعلومة من شأنه زيادة إمكانات التعلم وترسيخ المعلومات واستبقائها في الذاكرة، وتحسين الأداء للمهارات للوصول إلى أفضل مردود.. فالتعليم والتعلم كان ولا يزال من الصناعات الثقيلة، التي تقتضي الإعداد والاستعداد، والتهيؤ، والصبر والتحمل، لبطء ترتب النتائج على المقدمات،

قال تعالى: ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) (المزمل:5 ) .

وقد يكون من المفيد تقديم أنموذج الرحلة العلمية لسيدنا موسى والعبد الصالح، وما تحمله من دلالات كبيرة على الطريق. قال العبد الصالح لسيدنا مـوسـى فـي رحـلة التعليم والتعلـم بعـد أن قـال لـه:

( هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) (الكهف:66-68 ) ،

وكانت الرحلة، حيث سيدنا موسى يبصر النتائج القريبة ويسارع في الحكم عليها، والعبد الصالح ينظر للعواقب البعيدة ويعمل لها، ولذلك نقول: لئن كان العلم التجريبي المنبت عن الدين تحدى بالنتائج القريبة، فإن العلم المتأتي من معرفة الوحي تحدى بالعواقب، وهي آكد من الناحية العلمية البحتة.. والصبر والتحمل لا يكون مطلوبا إلا عند فوات النتائج القريبة في سبيل إدراك العواقب البعيدة واليقينية،

يقول تعالى: ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) (القيامة:16-18) .

ولعل من المفيد الإشارة إلى أن الوسائل المعينة أو بالتعبير المعاصر (التقنيات التعليمية والتربوية ) ، كلما كانت منتزعة من البيئة ومستنبتة فيها، ومألوفة بدلالتها، وسهل استخدامها، كانت أكثر نجاحا في توصيل المعلومة وتوفير الترابط الصناعي بين المجرد الذي تصعب الإحاطة به، والمحسوس الذي يسهل إدراكه ليكون دليلا للمجرد.

والتقنيات المستوردة من خارج البيئة والعمر الحضاري هي بحاجة إلى فهم، ومن ثم استخدامها كـأداة توصيل للمعلومة، إضافة إلى صعوبة الحصول عليها في كثير من الأحيان.. وهذا لا يعني عدم الإفادة من تجارب وإنجازات الآخرين، وإنما يعني بناء الإمكانية والقدرة والتأهل للإفادة من التقنيات التربوية، ذلك أن الكثير من التقنيات التربوية المستوردة في واقع الحال مركونة في زوايا مظلمة، لا ترى ولا تستخدم إلا عند حب التظاهر أو في المناسبات، وأن الكثير من الإمكانات متوفرة في البيئة المحيطة، يمكن لو أحسنا استخدامها تحقيق الارتقاء بالمردود العلمي من جانب، وتعليم الطالب على حسن التعامل مع الأشياء من حوله، وحسن قراءتها واستخدامها من جانب آخر.

ولعل القضية التي تحتاج إلى لفت الانتباه إليها، أن الوسائل التعليمية أو وسائل الاتصال ليست المجسمات والصور المادية فقط، فاللغة الميسرة بمختلف أساليبها من تعجب واستفهام ونفي وتأكيد ونداء وتحذير وإغراء وعطف والتفات وتشبيه وشعر ونثر وقصة ومثل وفواصل ونقاط وفقرات، أو بعبارة أدق علامات الترقيم، يعتبر إتقانها من أرقى أنواع الاتصال، إضافة إلى الصوت بمقاماته المختلفة، رفعا وخفضا وإشارة وعبارة.

والكتاب الذي نقدمه يعتبر لبنة على الطريق الطويل تتطلب الكثير من اللبنات حتى يكتمل البناء ويسترد الدور المفقود، وهي إحدى المحاولات الجادة التي تحاول التأسيس لمشروعية الوسائل التعليمية، والحض عليها والتأكيد على أهميتها وبعدها المعرفي والمعلوماتي والمهاري، وكونها عملية مشتركة بين المعلم والمتعلم.

ولقد اجتهد الباحث -جزاه الله خيرا - ما أمكن في استقصاء ما ورد من استخدام الرسول للوسائل المادية لتشكل مشروعية وعملية دفع واندفاع باتجاه إنتاج الوسائل التعليمية، وعلى الأخص في مجال التربية الإسلامية، التي لا تزال تفتقر إلى الكثير من الجهد والمجاهدة في هذا المجال.. وعلى الرغم من هذه المحاولة الاستقصائية نقول: بأن ما ورد لا يخرج عن كونه نوافذ للنظر للفضاء الكبير في هذا المجال.

لذلك لا بد من التأكيد أن الكتاب تناول أحد الجوانب في الموضوع، على أهمية الجوانب الأخرى المذخورة في أساليب استخدام القرآن والسنة للوسائل التعليمية في شتى المجالات، إلى درجة يمكن أن نقول معها: إن أسباب النزول للآيات، والقصص، وتمثيل عالم الغيب بنماذج من عالم الشهادة، وأسباب الورود للأحاديث، وتجسد الوحي بصورة بشر لتعليم الصحابة أمور دينهم وغيرها كثير، ما تزال مناجم وخامات تحتاج إلى الكثير من النظر والتأمل والصياغة والتنزيل على الواقع، وطرائق التعامل معها لبناء العملية التعليمية وإخراج الأمة من جديد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث