الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي خلق لنا من أنفسنا أزواجا لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة، وجعل هذا الخلق والتكوين من الآيات الداعية للتفكير والتأمل،

فقال تعالى: ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (الـروم:21) ،

ذلك أن الأسرة كما جعلها الله وأراد لها أن تكون هي محل السكن والسكينة، والدفء الاجتماعي والنفسي، ووسيلة المودة والإيثار، وموطن الرحمة والتراحم والإحسان، والأرض المناسبة لزراعة بذور مستقبل حياة الإنسان السلوكية، وميدان التدريب على هذه المعاني الإنسانية الرفيعة، لتصبح سجية وخلقا.

فالعلاقات الأسرية، تشكل أساسا للعلاقات الاجتماعية الأوسـع مـدى، وركـائز أسـاسـية فـي العـلاقـات الإنسانية عامة، عـلى اعتـبار أن الإنسـانية بعمومـها منـحدرة من أسرة واحدة:

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) (النساء:1) ،

( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) (الروم:22) ،

ذلك أن اختلاف الألسن والألوان وتنوعها، هو الذي يشكل المحرك الاجتماعي للتـكامل والتعـاون ونـمو الـحياة، وامـتدادهـا وتـدافعها، حيث لا يمكن أن يكون الناس نسخة مكررة،

قال تعالى: ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) (هود:118-119) ،

وما هذا الاختلاف إلا آية اجتماعية، أو إن شئت فقل: سنة كبرى من سنن الاجتماع، تدعو للكثير من التفكير والتأمل في كيفية استيعابها والإفادة منها وبناء شبكة العلاقات الاجتماعية في ضوئها، وحسن التعامل معها، ووضع الخطط والبرامج لنمو الأسرة وامتدادها؛ لأنها سبيل السكينة النفسية التي بها سعادة الفرد، والرحمة والمودة التي تشكل الأسس النفسية لشبكة العلاقات الاجتماعية.

والتفكير في الأسرة وحمايتها، إنما يتطلب الكثير من التأمل والتخطيط لـجميع وسائل وأدوات التشكيل الثقافي والتربوي حتى لا تخرج عن جعل الله الذي أراده لها في فطرة الخلق، وحتى لا تتحول البيوت إلى حظائر لا يهمها إلا طعامها وشرابها ونكاحها، وتتحول المجتمعات إلى غابات، والاجتماع البشري إلى ساحة من الإباحية -باسم الحرية الشخصية والحقوق الإنسانية- هـي أشـبه بحـدائق الـحـيوان، حـيث أصـبح الكثير من أنـاسـي الـيـوم لا يبـصر إلا حقـه الذي لا حدود له، وغريزته التي لا يهمه إلا إشباعها، دون أن يفكر ولو للحظة في أبعاد مسئوليته وواجبه.. لقد غاب إنسان الواجب، إنسان الفطرة، المنتج، باني الحضارة، وراعي الأسرة، وبرز إنسان الحق، إنسان الغريزة، المستهلك للحضارة، المستهتر بالقيم، وهذا دليل الوهن الحضاري، حيث يسيطر حب الدينا (الاستهلاك) وكراهية الموت (الإنتاج) .

ولعل من أبرز سمات شخصية حضارة العصر غياب إنسان الفكرة، إنسان الإيمان، وبروز إنسان الغريزة، إنسان كفر النعمة، عديم المسئولية والشعور بالتبعة،

الأمر الذي يذكرنا بقوله تعالى: ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم القيامة ) (القيامة:5-6) .

والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الأب، والزوج، والصديق، والجار، والقريب، الذي تجسدت في سيرته القيم والمعاني الإسلامية، لتكون أنموذجا للحياة والعلاقات الأسريةالإنسانية جميعا.. وبعد:

فهذا كتاب الأمة الخامس والثمانون: «التفكك الأسري.. دعوة للمراجعة»، لمجموعة جديدة من الباحثين المتخصصين في التربية، والطب النفسي، والدراسات الاجتماعية والإنسانية، استمرارا منا في محاولة الإحاطة بموضوع التفكك الأسري، الذي كنا بدأنا به في نهجنا الجديد في سلسلة «كتاب الأمة».. وما كنا نرغب في كتابة تقديـم جـديد لهذا الكتاب، وإنـما نقـتصر على ما كتبناه من تقديم للكتاب الأول، على اعتبار أن هذه المساهمة تعتبر مكملة للسابق.. وما نقدمه لهذا الكتاب يمكن أن يأتي في إطار بعض الملاحظات التي لا تخلو من فائدة إن شاء الله.

فالتفكك الذي انتهت إليه الأسرة اليوم ينذر مجتمعات المسلمين بسوء العاقبة -والعياذ بالله- إن لم نستيقظ ونتدارك الأمر قبل فوات الأوان، ويتوفر على دراسته ومعالـجته ومتابعـته مجـموعـة من الـمـتخصصين في الشعب الـمعرفية المتنوعة والمتعددة، بعيدا عن الانحياز العاطفي والتفنـن في لائحة الواجبات دون وضع الكيفيات للاضطلاع بهذه الواجبات، ذلك أن الكثير من الـمشكلات الاجـتماعـية الـيوم هي مؤشر خلل في البناء الأسري.. وإذا فاتتنا مرحلة إقامة البناء الأسري على أسس سليمة، فسوف تصبح معالجاتنا جميعا هي معالجة للآثار المترتبة، وليس للأسباب المنشئة.

ونحب أن نؤكد هنا أن العملية التربوية هي عملية تدريجية تراكمية ممتدة، ولكل مرحلة عمرية وسائلها وأدواتها، وقد تكون الإشكالية الكبيرة أن الكثير من الإصابات تبقى خفية وعصية عن الإدراك، لعدم ظهورها في وقت مبكر للتنبه لبوادرها، وأن مرحلة ظهورها وبروزها قد لا تمكن من استردادها ومعالجتها، لفوات الأوان.. فقد ننظر للأمور ونتوهم أنها ساكنة هادئة تسير بشكل حسن، لكن لا تلبث أن تفاجئنا بانفجارات ومسالك يصعب استدراك أسبابها؛ لأنها أصبحت بعيدة عن قبضة يدنا.. فالعاقل الذي يعتبر بغيره، ويراقب المراحل والنتائج بدقة، ويتبصر بالعواقب، ويعود لفحص المقدمات والتأكد من سلامتها، والغافل الأحمق الذي يكون عبرة لغيره، ولا يفكر إلا بعد فوات الأوان.

ولا نرى بأسا في أن نعترف أن الفجوة ما تزال تتسع بين القيم الإسلامية والضوابط الشرعية وما أراده الله لجو الأسرة، من شيوع السكينة، والتمتع بالمودة والرحمة، وبين الواقع المحزن الذي صار إليه حال الأسرة المسلمة اليوم.. صحيح أن عمليات التحدي والاستفزاز والاستهداف ساهمت بقدر كبير من إيقاظ الوعي ومحاولات إعادة البناء، والتحول من صور الوراثة الاجتماعية التقليدية للقوالب الأسرية في اللباس والتعامل والعلاقات، الأمر الذي قد لا يخلو من إكراه وضغط اجتماعي، إلى نوع من الاختيار والاستمساك بالقيم الإسلامية عن قناعة، واستشعار أهميتها في تنظيم العلاقات الأسرية والإنسانية.

ولا بد من الاعتراف أيضا، أن الأسرة في عالم اليوم أصبحت أثرا تاريخيا بعد عين حاضرة وممتدة، وأن الاستهداف والجراءة يزحف على الواقع الاجتماعي بشكل ظاهر وخفي، ومقررات المؤتمرات، أو المؤامرات، تصاغ في غاية الخبث والذكاء والدهاء.. فمؤتمرات هنا ومعاهدات هناك، وجميعها تحاول التأكيد على أن شكل الأسرة هو نمط اجتماعي تاريخي وتقليدي يمكن تغييره.. وتطرح مصطلحات وعناوين قد توحي بالمضامين، وعناوين تتفنن في إخفاء المضامين، ومعظمها ظاهره فيه الرحمة والإنسانية وباطنه من قبله العذاب والشقاء والضياع.

والحقيقة أن الاستهداف يتمركز حول الأسرة المسلمة؛ لأنها الحصن الباقي، أو البقية الاجتماعية الباقية، بعد أن انتهت الأسرة في الحضارات الأخرى،وبعد أن احتلت موارد التشكيل التربوي والثقافي من المدارس والمناهج والنوادي ووسائل الإعلام، وملئ معظمها من قبل (الآخر) ، لعجز المسلمين وتخلفهم.. بل لعلنا نقول: إن كيود (الآخر) تـحاول اليوم أن تدخل إلى الأسرة من أكثر من منفذ، شاءت الأسرة أم أبت.. فإلى أي مدى يمكن أن ندرك الحال، ونفكر بكيفية التعامل معه، استجابة لقوله تعالى: ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (الروم:21) ؟

ذلك أن إحكام السيطرة والتحكم على عالم المسلمين يقتضي انحلال الأسرة المسلمة وتفكيكها؛ لأن الشواهد التاريخية دلت ولا تزال على أن التربية الأسرية هي الباقية، وهي القادرة على التجاوز واستئناف الفعل الاجتماعي، وهي القادرة على الاحتفاظ بالخمائر الاجتماعية وإعادة إفرازها في المجتمع في الوقت المناسب.. فكثيرة تلك القيم والأفكار التي التجأت إلى الأسرة، وكمنت وتحصنت فيها، وبمجرد أن أتيحت لها الفرصة استأنفت نشاطها، وكانت الأقوى.. فالأسرة هي المعقل الذي احتفظ بالقيم، ومن خلالها يتم النقل الاجتماعي، لذلك لا تتم السيطرة وإحكام الاختراق والهيمنة إلا باستهداف الأسرة، لأنها الوحدة الحضارية الأقـوى،

قـال تعالى: ( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) (القصص:4) .

لقد حاول فرعون تدمير الأسرة، وإلغاء دورها ورسالتها، والقضاء على إنتاجها، ضمانا لاستمرار فساده، ولكنه في العواقب النهائية أوتي من قبل الأسرة.

ومن هنا قد ندرك بعض أبعاد دور أم موسى وأخته وموسى الذي تربى في بيت فرعون، الأنـموذج المتصاعد في الظلم، ومن ثم كيف قوض حكم فرعون وخرج عليه من خلال القصر الذي عاش فيه.

وكيف أن الله أوحى إلى أخته لتقصه، وكيف رده إلى أمه كي تقر عينها، ولتعلم أن وعد الله حق، وأن نقل هذا الحق وتشربه إنما يتم مع امتصاص اللبن ونمو الجسم.. فالأسرة هي الأقدر على تنمية القيم، والاحتفاظ بها، والأقدر على التجاوز والاستئناف لكل حالات الظلم واليأس والفساد.

وقد يكون في قراءة النص القرآني، والتأمل في أبعاده مباشرة، ما يغني عن الكثير من الكلام في الموضوع،

قال تعالى: ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) (القصص:7-13) .

وهكذا ندرك أن الاعتداء على الأسرة، ومحاولة إلغاء رسالتها ودورها، لم يتوقف تاريخيا، ولكل عصر أساليبه، وليس قصة فرعون ، كأنموذج متصاعد للظلم الإنساني، في تقتيل الأبناء واستحياء النساء، إلا نافذة يمكن الإطلالة منها على دور الأسرة وقدرتها على الصمود، والأمل المتجدد في أداء وظيفتها، مهما اشتدت التحديات.. إنه الأمل الخالد، وذو الدلالة المستمرة على أن الاعتداء على سنة الله في الخلق، بالعمل على تدمير الأسرة، سوف يبوء بالفشل، وينقلب السحر على الساحر.

إن تذبيح الأبناء وتدمير الأسرة ما يزال مستمرا ولكن بأسلحة جديدة، من مثل سلاح التعليم والإعلام والثقافة ...إلخ.. فهل تعيد الأسرة اليوم التفكير برسالتها، وتطور وسائلها في التعامل مع هذه الأسلحة المصوبة إليها، وتستشعر التحدي، وتكون تلك الأسلحة المشرعة حافزا على العودة إلى الذات، والتشبث بالقيم الإسلامية، وتحقيق الانكسارات لهذه الأسلحة والسهام الموجهة، لتعود إلى صدور أصحابها؟

يقول الله تعالى: ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) (القصص:5-6) .

ولعل في فعل الاتحاد السوفيتي سابقا، ومحاولاته المتعددة لجعل الحياة، ابتداء من الأسرة، شيوعية منفلتة من كل الضوابط، حيث لم يدخر وسعا من بعثرة الأسرة، ونشر الإباحية، وخلط الأنساب، وجعلها لقضاء الشهوة الجنسية كانسكاب كأس الماء، وما تكـشف عنه الـحـال بـعد سـقوط الاتـحاد السوفيتي، خـير شاهد على استعصاء الأسرة عن التذويب والإلغاء، وقدرتها على التجاوز والاستئناف.

إن التوجه الذي ندعو إليه صوب الأسرة، ليس الاستمرار في الاكتفاء بالكلام عن أهميتها عن التفكير بكيفية رعايتها وحمايتها في ضوء التحديات المعاصرة، وتحديد هذه التحديات، ووضع الـخطط والـبرامـج الـمدروسة للتعامل معها، ومواجهتها وعدم الاكتفاء بالوسائل القديمة المكتسبة من التوارث الاجتماعي التي لم تعد تجدي مع تطور المواجهات، وتغير المجتمعات، وتغير الأسباب المنشئة للإشكالات الأسرية.

لقد تكلمنا وكتبنا وخطبنا كثيرا عن دور المرأة ومكانة الأسرة في الإسلام، وأسس اختيار الزوج والزوجة، وعن حقوق المرأة وحقوق الأبناء والآباء، وعظمة الإسلام، وتفرده عن سائر الأنظمة والشرائع- والحديث عما يجب أن يكون قد لا يدع استزادة لمستزيد- إلا أن التوجه صوب الأسرة ودراسة مشكلاتها، دراسة ماهو كائن، وتوفير التخصصات المطلوبة لذلك والتعرف على التحديات التي تواجهها، وتحديد تلك التحديات، وإصلاح الخلل الذي تعاني منه، وإبصار المستقبل الذي ينتظرها في ضوء التطورات والمتغيرات العالمية، فإن ذلك لم يحظ بالقدر المطلوب من الاهتمام بعد.

وقد يكون من الأولويات، محاولة استيعاب المؤتمرات التي تتابع شأن الأسرة، والتفكير بأدوات التعامل معها، وإبراز دور القيم الإسلامية في بناء الإنسانية السعيدة.. تلك المؤتمرات التي تعتبر الأسرة -كما أسلفنا- نمطا اجتماعيا يـمكن استبـداله وتغييره وإلـغاؤه، لتحل محله أنماط اجتماعية أخرى، من مثل المعاشرة بدون عقد، والزواج المثلي، والاعتراف بالشذوذ كثمرة للحرية الشخصية وحقوق الإنسان.

إن التفكير بهذه الصورة المشوهة التي تنتظر الأسرة، لم يحظ منا إلا بالقليل القليل، وقد لا ينفع معه الكلام عن عظمة القيم الإسلامية في بناء الأسرة، وبيان دورها ورسالتها، ذلك أن الكلام عن عظمة الإسلام لن يجدي فتيلا إذا لم يترافق بوضع الخطط والمناهج والبرامج لتنزيل هذه القيم على واقع الأسرة، وتوليد الحلول المرتكزة إلى تلك القيم لمشكلات الأسرة، والنظر في معالجة الأسباب، وكيفية تجنيب الأسرة هذه الإصابات، ورعاية عافيتها، لتقوم بدورها المأمول، وتثير الاقتداء في هذا العصر الرعيب.

إن الأسرة المسلمة اليوم انتهت إلى وضع محزن، لا يغري بالاتباع، ولا يثير الاقتداء، ويغلب عليها التقليد الهش الذي يمكن أن يؤهل إلى تقليد (الآخر) من كل الوجوه.

ولا بد من الاعتراف، أن اقتصار كلامنا عن عظمة القيم الإسلامية على حساب تنمية الأسرة، والارتقاء بها، وتطوير وسائل التربية والتعامل، أدى إلى الإصابات الأسرية البالغة، التي يأتي على رأسها التصدع الأسري، وغياب جو المودة والرحمة والدفء الاجتماعي،

والله تعالى يقول: ( قل هو من عند أنفسكم ) (آل عمران:165) ،

ويقـول تـعالى حـكاية عـن الشـيطان، سواء في ذلك شيطان الإنس أو الجن: ( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) (إبراهيم:22) .

لقد توقفت الأسرة المسلمة عن النمو والامتداد بالشكل المطلوب في إطار القيم الإسلامية، وتحولت إلى أشكال وألبسة وعلاقات متوارثة، ولم تعد تختلف عن غيرها في كثير من الأحيان إلا بالعناوين، بينما تلتصق بها وتتحد معها في المضامين.

إن غذاء الأسرة الثقافي والأدبي والإعلامي، وما أورثه من التقليد في الطعام والشراب واللباس والأزياء، ينتج في معظمه من (الآخر) ، وهو الذي بات يشكل ثقافة الأسرة، شيئا فشيئا.. فالأسرة المسلمة أصبحت إلى حد بعيد تشكل رجع الصدى (للآخر) ، فالتلفزيون (للآخر) ، والإنترنت له، والرواية له، والأزياء له، والطعام له، والسينما له، والمدرسة له، والكتاب له، والمنهج له، والمدرس له ...إلخ.

ولا يزال كثير من المهتمين بشأن الأسرة، من أصحاب النوايا الطيبة، مرابطين في المواقع القديمة والوسائل القديمة والأسباب القديمة، بعد أن انتهت مشكلاتها، دون القدرة على مواكبة المتغيرات والتعرف على المشكلات المعاصرة: أسبابها، وآثارها، وكيفية التعامل معها.. إنه الضرب بالحديد البارد، وطحن الماء، الذي يستنزف جهدا وطاقات بدون جدوى وعائد.. وقد يظن بعضنا أنه بهذا الضجيج وضرب الطبول على حدود الأسرة، دون الولوج إلى داخلها، يحسن بذلك صنعا.

إن الرجل الفاقد للمرجعية الشرعية، الجاهل بالعصر ومعطياته وتحولاته وتغيراته، لا يمكن أن يقود أسرة ويربي أولاده للعصر الذي يعيشون فيه.. وإن المرأة التي لا تمتلك الزاد الكافي من القيم الإسلامية، الجاهلة بالواقع الاجتماعي ومشكلاته وتحولاته، هي إمرأة فاشلة في تربية أولادها وإعدادهم للعصر الذي يعيشون فيه، ولو كانت طيبة حسنة الخلق والملبس.. ذلك أن الطيبة وحسن الخلق في حقيقته هو دافع للتحري والمعرفة لما هو أفضل، وليس سبيلا إلى العطالة والاستنقاع وفقدان القدرة والإرادة.

إن الآباء والأمهات الحريصين على تربية أولادهم بلا هدى ومعرفة، ويظنون أن من التربية حرمان الأطفال من طفولتهم وحاجاتها، ولا يدركون مراحل نـموهم، سوف يقعون بانتكاسات خطيرة في عملهم التربوي.. فلكل عمر حاجاته ومشكلاته وأزماته.

إن محاولة تركيب عقولنا على رءوس أولادنا رغبة في الارتقاء بهم، سوف لا يجعلهم كبارا قبل الأوان، بل إن كثرة شدهم إلى أعلى قد يقطع أوصالهم، ويوقف نموهم الطبيعي.

ويمكن أن نقول: إنه مع شديد الأسف أن الكثير من الذين يحملون شعارات وسمات إسلامية، من الرجال والنساء، وبسبب من جهلهم، لا يخرجون في معاملتهم مع أبنائهم وبناتهم وزوجاتهم وأزواجهم عن ثقافة المجتمع، فهم يمارسون أعمالا وتقاليد قد لا تمت للإسلام والقيم التي يحملونها بصلة.. فهم إذا دخلوا البيوت وضعوا ثيابهم الإسلامية على المشجب وراء الباب، ودخلوا على أسرهم بشخصيات أخرى تماما.. وهنا الكارثة التي تدمر الأولاد والنساء، بسبب تصرفنا، وتشككهم بصدق القيم التي ندعو إليها، وتؤدي إلى انحلال عرى الأسرة، وتدفعها إلى (الآخر) دفعا.

لذلك نرى أنه من المطلوب دائما مراجعة وسائلنا في التربية، التي ما زلنا نصر على تكرارها، حتى ولو فقدت جدواها، ذلك أن هذه الوسائل مرتبطة إلى حد بعيد باستيعاب العصر وتوجهاته، وانفتاح العالم ومؤثراته المتسارعة، التي قد لا تتيح للإنسان أن يلتقط أنفاسه.. لقد وصل الإنسان إلى مرحلة لا تمكنه من الرفض كسبيل للنجاة، ولا تسمح له بقبول كل الموارد لأنها تدمر حياته وأسرته، لذلك لا بديل لنا عن وضع دليل عمل للآباء والأبناء والزوجات والأزواج، وكيفية التعامل مع معطيات العصر وطوفانه.. لا بد من بناء سفينة النجاة والركوب فيها لتجاوز الطوفان، وأن الذي يأبى الركوب فيها سوف يكون مصيره الغرق، مهما حاول الصعود على العواصم من الماء.

فالهاجس الدائم لا بد أن يكون الاستمرار في النظر والاجتهاد التربوي والثقافي في كيفية تنزيل القيم الإسلامية على واقع الحياة وواقع الأسرة بشكل خاص، والتيقن بأن الفهوم والاجتهادات السابقة التي كانت ملائمة لعصرها، قابلة للنسخ والتجديد والتغيير، في ضوء تغير المجتمعات ومشكلاتها، وأن الجمود عليها انقطاع عن الحياة واستمرارها، وخروج من الحاضر والماضي والمستقبل؛ لأن الإنسان العاجز عن الاعتبار بالماضي ونقل عبرته لإصلاح الحاضر وإبصار المستقبل كمن لا ماضي له، وفي هذه الحال سوف يحدث الفراغ الذي لا بد أن يملأه (الآخر) .

وبعد:

فهذا الكتاب الثاني، الذي نقدمه في إطار دراسة ظاهرة «التفكك الأسري: أسبابها وآثارها والحلول المقترحة لها»، يعتبر إلى حد بعيد حلقة في السلسلة الممتدة، مكملة للكتاب الأول، وخطوة على الطريق الطويل، ورؤية من زوايا أخرى وتخصصات أخرى، واستدعاء لتجارب عملية وميدانية لرؤية المجتمع من الأبواب الخلفية، من العيادات النفسية، في محاولة لمعرفة إصابات الأسرة من الداخل.. فالعيادات النفسية هي التي تمتلك العين الاختصاصية لرؤية الحقيقة المرة والمآسي التي تعاني منها الأسرة، لسبب أو لآخر، وتحاول أن تنزع فتيل الكثير من الألغام الاجتماعية التي يمكن أن تودي بها، حيث ترى الحقيقة المجردة للكثير من الإصابات، وتكون قادرة على تشخيص المرض ووصف العلاج.

ولعل تزايد العيادات النفسية، من بعض الوجوه، مؤشر خطير وصوت النذير، ودليل على تزايد المشكلات والإصابات والأمراض الأسرية من جـانب، وفـساد القيم التي تقوم عليها العلاقات الأسرية المستوردة من (الآخر) وامتداده في حياتنا بـمشكلاته وعياداته من جـانب آخر.. ودليل على الفجوة الكبيرة بين القيم الإسلامية وواقع الأسرة المسلمة.

لذلك نقول: لعل من ميزة هذا الجزء من الملف، النظر للموضوع من واقع ميداني، إلى جانب الزوايا والمواقع التربوية والنفسية والاجتماعية الأخرى، مما يشكل إضافة مميزة.. والملف يبقى مفتوحا لمزيد من النظر والتشاور والاجتهاد والتقويم.. إنه موضوع ممتد امتداد الحياة، بكل تعقيداتها ومشكلاتها، لا يتوقف حتى يتوقف التاريخ وتنتهي الحياة على الأرض.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث