الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
   

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي جعل معجزة الرسالة الخاتمة الخالدة كتابا وقرآنا،

وبدأ الوحي بقوله تعالى: ( اقرأ ) (العلق : 1) ، بحيث تعتبر القراءة والتعلم والتعليم هي مفتاح الدين الجديد، وسبيل الحضارة الإنسانية التي انتهي إليها عطاء الـحضارات السابـقة، وتـحققت فـيها أصـول النـبوات جمـيعا، من لدن آدم عليه السلام ..

قال الله تعالى: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) (الشورى:13) .

والـقراءة التي أمر بها الله في وحيه الـخاتـم قـراءة قاصدة، واضحة الأهداف، منضبطة المقاصد،

إنها قراءة باسم الله الأكرم: ( اقرأ وربك الأكرم ) (العلق:3) ، القراءة الـمستصحبة لـمنهج الله وأوامره، والمزودة بنعمه وفضله وكرمه في غرس قابلية التعلم والتعليم عند الإنسان، وتلك من أكبر النعم الإنسانية التي تقتضي الشكر ووضع النعمة حيث أراد المنعم، وبذلك وجهت الرحلة العلمية ومكتشفاتها وإنتاجها لصالح الإنسان، وضبطت الشاكلة الثقافية بوجهة الخير والصلاح.

والصلاة والسلام على المبعوث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آيات الله، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.. الذي توقفت أميته وأمية المؤمنين به عن الاستمرار عند بوابة الدين الجديد، وبدأت رحلة العلم والتعلم والهداية، كما توقف الضلال والتضليل الثقافي والسياسي والعقدي لقومه والناس جميعا.. وبعد:

فهذا كتاب الأمة الرابع والثمانون " الارتقاء بالعربية في وسائل الإعلام " للأستاذ نور الدين بليبل ، في سلسلة " كتاب الأمة " ، الذي يصدر عن مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر ، مساهمـة في إعادة بناء الشاكـلة الثـقافـية، أو التشكيل الثقافي المؤصل بالمرجعية الشرعية، والمؤسس على هداية الوحي في تحديد الوجهة، واجتهاد العقل وإعمال الفكر في إبداع الوسائل والبرامج القادرة على تجسيد تلك الشاكلة في مجالات الحياة وأنشطتها جميعا، لتكون بمثابة الروح السارية في حركة الحياة، والنسغ الضامن لاستمرار العطاء، أو بتعبير آخر: امتداد العمل على الشاكلة التي جاء بها الوحي وبينها الشرع، حيث إن العمل والحركة إنما هو في الحقيقة ثمرة لهذه الشاكلة، واستجابة لها،

قال تـعالـى: ( قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ) (الإسراء: 84)

وهذه الشاكلة التي تتعامل مع الحياة بكل معطياتها وتطوراتها ومتغيراتها وميادينها المتنوعة، لا بد أن تكون خاضعة باستمرار للاختبار والتقويم والمراجعة والمثقافة والمفاكرة والمعايرة، والتطوير في الوسائل، وإعادة النظر، لتكون مؤهلة للتجدد والتجديد واستيعاب المتغيرات، وإبداع الوسائل الملائمة لكيفية التعامل معها.

ولعلنا نقول هنا: بأن اللغة هي من أهم أدوات التشكيل الثقافي، بل من أهم عوامل تشكيل الأمم، إن لم نقل أهمها، ذلك أنها وعاء الفكر وأداة التعبير والتواصل والتفاهم بين الناس، توثق صلاتهم، وتقوي روابطهم، وتبني ثقافتهم، وتشد وحدة اللحمة بينهم، وهي مستودع ذخائر الأمة ومخزونها الثقافي وتراثها، الذي يجسر بين حاضرها وماضيها، ويصل حاضرها بمستقبلها، ويحدد قسمات شخصيتها وملامح هويتها.. إنها الوطن الثقافي الذي يصنع الوجدان، ويحرك التفكير، ويترجم الأحاسيس، ويغير السلوك، ويسهل تبادل المعارف وتلقي العلوم.. وهي المسبار الحقيقي لإدراك أغـوار الشخـصية وميـولها واتـجاهاتها، وتـحديد أهدافـها، فكثيرا ما يقال: " تكلم حتى أراك " .

كما أن كيفية اختيار الألفاظ وأدوات التوصيل والتواصل يؤثر في بناء الملكة العقلية والقدرة التفكيرية، حتى يقال عن الحكيم: " لسانه من وراء عقله " ، ويقال: " الأسلوب هو الشخص " ، كما يقال عن الشخص الخفيف الباهت المهزوز: " فلان يلقي الكلام على عواهنه " .

ولا نرى أنفسنا بحاجة إلى التأكيد على علاقة التعبير بالتفكير ودوره في بناء العقل، وتنظيم المحاكمات العقلية وإسعاف العقل، وتزويده بالأوعية المطلوبة لنشاطه، وإغنائه بمجموعة مفردات خصبة ومرنة تحول دون انحباس المعاني أو ابتسارها، وتمنح العقل الرحابة والانطلاق في التفكير في فضاء من طلاقة التعبير، لذلك يقال: " من تكلم بلسان قوم فكر بعقلهم " .

ونظرا لأهمية اللغة ورسالتها ودورها، الذي أتينا على طرف منه، نشأت حولها علوم ودراسات متعددة من مثل: علم اللسانيات، وعلم اللغة المقارن، وفقه اللغة، والأجناس الأدبية في النثر والشعر والرواية والمقالة والقصة، وسائر الأجناس الأدبية الأخرى، إضافة إلى النقد الأدبي، الشريك الرئيس في البناء اللغوي الذي تمحور حول الأساليب والمناسبات وطرق الأداء، وعلم القواعد أو النحو، لصون اللغة وحمايتها والامتداد بها بشكل سليم، وعلم الصرف الذي يبحث في أصول اللغة وأوزانها، والاشتقاق والتركيب والمزج والنحت، الذي يكسب اللغة المرونة، ويمكنها من القدرة على الاستجابة للتطورات والمتغيرات الاجتماعية، وعلم القراءات، والتجويد، علم مخارج الحروف...الخ.

ولعل في مقدمة هذه العلوم جميعا، أو ثمرة هذه العلوم جميعا، يأتي علم البلاغة بفروعها الثلاثة: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع.

والبلاغة في أبسط مدلولاتها: هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ذلك أنه لكل مقام مقال، أو لكل حال ما يناسبه من الكلام، أو من توفر مواصفات خاصة للخطاب، لذلك فدراسة الحال، بكل مكوناته، واستيعابه، ومن ثم اختيار الألفاظ والأسلوب المناسبين اللذين يحققان الهدف، ليس بالأمر الهين.. فإذا لم تراع البلاغة أو مقتضى الحال في الحديث، فقد تتحول اللغة وسوء اختيار ألفاظها وأسلوبها إلى سبيل فتنة وانتكاس، " قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو سيد البلغاء: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله " (أخرجه البخاري ) ، " وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة " (أخرجه مسلم ) ، وورد التحذير من سحر القول وزخرفه الذي قد يغيب الحقائق ويزيفها، ويقلب الحق باطلا والباطل حقا، ( فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحرا ) (أخرجه البخاري ) ، و ( إن من الشعر لحكمة ) (أخرجه ابن ماجه ) .

فإذا كانت اللغة بهذه القدرة الخارقة في التأثير والتشكيل الثقافي، أو بناء الشاكلة الثقافية، التي تعتبر الموجه لرؤية الإنسان والمنطلق لحركته وتعامله مع الناس ومواصلته مع تاريخه، أي بناء وجهته في الاتجاهات جميعا، الماضي والحاضر والمستقبل، كانت العامل الأهم في تشكيل الأمة وتفاهمها وتواصلها، وكانت من القلاع الأولى والحصون الثقافية والاجتماعية والتراثية المستهدفة، ذلك أن استهدافها يعطل نمط تفكير الأمة، ويلغي عقلها ويطمس شخصيتها، ويعبث بثقافتها، ويقطع أوصالها، ويجفف ينابيعها، ويجتث جذورها، ويتركها في مهب الريح، وعلى الأخص عندما تكون اللغة لغة العقيدة والقيم، والثقافة والحضارة، والعلم والتعليم، والعبادة، كاللغة العربية.

وقد لا يتسع المجال هنا لاستقصاء الأساليب والأدوات والمكائد والمحاولات المستمرة التي استهدفت العربية -ذلك أن الاستقصاء بطبيعة الحال يكاد يكون مستحيلا، لتجدد الوسائل والأساليب والمحاولات وتعددها- وإنما هي محاولة لاستقراء بعض النماذج المطروحة على الساحة في هذا المجال، وليس آخرها على كل حال قضية الـحداثة، ومحـاولتها هدم الـمعمار اللغوي، وتجاوز بناء الـجملة ودلالة المصطلح، وكسر الأوزان الشعرية، والدعوة إلى إلغاء قواعد اللغة بنحوها وصرفها، وإنتاج ذلك الخليط الهجين من المفردات والتراكيب، وتغميض العبارات والألفاظ بضرب من القول والكتابة هو أشبه بالهذيان، الذي يضيع الملامح ويلغي القسمات، ويقيم أنماطا لغوية وهلوسات عقلية متداخلة، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة ولا معنى، وإنما هي نوع من الرسم بالفراغ ومن الفراغ للصور المشوهة الأقرب إلى الذاتية والباطنية، التي تؤدي إلى الانكفاء على الذات أو القراءة بأبجدية خاصة، لا تؤهل لبناء ثقافة أو أمة، ولا تسهم بتفاهم، ولا توثق صـلة، ولا تؤدي إلى تواصل أو تبادل معرفي أو فكري، إنـما هي هلوسات فكرية -كما أسلفنا- تقذف إلى الضياع، وتؤدي إلى القطيعة المعرفية.

وليس أقل خطورة أمـر الـمفاضـلة، أو محاولة التمييز بين اللغة الفصحى واللغة العامية، أو بين الفصحى واللهجات المحلية، واعتبار العامية هي اللغة الأكثر سلاسة وانسيابا، والأيسر في التفاهم والتعارف، وأن الفصحى بنحوها وصرفها ومخارج حروفها هي لغة صعبة معقدة في تعلمها وتعليمها، لذلك أصبحت معزولة عن الحياة، محنطة في المعاجم والكتب القديمة، فاقدة للقدرة على الإرسال لصعوبة تعلمها والإحاطة بها، وفاقدة الأهلية في الاستقبال لعدم الإمكانية على استقبال ألفاظها المتجهمة وإدراك معانيها الغريبة على الأذن، البعيدة التناول، ذلك أن وظيفة اللغة في نظرهم تقتصر على تحقيق التوصيل والتفاهم بين المرسل والمتلقي، ومادام هذا التفاهم يتم بسهولة ويسر فلا داعي للتعنت والتنطع والتقعر في اختيار الألفاظ، وإنهاك العقل في المحافظة على بنائها ورصفها، وإثقال الأذن باستئناسها، فاللغة كائن حي ينمو ويشيخ ويموت، فالفصحى في نظرهم أصبحت في عداد الموتى!! فلماذا المحاولات اليائسة لبعثها وإحيائها؟!

وقد تكون الإشكالية الكبيرة في هذه النظرة السطحية والساذجة والمحزنة لقضية اللغة ودورها في التشكيل الثقافي، غياب الإدراك لأثر التعبير في التفكير، ودور اللغة في التواصل مع التراث والتاريخ والعقيدة، ورسالتها في وحدة الأمة وتماسكها واستقرارها وامتدادها، وتحقيقها للتواصل بين الأجيال، واحتفاظها بذاكرة الأمة ومخزونها الثقافي، وما إلى ذلك من الأبعاد الكثيرة التي يصعب استقصاؤها والإحاطة بها في هذه العجالة.

ذلك أن الاعتراف بالعامية وتسيدها هو محاولة مكشوفة لإقامة الحواجز بين الأمة وكتابها، مصدر عقيدتها ومعرفتها وفكرها، وتحقيق القطيعة الكاملة مع التراث، والعجز عن فهمه وإدراكه والإفادة منه؛ لأن العامية ستبتعد عن الفصحى شيئا فشيئا وستغادرها نهائيا، وتنشأ فيها عاميات لا تتوقف.

يضاف إلى ذلك أن موضوع العامية سيؤدي إلى سيادة لهجات وعاميات متعددة سوف تقيم حواجز في داخل الأمة، وتمزقها، وتحول دون تفاهمها وتماسكها، وتقضي على ماضيها، لأن التراث والتاريخ يصبحا منطقة حراما بالنسبة للعامية، بحاجة إلى ترجمة، كما أنها تقضي على وحدة الأمة، وتمزق حاضرها، وتقيم حواجز نفسية أمام الفصحى، ولا تصلح لأن تكون لغة علم وحضارة، لأنها لغة جهل وأمية ومحاكاة صوتية.

والحقيقة التي لا مراء فيها، أن الأمية هي طريق انتشار العامية وشيوعها وامتدادها، وأن السبيل لمحاصرتها واسترداد هوية الأمة اللغوية والثقافية هو القضاء على الأمية ومحوها، ومحاولة تطوير وسائل وأساليب العربية وإشاعتها، والتدريب عليها، وإبراز قدرتها على استيعاب جميع الحالات والتحولات الإنسانية، وامتلاك القدرة على التعبير عنها، وإدراك وظيفة اللغة ودورها في حياة الأمة، والتواصل لأجيالها، وكونها إحدى القلاع الثقافية.

والذي لا شك فيه أن انتشار العامية لم يأت من فراغ، وإنما امتد في فراغ لم يملأه دعاة الفصحى.. فلماذا انتشرت العامية؟ وهل السبب كله كامن في العامل الخارجي، أم أن القابلية لانتشارها سبقت انتشارها، وهيأت له؟ ذلك أن اللغة الفصحى لسبب أو لآخر انحسرت في زوايا تعليمية معزولة ومعاجم ومجامع لغوية رضيت لنفسها الانزواء والسير خلف المجتمع، وليس أمامه، وأصبح كل همها النظر في بعض المصطلحات والألفاظ المعاصرة لإقرارها، والتفتيش عن مسوغات لغوية لها، أو الاقتصار على توجيه النقد للأخطاء اللغوية بعيدا عن الإنتاج الإعلامي والثقافي السليم.

أما امتلاك القدرة على استيعاب تطور المجتمعات، وتنوع مجالاتها، وما تستدعي من توليد وتسييد مصطلحات ومفردات وخطاب يشكل أوعية للسانها ومجالا رحبا لتفكيرها وإبداعها، فلم يتوفر إلا بالأقدار البسيطة أو الفردية، إذا أحسنا الظن.

وقد لا يسوغ لنا العتب على لغة الإعلام، وقد لحقت الإصابات البالغة بلغة التعليم، معقل العربية وحصنها المنيع، حيث بدأ من عندها الخلل والإصابات البالغة للغة، وأصبح حال اللغة في مجال التعليم، كما يصورها أحد الحمس الذي قفز إلى المحراب واعظا، بدون مؤهل، وقال: " ظهر الفساد في البر والبحر " ، فرد أحد الحاضرين: " وفي المحراب " .

لقد أصيبت الفصحى في محرابها، وأدى ذلك إلى انعزالها بشكل طبيعي، فأصبحت دروس العربية تدرس بالعامية، وتحولت دراسة العربية من دراسة النحو والصرف والبلاغة والقواعد وسلامة الألفاظ إلى التمركز حول الأجناس الأدبية فقط، التي قد تمر في المراحل الدراسـية الـمتعددة بدون ضوابط لغوية، حتى إن الكثير من أصحاب الشهادات العالية أو العليا، من المتخصصين بالأدب العربي، لا يستطيع أن يقيم لسانه ولا قلمه بجملة صحيحة.

ولا بد من الاعتراف أن من أسباب الإصابة الذي سمح بامتداد العامية والوصول إلى حالة الانشطار الثقافي، الذي نعاني منه بسبب الانشطار اللغوي، تحول الوسائل التي وضعت لحماية العربية والمحافظة عليها إلى غايات بحد ذاتها، فكثيرا ما تتوقف عندها الجهود، دون النظر في دراسة الأحوال وتطوير مواصفات الخطاب وطرائق التعليم بحسب ذلك الحال.. حتى تلك الوسائل لم تتطور دراساتها وأدوات توصيلها والتدريب عليها، وإنما بقيت على حالها، على الرغم من تطور التقنيات التربوية والتعليمية، فكادت تتحول إلى معوق وحاجز يحول دون الإقبال على اللغة، تعلما وتعليما وتخصصا، حتى كادت بعض هذه الوسائل أن تنقرض من الساحة التعليمية والتربوية، وتنحسر في بعض الزوايا المعزولة.

إن تحول الوسائل إلى غايات، قلب المعادلة التعليمية والتربوية.. فالعالم جميعه يقرأ ليتعلم، أما نحن فنتعلم لنقرأ، وقد نفني عمرنا في تعلم كيفية القراءة وضوابطها دون أن يبقى في العمر بقية لنقرأ وننتج.. ونحن هنا لا نقلل من هذه الجهود العظيمة التي حفظت اللغة وحمتها، وحالت دون تمييعها وإخراجها عن أصولها باسم تطورها، لكن الذي ندعو إليه أن تبقى الجهود ضمن المساحات المضبوطة النسب، وأن تتركز على تطوير تعلمها من جانب، ومن جانب آخر صرف الكثير من الجهود لتحقيق الغايات والبحث في مواصفات الخطاب بحسب المطلوب، ليكون قادرا، بما يستخدم من مفردات ومصطلحات وأساليب، على توصيل ما يريد، تعلما وتعليما وإعلاما، مرئيا ومسموعا ومكتوبا.

ولعل من الإشكاليات الكبيرة في إطار اللغة العربية اليوم، تعلما وتعليما وإعلاما ونموا وقياما بدورها في التشكيل الثقافي، ذي الموارد والمعارف المتعددة، هي محاولة النظر إليها والتعامل معها على أنها تفتقر إلى المصطلحات العلمية والمراجع العلمية، التي يحتاجها الدارس والباحث، لذلك فهي لا تخرج عن كونها لغة دين وممارسة عبادة معزولة عن المجالات العلمية، حيث لا مفر لنا اليوم من الإقرار بالازدواج اللغوي بين لغة العلم ولغة الدين، لغة المعهد ولغة المعبد، بحيث تخرج العربية من المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز البحوث والدراسات والمخابر والمكتبات وتنزوي في المساجد والمعابد، شأنها في ذلك شأن اللغة السريانية القديمة، التي باتت لا تخرج عن أصوات يرددها الكاهن، وقد يعلمها أو لا يعلمها، لا هو ولا المستمعون.

وفي تقديري أن هذا ليس ذنب اللغة وقدرتها على استيعاب العلوم والفنون وإبداع المصطلحات، وإنما ذنب الأمة المتخاذلة المتخلفة، العاجزة عن الامتداد والنمو العلمي، الأمر الذي انتهى بها إلى العيش على موائد (الآخر) ، الذي لا بد أن تأكل طعامه وتستهلك أشياءه وتتكلم بلسانه، وتفكر بعقله، وتعفي نفسها من الـمسئولـية، وبـذلك تساهم بإخراج لغتها من الحياة، لأن اللغة كائن ينمو مع الأمة، ويتوقف ويتضاءل حال موتها أو سباتها.. ولولا القرآن وكتاتيبه ومراكز تحفيظه ومتابعة تلاوته في العبادات اليومية -وتلاوته عبادة- لخرجت اللغة العربية من الواقع تماما.

والحقيقة التي لا بد من الإشارة إليها، أن العربية تتميز عن سائر اللغات بأنها ولدت كاملة، كما يقرر الكثير من علماء اللسانيات، وأنها بمفرداتها الزاخرة، ومترادفاتها القادرة على التعبير عن الأحاسيس والحالات الدقيقة والمتجاورة المعاني، وقدرتها على التصريف والاشتقاق، مؤهلة لأن تكون لغة العلم الإنساني بدقائقه وصياغة مصطلحاته.

بل لعلنا نقول: إن عبقرية اللغة تتمثل في قدرتها على احتواء وتحديد التعاريف والمصطلحات المتنوعة في العلوم الإنسانية أكثر بكثير من اللغات الأخرى التي أمكنها التعبير عن المصطلحات والـتعاريف والـمبتـكرات في العـلـوم التـجريـبية، لأنـها فـي النهايـة لا تخرج عن تسميات ورموز جامدة، بل وحروف ترمز إلى عناصرها.

إن هذا المدخل الخطير في التفريق بين لغة العلم ولغة الدين، كإحدى المحاولات لمحاصرة العربية، وإبعادها عن المدارس والمعاهد والمخابر ومراكز البحوث، وتركها للمعابد والعبادات، والتمييز بين لغة العلم ولغة الدين، سوف يؤدي بالعربية إلى العزلة التامة عن حياة الناس، وعن استعمالاتهم اليومية لها، ويسهم بغياب التحدي الذي يستفز الأمة للدفاع عن لغتها طالما هي ما تزال لغة العقيدة والعبادة.

كما ينتج عن هذا التفريق أيضا أن التكلم بغير العربية يشكل انقطاعا عن المخزون الثقافي والعلوم الأساسية.. وأخطر من ذلك، أنه يقود إلى التفكير بعقل من نتكلم بلسانهم، حيث لا تنكر العلاقة بين التفكير والتعبير -كما أسلفنا- ذلك أن الانتهاء إلى (الآخر) في الـمرجع والكتاب والمنهج في عملية التعلم والتعليم، هو ارتهان ثقافي يتجاوز الانشطار، وينتهي بالأمة لأن تبقى دائما في مقاعد التلاميذ (للآخر) .

ولا بد من الإشارة إلى أن الجهود البسيطة والمحدودة في مجال تعريب العلوم ومناهج التعليم والمصطلحات العلمية، واعتماد العربية في تعليم العلوم التجريبية، دليل على قدرة العربية، وشاهد إدانة للعدول عنها، ذلك أن أعداء العربية ما يزالون يطاردون ويحاصرون تلك الجهود لحمل الدول والمؤسسات والجامعات التي تدرس العلوم بالعربية للعدول عنها واللحاق (بالآخر) .

ولعل من الإصابات الخطيرة أيضا، التي تتركز حول العربية ومحاصرتها، الكلام الطويل العريض على صعوبة كتابتها، وصعوبة حروفها ورسمها وشكلها، وقواعدها ونحوها وصرفها، وأن الوسائل والتقنيات الحديثة جاءت كلها بالحروف اللاتينية، وأن الدخول إلى عالم " الإنترنت " و " الكمبيوتر " والطباعة وتقنياتها يتطلب إبدال الحرف اللاتيني بالعربي.. وفعلا نجحت المؤامرة وتحولت بعض الشعوب الإسلامية إلى العدول عن الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني في لغاتها المحلية، فشكل ذلك قطيعة كاملة مع تراثها ومخزونها وتاريخها وصلاتها بالعربية والقرآن، والانتهاء إلى (الآخر) ، باسم الحاجة للتعامل مع التقنيات، والعجيب الغريب أن ذلك لم ينطبق إلا على العربية.

أما الصينية مثلا، بكل تشعباتها وتضاريسها، واليابانية بكل تعقيداتها، فلم تعان من الإصابة نفسها!! وحتى العبرية، اللغة التي كانت منقرضة، لم تعان من تلك الإصابة، لأن وراءها أمة تدرك أهمية اللغة ودورها في التشكيل الثقافي لعقل الأمة ووجدانها وهويتها ومواطنتها وتواصلها وامتدادها.

ولا شك عندنا أن نصيب العربية من الاستهداف كان كثيرا وكثيرا جدا، ذلك أن العربية لغة العقيدة والعبادة والنص السماوي الخالد المعطاء، والتراث التاريخي والمخزون الثقافي، ووعاء ذاكرة الأمة، أو هي ذاكرة الأمة وأداتها الرئيسة في التشكيل الثقافي.. فهي لغة الدين، ولغة العلم، ولغة التربية، ولغة الإعلام والبلاغ لرسالة النبوة، فأية محاولة لزحزحتها عن مواقعها إلـغاء للأمـة الـمسلمة، التي لم تـتشكل بعـوامل جغـرافية أو لـونيـة أو جنسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وإنما تشكلت من خلال كتاب، وانطلقت من خلال (اقرأ) ، فكان كتابها معجزة بيانية تربوية إعلامية، وهي أمة العلم والفكر والقيم.

إن الارتقاء اللغوي منوط إلى حد بعيد بالتطلع إلى محاكاة أسلوب المعجزة البيانية (القرآن) ، وتلمس جوانب الإعجاز البياني الإعلامي فيه، وإدراك تنوع مواصفات خطابه بحسب المقامات والمحال التي يعرض لها.

إن هذا التطلع يمكن أن يمنحنا أقدارا من إمكان توليد مواصفات لخطابنا تتناسب مع محله ومقامه ومناسبته وأهدافه..

قال سبحانه وتعالى : ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ... ) (الإسراء:89)

لذلك لا بد أن نجيب، في العملية الإعلامية وغيرها من المجالات المتعددة، عن السؤال الكبير: " لماذا؟ " فنحدد نوايانا ونوضح أهدافنا من العمل الإعلامي أو أي عمل آخر، ومن ثم نصل إلى السؤال: " كيف؟ " فنضع الخطط والبرامج، ونحدد الوسائل والأدوات التي تحقق أهدافنا، في ضوء إمكاناتنا والواقع الذي نتعامل معه، ومن ثم تحديد الإجابة عن " متى؟ " وذلك لاختيار الزمن المناسب لأداء العمل.

ولا يفوتنا هـنا أن نذكر أن الإعلام اليوم أصبح مؤسسة تتـعامل مـع حـياة كامـلة، بكل مـا تعـني هـذه الكلمة، فهو مؤسـسة اقتصـاديـة لا تقتصر على أخبار نقل أسواق المال والأعمال والأسهم والشركات والتجارات والصناعات والمبتكرات، وترصد الأسعار والأسواق، وتقـوم بالإعـلان الـمغري بالاستهلاك، وتروج للسلع الـمتنوعة، وإنـما تتجاوز ذلك إلى الدراسات والتحليلات والاستشراف المستقبلي، وإقامة الندوات، واستضافة الخبراء، إلى درجة يمكن معها أن نقول: إن الإعلام أصبح صناعة اقتصادية ثقيلة، ومدرسة اقتصادية ذات تعليم مستمر، فالذي يملك الإعلام يملك التحكم بالأسواق والإنتاج والثقافة العالية، التي تحول دون المخاطرات المالية وتبصر احتمالات المستقبل.

وكذلك الشأن في المجال الاجتماعي، بكل تفرعاته ومجالاته، وعلومه، ومعلوماته، وأنماطه.

والإعلام، أولا وقبل كل شيء، يعتبر من أهم مؤسسات التشكيل الثقافي، ولا نجافي الحقيقة إن قلنا: بأن جميع مصادر التشكيل الثقافي على تنوعها أصبحت بحوزة الإعلام، حيث إنه أصبح يغطي كل الجوانب الإنسانية، ويشكل نظرة الإنسان، ويمنحه المعيار الذي ينظر منه إلى الأشياء، بل يدربه على ذلك، ويقدم له النتائج، فهو يقرأ له، ويكتب له، ويروي له، ويبيع له، ويشتري له، ويخترق شخصيته القائمة، ويساهم بصنع شخصيته المستقبلية، إلى درجة أصبح يمكن معها التنبوء بردود الأفعال الممكنة، ووضع الحلول والأوعية المطلوبة لحركتها مسبقا.

وليس أمر الإعلام كمؤسسة تربوية تعليمية بأقل شأنا، ذلك أن الإعلام أصبح، بما أتاح من وسائل متنوعة، يغطي قطاعات واسعة وعريضة من المواطنين، باهتماماتهم واختصاصاتهم وأعمارهم، ابتداءا من عالم الطـفولة وانـتهاء بحـالات الشيخـوخة، لذلك فالفاقد للوسيلة الإعلامية أصبح اليوم كالفاقد لحاسة من حواسه، فهو أشبه بالمعاق.

إن هذا الاستحواذ على الناس جميعا، في مختلف ثقافاتهم ومواقعهم وأماكنهم، أمر يصعب تغطيته بوسائل وبرامج التعليم النظامي، سواء من حيث المساحة أو الوقت، أو الأدوات، أو التقنيات، أو السويات المتنوعة، أو المواد المقررة والوجبات المطلوبة، حيث يقدم الإعلام اليوم الثقافة والتوجيه والترفيه والمعلومة، إضافة إلى أنه يتميز بالاستمرار وتراكم التأثير، والتنوع، والتطوير، والابتكار للوسائل التي لا تتوقف.

فالإعلام تعليم دائم ومستمر، ولكل الأجيال، من الأطفال وبناء خيالهم العلمي، والشيوخ، والذكور والإناث، إضافة إلى امتلاكه، من خلال الوكالات وشبكة المراسلين من مواقع الأحداث، القدرات الخارقة في الحصول على المعلومة، والوصول إلى المتخصص في الأمر المطلوب، وإبداعه للوسائل التعليمية المتميزة، وحسن استخدامها من الصوت واللون والصورة واللغة والظلال والديكور... حيث حول الإعلام بإمكاناته الهائلة ورحابته ووسائله غرف التعليم التقلـيدي، بسبورتـها وأقـلامها ومـقاعدها وكتـابها ووسائـلها، إلـى ما يشبه المعتقلات التي لا يصدق التلميذ متى يخرج منها ليقعد دون إحساس بالزمن إلى التلفزيون أو " الإنترنت " أو " الكمبيوتر " .

والذين يحاولون استشراف المستقبل يتوقعون أن يتم الإعداد والاستـعـداد لتقنـية الوسـائل التعليمـية وتأمـيـن الاتـصال عـن بـعـد بما يغني عن الذهاب إلى المدرسة، وإنما تأتي بالمدرسة والمدرس والوسائل إليه في مقعده أمامها.

أما الشأن الإعلامي ودوره في السياسة والمغالبة الحضارية، فحدث ولا حرج، فالمعلومة وتوصيلها باتت اليوم هي السلاح الأكثر فاعلية ومضاءا، فهي أشبه بالسلاح الكاتم للصوت.. إنها حقبة المعلومة المرنة، أو حقبة الإعلام.. لقد تحولت الأمم من معلومة السلطة إلى سلطة المعلومة.

فإذا كان للمسألة الإعلامية هذه الأبعاد والآفاق والقدرة العجيبة على الاختراق لمجالات الحياة جميعا، فإنها تتطلب أن تتحول إليها وتصب فيها جميع الجهود.. ولا نأتي بجديد إن قلنا: إن الإعلام اليوم هو ثمرة للعلوم جميعا، ليس العلوم الإنسانية والاجتماعية فحسب، بل والعلوم التقنية والتجريبية.. وهو محصلة لشعب المعرفة جميعا، من علم اللغة، والاجتماع، والتاريخ، والنفس، والإنسان، والتربية، والتعليم...إلخ.

إن العلوم جميعا تتضافر اليوم لإنجاز إعلام مؤثر، فالعالم بعد اختزال الزمان والمكان والمسافات، أصبح دولة إعلامية واحدة، أو قرية إعلامية، والدول الجغرافية أصبحت أحياء وحارات في هذه القرية.. ومن هنا ندرك لماذا كانت معجزة الرسالة الخاتمة معجزة إعلامية بيانية مجردة عن ظروف الزمان والمكان.

فالتكليف الشرعي -فيما نرى- ليس بأداء العبادات من صلاة وصيـام وزكاة وحـج فقـط، وإنـما الارتـقاء بوسـائلنا النـافذة والـمؤثرة، لتكون بـمستوى الإسـلام والعصر، لتبلغ الإسلام وتظهره، وبذلك ندخل حلبة الـمغالبة الحضارية، أو المدافعة الحضارية، والحوار الـحضاري، والـدعـوة إلى كلـمة سـواء، بأدواتـها المناسبة وتخصصاتها المطلوبة.

ولـعـل اللغـة تـمثـل فـي نهايـة الـمطـاف، سواء كانت منـطـوقـة أو مكتوبة أو مسموعة، الوعاء الإعلامي الأهم، على الرغم من أهمية الوسائل الأخرى..

وقد بلغت لغات الإعلام عند الأمم اليوم شأوا بعيدا وشأنا مؤثرا باختيار الأصوات الملائمة، والنبرات المؤثرة، والصور الأخاذة، والمصطلحات المأنوسة، والوجه المناسب، والشخصية الملائمة، فلكل وعاء إعلامي مواصفات في التحرير والإخراج والأداء، والصورة والصوت، والديكور، والتقديم، واللباس، وحركات الوجه والحواس، التي تمثل وسائل اتصال غير مسموعة.

وتخضع العملية الإعلامية الـجادة دائما لعمـليات مـراجـعـة وتقويـم وتطوير، وتـجديد وتنويع، ودراسة جدوى، وقياس الجدوى، من متخصصين في شعب المعرفة جميعا، وتنفق عليها الأموال الطائلة لبناء إمبراطوريتها المعاصرة.

فإذا كانت اللغـة عقيمـة متكلـفـة غـير مـأنـوسـة وغـير ملائـمة، فلا تنتج سوى القيم التعبيرية القاصرة والبائسة والمعقدة التي تتحول إلى قبور للمعاني، لا تلبث أن تنقرض وتخلي المكان لغيرها.

لقد نجح الإعلام، وفي كل يوم يحقق نجاحات إضافية في توظيف التقنية الحديثة في خدمة الثقافة السياسية والاجتماعية والـحضارية وتـحديث المـجتمعات، وفـق منهجه وأهـدافه ورؤيـتـه في التحديث، التي قد تـؤدي إلى الاسـتلاب الـحضاري للأمـم العاجزة والمتخاذلة.

إن شمولية القضية الإعلامية للمجالات الحياتية جميعا، إلى جانب نقل الأخبار، وترجمتها للحياة اليومية، وتسجيلها للتاريخ المعاصر، سوف تكون له نتائج وتداعيات على المستويات كافة.

فإذا كانت العملية الإعلامية بهذه الخطورة، وكانت اللغة هي أداتها ووعاؤها، وكانت العربية وعاء المعجزة الإعلامية البيانية، فأين دور العـربـية فـي وسـائل الإعـلام الـيـوم، والوصول إلى الآفـاق الحيـاتية الـمتعددة؟

إن الوضع المحزن يتمثل في أن اللغة العامية، لغة الجهل، تتقدم، والفصحى، لغة العلم والتاريخ والتراث والحضارة، تتراجع إلى المعاجم، وأن أساليب تعليمها باتت لا تشجع بل قد تنفر.. والـمشكلة الأساس في كيفية الارتقاء بالعربية في وسائل الإعلام، ولا نعني بالارتقاء بها مجرد رصد وإحصاء الأخطاء على الإعلامي ومحاولة تصويبها.

ومـا أزال أذكر بهـذه الـمناسبة ما سمعته من بعض الباحثين من أن أحد الأدباء الكبار عندما ألقى محاضرة في بلاد الـمغرب العربـي، أحصى عليه طالب من دارسي علوم الآله (علوم اللغة) حوالي سبعة عشر خطأ لغويا، ومن ثم غاب هذا المحصي ولم يسمع أحد به بعد المحاضرة، وقدم ذلك الأديب الكبير مساهمات أدبية في مجال الأدب الجاهلي والإسلامي والسيرة والمقالة ما نعلمه جميعا.

إن المجامع وكليات اللغة العربية لا تزال تسير خلف الإعلام، تتعقبه بكسر همزة أو بفتحها، أو بتعريب مصطلح شائع، وتبذل الجهود الكبيرة للإبقاء على الوسائل القديمة لتعليم العربية، وكأن وسائل تعليم العربية وطرقها القديـمة مقـدسة لا تمس، لذلك فهي تـحول دون الارتقاء إلى وسائل معاصرة في تعليم اللغة، أو على الأقل الإفادة من (الآخر) ، في ميدان التنافس والمدافعة اللغوية والحضارية، الذي يفرد لكل فن إعلامي وعلمي لغة وأسلوبا ومصطلحات، بل لقد بات يسوق علينا مصطلحاته ومفاهيمه.

وقد يكون من المفيد الإشارة والإشادة بوجهة مجمع اللغة العربية في دمشق ، حيث عقد ندوة في تشرين الثاني 1998م، تحت عنوان: " اللغة العربية والإعلام " ، عرض فيها لواقع اللغة العربية في وسائل الإعلام المتعددة من مكتوبة ومسموعة ومرئية، شارك فيها مجموعة من الخبراء والعلماء، في اللغة، والأكاديميين، وأصحاب التجارب السابقة والإعلاميين.

ولقد حاولت الندوة توصيف المشكلة، أو أزمة العربية في وسائل الإعلام، وبحث سبل العلاج، وانتهت إلى مجموعة توصيات يمكن أن تعتبر نقطة انطلاق لمزيد من التفكير، والتنظير، والمثقافة، والمعالمة، إن صح التعبير.

ولا شك أن محاولة المجمع المرابطة في المواقع اللغوية الفاعلة والمؤثرة يعتبر جهدا مقدورا يثير الاقتداء.

ولعل إلقاء نظرة على بعض عناوين المساهمات المطروحة في الندوة، يمنح قدرا من إبصار المشكلة والرؤية التشخيصية لها، الأمر الذي يعتبر أول الطريق للعلاج والتصويب.

ومن العناوين البارزة في الندوة: الإعلام وتنمية الملكة اللغوية، اللغة العربية والإعلام المرئي والمسموع (مقترحات في سبل العلاج والتنمية) ، سلطان العربية في مضمار الإعلام، واقع اللغة العربية في الإعلام المسموع والمرئي، اللغة العربية والإعلام المسموع والمرئي، خير الكلام في لغة الإعلام، العربية والقنوات الفضائية، الفصحى ضرورة العصر، دور العربية في مواكبة المصطلح الأجنبي في الإعلام... ونشرت وقائع الندوة وأعمالها في جزأين من المجلد الرابع والسبعين من مجلة المجمع، تاريخ ربيع الأول 1420هـ (تموز-يوليو-1999م ) وجمادى الآخرة 1420هـ (تشرين الأول -أكتوبر-1999م) .

وهذا التوجه ليس جديدا على مجمع اللغة العربية بدمشق ، فقد سبق له أن أصدر مجموعة معاجم في المصطلحات العلمية والطبية، الأمر الذي ساهم بالمسيرة التعليمية، وعلى الأخص تعليم العلوم التجريبية من طب وهندسة... الخ، باللغة العربية.

كما أقام المجمع ندوة أخرى تصب في الموضوع نفسه تحت عنوان: حول منهجية موحدة لوضع المصطلح.

وبهذه المناسبة لا يفوتنا أن نذكر أن من بوادر اليقظة اللغوية والثقافية والمعرفية أيضا، التوجه صوب المصطلح كخيار لغوي وسمة حضارية، والبحث في منهجية التعامل معه، حيث عقدت ندوة في المغرب ، أو دورة علمية تدريبية للباحثين في التراث العربي الإسلامي، قام عليها معهد الدراسات الـمصطلحية في جـامـعـة سيدي محمد ابن عبد الله الفاسي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وشاركت فيها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، عرض فيها لمفهوم المنهجية، ومفهوم التراث، ومنهجية خدمة التراث، وتوظيف التراث، وتدريس النص التراثي، ونشرت أعمالها في مؤلف خاص صدر عن معهد الدراسات المصطلحية والمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

لقد بين أصحاب الخبرات الطويلة، في البحث اللغوي واللساني وتعليم العربية، أن أفضل طريقة لتعليم اللغة وأيسرها وأقربها إلى مسايرة الطبيعة هو خلق بيئة سماعية، تنطق فيها العربية الفصيحة بمفرداتها وتراكيبها وعباراتها الثرية المضامين والدلالات.. يقول الدكتور إبراهيم مصطفى وزملاؤه (تحرير النحو العربي، دار المعارف، مصر، 1958م) :

إن أفضل طريقة لتعليم اللغة وأيسرها وأقربها إلى مسايرة الطبيعة، هي أن نستمع إليها فنطيل الاستماع، ونحاول التحدث بها فنكثر المحاولة، ونكل إلى موهبة المحاكاة أن تؤدي عملها في تطويع اللغة وتملكها، وتيسير التصرف بها، وتلك سنة الحياة في اكتساب الأطفال لغاتهم من غير معاناة ولا إكراه ولا مشقة، فلو استطعنا أن نصنع هذه البيئة التي تنطلق فيها الألسن بلغة فصيحة صحيحة، نستمعها فتنطبع في نفوسنا، ونحاكيها فتجري بها ألسنتنا، إذا لملكنا اللغة من أيسر طرقها، ولمهد لنا كل صعب في طريقها .

ونعتقد أنه بإمكان وسائل الإعلام المتنوعة أن تكون معلمة للغة أيضا، وذلك بإسهامها في إيجاد هذه البيئة السماعية الفصيحة.. وبإمكان هذه البيئة، بيئة السماع والمشاهدة، إذا ما أحسن استثمارها وتوظيفها، أن تجعل اللغة العربية الفصيحة المعاصرة الميسرة السهلة لغة الإعلام، في كل فعالياته ومجالاته وبرامجه.

فالإعلام إذا كان بالمستوى المطلوب، لغة وأداء، يصبح مدرسة لتعليم اللغة.. ذلك أنه مع استمرار السماع ينضج الأسلوب والطريقة في الذهن، فتتولد المقدرة على المحاكاة، فيبدأ الإنسان في استخدام اللغة السليمة في حاجاته وأغراضه وأفكاره.

وهذا يعني أن وسائل الإعلام قادرة على تنمية الملكة اللغوية عند المتلقي، مما سوف يؤدي إلى الارتقاء بالإعلام نفسه، والتحول من لغة الأمية والجهل " العامية " إلى لغة العلم والحضارة " الفصحى " ، والارتقاء بالأداء، وبناء القاعدة اللغوية والثقافية المشتركة، الفصحى، وبذلك يشكل الإعلام، بكل عطائه، موقعا مساندا للعملية التعليمية والتربوية، ولا يتحول إلى وسيلة استلاب ثقافي متقدمة في داخل الأمة وجسرا لنقل (الآخر) بكل أحماله المقترنة بالكلمة والصورة.

ولا بد من الانتباه إلى التعبير بسائر أدواته، فالتعبير بالصورة سبيل إلى التعبير بالكلمة، ذلك أن الجمهور العام يستهلك الصورة الإعلامية أكثر من قدرته على استهلاك معانيها، ومن ثم ينتقل ذهنيا ولسانيا من المجسد إلى المجرد.

وبعد، فهذا الكتاب يمكن أن يعتبر إلى حد بعيد، محاولة لطرح الموضوع واستدعائه إلى ساحة الاهتمام، حسبها أنها لفتت النظر إلى قضية على غاية من الأهمية والخطورة، وهي لغة الإعلام، أو واقع العربية في وسائل الإعلام وسبل الارتقاء بها.

ذلك أن الإشكالية الكبيرة -فيما نرى- ليست باحتلال العامية الكثير من وسائل الإعلام، أو اللحن بالعربية وإشاعة اللحن في ألسنة وعقول المتلقين فقط -ولقد بدأت العامية بالتراجع أمام ارتفاع نسبة التعليم وانحسار الأمية- وإنما الإشكالية الأساس أيضا هي في اختيار المفردات اللغوية، والأسلوب المناسب، لأنواع الأوعية الإعلامية، من مقروءة ومسموعة ومرئية، ولطبيعة المادة الإعلامية، وفنون التعبير من خبر وتقرير واستطلاع ومقابلة وحوار وتعليق...الخ، وطبيعة المضامين الإعلامية، حيث يمتد الإعلام اليوم ليغطي جميع جوانب الحياة والمساحات الإنسانية.

فهناك الإعلام السياسي، والإعلام الاقتصادي، والإعلام الرياضي، والإعلام الثقافي، والإعلام الأدبي، والإعلام العلمي والطبي، والإعلام الاجتماعي... إلخ، ولكل من هذه الأجناس الإعلامية خصائصه ومتطلباته المعرفية، ومفرداته، ومصطلحاته اللغوية والعلمية، وأساليبه المؤثرة، التي تجمع بين مواصفات الخطاب العام والخطاب النوعي في آن واحد.

واللغة العربية، بما تمتلك من الإمكان والتنوع، والمترادفات، التي تشترك في معنى واحد، وتتمايز في الوقت نفسه لاختصاص كل مفردة بمعان خاصة بها، تلك الخصوصيات التي قد تغيب في مراحل العجز والتخلف اللغوي فلا تدرك الفروق اللغوية، مؤهلة لتغطية هذه المساحات جميعا.. ولو كنا في مستوى لغتنا وتقنيات عصرنا، لاستشعرنا بالواجب نحو اكتشاف آفاق للامتداد بثقافتنا وعقيدتنا ورؤيتنا الحضارية.

فالإشكالية ليست في استعمال العامية وفشو اللحن اللغوي فقط -كما أسلفنا- لأن هذا أمر قد يكون بسيط المعالجة، وإنما تلك الإشكالية المركبة ذات أبعاد أخرى، لا بد أن تتوفر عليها مجموعة اختصاصات معرفية -واللغوية في مقدمتها - للنظر فيها، وتطوير الأدوات لتتوازى مع تطور الإعلام، وبذلك يكون الإعلامي معلما ومعلما في الوقت نفسه.

والله الموفق.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث