الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الأكرم، كرم الإنسان بمجرد خلقه كإنسان،

فقال تعالى: ( ولقد كرمنا بني آدم ) (الإسـراء:70) ،

ومنحه الإرادة وحرية الاختيار والاعتقاد، أراد له أن يريد، وجعله مسئولا عن اختياره، فالمسئولية فرع الحرية، وزوده بالعقل وأهله للمعرفة، وهداه النجدين، طريق الخير وطريق الشر، بمعالم وأدلة واضحة بارزة، واعتبر الإكراه والإجبار حطا من كرامة الإنسان وانتقاصا من إنسانيته،

فقال تعالى: ( لا إكراه في الدين ) (البقرة:256 ) ،

- ( وما أنت عليهم بجبار ) (ق:45) ،

- ( لست عليهم بمصيطر ) (الغاشية:22) ،

ذلك أن حرية التدين، أو اختيار الدين، يعتبر من أرقى أنواع الحرية والاختيار وأعلاها وأسماها، لذلك فالإكراه على الدين يناقض كرامة الإنسان من جانب، كما يناقض قيم الدين ونصوصه من جانب آخر، فحرية التدين قيمة أساس في المجتمع الإسلامي، وعدم الإكراه والقبول بصاحب الخيار والمعتقد (الآخر) هـو استجابة لأوامر الدين والتزام بقيمه،

قال تعالى مخاطبا المؤمنين به: ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ،

فالمطلوب إليهم هـو بيان الرشد من الغي وترك الحرية للناس، [ ص: 5 ] فالإكراه يضع أقنعة مزيفة ولا يحقق قناعة، ويخلق إنسانا مزيفا منقوص الإنسانية، ويزيد من مساحة النفاق والمنافقين.

وقضية عدم الإكراه، كانت حقيقة قائمة ومسلمة من المسلمات في الواقع الإسلامي، كما أنها إحدى القيم الرئيسة في القرآن والسنة، ولم تكن شعارا مثاليا بعيدا عن التجلي والتمثل والتجسيد في الواقع؛ لم تكن شعارا للمفاخرة، لأن انتقاصها يعني معصية وعصيانا لله وانتقاصا للتدين وإثما وعدم التزام بتعاليم الدين، والالتزام بها طاعة لله وثواب على هـذه الطاعة.

وفي ضوء ذلك نقول: لا يمكن اختزال الإسلام وتاريخه وحضارته وقيمه ببعض الممارسـات الشاذة والمبعثرة هـنا وهناك، التي تمارس الإكراه، أو ببعض الاجتهادات المحزنة التي تفلسف الإكراه باسم الغيرة على الدين؛ لأنـها تناقض إرادة الله كرامة الإنسان

( ولقد كرمنا بني آدم ) ،

كما أنها تناقض تعاليم الوحي: ( لا إكراه في الدين ) .

ذلك أن المطلوب من المسلم، أو رسالة المسلم تتمثل في السعي الدائب لبيان الرشد والإغراء به وبيان الغي والتنفير منه، أما الخيار النهائي فهو للإنسان، فإلغاء الخيار هـو إلغاء لإنسانية الإنسان، وإسقاط لكرامته التي قررها الخالق -كما أسلفنا- حتى الجهاد والمجاهدة في الإسلام إنما شرع لدرء الفتنة وممارسة الإكراه،

قال تعالى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) (البقرة:193) ،

والفتنة في أدق مدلولاتها ومفهوماتها: إكراه الإنسان ومنعه من حقه في حرية الاختيار، وفي ذلك إعدام لإنسانيته، وهي أكبر من قتله [ ص: 6 ] وإنهاء حياته ( والفتنة أكبر من القتل ) (البقرة:217) ،

لذلك قرر الفقهاء أن القتال إنما يكون للحرابة والظلم والبغي -لا مجرد عدم الإيمان بالإسلام- وتحرير الناس من الطغيان والفتنة، واسترداد إنسانية الإنسان، وتحقيق حرية الاختيار، وتأمين المناخ للدعوة وإزالة العقبات عن طريق بيان الرشد من الغي.

والصلاة والسلام على الرسول محل التأسي والاقتداء،

يقول تعالى: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) (الأحزاب:21) ،

الذي كانت حياته وسيرته، فعله وقوله، تجسيدا وتجليا واقعيا وبيانا عمليا لقيم القرآن، وكيفية التعامل معها، وتنـزيلها على واقع الناس، لتبقى على الزمن، وسيلة إيضاح ومصدر تشريع واستلهام لمسيرة الحياة وتصويب لها حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ فهو محل التأسي والاقتداء؛ لأن الله سدده بالوحي، وأيده به، وعصمه من الخطأ، وبعثه رحمة للعالمين، ليكون أنموذجا للاقتداء،

فقال تعالى: ( لست عليهم بمصيطر ) ،

وقال: ( وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ) (الأنعام:104) ،

وقال: ( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) (ق:45) .

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» العاشر بعد المائة: «وثيقة المدينة.. المضمون والدلالة»، للأستاذ أحمد قائد محمد الشعيبـي، في سلسلة «كتاب الأمة» [ ص: 7 ] التي يصدرها مركز البحوث الدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة قطر، في محاولته معاودة إخراج الأمة المسلمة، واسترداد خيريتها، وتمكينها من الاضطلاع برسالتها في إيصال عطاء الوحي للناس جميعا، وتحقيق كرامة الإنسان في توفير حرية الاختيار والمعتقد، وإلحاق الرحمة بالعالمين، في إشاعة العدل ومدافعة الظلم والفساد والعدوان، والإقرار بسنة التنوع، والاعتراف بحقيقة الاختلاف بين البشر، وأن لكل وجهة هـو موليها، وإبراز القيم القرآنية، وبيان دورها في تأسيس وتأصيل المشترك الإنساني، والتركيز على القواسم المشتركة بين بني البشر، والتحول من هـدر الطاقات والجهود في الحروب والنـزاعات إلى تأسيس وتأصيل ثقافة التعايش والتفاهم والتعاون والحوار انطلاقا من قوله تعالى:

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) (الحجرات:13) ،

بحيث يتحول التنوع والاختلاف من نقمة إلى نعمة، وعطاء، وإغناء للمسيرة الإنسانية، ذلك أن الناس منحدرون من أصل واحد، وأن سنة التنوع هـي سنة الخلق، وأن الاختلاف المناخي والجغرافي والديمغرافي والقومي والعرقي والديني هـو الطريق إلى التعاون والتكامل والتعارف والتحاور والتعايش، إذ يستحيل عقلا وواقعا أن يكون البشر بطبائعهم نسخة مكررة عن بعضهم، عندها تستحيل الحياة، وتتعطل الإرادات، ويتوقف العمران

( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ) (هود:118) . [ ص: 8 ]

وقد يكون من الأولويات المطـلوبة اليوم، في إطار المسـألة الفكرية أو المسألة الثقافية بشكل عام فتح باب الاجتهاد والتجديد على مصراعيه، بعد هـذا التبعثر والشتات وتفريق الدين (تفرق التدين أو الرؤية البشرية في التعامل مع القيم) وتفرق الأمة إلى أمم وطوائف وأميمات، حتى على مستوى (الذات) ، وقيام الحواجز النفسية والجدران السميكة وضمور القاعدة المشتركة والافتقار إلى الأبجدية الصحيحة لقراءة الواقع وكيفية التعامل مع (الذات) و (الآخر) ، حيث أصبح لكل أبجديته ورؤيته، بل لعلنا نستطيع أن نقول: لقد أصبح لكل فهمه، قرآنه وسنته، حيث غاب عن الساحة، أو كاد، القدر المطلوب من العلماء العدول، الذين يضطلعون بمهمة التصويب وبيان الأمر الجامع، وتسديد مسيرة الأمة، ونفي الغلو والتحريف والتأويل لقيم الكتاب والسنة، الذين يعتبرون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هـذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين ) (أخرجه البيهقي ) ، تكليفا ومسئولية وتجديدا، وليس إخبارا فقط.

ذلك أن ديمومة الاجتهاد والتجديد والتجدد، في ضوء المتغيرات المستمرة، هـو الروح السارية في الأمة، والإيقاف لهذه الروح يعني الموت والتشرذم والتقطع وانطفاء الفاعلية، والسقوط في فخاخ التقليد والجمود والغيبوبة الحضارية، وأولا وقبل كل شيء عدم استشعار المسئولية الشرعية التقصيرية أمام الله سبحانه وتعالى.

إن الواقع المتغير في كل لحظة، ولا أقول كل يوم أو شهر، وهذا التسارع على مستوى (الذات) و (الآخر) ، وما نلاحظه من طي مسافة [ ص: 9 ] الزمان والمكان، وسقوط الحدود والسدود، يتطلب التجديد في الرؤية، والاجتهاد في استمرار تنـزيل القيم الإسلامية على الواقع المتغير، وحسن التقدير للمستجدات: ( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار ) (أخرجه الترمذي )

إن المفاعلة الداخلية بين عناصر الأمة، في مستوياتها المتعددة والمتنوعة، أو التفاعل والفاعلية على مستوى (الذات) و (الآخر) ، سوف يدخلها ويداخلها الكثير من اجتهادات يدفع إليها التغيير والتسارع والتحديات، وسوف تحمل الغث والسمين، الأمر الذي يتطلب اليقظة الدائمة والوعي المحيط الذي يثمر استمرار النقد والغربلة والتقويم بقيم الكتاب والسنة، الأمر المنوط بالعلماء العدول، الذين يؤطرون المسيرة ويعيدون الأمر إلى نصابه، ذلك أن قضية إيقاف الاجتهاد والإنتاج الفكري والانسحاب من السـاحة لم يعد أمرا اختياريا، فالعملية الفكرية تأبى بطبيعتها أن تلغى أو توقف بقرار إداري أو بقوة قسرية، وإنما تبنى وتتجدد بالعمل على إعادة بناء جسم الأمة ونسيجها الفكري والثقافي من قبل العلماء العدول، الذين يحمون روحها، ويعالجون إصاباتها، ويضمنون استمرار فاعليتها، ويضعون الأوعية الشرعية لحركتها، ويكسرون قيود الجمود والتقليد أو الجنوح والمغالاة والفهوم السقيمة والتحريفات المغرضة والفتاوى الرخيصة.

إن بناء رؤية ثقافية قادرة على تجديد قراءة القيم في الكتاب والسنة بأبجدية صحيحة، من خلال فقه الواقع، بكل مكوناته واستطاعاته وعلاقاته، [ ص: 10 ] وتفاعلاته على مستوى (الذات) و (الآخر) ، أصبحت من الضروريات الشرعية، تلك القراء التي تكون قادرة أيضا على تحديد مواطن الإصابة، والتعرف إلى أسبابها من خلال قيم ومعايير الكتاب والسنة، واستيعاب التراث الفكري للمسلمين في كيفية التعامل معها، وما لحق بذلك من الخطأ والصواب في هـذا التاريخ الطويل، ومن ثم تحديد الموقع الصحيح والتكليف الشرعي والحكم الملائم والمناسب للتعامل مع هـذا الواقع، في ضوء الاستطاعات المتوفرة والظروف المحيطة، بعيدا عن الأمنيات التي تستدعي الكثير من المجازفات وتنتهي بهدر الطاقات، وبذلك تزداد الأمة تخلفا وتراجعا وعجزا عن توظيف إمكاناتها إن لم نقل تنميتها والارتقاء بها لتحقيق قدر أكبر من العطاء.

فإذا عرفنا أو فقهنا حدود التكليف المنوط بالوسع والاسـتطاعة، وأنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، استوينا على الطريق السليم والإنجاز المقدور، واسترددنا حالة التوازن وانضباط النسب في بناء العمل والاطمئنان إلى استمراره، وعدم الوقوع في المجازفات ودخول المعارك غير المحسوبة والسقوط فريسة لذهنية الاستسهال، أو ذهنية الاستحالة في المقابل.

إن فقه الواقع، والتعرف إلى مكوناته واستطاعاته، والمقارنة بينه وبين مسيرة التاريخ والتراث الغني لهذه الأمة، لا يتحقق من خلال ذهنية الـخطب والتحشيد الكلامي، أو بعض المجازفات التي يعتذر لها بالنوايا الحسنة، وإنما من خلال الخبرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية... إلخ. [ ص: 11 ] لقد أصبحـت هـناك علوم وتخصـصات في هـذه الشعب المعرفية لقياس الواقع، ورصد تحولاته، وتحليل مكوناته، وتحديد إصاباته، والتنبوء بمستقبله، إضافة إلى الخبرات الميدانية، التي تأتي ثمرة للتجربة والملاحظة والخطأ،

والله تعالى يقول: ( ولا ينبئك مثل خبير ) (فاطر:14) ،

وقوله: ( فاسأل به خبيرا ) (الفرقان:59) .

وقد تكون الإشكالية في ثقافتنا اليوم، ليس غياب المعرفة والتخصص وعدم تقدير أهميتها، وإنما غياب أدب المعرفة أيضا، والتطاول على ما نحسن وما لا نحسن، وادعاء الخبرة والعلم.

الإشكالية تتمثل في أن الخلل الثقافي الذي نعاني منه، وغياب المعايير والرؤية الجامعة، يسمح بنبات وامتداد الكثير من الغش والاعوجاج في حياتنا الثقافية، والتعميم، أو التعامل العامي، مع الأشياء والأشخاص والأفكار، واختلال الرؤية، حتى الذي قد يبدع في شيء يصبح عندنا مؤهل لكل شيء، دون حواجز أو معايير (!)

إن المطلوب اليوم: بناء رؤية ثقافية صارمة قادرة على النقد والتقويم والمراجعة والمقارنة والمقاربة، تعيد تشكيل ذهنيتنا الجمعية، وتعيد الاعتبار للقيم والمعايير، التي تمكننا من اختبار الأشياء، وتحديد وفرز ما نعرف منها وما ننكر، توقف هـذا التضليل الثقافي والتشويه للقيم الإسلامية وتحويلها إلى مادة خطب واحتفالات ومناسبات، كما تساهم بنقلة نوعية في التغيير والتحويل الثقافي بحيث تفتح الباب على مصراعيه للاجتهاد الفكري والفقهي في كل أمور [ ص: 12 ] المجتمع من أمن أو خوف، وتتيح المجال للتداول فيها للجميع بعيدا عن الكهانات، بحيث ينطلق ذلك من بناء حصون ثقافية تخصصية ترد إليها الأمور لتحللها وتدرسها وتحدد صوابها وتنفي خطأها،

يقول تعالى: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) (النساء:83) .

إن الأمة بعمومها كالشاشة اللاقطة، لكن ما تلتقطه الشاشة يخضع لمعايير علماء عدول، يحكمون عليه، وينفون عنه التجاوز والشطط والانحراف والفساد، وبذلك تكون الفاعلية والحركة الثقافية ونمو العقول والأنظار، ويحصل الحراك الثقافي، وفي النهاية تتبلور الحقيقة ولا يصح إلا الصحيح.

وما لم نعيد بناء رؤيتنا الثقافية القادرة على وضع الأصول الثقافية السليمة لمسيرة الأمة فسوف تستمر رحلة الضياع؛ لأن الثقافة هـي المناخ والرحم الذي تتخلق فيه وتنمو القابليات والطاقات، هـي التي تمنح البصيرة والوعي والحس الصحيح والاستشعار المبكر للمآلات، وهي القادرة على توظيف الاختصاصات المتنوعة، وكيفية بناء الخبرات، والحيلولة دون الاختراقات والفوضى الفكرية في التعامل مع القيم والتراث والواقع؛ هـي البوصلة التي تحدد الوجهة، وتعيد ترتيب العقل المسلم، وتسهم في إنعاشه، واسترداد عافيته بعد عطالته وتعطيله باسم الدين والتدين، في ذلك المناخ الثقافي الحر السليم ينمو الإسلام وينتشر وينتصر ويثير الاقتداء. [ ص: 13 ] ثقافة تحقق نقلة ذهنية من حالة الحماس إلى إدراك أهمية الاختصاص، ومن تقدير جدوى وحدود عطاء الخطباء إلى إدراك دور الخبراء؛ من عقلية التكديس والنقل والتقليد إلى ذهنية الإبداع والاجتهاد والتجديد والاتباع بإحسان؛ من مرحلة الإحساس إلى مرحلة الإدراك؛ ومن الإبصار للمقدمات إلى البصيرة للمآلات والعواقب؛

من الاقتصار على تحقيق النص والتدليل على صحته والحديث عن عظمته ودوره في الإنجاز التاريخي إلى التفكير بآليات وكيفيات إعمال النص في واقع الحياة؛ من تقديس التراث والافتخار به إلى استنطاقه ليجيب عن أسئلة الحاضر ويبصر بالمستقبل؛ من شعار: «ليس بالإمكان أفضل مما كان» إلى حقيقة أنه «بالإمكان دائما أفضل مما كان»؛ من الغيبوبة في الماضي وعدم الرجوع إلى الحاضر، ومعاناة غربة الزمان والمكان، إلى الوعي بأبعاد الزمن الماضي والحاضر والمستقبل؛ من السير خلف المجتمع والقبول بمجرد الحكم على تصرفاته إلى السير أمام المجتمع وقيادته وبيان سبل السلام والأمن لمسيرته؛ من ذهنية اختزال الإسلام في جماعة أو حزب أو بلد أو جنس أو زمن إلى فضاء الإسلام الواسع للناس جميعا وخلوده المجرد عن حدود الزمان والمكان والإنسان؛ [ ص: 14 ] من النظرة الجزئية الضيقة لبعض الفروعيات والأحكام الجزئية إلى الرؤية الشاملة لمقاصد الدين ودوره في بناء الحياة وإقامة العمران؛

من الانسحاب من المجتمع وتشكيل أجسام منفصلة عنه إلى العودة إليه، والتوسع في دوائر الخير فيه، وتقديم نماذج تثير الاقتداء عند أفراده؛ من التمحور حول فقه المخارج والمسوغات والحيل الشرعية إلى فقه المقاصد ؛ من الاقتصار على فقه الحكم التشريعي إلى إبصار أبعاد الخطاب الإسلامي في المجال السياسي والتربوي والاجتماعي؛ من التوهم بأن أرقى درجات السمو والتضحية: الاقتصار على الموت في سبيل الله إلى التفكير المتوازن لبناء الحياة في سبيل الله، وفق منهج الله؛ من غريزة التعصب وعدم إبصار غير (الذات) إلى رحابة الفطرة والمعرفة وإبصار سنة التنوع والاختلاف، وإبصار القواسم المشتركة للتعاون والتعايش؛ من تقديس الأشخاص إلى تقدير الأفكار والأفعال؛ من مرحلة الرجل الملحمة الذي يعرف كل شيء إلى الإيمان بفكرة التخصص وتقسيم العمل وتكامله؛ من التمحور حول الفروض العينية الفردية إلى إدراك أهمية إحياء الفروض الكفائية ودورها في بناء مؤسسات المجتمع وتنميته والنهوض به؛ [ ص: 15 ] من العمل المؤسسي الصوري، حيث المؤسسة في خدمة الفرد، إلى العمل المؤسسي الحقيقي، حيث الفرد في خدمة العمل المؤسسي؛ من ذهنية الشعارات والمبادئ العريضة، وأحيانا المبهمة، إلى عقلية إدراك أهمية وضع الخطط والبرامج وتنـزيل هـذه الشعارات والمبادئ على واقع الناس وتقويمه بها؛ من اتهام العقل ومحاصرته وتعطيل فاعليته ومحاولة إلغاء وظيفته، باسم الدين والتدين والانتصار لمعرفة الوحي، إلى إنعاش العقل وفك حصاره وإدراك وظيفته وإطلاقه في ميادين الاجتهاد والفهم الصحيح، تنـزيل قيم الوحي على واقع الناس، فالعقل وسيلة معرفة الوحي ومحل تكليفه، وبذلك فالوحي في الحقيقـة لا يخرج على أن يكون إحـدى معارف العقل، وأنه لا تكليف بلا عقل؛ من ذهنية التستر والتسليم والخوف من النقد إلى بناء عقلية النقد والتقويم والمراجعة والمناصحة والشك في صحة الاجتهاد حتى يثبت صوابه وفائدته؛ من اعتماد أهل الثقة والولاء، مهما كانت مؤهلاتهم، إلى اعتماد أهل الخبرة والوفاء؛ لأنهم أهل الثقة الحقيقية والولاء العاقل؛

من الولاء للحزب والجماعة والقبيلة إلى الولاء للفكرة والحق والعقيدة؛

من ذهنية العنف والشدة والتعنت والساعد، إلى ذهنية الحكمة والتعقل والمعرفة والمرونة... [ ص: 16 ] وهكذا، فالقائمة لمظاهر التخلف وعلل التدين وأسباب العزلة الحضارية تطول وتطول، ومع ذلك فما نشير إليه يبقى قاصرا عن استيعاب جوانب الصورة، لكنها نوافذ فقط للاستدلال، ويمكن لنا أن نقول: أنه في ضوء هـذه الصور المشوهة من التدين المغشوش، حيث يمارس ذلك كله ويسوغ باسم الدين والغيرة على حرمات الله، وصل الأمر بالكثير منا إلى تحريم الكثير من المباحات، وتقييد الكثير من الأحكام، وتوقيف الكثير من المقاصد الأساسية باسم فساد العصر وسد ذريعة الفساد.

بل لعلنا نقول: لقد حوصر خلود القيم الإسلامية وحنطت، وأوقف العقل والاجتهاد، سدا لذريعة الفساد، وبدأ الفهم السقيم والمتخلف يخيم على بعض الأحكام والنصوص الشرعية، ثمرة للورع الساذج والغيرة المغشوشة، وكأن الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان وعلم بكينونته، وخلق الزمن وعلم بتقلباته وفساده وصلاحه، وأنزل شرعه، لا يدري بالفساد الواقع أو المتوقع فيشرع له! فجاء بعض المتدينين، الأكثر غيرة، ليدركوا ذلك ويشرعوا له، ولو أدى الأمر إلى نسخ أو توقيف أو تعطيل الأحكام الشرعية، وحاولوا أن يجعلوا ذلك حكرا على فهمهم وفقههم، وحولوا رحابة الدين وعموم خطابه إلى كهانات دينية أخطر من الكهانات المورثة لعلل الأمم السابقة.

لذلك يبقى المطلوب دائما القيام بالتقويم والمراجعة للواقع الفكري والثقافي، وإعادة معايرته بقيم الكتاب والسنة، مع الأخذ بعين الاعتبار الحدود [ ص: 17 ] المطلوبة للتكليف في كل الظروف، وأن العصمة هـي فقط لمعرفة الوحي بضوابطها المنهجية الصحيحة، وأن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد، وأن التجديد لا يعني دائما الاجتهاد في تعدية الرؤية وتشريع أحكام جديدة لحوادث جديدة أو مستجدة والاستجابة للمتغيرات، وإنما التجديد أيضا قد يعني -فيما يعني- التصويب للاجتهاد، وإزالة الاجتهادات المتخلفة والقاصرة والفاسدة والمتحيزة والحزبية والتعصبية، التي لحقت بالقيم الإسلامية في الكتاب والسنة، ونفي نوابت السوء عن وجه القيم، وإزالة الحواجز عن صورة القيم المضيئة، حتى تعود لعطائها وخلودها ورحمتها للعالمين.

ذلك أن التصويب والتقويم والمراجعة هـي مرتكزات التجديد، حتى بعض الاجتهادات التي تتولد في عصر معين ولمواجهة مشكلات أو أزمات معينة لا يعني بالضرورة أنها صالحة لكل عصر، فصوابيتها لعصر لا تعني صوابيتها لكل عصر، فالصواب الخالد هـو للقيم الإسلامية الصحيحة في الكتاب والسنة، لذلك هـي محل الاجتهاد والنظر والاغتراف ومعيار التقويم والتصويب لاجتهادات البشر.

فالرسول صلى الله عليه وسلم محل الوحي، هـو وحده محل الاقتداء والتأسي دون غيره من سائر البشر «فكل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هـذا القبر، عليه الصلاة والسلام»، أو كما قال الإمام مالك ، رحمه الله؛ هـو محل الاقتداء؛ لأنه مسدد بالوحي ومؤيد به، فالسيرة بذلك مصدر للتشريع، بكل آفاقه وأبعاده، وليس التشريع الذي نقصده هـنا الحكم التشريعي وإنما الاقتداء [ ص: 18 ] في جميع مجالات الحياة وكيفيات التعامل معها والتعاطي لها، وأن ما عداه من التاريخ فيبقى مصدرا للعبرة والدرس.. وقد لا تكون هـذه الحقيقة محل خلاف وإنما الاختلاف هـو في منهجية الاقتداء، أو فقه الاقتداء، وكيفية الاقتداء؛ لأن التعسف وعدم الإحاطة بالإمكانات المتاحة والظروف المحيطة قد يجعل من الاقتداء المغلوط إشكالية بدل أن يكون حلا.

ذلك أن المطلوب دائما الفقه والوعي والإحاطة واستيعاب الحال التي عليها الناس، ومن ثم الموقع المناسب للاقتداء من مسيرة السيرة، وإلا فسوف يحصل العبث في التنـزيل للأحكام وصور الاقتداء.

والأمر الذي لا بد أن نلفت النظر إليه، أن السيرة والسنة لا يمكن أن يحكمها عصر أو شخص أو جغرافية أو فعل أو جنس أو زمن أو تاريخ، وإنما هـي محل للنظر والاجتهاد والعطاء في كل عصر ولكل عصر ولكل واقع، بحسب ما يلائمه، وهذا لا يعني الانتقاء أو تقطيع الصورة، وإنما يرتكز إلى الإيمان بالصورة الكلية والارتكاز إلى الاستطاعة في تحديد موقع الاقتداء.

فالتراث، من الفهوم والاجتهادات والفقه والإنتاج البشري، هـو وسائل معينة لفهم قيم الوحي وليست ملزمة، وأنها لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون حاجزا بين الناس وبين عطاء القيم، وحائلا دون خلود القيم وتجردها واستبدال رأي الناس بها، فمن حق كل مسلم وكل عصر أن يستلهم هـذه القيم في الكتاب والسنة والسيرة ويرتكز إليها بما يحقق معالجة إشكالية عصره، في ضوء رؤية فقهية بصيرة خاضعة للنقد والمراجعة من العلماء [ ص: 19 ] العدول، الذين يضمنون استيفاءها للمقومات والشروط المطلوبة في النظر إلى الواقع وإلى القيم المراد تنـزيلها عليه في مرحلته ومعاناته ومتطلباته.

نعاود التأكيد بأن السيرة هـي التجسيد والتنـزيل للقيم في الكتاب والسنة على حياة الناس، وتقويمها بها، والتجلي المعصوم للقيم في الواقع؛ هـي السنة العملية من سنن النبوة، وهي وإن كانت تشكل حقبة تاريخية تم من خـلالها بناء أنموذج الاقتداء والتأسي في كل المجالات والحالات التي مرت بـها مسيرة النبوة

ابتـداء من قوله تعالى: ( اقرأ ) وانتهاء بقوله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم ... ) (المائدة:3) ،

بكل ما فيها لتكون السيرة أنموذج اقتداء في كل ما تعاني الأمة وما يعرض لها على مستوى الفرد والجماعة والدولة والسلم والحرب... إلا أنها تختلف عن التاريخ بأنها فترة بناء الأنموذج، فترة المرجعية ومصدرية التشريع في جميع مجالات الحياة؛ لأنها مسددة بالوحي ومؤيدة به، فيما يعتبر التاريخ اجتهاد البشر وفعلهم وخطأهم وصوابهم في محاولاتهم لمقاربة ومحاكاة الأنموذج، فالتاريخ بهذا يكون محل عبرة ودرس وتجربة تضاف إلى عقل الأمة وخبرتها، لكن لا يرقى بحال من الأحوال ليكون مصدر تشريع ومعيار تقويم وتشكيل مرجعية.

وقد تكون الإشكالية، كل الإشكالية اليوم، في منهجية الاقتداء، في كيفية الاقتداء في المحل المعين من مسيرة الأنموذج (من السيرة) الذي يشكل أنموذج الاقتداء في هـذه المرحلة وهذه الحالة التي تمر بها الأمة ويعاني منها الناس، الموقع الذي يكون قادرا على الإجابة عن المشكلة والهداية إلى الحلول [ ص: 20 ] المناسبة، ذلك أن عدم فقه موقع الاقتداء بالضبط، أو التعرف إلى الواقع الذي تعيشه الأمة في هـذه المرحلة بالذات، وعدم تحديد الموقع المناسب من مسيرة السيرة الذي يلائمه، فسوف يتحول هـذا الاقتداء الأعشى إلى نوع إشكالية بدل أن يكون حلا، يصبح إشكالية على الرغم من الاقتداء بفعل المعصوم، عليه الصلاة والسلام؛ لأن المحل المختار من السيرة لا يشكل محل اقتداء بالنسبة لحالة الأمة واللحظة التاريخية التي تمر بها.

هذا من جانب، ومن جانب آخر نستطيع أن نقول: إن صور الاقتداء عند مسلمي عصر التخلف وفكر التخلف وعقل التخلف تحولت إلى نوع من التقليد والمحاكاة، والاقتصار على الأشكال فقط من اللباس والطعام والهيئة، على ما فيها من خير، دون القدرة على فقه الاتباع والتأسي والتدبر، من خلال معطيات السيرة، لتدبير الواقع والاهتداء والاستضاءة بها لكيفية التعامل معه ومعالجته.

إن المحاكاة والتقليد في الأشكال والهيئات يتقنها الأطفال، بل هـم أقدر على التقليد؛ والمطلوب التأسي والاتباع المنوط بالراشدين، حتى يشكل التبصر بالسيرة البصيرة للحاضر والمآلات والعواقب التي سوف يئول لها في المستقبل، فكم من ملتزم بالأشكال فاقد للكثير من القيم والأفكار والسلوكيات (!)

فالإشكالية اليوم تكاد تكون في الوقوف عند تقليد الشخص دون القدرة على التأسي بالشخصية. [ ص: 21 ] وإشكالية أخرى، قد لا تقل عنها، إن لم نكن قادرين على تجاوزها، ذلك أن الكثير من الكتب التي ألفت حول السيرة، والتحليلات والدراسات التي قدمت، تأثرت بالمناخ الثقافي والسياسي والحزبي والاجتماعي التي أنتجت فيه، وتمت الكثير من المحاولات لإسقاطها على الواقع، والإسقاط غير التنـزيل، وكأن القضية قصا ولصقا -كما يقال- لإيجاد المسوغ والمشروعية لمسالك الأفراد والجماعات والأحزاب والفرق والطوائف، الأمر الذي أفرز الكثير من الرؤى الأحادية والحزبية والسياسية التي تستظل بالسيرة... وحيث إن الكثير من البلاد الإسلامية عاشت أزمة الهيمنة الاستعمارية والاضطهاد من قبل (الآخر) وما رافق ذلك من أفكار الغزو والتبشير والاستلاب الحضاري، فقد دفع ذلك معظم الباحثين والكتاب إلى العودة إلى القيم والسيرة والتراث، مما يعتبر أمرا طبيعيا، للتشبث والاحتماء في مواجهة الأزمة؛ دفعهم إلى عسكرة السيرة والاقتصار على استحضار صور الجهاد والمعارك والغزوات والتضحية، مع غياب الكثير من الأبعاد السياسية والتربوية والاجتماعية والتنموية والتكافلية وتقسيم العمل والإدارة... إلخ؛ وقد يكون المطلوب رؤية الأبعاد جميعها ابتداء ومن ثـم بناء الخطة في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة.

وقد تكون العسكرة وفكر الأزمة، الذي قد يصلح لمرحلة أو لموقف، غير مؤهل للصلاحية لكل المراحـل، الأمر الذي أدى إلى ويؤدي إلى أزمة تعامل أو أزمة فكر في التعامل مع السيرة.. والأخطر من ذلك أن هـذه العسكرة كانت [ ص: 22 ] هي الإنتاج الطبيعي والعام في بلاد المسلمين المستعمرة، أما في بلاد لا استعمار فيها، ولا مواجهة، فإن الأمر يتطلب رؤى وأبعادا أخرى مناسبة لها.

هذا إضافة إلى أن مجتمع المسلمين هـو مجتمع بشري، فيه السلبيات والإيجابيات، وأن أقدار التدين تعلو وتهبط، والإيمان يزيد وينقص، وأن كل ابن آدم خطاء: ( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) (أخرجه الترمذي ) وليس مجرد خاطئ، وإنما كثير الوقوع بالخطأ، ولولا ذلك الوقوع لكـان الأمر مؤذنا بتغيير المجتمع واستبداله بخطائين: ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ) (أخرجه مسلم ) .

فدراسة السيرة، والاقتصار في ذلك على الجانب المثالي، والاستمرار في كل الظروف والأحوال في الضغط عليه وإبرازه، وإخفاء بعض الجوانب السلبية، التي هـي واقع بشري، تصور مجتمع القدوة على أنه مجتمع ملائكة مبرمجين على فعل الخير، وبذلك نفتقد الأنموذج المتكامل لكيفية التعامل مع الفعل السلبي وكيفيات معالجته، فيسقط يوميا، لعجزنا التربوي وقصور رؤيتنا للأنموذج، الكثير من الضحايا الذين قد يغادرون مجتمع المسلمين إلى (الآخر) ، أو ينكفئون على ذواتهم وينسحبون من المجتمع، تحيط بهم أخطاؤهم، وقد يكونون هـم الأحوج إلى السيرة وأنموذج الاقتداء لينتشلهم من معاناتهم.

وقضية أخرى قد لا تقل خطـورة في مسألة التأسي والاقتداء، وهي ما يمكن أن نطلق عليه: وباء «ذهنية الاستعصاء» حيث ندخل أنفسنا، نتيجة [ ص: 23 ] لقصور الرؤية وعدم فقه قضـية التكليف، وكيف أن تقرير الأحكام والمواقف والتصرفات إنما يتحدد في ضوء الاستطاعات، فإذا لم تتوفر الاستطاعة لا يرد التكليف أصلا، ندخل أنفسنا نتيجة هـذه الرؤية القاصرة في مآزق أو ما يسمى «الدوائر اليزيدية»، حيث يندفع بعض من عبدة الشيطان من عند نفسه لرسم دائرة حوله، ومن ثم يقنع نفسه أن الشيطان هـو الذي حبسه، فلم يعد يستطيع الخروج، وتصيبه العطالة حتى يأتي من يخرجه؛ وهكذا تفعل الرؤية القاصرة المتخلفة للسيرة لكن بمسميات أخرى.

فإذا قررنا عقلا وواقعا أن أقدار التدين تعلو وتهبط، وأن الاستطاعة تنمو وتتعاظم، وتخبو وتتراجع، فلا يمكن والحالة هـذه أن تعتبر فترات التعاظم والنصر محلا للاقتداء لأوقات الهبوط والتراجع، لذلك انتهى هـذا الفهم أو الفقه بالكثير من حملة الفقه إلى العبث في إسقاط الأحكام الشرعية على الواقع، وتحديد مواطن الاقتداء، دون النظر للحالة والواقع والاستطاعة؛ جعلوا الزمن والمراحل التي مرت بها الدعوة هـو الذي يتحكم دون النظر للاستطاعة والمجتمع ومكوناته، فاهدروا الكثير من الوقت والمال والاستطاعة، نتيجة لغياب منهجية الاقتداء وحسن اختيار الموقع بحسب الواقع.

وليس أقل من ذلك اضطرابا وتخبطا من توقفوا عند مرحلة الكمال والاكتمال التي وصل إليها الأنموذج، ولم يبصروا إلا الأحكام الشرعية النهائية التي تناسب مرحلة القوة والتمكين والكمال والاكتمال، فلم يرضوا أن يغادروها حتى في التعامل مع حالاتهم من الضعف والتراجع، فهم ينادون بالقتال حتى لا تكون فتنة وهم عاجزون عن درء الفتنة عن أنفسهم. [ ص: 24 ] عجزوا أن يبصروا أن السيرة تراوحت حوادثها بين تطبيقات قوله تعالى:

( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) (النحل:106) ،

وقوله تعالى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) ،

وأن منهجية الاقتداء تقتضي منهم اختيار الموضع والموقع الملائم من هـذه المسيرة، التي أتت على أصول الحياة الإنسانية جميعا وكيفية التعامل معها، في ضوء الحال التي عليها الناس.

فالنصر قد تعقبه هـزيمة، لسبب أو لآخر، والهزيمة يعقبها نصر، فكيف يكون الاقتداء بحالة النصر، وكيف يكون التعامل في حالة الهزيمة؟ وهكذا، فالرسول صلى الله عليه وسلم انتصر في بدر فكان للنصر أحكام وآداب، وهزم في أحد فكان للهزيمة أحكام وآداب ومعطيات... وهكذا.

فالسيرة بكل أبعادها، وما وقع فيها، تشكل سفرا مفتوحا لكل قارئ ومفكر وباحث وسياسي واجتماعي واقتصادي في كل زمان ومكان، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهي ليست حكرا على إنسان أو طبقة أو جماعة أو زمان أو جغرافية بعينها، كما أنها-ومن سماتها الخلود واستمرارية العطاء- لا تختزل بفهم أو رؤية أو تفسير أو تحليل أو موقف أو اجتهاد، مهما بلغ، فلكل قراءته ونظرته واجتهاده ومشكلاته، ولكل عصر متغيراته، ولكل بيئة حاجاتها، ولكل مجتمع عمره الحضاري والثقافي وأسئلته.

والسيرة عطاء مفتوح لكل زمان ومكان، فهي من عطاء قيم الوحي الخالدة، التي تجسدها في الواقع وتنـزلها على حياة الناس، هـي خالدة كخلود القيم، بل هـي سنة وقيمة ومعيار أيضا، يتطلب النظر والاجتهاد فيها [ ص: 25 ] تجريدها عن حدود الزمان والمكان والإنسان وتوليدها في كل زمان ومكان، عطاء لا ينضب بمرور الزمن، فمرحلة فيها لا تلغي مرحلة، والنظر في زمن لا يلغي النظر في زمن آخر، والنصر لا يلغى الهزيمة، والهزيمة لا تلغي النصر، والفترة المكية لا تلغي الفترة المدنية، ولكل حالة حكمها وآلية التعامل معها.. وفتح باب الاجتهاد الفكري على مصراعيه لكل الناس يؤدي إلى الانفعال بأحداث السيرة، والتفاعل معها، والتمحور حولها؛ فالإسلام فضاء لا يحده الزمان والمكان، نزل لكل البشر، سواء كانوا من أمة الإجابة أو أمة الدعوة؛ والعلماء العدول هـم الذين يحملون الحقيقة ويدفعون التفسير الغالي والتأويل الجاهل والانتحال الباطل.

فاختزال السيرة في حقبة أو حادثة أو فترة تاريخية وتحنيطها ومحاصرة خلودها وإيقاف عطائها، والتخويف والإرهاب الفكري من التعامل معها، وحجرها على فئة أو جماعة أو حزب أو كهانة دينية معينة، إخراج لها من مد الحياة بعطائها، وإحداث فراغ يمتد فيه (الآخر) ؛ وعسكرة السيرة لسبب أو ظرف أو بيئة أو مناخ، وتغييب الأبعاد الأخرى لعطائها، يعزلها عن الكثير من متطلبات الحياة، ويحاصر عطاءها، ويشوه مقاصدها.

إن السيرة، التي جسدت قيم القرآن، هـي سفر مفتوح لكل قارئ، في كل زمن، ولكل زمن حاجاته وعطاؤه وقراءته، كما أن القرآن ميسر للذكر، فنـزل الخطاب للناس جميعا، وعلى ذلك لا يمكن نسخ آياته ومسخه وقصره على بعد حياتي معين.. وفي مناخ العسكرة للقيم الإسلامية [ ص: 26 ] تستخدم آية السيف لتنسخ آيات الدعوة والمجادلة والحوار والمناقشة والتعاهد والتصالح والتناصر والحجاج وعدم الإكراه والهيمنة، فيبدوا بذلك الإسلام وكأنه قهر لإرادة الناس، وإقصاء (للآخر) ، وإكراه على العقيدة والدين؛ حيث يولع كثير من المفكرين والخطباء في التفتيش والتنقيب عن وسائل إخراج الناس من حظيرة الدين، والحكم عليهم بالمروق والخروج وتشوه العقيدة والابتداع في الدين.

إن السيرة، التي تعتبر مرحلة بناء الأنموذج، الذي أتى على أصول الحياة جميعا، تعتبر دليلا لكيفية التعامل مع حياة الناس، وتنـزيل قيم القرآن عليها؛ وهي كالمنجم الغني بالخامات الثمينة، وهذه الخامات تتطلب البراعة والاجتهاد في تصنيعها وتحويلها إلى أوعية للحركة وتقديم الحلول لكل النوازل وتطورت الحياة.. ولعل المساحات الكبيرة التي قدمتها السيرة للتعامل مع (الآخر) بشتى أنواع التعامل من التصالح والتسالم والتحاور والتعاهد والتعاقد والتصالح والتحالف والمواجهة، تحتل جزءا مهما من حوادث السيرة، وإن كان الكثير من المسلمين قد غفل عنه بسبب التخلف، وما نتج عنه من التعطيل والنسخ... إلخ، حيث أسبابه ونتائجه انعكست على الفهم السليم المتوازن للسيرة والتعاطي معها بشكل عام.

وقد تبدو الحاجة أكثر إلحاحا اليوم، في حقبة الانفتاح العالمي واختزال الزمان والمكان واستحقاقاته، حقبة العولمة ، التي فتحت علينا كل شيء، في الوقت الذي فتحت لنا كل شيء، من معاهدات وتحالفات وحوارات [ ص: 27 ] وتعاقدات، حيث لم تعد خيارا التعامل مع (الآخر) ، وحيث أصبح العالم أمة واحدة، إلى استلهام فترة السيرة وعطائها في هـذا المجال، ليشكل لنا أدلة عمل وإشارات هـادية على الطريق الطويل.

فالرسول صلى الله عليه وسلم خاطب وراسل ملوك الدول وأمراءها، وأذن لأصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة (حكم غير إسلامي) ، لأن فيها ملكا لا يظلم الناس عنده؛ ونزل بعد العودة من الطائف ، في رحلة الشدة الشديدة، بجوار المطعم بن عدي (ابن هـشام، السير والمغازي، 2/24) .

وشاركه في الحصار في شعـب أبي طالب غير المؤمنـين من أصحابه، إذ لما أجمعت قريش على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبلغ ذلك أبا طالب، جمع بني هـاشم وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه إلى ذلك، حتى كفارهم، فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية (ابن هـشام، السير والمغازي، 1/430) .

وحضر حلفا في الجاهلية، وكان له من العمر عشرين عاما، كما تروى بعض كتب السيرة في دار عبد الله بن جدعان في مكة ، حيث تعاقد أهلها أن لا يبقى في مكة مظلوما إلا وترد إليه ظلامته، وبارك ذلك العمل في الإسلام، لأنه يحقق مقاصد الدين ولو لم يكن قد تحقق ذلك على يديه؛ روى الحميدي أن ( رسـول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقـد شهدت في دار عبد الله ابن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعز ظالم مظلوما ) (ابن كثير، البداية والنهاية، 2/315) . [ ص: 28 ] وعاهد قريشا في صـلح الحديبية ، وسمي ذلك «الفتح المبين»، ودخل في حلفه خزاعة ، وكانت على الكفر: «فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسـول الله صلى الله عليه وسلم وعهده»، فالمعاهدة مع غير مسلمين، والتحالف مع غير مسـلمين أيضا، حيث دخـلت بنو بكر ، وكانت على الإسلام، في حلف قريش : «وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم» (ابن إسحاق) .

أما «وثيقة المدينة»، موضوع هـذا الكتاب، التي تشكل العقد الاجتماعي الأول في تاريخ البشرية، والذي يعتبر أهم المرتكزات للمواطنة في دولة المدينة ، والتي حمت السلم الأهلي، فسوف لا نعرض لنصوصها، حيث عرض لها الكتاب بالتفصيل.

وبعد الرسـول صلى الله عليه وسلم سار صحـابته على خطـاه، فوقع سيدنا عمر ابن الخطاب ، رضي الله عنه ، عهدا مع أهل أيليا سمي «بالعهدة العمرية»، ومن نصوصها: «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل أيليا من الأمان؛ أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم... » (تاريخ الطبري، 4/436) .. هـذه بعض البنود المهمـة في الوثيقـة أو العهدة العمرية التي شهد عليها من الصحابة - وهذا له دلالة أيضا - خـالد بن الوليد ، عمرو بن العاص ، عبد الرحمن ابن عوف ، معاوية بن أبي سفيان . [ ص: 29 ] نعود إلى القول: إن قيم الوحي في القرآن والسنة، وتجسيدها العملي، وتنـزيلها على واقع الناس بحسب استطاعاتهم وما هـم عليه من أقدار التدين هـي خالدة، مجردة عن قيود وحدود الزمان والمكان، قادرة على الإنتاج والاستجابة والعطاء في كل زمان ومكان، وهي سفر مفتوح على الزمن وللزمن، للقراءة والنظر والاجتهاد، سفر مفتوح لكل الناس، سواء في ذلك أمة الدعوة أو أمة الإجـابة -كما أسلفنا- ذلك أن محـاصرة هـذه القيم بفترة تاريخية معينة أو بفهم معين أو بعطاء معين يعني -فيما يعـني- محاصرة الخلود، والحكم بتاريخية هـذه القيم، وأنها إنما جاءت لفترة زمنية انقضى وقتها.. وإغلاق باب النظر والتفكير والاجتهاد ومحاولة الإفادة من هـذه القيم والتنـزيل على الواقع سدا للذريعة حجة باطلة؛ لأن الذي شرع هـذه القيم للزمن أعلم بما يتقلب به الناس من الصلاح والفساد، بل نقول: إن إيقافها وإغلاقها ومحاصرتـها بفهم وتاريخ كان الذريعة لامتداد الجهل والفساد، فالعلماء العدول هـم الذين يحرسون القيم ويضمنون بالحقيقة سلامة المسيرة.

إن الفهم المعوج أو الفقه الكليل لمبدأ سد الذرائع كلف المسلمين الكثير من الإصابات، وساهم بالكثير من الهزائم والفراغ الفكري والفقهي، الذي امتد فيه (الآخر) ، كما أنه عطل التفاعل والانفعال والتفاكر والتثاقف بالقيم، حتى بات مبدأ سد الذرائع، الذي هـو استثناء، هـو القاعدة التي تعطل النصوص وتحاصر امتداد الشريعة وتحقيق مقاصدها. [ ص: 30 ] فالقيم الخالدة مؤهلة بطبيعتها للعطاء في كل عصر، ولكل مجتهد رؤى جديدة تناسب التعـامل مع العصر وتقديم الحلول المطلوبة لإشكالاته والأوعية الصحيحة لحركته، وكلما نظرنا وعدنا إلى القيم من خلال معاناتنا كلما مدتنا برؤية وحل لمعاناتنا، وإلا فما معنى الخلود إذن؟

لذلك نقول: إن حلف الفضول، وصحيفة المقاطعـة في شعب أبي طالب، والنـزول بجوار المطعم بن عدي، والسماح بالهجرة إلى أرض الصدق والعدل لوجود ملك لا يظلم الناس عنده، وصلح الحديبية، و «وثيقة المدينة»، و «العهدة العمرية» لأهل بيت المقدس، كلها معالم رئيسة لكيفية التعامل والتعاقد والشراكة والتكامل والتعارف والتوافق مع (الآخر) ، يستدعي الاجتهاد والنظر والتفكير وإيجاد الصيغ الملائمة لتعامل المسلمين مع (الآخر) ، ذلك أن (الآخر) موجود، وأن التنوع بالعقائد والأفكار والألوان والأقوام والأجناس سنن اجتماعية وكونية لا بد من التوافق معها على صيغ وقواسم مشتركة، وأن الاعتراف بوجود (الآخر) كواقع، والتعامل معه، والتوافق معه على صيغ تعاون لا يعني إقراره على ما هـو عليه، فله خياره ولا إكراه.

إن هـذه الوثائق التي أتينا على ذكرها دليل على الفضاء الواسع للقيم الإسلامية وإنسانيتها، فضاء لا يحده الزمان ولا المكان، وإنما تحدده الرؤية القاصرة والفقه العليل والتعصب الذي يأتي ثمرة للجهل وعدم العلم؛ لأن التعصب يتناسب طردا مع قلة العلم والمعرفة.. إن انفتاح العالم، وحقبة العولمة، ومعاهدات الشراكة على المستويات السياسية والاقتصادية [ ص: 31 ] والمعلوماتية ، هـنا وهناك، تتطلب وجودا أو حضورا، ويشكل فرصا يمكن التقاطها والإفادة منها، إذا كنا بمستوى قيمنا وتراثنا وإسلامنا، وعصرنا، ذلك أن انتشار الإسلام وظهوره امتد تاريخيا في فترات السلم والأمن والحرية أكثر من فترات العنف والمواجهة التي لم تأت بخير، وأن مثل هـذه المعاهدات والوثائق النبوية هـي الحل الأمثل، بل والوحيد، لمعاناتنا وتفككنا وتآكل مجتمعاتنا وعدم اجتماعها على أمر جامع.

هي العلاج لمعادلة المواطنة الصعبة، العلاج للقوميات والوثنيات والأديان والطائفيات والأجناس، التي تعج بها بلاد المسلمين اليوم حيث تغيب القواسم المشتركة والتوافق على الأمور المشتركة.

وقد يكون من المفيد اليوم الكلام عن هـذه الوثائق، ووضعها في سياقها التاريخي المبكر، وأهميتها كعقد اجتماعي وسياسي واقتصادي ودفاعي، وإعطائها قيمتها، والنظر إليها من خلال زمنها والصور التي تشكلت على أساسها الأمة والمجتمع والمواطنة، تلك المفاهيم والمصطلحات التي تحتاج إلى الكثير من النظر والاجتهاد لنـزع فتيل المواجهات وتعطيل القدرات باسم الشرع والدين.

لكننا نقول: ليس المهم الكلام عن السبق القانوني والسياسي والدستوري والعقد الاجتماعي غير المسبوق، بل المهم اليوم كيف تجيب هـذه الوثائق والمعاهدات عن أسئلة الحاضر، وتمنحنا الرؤية السليمة للتعامل مع (الآخر) ، ذلك أن الحديث عن عظمة الإنجاز المبكر والرائد، والإيغال في [ ص: 32 ] الماضي لمعالجة مركب النقص المترافق مع عجز الحاضر هـو نوع من توبيخ النفس، وتكريس العجز عن ترجمة هـذه «الوثيقة» وغيرها من العقود والعهود، وإبصار كامل أبعادها، والاجتهاد في كيفية تنـزيلها على حاضر الأمة وتصحيح صورة العهود والمواثيق والمواطنة، وصياغة مؤسسات السلم الأهلي في المجتمع، وتحقيق كرامة الإنسان، وضمان حرية اختياره، وإلحاق الرحمة به، وعدم إفساد هـذه المعاني الإنسانية النبيلة بالاجتهادات السقيمة، وحجر الفهم على كهانات بعينها، لتصبح من حملة الكتاب المقدس، الذي يتلقى فهمه من قبلها، وبذلك نقع بما حذرنا منه، من تسلل علل تدين الأمم السابقة،

والله يقول: ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (القمر:17) .

وبعد؛

فالكتاب الذي نقدمه نحسب أنه جاء في الظرف المناسب، فهو يعتبر إحدى القراءات المعاصرة لـ «وثيقة المدينة» ومحاولة جادة لبلوغ بعض الأبعاد والدلالات التي تضمنتها، ذلك أن الحاجة اليوم تشتد أكثر فأكثر، في هـذه الحقبة التاريخية، أو اللحظة التاريخية، من محاولات عولمة العالم، وفتح أسواقه التجارية، واقتحام ساحاته الثقافية، وإسقاط الحدود والسدود الجغرافية والسياسية والسيادية، واستبدالها بالعولمة الثقافية والتجمعات الاقتصادية، وإقامة التحالفات والمعاهدات الاقتصادية والسياسية، ومحاولات بناء المشترك الإنساني، في هـذا المناخ الثقافي السياسي الاقتصادي الاجتماعي، [ ص: 33 ] تشتد الحاجة إلى العودة لدراسة التراث لاستلهامه وطلب إجابته عن أسئلة الحاضر ومآلات المستقبل، وخاصة السيرة، ميراث النبوة، لأنها قادرة على الإجابة عن الأسئلة وتقديم الحلول العملية وأدلة التعامل مع الإشكاليات في كل زمان ومكان.

كم نحن بحاجة اليوم إلى العكوف على التراث، وعلى الأخص القدر المتأتـي من معرفة الوحي، من مثل: حـلف الفضول، صلح الحديبية، «وثيقة المـدينة»، «العهدة العمرية»، لا للتفاخر ومعالجة مركب النقص وإنما للاجتهاد والاستنطاق والاستلهام، لتشكل لنا مددا وحماية ودافعية، فنقدم عطاء حضاريا إنسانيا مشتركا، نكون به في مستوى إسلامنا وعصرنا.

والكتاب في أصله رساله علمية محكمة، يمكن أن تعتبر بعمومها استدعاء للموضوع لساحة الهم والاجتهاد والتوليد، فهذه الوثائق الخـالدة سفر مفتوح للنظر في كل زمان ومكان وإنسان، لا يغطيها أو يحيط بعطائها زمان ولا مكان ولا باحث أو دارس.

ولله الأمر من قبل ومن بعد. [ ص: 34 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث