الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم بقلم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي جعل النفرة لطلب العلم والمعرفة والاجتهاد محاربة للجهل، وجهادا بلا شوكة، وسبيلا لمعالجة مشكلات الأمة المسلمة وفق منهج الله وشرعه، كالنفرة للجهاد في سبيل الله موجهة للتسلط والعدوان؛

فقال تعالى ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (التوبة:122) ،

وقال: ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) (التوبة:38) ،

وقال: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم ) (التوبة:41) ،

واعتبر التخلف والقعود عن النفرة والنفير العام لمواجهة العدوان مدعاة لسخط الله، وسببا لتسلط العدو على المسلمين وتقطيع أوصالهم واستبدالهم: ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ) (التوبة:39) ،

كما اعتبر عدم النفرة لطلب العلم والمعرفة وتوفير التخصصات المتعددة للتأهل للاجتهاد والتفقه بالدين تخلفا وسقوطا حضاريا.

ذلك أن عدم الإحاطة بعلم المشكلات والتداعيات، والتبصر بالعواقب، ووضع الخطط والحلول، ومغالبة قدر بقدر من قبل أهل الحل والعقد ، أو أهل الفقه والخبرة والتخصص، وتحذير المسلمين من الغفلة والقعود؛ مدعاة لحدوث الفراغ الذي يستدعي امتداد (الآخر) بتشريعاته وثقافته وأشيائه الاستهلاكية، التي تطبع الأمة بأخلاقه ومعاييره الحضارية. إن إدراك الأخطار واستشراف المستقبل من أهل الفقه والاختصاص، وتبصير الأمة، ووضع الأوعية الشرعية لحركتها، وإنذارها بسوء العاقبة إن هـي غفلت عن أسلحتها ولم تأخذ حذرها من أهم مهام النخبة والطائفة القائمة على الحق.

والصلاة والسلام على الذي شرع الاجتهاد، واعتبره من لوازم الرسالة الخاتمة؛ حيث توقفت النبوة، وتحقيق خلود الدين وقدرته على الاستجابة للمستجدات والتعامل مع مسيرة الحياة، وجعل الاجتهاد سبيل تجدد الأمة واستمرارها وديمومة حياتها، وسبيلها للتجديد والتجدد والنمو، كما شرع الجهاد، ( فقال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. ) (أخرجه أبو داود في الملاحم) ، ( وقال: «الجهاد ماض إلى يوم القيامة. ) (أخرجه أبو داود في: الجهاد.) وفي رواية للديلمي عن أنس : ( الجهاد ماض منذ بعثني الله تعالى إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. ) .

فالجهاد حماية للأمة من غدر العدو وتسـلطه، لا يمتلك أحد إيقافه أو إلغاءه.

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» التسعون والحادي والتسعون: «معالم تجديد المنهج الفقهي... أنموذج الشوكاني» للأستاذة: حليمة بوكروشة ، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة قطر؛ مساهمة في إعادة البناء، واكتشاف مواطن الخلل، وبيان أسباب القصور، وتحديد مواطن التقصير والعجز، التي أقعدت الأمة المسلمة عن الاضطلاع بدورها في إلحاق الرحمة بالعالمين، ومحاولة في ردم فجوة التخلف، ووصل ما انقطع، ومعاودة الرجوع إلى الأصول، والتلقي من الينابيع الأولى في الكتاب والسنة، ونفي نوابت السوء، وإزالة ما اعترى فهم النص من غبش وتجاوز، وتقويم الواقع بقيم الدين، وذلك في النظر إلى قضايا الواقع ومشكلاته وسبل معالجتها من خلال قيم الدين، والتعامل مع قيم الدين وتنـزيلها على الواقع من خلال المعاناة والمشكلات التي يعيشها المسلمون، أو بمعنى مختصر: النظر إلى القيم من خلال الواقع، ووضع خطط التنـزيل، والنظر إلى الواقع من خلال القيم وتحديد مواطن القصور وإدراك أسباب التقصير، ووضع خطط النهوض وفق سنة التدرج.

إن فقه الواقع بمشكلاته وقضاياه، والإحاطة بعلمه -إن صح التعبير- وتحديد مواطن الخلل، واستبصار أسباب القصور، والتعرف بدقة على الاستطاعات التي هـي مناط التكليف: ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) (البقرة:286) ،

وتوفير القناعة العقلية والاطمئنان الشرعي بأن الإسلام يبدأ مع الناس من الحالة التي هـم عليها هـو سبيل معاودة وإخراج الأمة، فإذا استفرغ الناس وسعهم بالاستجابة لقيم الدين فقد حققوا الإسلام المطلوب إليهم في هـذه الحالة، ثم يكون الترقي والارتقاء بمقدار الارتقاء بالاستطاعة حتى تستكمل جميع فروع التكاليف الشرعية، ويتقدم المجتمع صوب استكمال الإسلام بالتدرج وفق استطاعات الناس.

وحيث إن أقدار التدين لا تثبت على حال، كما هـو معلوم، بل تتفاوت علوا وهبوطا، وارتقاء ونكوصا، وهذه طبيعة الحياة، كما أن نمو الحياة وامتدادها واتصالها لا يتوقف، فلا يمكن أن يتوقف العقل المسلم عن الاجتهاد والنفرة الدائمة للكشف والإطلاع، ليتحقق الحذر والتحذير وإدراك النذر،

وبذلك نتحقق بقولـه تعالى: ( لعلهم يحذرون ) (التوبة:122) ،

مثلما أن استهداف الأمة دائب من أعدائها ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) (البقرة:217) ،

فجعل الجهاد ماض إلى يوم القيامة.

فالاجتهاد والتجديد مستمر، والجهاد وحماية الأمة ماض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وكما أن الجهاد وتطوير الشوكة والإعداد والاستعداد وإدراك نوايا العدو، وأخذ الحذر، وعدم الغفلة واسـتمرار الترقب هـو الهاجس الدائم، فإن توقفا أو إيقافا أو إصابة في أي من الوجهتين: الاجتهاد والجهاد، إيذان بالسقوط، وعطالة عن النمو، وتربص حتى يأتي الله بأمره.

وهنا قضية طالما أشرنا إليها وحاولنا استدعاء الاهتمام بها، ليس على المستوى الفكري -على ضرورة ذلك وأهميته- وإنما على مستوى الفكر والفعل معا: النظر، والممارسة. وهي: إن عملية الاجتهاد المطـلوبة للأمة لا تقتصر في مداها وأبعادها على استنباط الحكم التشريعي والعبادي، شأن الواقع في الآفاق الاجتهادية التي وضعت لذلك منهجا اصطلح على تسميته بـ: علم أصول الفقه، وجعلت ميدانه أو موضوعه آيات وأحاديث الأحكام، تلك الآيات التي لم تتجاوز على أحسن الأحوال الخمسمائة آية، مع ما ورد في بيانها النبوي، أما ما وراء ذلك من الآيات والأحاديث التي عرضت لجميع جوانب الحياة وغطت المساحات الإنسانية جميعا فلم تكن موضوع اجتهاد، وكأنه لا حكم لها.

وقد يكون صحيحا: إنه لا حكم تشريعي أو عبادي فيها. وإنما هـناك مخزون من الرؤى والأفكار والأحكام والقوانين والسنن، ومناهج النظر في التربية والاجتماع والتاريخ والسياسة والتنمية والدعوة والدولة تقتضي ديمومة النظر والاجتهاد والاستنباط الممتد امتداد الحياة وتشعبها؛ لتحقيق خلود الإسلام، وإثبات قدرته على النمو والامتداد بالأمة، ووضع الأوعية الشرعية لحركتها على كل المستويات، والاستجابة لكل المتغيرات والمستجدات، وتحريك العقول الإسلامية للتفكير والنظر في كل شيء، وتوفير التخصصات اللازمة له.

أما اقتصار الاجتهاد والنظر على آيات الأحكام وبيانها من الهدي النبوي، فمهما توفر له من الإمكانات والمؤهلات ومحاولات التجديد والتجدد فإنه يبقى محدودا أو محكوما بأطر ومناهج الاجتهادات السابقة، التي قد لا تكون تركت استزادة لمستزيد، اللهم إلا مقارنتها والترجيح بينها.

ولعلنا نقول هـنا: إن هـذا التصور عن ساحة الاجتهاد وأدواته (علم أصول الفقه) ، وميدانه وموضوعه، هـو الذي أدى ببعض العلماء إلى القول: إن السابقين لم يدعوا للاحقين شيئا. فكان ثمرة ذلك الطبيعية إغلاق باب الاجتهاد، تلك المقولة التي حاصرت العقل، وأعجزته عن النظر. وفعلا مهما تطورت وتغيرت الحياة فميدان التغيير أو الإبداع في الحكم العبادي أو التشريعي يبقى محدودا.

لذلك فإن الأنشطة الذهنية في هـذا المجال -إن وجدت- فهي إنما تدور في نطاق فكر سابق لا تستطيع الانفكاك عـنه؛ لا موضوعيا ولا معرفيا ولا منهجيا، وعلى أحسن الأحوال تنصرف الجهود إلى المقارنة بين فقه وفقه، بين نقل وترجيح، الأمر الذي سوف لا يؤدي في نهاية المطاف لأي جديد أو إضافة جديدة، لذلك يبدو الاجتهاد متوقفا، رغم المحاولات التي تقوم بها بعض الجامعات والمعاهد والكليات الشرعية، بحيث تتحول العمليات العلمية والفكرية والذهنية إلى الشحن من السابق والتفريغ عند اللاحق.

لقد كان من الطبيعي -والحال هـذه- أن يفكر بعض المجتهدين في إغلاق باب الاجتهاد، أو أن ذلك جاء نتيجة وثمرة طبيعية لواقع الاجتهاد والحالة الذهنية التي تحكم الناس، وغلبة التقليد، وغياب التجديد والإبداع، والنطاق الذي يدور ضمنه الاجتهاد، إضافة إلى وجود العبث أحيانا بالأحكام، وولوج الساحة ممن يحسن ذلك ومن لا يحسن. وعلى العموم فما وصل إليه السابقون من النظر والإبداع والاجتهاد فـي هـذا المجـال لم يدع استزادة لمستزيد، حيث اجتهدوا في النص من كل جوانبه، ووصل الاجتهاد لاستيعاب جميع مراتب الحكم الشرعي، فانتفت الحاجة للاجتهاد والتجديد في هـذا الميدان؛ سواء على مستوى المنهج وعلم الاستنباط، أو على مستوى المنتج والحكم التشريعي أو العبادي، وانحسر الفقه وانحصر في هـذا الميدان. ونحن هـنا لا نقلل من أهمية هـذا العطاء العظيم، وإنما هـي قراءة للحالة ومحاولة للتعرف على السبب.

وعلى الرغم من قناعتنا جميعا بأن الإسلام دين شامل لجميع جوانب الحياة؛ ومنها الجانب التشريعي والعبادي، بالمفهوم الاصطلاحي، وأن ذلك الشمول يقتضي اجتهادا في جميع مناحي الحياة، ويقتضي مناهج وعلوما وأصولا وقواعد للنظر، وأن هـذه القواعد ليست جامدة، كما أنها ليست نصوصا مقدسة، وإنما هـي أدوات اجتهادية تمكن من النظر والاستنباط، وأنها بذاتها لا تخرج عن كونها اجتهادا قابلا للنظر والتجديد والتعديل والإضافة والإلغاء، وعلى الأخص إذا امتد بها إلى ميادين أخرى غير الميدان العبادي والتشريعي، حيث أدت المناهج التي وضعها أسلافنا الهدف المنوط بها في هـذا المجال، وأن التطور والتغيير في ذلك يبقى ضئيلا وبطيئا، إن وجد، ولا شك أن هـذه المناهج والأصول اختبرت عمليا وأنتجت.

أما إذا فـكرنا في الامتداد بالنظر والاجتهاد إلى ميادين الحياة المتعددة من العلوم الاجتماعية والإنسانية والشعب المعرفية الأخرى، فالأمر يخـتلف تماما؛ بحيث يكون الاجتهاد من الفروض العينية والكفائية معا -فيما نرى- ويكون تطوير المناهج ووضع علم أصول تربوي واجتماعي وسياسي ومالي -على غرار علم أصول الفقه التشريعي- في مجالات الحياة المتعددة تكليفا دينيا شرعيا.

فليس التجديد هـو فقط إعادة معايرة الواقع العبادي والتشريعي بقيم الكتاب والسنة، والعودة إلى الينابيع الأولى، وطرح ما بلي، وإزاحة ما لحق من التقاليد والرواسب، وإبراز الوجه السليم الذي يبدو جديدا على الواقع الذي تحكمه التقاليد والاجتهادات وتغيب عنه التعاليم والقيم والنصوص؛ كما أنه ليس نفيا للبدع واجتثاثا لنوابت السوء فقط، على أهمية ذلك وضرورته؛ لأنه به بناء الإنسان وتصويب مسيرته وتنقية عبادته؛ لينتج حضارة إسلامية وعطاء متميزا، وإنما التجديد هـو توجه صوب قضايا الحياة والإنسان، ومشكلاتها ومتغيراتها، والاجتهاد في وضع الأحكام والرؤى الشرعية الجديدة لها.

وهنا نقول: قد يكون من الضروري القيام بالمراجعة والاختبار لواقع ومدى الكثير من المصطلحات في ضوء البعد الزماني، والعودة بالفقه إلى مدلوله العام من الفهم والوعي والاستبصار، وإدراك السنن التي تحكم الحياة والأحياء، وتوفير التخصصات المطلوبة في جميع فروع المعرفة، ووضع الضوابط والمناهج وعلم الأصول، مع الاحتفاظ بالمدلول الاصطلاحي، وهو استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الكتاب والسنة، ووضع علم أصول للعلوم جميعا، وفتح الباب للنظر والاجتهاد الفكري والفقهي، وعدم الخوف مما يمكن أن يكون من نظر وفكر غثائي؛ لأنه يحمل عناصر فنائه بنفسه، ولا يصح إلا الصحيح في نهاية المطاف.

ومن هـنا ندرك خطورة إغلاق باب الاجتهاد، على الرغم من أنه اجتهاد من حيث الأصل؛ لأنه إيقاف للعقل، ومحاصرة للخلود والامتداد، وتمكين لامتداد (الآخر) ليملأ حياتنا الثقافية.

إن التيبس والجمود والتوقف؛ سواء على مستوى المنهج الذي هـو اجتهاد في الأصل، أو على مستوى المنتج لهذا المنهج ليس من الإسلام وحيويته وخلوده وشموله وامتداده في شيء، كما أن التجديد والتجدد صفة ملازمة للحياة، وسنة من سنن الله في الكون، على مستوى الإنسان وتطور عقله وأحواله أو على مستوى أشيائه ومحيطه. وأقل ما يقال في إغلاق باب الاجتهاد والتجديد، وإضافة إلى ما سبق: إنه إخراج للإسلام من الحياة، وإدخال له في بطن التاريخ، والحكم بعجزه، وادعاء المعرفة بالمصلحة والمفسدة، وتقلبات الزمان أكثر ممن أنزل القرآن والبيان النبوي خالدا.

إن التجديد هـو الروح السارية التي تحفظ الحياة والحركة وتؤذن بنموها، لذلك كان التجديد إخبارا من الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام -من جانب- وتكليفا من جانب آخر: ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. ) ، حيث لا بد لنا أن نستشعر ضرورة الاجتهاد للتجديد والامتداد والنمو، إذا وعينا أن الإسلام لا بد أن يتقدم ويعطي رأيه في جميع مساحات الحياة، ولا يقتصر على الاجتهاد في موضوع الحكم التشريعي والعبادي، كما أسلفنا.

وقد يكون التأمل في قوله تعالى: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) (النساء:83)

ضروريا لإبصار بعض الملامح الضرورية، والبيان الشامل والشافي للمدى المطلوب له الاجتهاد والاستنباط، فأمور السلم والحرب والعدل والظلم التي وردت في الآية تعتبر من أخطر قضايا السياسة والاجتماع والعلاقات الدولية والإقليمية، وهي بطبيعتها وطبيعة تعقيدها وتداخلها ووسائلها، وأدوات النظر فيها، والمناهج التي تمكن من النظر فيها تتطلب درجات عالية من التخصص والخبرة والتضلع بشعب المعرفة السياسية والثقافية، وعلم السنن وقوانين الحركة الاجتماعية والتاريخية، وأن النظر والاجتهاد فيها يتطلب مرجعية شرعية واضحة نلمحها فـي قوله تعالى: ( ولو ردوه إلى الرسول ) ، كما يتطلب متخصصين متمرسين في العلوم المطلوبة لكل قضية مطروحة، فهم ولاة أمر النظر فيها ( وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ، وليس الحكام والساسة.

ولا يغرب عن البال أن قضايا السياسة والأمن والخوف قضايا مستمرة متجددة، تتطلب النفرة المستمرة للتفقه في الدين، وتخليص الناس من الإذاعة بها، التي تعني ضلال السعي وغياب الوعي لجماهير الأمة. وإذا لم يتول أولو الأمر الاجتهاد ووضع الأوعية الشرعية الرشيدة فسوف تستمر الإذاعة والإشاعة والضلال، فكيف يسوغ إذن التوقف وإغلاق الاجتهاد والتجديد ومحاصرة الإسلام بزمن وفترة تاريخية؟

وقضية أخرى قد يكون من المفيد الإشارة إليها وهي: إن قضية التجدد والتجديد والإصلاح والنهوض والتنمية -على تنوع المصطلحات الدالة على التوجه صوب الهدف المطلوب- هـي قضية مركبة متداخلة شاملة وليست جزئية، ذلك أنه لا يمكن أن يتصور ابتداء أن يتجاور التقدم في جانب والتخلف في جانب آخر، وأن تتجاور التنمية والجمود، وأن يتجاور التجديد والتقليد، وإنما عملية التنمية عملية شاملة، ومناخ عام، ونظام حياة، واجتهادات متوازية ومتوازنة، ونسب منضبطة في مجالات الحياة جميعا، لذلك تستدعي النفرة الشاملة.

لذلك فإن أية محاولات للتجديد الجزئي إذا لم تتعاضد وتتساند مع غيرها تبق قاصرة وعاجزة عن التغيير وفتح مجرى عام في حياة الأمة، وتبق مجرد جداول بسيطة محاصرة بمناخ التخلف والتقليد والجمود، فاليد المتحركة لا تؤدي وظيفتها تماما في الجسم المشلول.

إن التجديد روح تسري في جسم الأمة جميعا، تؤذن بحراكه، وتشحذ هـمته، وتجمع طاقته، وتحرض هـواجس التغيير والسعي للتجديد في مناهج النظر والاجتهاد ومنتجاتها على مستوى الأمة.

وعلى العموم، تبقى صيحات الاجتهاد والتجديد وتقديم نماذج تشكل بوارق أمل على أن الأمة ما تزال تحس بمشكلاتها، والحس هـو أول الطريق للتأهل للإدراك والاجتهاد والاستنباط.

وهذا الكتاب يعتبر جولة فكرية فقهية ثقافية، ومحاولة جادة علمية، أو أكاديمية، للنظر والاستقراء والمقارنة والمراجعة لعلم من أعلام التجديد فـي مناهج الفـقه، وهو الإمام المجتهد المجدد محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، الذي استطاع إلى حد بعيد تحريك العقول واختراق الحواجز النفسية لثقافة التقليد والجمود، وتقديم عطاءات متميزة؛ سواء على مستوى المنهج الأصولي أو المنتج الفقهي والفكري لهذا المنهج، الأمر الذي أتاح الفرصة أمام الباحثة لعرض الكثير من وجهات النظر النقدية الأخرى للمنهج، وتقديم مسح شبه كامل لأبرز اتجاهاتـها، ومحاولة الـكشف عما اعترى بعضها من الالتباس والخلط، وعلى الأخص عندما حاول استعارة بعض المناهج من الشعب المعرفية الأخرى في ميدان العلوم الاجتماعية، غير النضيجة أو المستقرة، لتنـزيلها على مناهج علم الأصول، علما بأن لكل شعبة من شعب المعرفة في العلوم الاجتماعية والإنسانية أدواتها ومناهجها، وإن تجاورت وتداخلت في بعض الأحيان.

وتبقى المشكلة أو الإشكالية الأساس في الحاجة إلى التجاوز في استخدام المنهج والأدوات المعرفية نفسها؛ للانطلاق بها أو تعديلها، ذلك أن الأخذ والرد الذي لا يخرج عن دائرة النظر سوف ينتهي إلى نوع من القواعد المجردة بعيدا عن الإنتاج والتنـزيل، على فوائد ذلك، إلا أنه يبقى قليل الجدوى؛ لأنه يتمحور حول مسلمات اجتهادية قد لا تكون مسلمات في الحقيقة.

وعلى أهمية المنهج في ضبط المسيرة العلمية أو المعرفية فلا يجوز أن تقودنا هـذه الأهمية إلى الانحصار في الحديث في علم المنهج عن ممارسته في الميدان العملي، الذي يعتبر المختبر الميداني للمنهج وسلامته ودقته، فالنقد ما يزال يتحرك ضمن الساحة النظرية بأقدار متفاوتة، لكن بأدوات ورؤى نظرية أيضا، شأن المناخ الشائع الذي يحكم ذهننا الثقافي عامة؛ وهو صرف الجهود إلى إثبات النص وعدم التفكير بأقدار كافية في كيفية إعماله في حياة الناس.

ويمكن القـول: إن التوجه صوب دراسة حـركات التجـديد والإصلاح ومناهجها، وإعادة تقويمها ونقدها، وبيان الإصابات التي لحقتها؛ ليكون ذلك بيانا وهدى وموعظة ووقايـة وإغراء بالتجـديد والاجتهاد أمر يبشر بالخير، وبمستقبل واعد لحركة الوعي الإسـلامي المعاصر في حراكها العلمي والمعرفي.

والباحثة اختارت هـذا الموضوع المنهجي لبحثها، أو البحث في المنهج، على دقته وصعوبة الإحاطة به والتعامل معه، وركبت الصعب، واستطاعت أن تتقدم به خطوات طيبة، الأمر الذي يتطلب صبرا ومتابعة ودراسة من القارئ؛ لأن كتب المنهجيات تساهم إلى حد بعيد بتكوين الملكات، وتشكيل القدرات على النظر، والترجيح والمقارنة والمقايسـة؛ لأنها تمرن الذهن، وتربـي العقل، وتـمنح الشجاعة في التناول، وتتجاوز الركود والتقليد.

ونظرا لأهمية الكتاب، وطبيعة موضوعه، آثرنا إصداره متكاملا، على الرغم من أنه استغرق مساحة إصدارين من «كتاب الأمة».

والله هـو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث