الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي أورثنا النبوة والكتاب، وبذلك بلغت رحلة الأديان بالرسالة الخاتمة (النص الإلهي وبيانه النبوي) مرحلة الكمال،

قال تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة:3) ،

فأصبحت الرسالة الخاتمة تمثل نهاية لتاريخ النبوة الطويل، من لدن آدم عليه السلام.

والرسالة الخاتمة، تمتاز بخصيصة الهيمنة، إضافة لما تحقق لها من رصيد تجربة تاريخية للأنبياء مع أقوامهم، وما انتهى إليها من أصول الرسالات السماوية، التي صدقتها وقومت مسيرتها،

قال تعالى: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ) (الشورى:13) ،

وقال: ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ) (المائدة:48) ،

والهيمنة تعني - فيما تعني - الرقابة والمراجعة والتقويم وبيان مواطن الخلل وتبيان علل التدين التي لحقت بالأمم السابقة، وهذا يشكل للمسلم رصيدا عظيما وعمقا حضاريا وبعدا تاريخيا ويمنح قدرة على توظيف هـذا التاريخ المديد في بناء الحاضر ورؤية المستقبل، والإفادة من التجربة الإنسانية جميعا؟ فالخاتمية تعني انتهاء تاريخ النبوة إلى الإسلام، الرسالة الخاتمة،

يقول تعالى: ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) (الأحزاب:40) .

كما تعني الخاتمية للنص الإلهي القرآني، من وجه آخر، الخلود وعدم الانتهاء، وإنما امتداد العطاء والإنتاج حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وحيث إن التحريف والتأويل والمغالاة والتقليد وتسرب علل التدين أمور محتملة وقابليات مركوزة في الطبيعة البشرية، وإن التصويب من السماء توقف، فهذا يدل على أن الأمة صاحبة التجربة التاريخية والرسالة الخاتمة هـي المنوط بها الحراسة والتصويب، ونفي نوابت السوء، واستمرار الحذر من السقوط وتسرب علل الأمم السابقة، والاضطلاع بالتجديد والتقويم والمراجعة من خلال المعايير التي تمنحها نصوص الكتاب والسنة، أو بمعنى آخر جعل العقل - محل التكليف - واجتهاده هـو الحارس الأمين للامتداد بالقيم الدينية ومدلولات النصوص الإلهية المتأتاة من معرفة الوحي حتى ينشئ الله النشأة الآخرة، ( يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) (أخرجه أبو داوود في الملاحم) ، هـذا من جانب.

ومن جانب آخر، فإن من لوازم الخاتمية وتوقف النبوة عن التصويب وإمداد الرحلة البشرية بالأحكام المناسبة لحركتها وحمايتها من الانحراف، الخلود للنصوص والقيم الإسلامية، وهذا يعني أن نصوص الرسالة الخاتمة بطبيعة خاتميتها وخلودها هـي نصوص مجردة عن حدود الزمان والمكان والإنسان، وأنها قادرة على الإنتاج والاستجابة لمعالجة المشكلات في كل زمان ومكان وإنسان، ذلك أن التجرد والتجريد يعني إمكانية التوليد والتجديد في كل عصر، وهذا المعنى هـو الذي جعل الاجتهاد أحد مصادر التشريع الرئيسة، إضافة إلى إبراز أهمية معرفة العقل ودورها في الامتداد بقيم ومعرفة الوحي وخطورة هـذه المهمة من جانب آخر، حيث المطلوب من الفقيه أو المجتهد أو المفسر أو المبين: بيان مراد الله في الأمور المستجدة، بكل ما يترتب على هـذا البيان من ثواب وعقاب ومصالح ومفاسد، سواء بالنسبة للمبين المفسر الفقيه أو بالنسبة لسائر المؤمنين بالإسلام.

لذلك تعتبر هـذه المهمة التكليفية من الصناعات الثقيلة؛ لأنها تعاط مع القول الثقيل:

( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) (المزمل:5) ،

وتتطلب مؤهلات عالية في مجال الوسائل والأدوات المعروفة في مظانها (شروط الاجتهاد) حيث لا بد - فيما نرى - أن تتطور تلك الشروط بحسب الموضوع المطروح ووسائل البحث وأدوات النظر، كما تتطلب صفات شخصية متميزة في الذي يتصدى لها، ليس أقلها سلامة النية، وحسن القصد، وإدراك أبعاد المهمة، والإيمان بعظمة مصدر النص وعصمة النص نفسه. والصلاة والسلام على المبين عن ربه ما أنزل إليه،

يقول تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) (النحل:44) ،

الذي تم تأهيله وتحضيره وتأديبه ليصبح محلا لتلقي الرسالة،

الذي وصفه تعالى بقوله: ( وإنك لعلى خلق عظيم ) (القلم:4) ،

فكان بيانه مؤيدا بالوحي، ومسددا به، فجاءت عصمة البيان من عصمة القرآن؛ الذي لم يغادر هـذه الدنيا إلا بعد أن أكمل الدين، وبين الرسالة، وترك إرثا نبويا يحول دون ضلال الأمة وانقراضها، فقال: ( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه ) (أخرجه مالك في الموطأ،كتاب الجامع) وبعد أن درب الصحابة على النظر والاجتهاد ، واستنهض العلماء العدول من كل جيل للحراسة الدائمة المستمرة والمراجعة القائمة في كل حين، يقول صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هـذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين ) (أخرجه البيهقي ) .

وهذا الحديث، إضافة إلى كونه إخبارا من الصادق المصدوق، فهو تكليف شرعي أيضا، وبذلك سارت جدلية الحياة والتعاطي مع مشكلاتها نفيا وإثباتا، حلا وحرمة، وجعل فهم النص والتفقه فيه وتفسيره وبيان مراده ومقاصده محور هـذه الإشكالية على مستوى (الذات) و (الآخر) والعلماء ورثة الأنبياء. وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» الثالث عشر بعد المائة: «البعد المصدري لفقه النصوص» للدكتور صالح قادر الزنكي ، في سلسلة «كتاب الأمة» التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة قطر ، في محاولاته الدائبة لإعادة التشكيل الثقافي للمسلم المعاصر، والارتقاء بوعيه للبعد الرسالي المنوط به، ليكون في مستوى إسلامه، عقيدة وعبادة، فقها وفكرا، قولا وعملا، ويتحقق بالمعارف المطلوبة ليكون في مستوى عصره، استيعابا لحركة الحياة، إبداعا وإنتاجا، وعطاء إنسانيا، قادرا على السير في الأرض، والهضم الحضاري، واكتشاف المحركات والسنن الاجتماعية في السقوط والنهوض، واستصحاب عبرة الماضي، بكل مكوناته، للإفادة منها في بناء الحاضر ورؤية المستقبل، وكيفية التعامل مع (الذات) و (الآخر) في ضوء القيم الإسلامية والتجربة التاريخية، لتحقيق الوقاية الحضارية،

يقول تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) (آل عمران:137-138) .

وتتأكد هـذه المهمة أكثر فأكثر خاصة في هـذه الحقبة من تاريخ الحضارة الإنسانية، حيث أزيلت السدود والحدود، وانفتحت الثقافات والحضارات، وبدأت العولمة تجتاح كل المواقع، الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبدأت ثقافة القوة بالهيمنة والتسلط ومحاولة امتصاص الخبرات العالمية، بحيث يصبح العالم جميعه ضواحي لثقافة وإعلام الدولة الأقوى، لتعيد تنميط العالم وفق رؤيتها، الأمر الذي بات يستدعي إعادة النظر في الثقافة المطلوبة لتشكيل المسلم المعاصر، الذي يمتلك الرؤية لكيفية التعاطي مع القيم الإسلامية في الكتاب والسنة في ضوء استحقاقات هـذه الحقبة من تاريخ العالم، كما يمتلك الرؤية حول حركة العالم، الذي هـو جزء منه، وشريك فيه، بل هـو رائد حضاري يمتلك رسالة إنسانية وليس رقما يحركه ويستخدمه (الآخر) كما هـو حالنا اليوم.

ولعل من الأولويات المطلوبة اليوم إعادة النظر في ثقافتنا السائدة، وما أنتجته من التخلف والركود، بسبب ما أورثته من السلبية والتواكل والعجز والذرائعية والتقليد والانغلاق والانكفاء على (الذات) وإقفال أقنية الحوار، بحجة الحفاظ على (الذات) ، وعدم الاعتراف عمليا بالاختلاف، الذي يمثل سنة الله في خلقه، وسبيله إلى التدافع الحضاري وتحقيق النمو والتعارف؛ والغياب تماما عن المنهج السنني، الذي يدفع إلى دراسة السنن والأسباب، على مستوى الأنفس والآفاق، الأمر الذي يمكن من امتلاك القدرة على التسخير ومغالبة قدر بقدر، وتغييب ثقافة الشورى والحوار والمفاكرة والمثاقفة والإدراك الكامل أن الحوار سبيل الدعوة الأمثل، وأن انتشار الإسلام في العالم قديما وحديثا إنما جاء ثمرة للدعوة والحوار، وأن انكماش الإسلام والخوف منه والحصار له إنما جاء بسبب المواجهة والتوهم أن السبيل الصحيح هـو مغالبة العدو أو الخصم بالقوة المادية، التي كان هـو الأملك لها دائما، على أهميتها، وأننا لم ننتصر تاريخيا بعدد ولا عدة وإنما انتصرنا بهذا الدين، وأن قيمنا أثبتت تاريخيا حتى في حالات التراجع العسكري والتخلف والاستعمار أن ثقافة المغلوب أقوى وأكثر تأثيرا من سواعد وعتاد الغالب، وإذا كان المغلوب كما يقال مولعا ودائما بتقليد الغالب فإن استقراء التاريخ الإسلامي يدل على أن الغالب تحول لاعتناق قيم ثقافة المغلوب.

وقد يكون سبب الكثير من الإصابات، التي نعاني منها اليوم، أو الإشكالية الكبيرة التي نعيشها، تتمثل في كيفية تعاملنا مع قيمنا المعصومة الخالدة في الكتاب والسنة، وامتلاك الفقه السليم لتنزيلها على واقع الناس، بحسب استطاعاتهم وما تتطلب حالاتهم من الأحكام في حدود تكليفهم ووسعهم، فليست القضية فقط هـي حفظ النص، والتأكد والثقة في نقل النص، والتحقيق في صحة النص، وهذه على أهميتها تبقى في إطار الوسائل والأسس والقواعد، التي لا بد من فحصها واختبارها قبل البناء عليها.. صحيح أن امتلاك النص السماوي الصحيح أو القيم السماوية الصحيحة لمسيرة الحياة يعتبر من أعلى أنواع الإمكان الحضاري، الذي يؤهل الأمة باستمرار للنهوض إذا أحسنت التعامل معه في ضوء واقع الناس، كما يشكل لها رصيدا من الحماية والممانعة من الانقراض والتلاشي الحضاري، لكن ذلك يبقى محاطا بأسوار التخلف والعطالة إذا لم يتقدم إلى التنزيل على واقع الناس، وتقويم سلوكهم به، والنهوض من خلال تعدية رؤاه وتوليد أحكامه في تطور وتطوير المجتمع.

إن الكثير من الجهود العلمية الشرعية، من فقه وتفسير وعلوم حديث وأصول، أو إن شئت فقل: جهود التفقه في نصوص الوحي، إنما يتمركز في الغالب حول إثبات النص وتأكيد صحة السند.. ولا أعتقد أن الأقدمين تركوا استزادة لمستزيد في مجالات التدليل على إثبات النص وصحته وسلامة نقله، من خلال ما أبدعوا من مناهج وأدوات في النظر والاجتهاد، وما اشترطوا من خصائص وصفات في الرواة، على مستوى الفرد والجمع الغفير، إلى أن استقر النص ولم يعد ينكره إلا جاحد أو مكابر لا ينفع معه شيء؛ لأن الإشكالية في ذاته وليست في قوة الدليل أو ضعفه.

بل لعل العقل والشرع يقضي بأن ذلك حصل كاملا غير منقوص مع اكتمال نزول القرآن والإعلان الإلهي عن حالة الكمال والاكتمال، وأن معظم الجهود لا بد أن تتوجه - فيما نرى - لفقه النص، في ضوء ظروف الزمان والمكان واستطاعة الإنسان، وإلا لاكتفينا بفقه الأقدمين للنص في ضوء ظروفهم وأحوالهم واستطاعاتهم، لكن خلود القيم، الأمر الذي يعني قدرتها على الإنتاج والتنزيل على كل الوقائع والمجتمعات، جعل باب الاجتهاد مفتوحا، وجعل النص مفتوحا على كل زمان ومكان وإنسان. ولعلنا نعاود القول: إن ثبات النصوص وصحتها، الذي يعتبر اليوم من المسلمات، يستدعي تحول الكثير من الجهود في التفقه والتفسير إلى فقه واقع المجتمع، الذي يعتبر محلا لتنزيل النص، وهو الميدان الأوسع للاجتهاد ، ومن ثم النظر في النص أو التفقه فيه من خلال كيفية التنزيل والتعاطي مع هـذا الواقع، في ضوء استطاعته، والارتقاء في تأهيله لاستكمال الاستطاعة واستيفاء تنزيل أحكام الله عليه.

إن فقه الواقع أصبح يتطلب، من الأدوات والوسائل والتخصصات في شعب المعرفة الاجتماعية والإنسانية، العناية الأكبر من الأنشطة العلمية والثقافية، خاصة وأن رصيدنا الضخم من فقه النص، أو المخزون الفقهي للنص، في الكثير من المسائل والنوازل، وعلى الأخص في مجال العبادات، يجعل الاقتصار على التوجه إلى فقه النص قد لا يأتي بجديد، لأن السابقين تبحروا في ذلك ولم يدعو استزادة لمستزيد وخاصة فقه العبادات، الذي يكاد يكون توقيفيا: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) (أخرجه البخاري ) ، ( لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هـذه ) (أخرجه مسلم ) ، والأصل أنه استكمل وكمل في عهد المبين عن ربه، فهو من الثوابت أيضا، لكن الإشكالية تبقى تكمن في غياب فقه الواقع، ومن ثم فقه التنزيل لهذه الأحكام واختبار مدى مناسبتها وملاءمتها لواقع الناس. وفي تصوري أننا ما نزال نحتاج إلى الكثير من العلوم والجهود حتى نتمكن من التفقه بالواقع إلى جانب فقه النص، ومن ثم ممارسة فقه التنزيل بحسب مكونات الواقع واستطاعاته.

إن انفصال فقه النص عن فقه الواقع، الذي يعتبر في الأصل من لوازمه، جعل التفقه في النص يتحرك غالبا في إطار نظري، بعيدا عن الحياة، وقد يعرض لمسائل طواها الزمن ولم يتبق لها على أحسن الأحوال إلا القيمة التاريخية، علما بأن من لوازم التفقه في النص التفقه في الواقع، إذ لا قيمة عملية لفقه النص المجرد بعيدا عن إدراك الواقع المجسد واستحقاقاته وكيفية تقويمه بفقه النص.

وقد يكون من الإصابات الثقافية الموجعة أن المعاهد والجامعات ومراكز البحوث، المنوط بها عملية النهوض والإنقاذ، لم تستطع أو تجرؤ على تجاوز فقه النص، الذي توارثته عن السابقين، إلى ضميمة فقه الواقع، الأمر الذي ما يزال يحاصر النص والفقه والمؤسسة ويعجزها عن أداء الدور المطلوب، وقد يكون ذلك بسبب عدم الاعتراف حتى الآن بمبدأ التخصص أو بالعلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل عام وضروريتها لعملية التفقه أو تنزيل النص على الواقع، تلك العلوم التي بلغت شأوا كبيرا في فهم المجتمعات، ومعرفة قوانين الحركة الاجتماعية، وتقديم دراسات وإحصاءات ومعلومات دقيقة تمكن من فهم واقع المجتمعات وقدراتها وتاريخها، وتمنح المداخل الصحيحة لكيفية التعامل مع هـذه المجتمعات وآلية النهوض بها. هذا إضافة إلى أن الكثير ممن يحملون ألقابا أكاديمية، رغم ادعائهم التوفر على القواعد والضوابط والمؤهلات الأكاديمية والموضوعية، ما تزال تغلب عليهم عملية التحشيد والحماس والإثارة والتهييج والتجميع والشعارات والجماهيرية والحزبيات، حتى ولو كانت في كثير من الأحيان على حساب الحقيقة والموضوعية، على حساب الإدراك الواعي لمعادلة المجتمع وفقه النصوص والتخصص، أو الفقه في شعب المعرفة المطلوبة، ووضع الأوعية الشرعية لحركة المجتمع، وإعادة إخراج الأمة.

إنهم بطبيعة ثقافتهم المتخلفة يعادون التوجه صوب الاختصاص والتفقه في الشعب المعرفية؛ لأن ذلك، بوهمهم، قد يقلص من مساحة حركتهم، ويخضع آراءهم للفحص والاختبار ودراسة الجدوى في المجالات المتعددة، وهم يريدون أن يكونوا فوق النقد والمراجعة وملء كل سمع وبصر، حتى لا يبصر الناس غيرهم، وكل ذلك إنما يتم باسم القيم والانتصار لها؛ ولا ندري ما هـي وسائل هـذا الانتصار التي لما تثبت جدواها في الكثير من الميادين، وما هـي مقومات النصر الموضوعية التي عملوا لها وانتهوا إليها؟

إن فقه الواقع لا يتحصل إلا بإحياء الفروض الكفائية ، وإدراك أهميتها، وتوفير التخصصات المطلوبة في الشعب المعرفية المتعددة، وعلى الأخص منها العلوم الإنسانية والاجتماعية والإحصائية، ذلك أن هـذا الفقه هـو الذي سوف يمكن من تنزيل الأحكام الشرعية على واقع الناس بما يتلاءم مع قدراتهم واستطاعاتهم، ويبصر بكيفية التدرج، وكيفية التعامل، واختيار الحكم الملائم للحال الذي عليها الناس، والتكليف الذي يستطيعونه: ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) (البقرة:286) ،

فما حدود هـذا الوسع الذي يترتب عليه التكليف وأخذ الناس بأحكام الشريعة شيئا فشيئا والحيلولة دون العبث بالأحكام الشرعية والاقتصار على حفظها أو حمل فقهها دون المعرفة الكاملة والدقيقة بمجال تطبيقها وتنزيلها؟

إن الاقتصار على التفقه بالحكم الشرعي أو بالنص دون التفقه بالمحل، الذي يعتبر من لوازم فقه النص – كما أسلفنا- سوف يؤدي إلى التعسف في إسقاط الأحكام الشرعية على واقع الناس دون النظر في مدى توفر شروط تطبيقها وفي مقدمتها الاستطاعة، ومن هـنا نلمح الفرق بين الإسقاط والتنزيل.

فالإسقاط - فيما نرى - هـو فقه النص، أو حفظ النص وجهل الواقع، أو عدم فقه الواقع، والقيام بمحاولات متعسفة في تطبيق النص في غير محله، الأمر الذي يسيئ للنص ويسيئ للمجتمع في الوقت نفسه، أما تنزيل النص على الواقع فهو يتطلب، إلى جانب فقه النص، فقه الواقع، ومن ثم اختيار الحكم الملائم له في الحالة التي هـو عليها.

وأعتقد أننا ما نزال، رغم هـذا الزمن المديد من الدعوة، نعاني من إشكالات كبيرة في مجال تطبيق الإسلام على واقع الناس، بسبب غياب هـذا التفقه الاجتماعي، الذي لا يتحصل إلا بتوفير مؤهلاته من الاختصاصات المعرفية، وإمكانية النظر في العواقب والمآلات. ومن المفيد هـنا أن نذكر ونذكر بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس ، رضي الله عنهما بقوله: ( اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل ) (أخرجه الإمام أحمد ) لأن الفقه ليس حفظا واستذكارا وإنما ملكة أو بصيرة قادرة على النظر في العواقب والمآلات.

وكم ستكون النتائج عظيمة إذا أدركنا أن الإسلام والأحكام الشرعية تبدأ مع الناس من واقعهم الذي هـم عليه، وضمن استطاعاتهم، وترتقي بهم شيئا فشيئا حتى مرحلة الكمال، وأنهم إذا طبقوا من الأحكام ما يستطيعون فقد طبقوا الإسلام المطلوب إليهم في هـذا المرحلة، ولو لم يستكملوا أحكامه جميعا، وبذلك يبرئون ذمتهم أمام الله، شريطة أن يؤمنوا بأحكام الإسلام جميعا ويجتهدوا في استكمالها.

ولا شك أن إشكالية التفقه في النص الشرعي وفقهه (الكتاب والسنة) والتفقه في الواقع، تبقى إشكالية مطروحة وسجلا مفتوحا لكل العصور والأجيال والبيئات؛ لأن النص خالد بأصل تنزيله، مجرد عن حدود الزمان والمكان والإنسان، وهو محور الفقه والفعل والثقافة والفكر، وهو نص مفتوح وغير مغلق أو مرتهن لطبقة أو كهنوت معين، فالنظر والتفقه فيه متاح وميسر للجميع،

يقول تعالى: ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (القمر:17) .

وهو خطاب الإنسان، خطاب أمة، ابتداء من الأمي فيها، الذي يتلقاه مشافهة ويستجيب لتكاليفه في حدود قدرته، وانتهاء بالعالم الكبير؛ وليس خطاب نخبة فقط؛ إنه وعاء خير يغترف منه الجميع، حتى غير المسلمين، فلقد خاطبهم وحاججهم وناقشهم وجادلهم وناظرهم، وكل يفيد منه ويفقه مقاصده وأحكامه بحسب مؤهلاته وأدواته ومواهبه.

ومن خصائص هـذا النص أن أبعاده لا تحدها حدود:

( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) (الكهف:109) ،

حتى على مستوى الإنسان الواحد، فكلما عاد إليه فسوف يلمح أفقا جديدا أو فقها (فهما) جديدا، فهو ( لا يخلق على كثرة الرد ) (أخرجه الترمذي ) ، وسوف يرتقي بإمكاناته الذهنية كلما عاود التلاوة والتدبر والتأمل: ( اقرأ وارتق ) (أخرجه الترمذي ) ، وسوف يجد أبعادا جديدة في النص أمامه، مهما ارتقى في تعلمه، ونضج عقله، واتساع معرفته، بل لعل هـذه المعارف تعين على إبصار آفاق جديدة للآيات في الأنفس والآفاق، وبذلك يتميز كلام الله على قول البشر، الذي مهما كان بليغا ومحكما فسوف لا نستطيع معاودة القراءة له أكثر من مرة أو مرتين، في أحسن الأحوال.

وعلى الرغم من هـذه القرون الطويلة على النزول وتطور الزمان والمعارف والإنسان، فإن ذلك كله لم يسجل إصابة واحدة علمية أو فكرية على النص القرآني:

( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) (فصلت:42) ،

لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل. من هـنا نقول: لا يمكننا شرعا ولا عقلا أن نعطي لأنفسنا الحق بحال من الأحوال أن نحجر على النص أو نغلقه على طبقة أو عصر أو مستوى علمي أو مجال أو جنس أو لون، وإنما هـو فضاء مفتوح - كما أسلفنا - للإنسان، في كل زمان ومكان، وهو محور الثقافة والتفاعل والتثاقف من خلال جدلية الخلود وإمكانه على العطاء في كل حين، ومن حيث هـو متاح لكل إنسان وخطاب للناس جميعا:

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) (النساء:1) .

وحيث إن النص فضاء مفتوح للناس جميعا، سواء في ذلك المؤمن والكافر، الأمي والعالم، الأمة والنخبة معا، فإن إغلاق النص تحت شتى المعاذير يناقض خلوده ويحول دون الاستجابة لأحكامه، وذلك على الرغم من أن التفاعل والانفعال بالنص، أو إن شئت فقل: فقه النص، من مستويات متعددة ومتنوعة سوف ينتج عنه غلو في الفهم أحيانا، وجهل في التأويل، وانتحال باطل أحيانا أخرى.

لكنها جدلية الحياة وتفاعلاتها ومدافعاتها، الأمر الذي يشحذ العقل وينعش الذهن ويحرض العلماء العدول لحماية الفهم، وحماية الفقه، وتسديد المسيرة، واستمرار رحلة التصويب والتجديد لأمر الدين، وهو ما يمثل أيضا جدلية التفقه في النص بين الأصوليين والعلماء والفقهاء والمفسرين والمثقفين بشكل عام، خاصة والقرآن حمال أوجه، وآفاق لغة التنزيل والفوارق الفردية في العلم والعقل والفقه تحتمل الكثير من المعاني، ولا أحد يمتلك الحجر على العقول ومنع التفقه في النص إلا لطبقة معينة، أو مؤهلات معينة، أو إغلاقه على طبقة على غرار ما حصل من علل التدين عند الأمم السابقة، الذين احتكروا فهم الكتاب المقدس وتفسيره (حملة الكتاب المقدس) وحجبوه عن الناس، فأصبحوا كهانا يتحدثون باسم الله، ويتسلطون على عباده باسم الدين.

ولعل من النتائج الطبيعية لهذه الجدلية - كما أسلفنا - أن ينشأ اعوجاج في الفهوم والتفقه في النص والتأويل، وعلاج ذلك بالحوار، والمناقشات، والمثاقفات، والمناظرات، وبيان الحق، فالحقيقة تهزم الخرافة، والفهم السليم يهزم الفهم السقيم، والسنة تهزم البدعة، والعدل يهزم الظلم، والمجتمع في النهاية هـو مجتمع بشري يخطئ ويصيب، ويظلم ويعدل، ويذنب ويتوب ويستغفر، ويتوهم ويتحقق، ويجتهد ويصيب ويخطئ، ويعجز ويقوى، وليس مجتمع ملائكة مبرمجين على فعل الخير، ولا مجتمع شياطين مخلوقين لفعل الشر، لذلك ( قال الرسول صلى الله عليه وسلم : « يحمل هـذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين ) .

فالتأويل والانتحال والغلو حاصل، وتفنيده وهزيمته مهمة قائمة، وهذه جدلية النص ومن ثم جدلية الحياة، والفكرة لا تهزمها إلا فكرة، أصح وأصوب، ولا تهزمها القوة بل قد تكرسها وتؤصلها.

ولعل الأزمة الحقيقية التي يعاني منها العقل المسلم اليوم هـي في التوهم أو الظن بأن حركة التفاعل الفكري والثقافي وتعدد الأدوات والوسائل لفقه النص وتنزيله على واقع الناس هـو صور سلبية، تشكل خطورة على الأمة ووحدتها، وكأنه يريد إقفال النص عن الناس، أو صب العقول في قالب واحد، وإلغاء سنة الله في الاختلاف والفوارق الفردية، وشد العيون إلى منظر واحد، وتحويل الوعي إلى وعاء واحد، وبناء الإنسان ذي البعد الواحد، وهذا يخالف سنة الخلق والفهم وما كان عليه حال وسيرة خير القرون.. وهذه الغيرة غير الصحية سوف تؤدي إلى انطفاء روح الأمة وتعطيل حيويتها، فإذا كان أصل الدين ابتداء متروك للاعتقاد بالاختيار:

( لا إكراه ) (البقرة:256) ،

فكيف يمكن أو يتم الإكراه على فهم أو منهج أو قاعدة لا تخرج في النهاية عن كونها من اجتهاد البشر؟!

ونعتقد لو أن تكافؤ الفرص موجود، والحرية متاحة، والنص هـو متاح بالأصل، فإن عملية التفاعل والتعامل مع النص سوف تمضي بشكل صحي سليم، وسوف يسقط الادعاء الجاهل، كما تسقط والفتاوى السلطانية والكهنوتية أمام الحقيقة العلمية والفقهية، حيث لا يصح إلا الصحيح في النهاية.

فالخوف إنما هـو من الاستبداد ، الذي ينشئ تفكيرا أعوجا وفقهاء أدعياء، وينتج فتاوى حسب الطلب، ولعل من حفظ الله لهذا الدين أن هـذه الفتاوى والأحكام تولد هـزيلة، ولا تلبث أن تفتقد تأثيرها وأثرها، على الرغم مما يحشد لها.

إن الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، يعطل العقول، ويطارد الحرية، ويلغي مبدأ تكافؤ الفرص، وينتج فقها سقيما وحملة فقه موظفين، حيث السلطة والمال تذل كثيرا من أعناق الرجال، وبذلك تنعكس الآية أو المعادلة، حيث تجترئ مؤسسات سلطة الاستبداد السياسي على تسييس الدين لتسويغ ممارساتها وشرعنة أفعالها، بدل أن تكون المؤسسة الدينية والفقهية قادرة على تديين السياسة وتعديل وجهتها صوب الخبر.

وقد يكون أحد جوانب الإشكالية، في التعامل مع النص، في الخلط في أدوات النظر والفحص والاختبار والتقويم والمراجعة، بين النص المعصوم الصادر عن الله الخالق العالم، بين معرفة الوحي في الكتاب والسنة، وبين الفهم البشري، أو إن صح التعبير تجاوزا: النص البشري، أي بين النصوص المتأتاة من معرفة الوحي والنصوص المنتجة من معرفة العقل واجتهاده، وإخضاع النصين لنفس المعايير والأدوات، والتوهم بأن النص المعصوم فيما وراء البحث في سنده وإثبات صحة نقله قابل للنقد، كما هـو الحال في النص البشري، الذي يتطلب أدوات في النظر خاصة بطبيعته من حيث مؤهلات صاحبة وصحة نسبته له، وصحته، وخطئه، ومدى ملاءمته للقيم في الكتاب والسنة... إلخ.

صحيح أن الدين بكل معطياته خيار في الأصل: ( لا إكراه في الدين ) لكن هـذا الأمر يقتضي بعد الاختيار، أو من لوازم هـذا الاختيار، التسليم بعصمة النص الإلهي؛ لأن ذلك من بدهيات الاختيار الأول.

نعاود القول: بأن النص الإلهي أو نص الوحي في الكتاب والسنة هـو خالد مجرد عن حدود الزمان والمكان والإنسان، ومؤهل للإنتاج في كل زمان ومكان، وهو خطاب الإنسان، سواء في ذلك المؤمن وغير المؤمن، وهو خطاب أمة وفي الوقت نفسه خطاب نخبة، وأنه ميسر للأمي والعالم المثقف والمتخصص، ولا أدل على ذلك من أن الإقبال على النص القرآني والإيمان به قائم ومستمر، ابتداء من الإنسان البدائي الذي ما يزال في أول السلم الحضاري وانتهاء بالإنسان في أرقى البلاد حضارة وتقنية، وأنه لا يجوز شرعا ولا عقلا محاصرة النص الإلهي وإغلاقه على زمن معين أو فئة أو طبقة وقد أنزله الله للناس حتى قيام الساعة، وجعل المنابر والمحاريب محل عطاء دائم، وتلاوته مفروضة، ومستمرة يوميا، لأداء العبادات، والتشجيع على تلاوته، وربط الثواب بمجرد التلفظ بحروفه وكلماته، فهو فضاء مفتوح على الزمان والمكان والإنسان، كما أسلفنا.

لذلك فإن فكرة إغلاق النص والتفقه فيه واستنباط الأحكام منه على عصر بذريعة الحيلولة دون الفاسدين والمفسدين وغير المؤهلين والمتطاولين، بحجة سد ذريعة الفساد، إعمالا لمبدأ « سد الذرائع » أو مبدأ «درء المفاسد أولى من جلب المصالح» الذي تحول من مصدر فرعي للتشريع أو مبدأ لا يرقى إلى المصدرية الفرعية المطلوبة لمعالجة الحالات الاستثنائية وبحدود معقولة ومقبولة، تحول إلى أصل عام يحكم على العقل المسلم بالعجز والعطالة وعلى النص الإلهي بالتجميد، والمحاصرة للخلود.

ونخشى هـنا من القول: إن فرض القوانين الاستثنائية، قوانين الطوارئ في المجال السياسي المستبد، تحت شتى الذرائع والمعاذير، وتجميد قوانين القضاء الأصلي، ومحاصرة استقلاليته، بحجة حماية المجتمع والحفاظ على أمنه، الأمر الذي جاء على حساب أمان المواطن من أجل توفير أمن السلطة، يقابله إلى حد بعيد ما حصل من إغلاق النص على زمن معين والحيلولة دون التفقه فيه، وإغلاق العقل بإغلاق باب الاجتهاد، وإيقاف عملية التفاعل والمدافعة والاجتهاد والتجديد، وإشاعة نوع من التخوف والهاجس الديني والشعور بعقدة الذنب لمن يحاول أن يجتهد في إدراك بعض دلالات النص.. خاصة وأن هـذا الخوف لم يحل دون الفاسدين والمفسدين من القول في النص الإلهي بأهوائهم، ومحاولة تسويته بالنص البشري، وأنسنته ليخضع لمعايير النقد والنقض والمراجعة والإلغاء كشأن النص البشري، وأن هـذا الإغلاق وضع حاجزا نفسيا أمام المؤمنين بمصدرية النص الإلهي وقدسيته، دون غيرهم من الفاسدين والمفسدين.

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن قواعد الاجتهاد أو مناهج تفسير النصوص واستنباط الأحكام في هـذا المناخ المغلق تحولت إلى قواعد ذهنية مجردة بعيدة عن إمكانية التشغيل في الواقع الفقهي عمليا وتوليد الأحكام، ولم يبق لها، لكثرة الحواجز والشروط التي قد تكون تعجيزية، إلا القيمة التاريخية، والانتهاء إلى الميدان الأكاديمي في المعاهد والجامعات، لتكون سبيلا للترقي والحصول على الشهادات، حيث لم يستطع حملة الفقه الجدد تشغيل هـذه القواعد وتطبيقها ولو بمجرد الإتيان بمثال واحد غير ما أتى به الأقدمون، والذي ما يزال يتكرر من كتاب لآخر، منذ عهود التدوين لهذا الفن حتى اليوم، فكيف لجهود التعديل والتطوير والتجديد أن تكون قادرة على تقديم فقه للنوازل المعاصرة؟ لقد تحولت إلى نوع من الجدل الكلامي (!)

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإذا كان الاجتهاد في النص، الذي هـو محل عمل وإعمال هـذه القواعد مغلقا، فما جدوى هـذه القواعد، وأين تعمل، وكيف تعمل وتنتج؟ إلا إذا اعتبرنا أن الزمن توقف، والمشكلات تتكرر، وأن الأقدمين لم يدعوا للآخرين شيئا إلا التكرار والشرح والاختصار واختصار الاختصار وتحقيق الكتب والدوران في عقول السابقين فقط، الأمر الذي قاد إلى إطلاق مصطلح «النص» الذي يعني في التراث العلمي الشرعي ما ورد في الكتاب والسنة على أقوال الفقهاء والمفسرين والأصوليين؟!

ولعل من الأهمية بمكان تحرير مصطلح «النص»، وبيان أن المقصود به ما ورد في الكتاب والسنة، أو إن شئت فقل: المتأتي من معرفة الوحي؛ ولهذا دلالته النفسية والشرعية واللغوية، حيث يشكل مصدر التشريع والأحكام، ويتميز بعظمة المصدر، وهو الخالق بكل صفاته وأسمائه الحسنى، كما يتميز إلى جانب عظمة المصدر بعصمة النص عن الخطأ والملائمة لفطرة المخلوق؛ لأن الخالق هـو الأعلم بمن خلق،

قال تعالى: ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) (الملك:14) ،

وهذا جميعه ينعكس على التعامل مع النص.

ذلك أن التعامل مع النص (معرفة الوحي) الذي مصدره الخالق، يتطلب خصائص وصفات ومؤهلات رفيعة في الذي يتعاطى معه، كما يتطلب أدوات ووسائل متميزة في كيفية التفقه به وتفسيره وفهمه وبيان مراد الله، واستشعار ما يترتب على ذلك من التكليف والإلزام للعباد.. يتطلب صفات من الأمانة، وسلامة النية، وحسن القصد، وطلب التسديد، والعون من صاحب النص، ليكون التعامل في مستوى النص، الذي يختلف عن التعامل مع سائر كلام الناس، خاصة إذا استحضرنا أنه يترتب على ذلك مصالح العباد ومصائرهم في دنياهم وآخرتهم.

إن استشعار المسئولية، واستفراغ الوسع، وبذل الجهد، واستكمال الأدوات، والإحاطة بالموضوع من كل جانب، والدقة في تناوله، واستقصاء معانيه، واستقراء الاجتهادات والتفسيرات السابقة، والانطلاق من البيان النبوي، والإحساس بالمسئولية الدينية الكبرى عن الموضوع، يعتبر من المقدمات الواجب توفرها قبل الإقدام على فقه النص، خاصة وإن هـذا العلم دين.

إن الذي ينذر نفسه للتعامل مع كلام الله، تفسيرا أو تفقها وبيانا للناس، لا بد أن يدرك أن من مهمته أن يتحقق بالأقدار الممكنة للبشر من الصفات التي يتمتع بها صاحب النص الأصلي؛ لأن المتفقه والمفسر والمبين لمراد الله يمثل وسيلة الله سبحانه لتوصيل رسالته للبشر، فهو ريث النبوة.

وهذه الصفات لا بد أن تستصحب في عملية التفقه في النصوص، بشكل عام، واستنباط الأحكام في الحلال والحرام، في المجال التشريعي، وبيان مقاصد النص، وما يترتب عليه من العمل والالتزام، حيث نلمح في الكثير من النصوص التي تقرر الأحكام، أو في آيات الأحكام، إبراز صفات محل الخطاب، أو محل النص: ( يا أيها الذين آمنوا ) ، أو من حيث السياق وبيان الغاية من التشريع: ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) (البقرة:179) ،

أو من حيث النهاية والفاصلة القرآنية: ( إن الله غفور رحيم ) التي تتحدث عن صفات مصدر النص بما يتلاءم مع مضمونه ومقاصده وهذا بذاته يحمل أبعادا ودلالات خاصة بالنص القرآني، يجعله يختلف عن التعامل مع أي نص قانوني آخر، إضافة إلى أن من متطلبات أو استحقاقات التعامل مع النص أن يكون المتعامل مدركا لعظمة مصدر النص، الذي يتعامل معه ويبين مراده، كما لا بد له أن يدرك عصمة النص حتى ينظر إليه من الداخل وما يتطلبه ذلك من إيمان، وليس من الخارج فقط كنص إنساني، وهذه آفة المستشرقين، حتى الموضوعيين منهم.

ذلك أن محاولات أنسنة النص، وإخضاعه للمعايير نفسها، أخرجته من طبيعته، كما أن محاولات تقديس كلام الناس والحيلولة دون نقده واختباره أخرجته عن طبيعته أيضا، وكرست الخطأ والكهانات.

لذلك، أعتقد أنه من الأهمية بمكان، سواء في ذلك عالم الأفكار أو عالم الأخبار أو إقامة القواعد العلمية والبناء المعرفي أو حصول الاطمئنان لتقلي الأحكام والمعارف الدينية، التحري الكامل للبعد المصدري واختبار مدى موثوقيته ودقته وصدقه واحتمال خطئه ومجموعة الخصائص والصفات والمؤهلات، التي يتحلى بها المصدر؛ لأن ذلك سوف ينعكس بالضرورة على تقبل الرسالة والاطمئنان إلى مضمونها وطريقة التعامل معها، كما ينعكس على أدوات الفحص والاختبار لمكوناتها، إضافة إلى ما تسكبه صفات المصدر في شخصية المتلقي من محاولات المقاربة والارتقاء إلى مستوى المصدر.

والارتكاز المعرفي وموثوقيته ظاهرة إنسانية، رافقت تاريخ الأمم والشعوب، وشكلت معالم ثقافية كبرى على طريقها الحضاري وتقدمها العلمي، فإذا كانت أهمية المصدر وموثوقيته لها هـذه المكانة في المعارف الإنسانية، بكل ما يعتري الإنسان ويجري عليه من الخطأ والنسيان والضعف والطاقات المحدودة والتأثر بمحيطه وبيئته ومواريثه العضوية والاجتماعية، فإن إدراك البعد المصدري وخصائصه وصفاته في القيم الدينية والأحكام الشرعية، التي تحكم سلوك الإنسان ويترتب عليها إسعاده أو شقاؤه، تصبح آكد.

ومن هـنا جاءت أهمية البحث في البعد المصدري للرسالة على مستوى القيم، السماوية والوضعية، في الحالات جميعا.

نلمح هـذا في تاريخ الحضارات وتراثها، حتى لنكاد نقول: لقد تبلورت الكثير من موثوقية المصدر في المجالات المتعددة، ولا تزال، من خلال تجارب الأمم واختبارها لهذه المصادر.

فعند العرب، زرقاء اليمامة تبصر وترى ما لا يراه غيرها..

ولا تكذب حذام فيما تقول، حيث الشائع عندهم:

إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام

وكذلك الحال في سائر الأخبار والأفكار والروايات والعلوم والصناعات. فإذا " نقل لأبي بكر ، رضي الله عنه خبر الإسراء، الذي مصدره الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم جاء الجواب: «إن كان قال فقد صدق» " .

وإذا ذكر سيبويه في النحو، والحافظ ابن حجر في شرح الحديث، والطبري في التفسير، وابن خلدون في الاجتماع والعمران ... إلخ، لم تحتج إلى بناء ثقة عند المتلقي.

فإذا كان مصدر الخبر وكالة الأنباء الفلانية أو الإذاعة الفلانية أو المراسل الفلاني، يتلقاه الناس بكثير من الاطمئنان، لما يعلموه عن دقتها وصحتها.

وإذا كان مصدر الصناعة الدولة الفلانية أو المصنع الفلاني، اطمأن الناس إلى إتقانها ومتانتها وبحثوا عنها في خضم الصناعات المختلفة.

وإذا جاءت النظرية العلمية من مثل العالم الفيزيائي أينشتاين مثلا، أو غيره، اعتبرها الناس مسلمة لا تكاد تناقش.

وهكذا الحال في سائر المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية والتربوية، ذلك أن غياب البعد المصدري للرسالة أثناء التفقه فيها والتعامل معها، يعتبر من الخلل المعرفي والمنهجي والشرعي معا.

وهذا الكتاب، يعتبر محاولة طيبة للفت النظر إلى بعد قد يكون غائبا عن بعض الدراسات والدارسين في مجال تفقه النص أو النصوص المتأتاة من معرفة الوحي، في الكتاب والسنة، وهو أهمية استحضار واستصحاب عظمة مصدر النص، وهو الله سبحانه وتعالى، بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أثناء التفقه في النص، أو التعامل معه، لاستنباط الأحكام وبيان مراد الله في النوازل والمستجدات، وما يترتب على ذلك من المصالح والمفاسد والحلال والحرام.

ذلك أن الاستشعار لعظمة الخالق وصفات مصدر النص، إضافة إلى عصمة النص، الأمر الذي يميزه عن كلام الناس، مصدرا من الخالق وعصمة من الخطأ، سوف ينعكس على الباحث استشعارا للمسئولية، وإتقانا للعمل، واختيارا لأدوات النظر، واختبارا للنتائج، واستكمالا للمؤهلات، وتتبعا واستقصاء للبيان النبوي، حتى لا تزل القدم، كما تمنحه أقدارا من الصفات النفسية والخلقية مما يتصف به مصدر النص من العدل والحكمة والرحمة والصدق والرقابة، الأمر الذي يجعله يتعامل مع النص من الداخل، إن صح التعبير، وبذلك يدرك بعض المعاني والمقاصد، التي قد تخفى على كثير ممن يتعامل مع النص من الخارج بعيدا عن الإيمان بمصدره.. ذلك أن غير المؤمن بمصدر النص (الله سبحانه وتعالى) وعصمته، وخاتميته، التي تقتضي خلوده، لا يمكن أن يتعامل معه بشكل موضوعي.

وهذه تعتبر من أكبر الإصابات لكثير ممن حاولوا التعامل مع النص الإلهي من الخارج، بالمقاييس والأدوات نفسها التي تعاملوا بها مع الكلام الذي يصدره البشر بكل مكوناتهم.

ولعل الإشكالية في هـذا كله تتمثل اليوم في محاولات من خارج النص لأنسنة النص الإلهي، في مقابل محاولات مقابلة لتأليه وتقديس كلام الناس.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث