الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله القائل: ( قل هـذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) (يوسف:108) ،

فالسبيل هـو الطريق المسلوكة، هـو المنهج المحقق للهدف.

لذلك فقد يكون اختيار الطريق وإبصاره من جميع جوانبه، وامتلاك الأدوات المطلوبة لكل مرحلة من مراحله، هـو الإشكالية الأساس والعقبة المطلوب اقتحامها حقيقة؛ لأن الضلال في بعض أبعاده لا يخرج عن فقدان بصيرة الطريق والبوصـلة المحددة للسـير، أو هـو غياب علم الطريق، حتى ولو عرف الهدف؛ لأن معرفة الهدف ومدى فائدته والحرص على بلوغه قد تكون من الشروط المطلوبة ابتداء، لكن تبقى الإشكالية في اختيار وتحديد المنهج الموصل.

فالمنهج هـو علم الطريق، أو بصيرة الطريق، وتوفير وسائله وأدواته الآمنة من الضلال؛ فكم من الأهداف السامية حالت دون الوصول إليها وبلوغها المناهج الخطأ والوسائل العقيمة، لدرجة حولت هـذه الأهداف لتصبح ضربا من الخيال أو المسـتحيل، الذي يصعب إدراكه، علما بأننا لو أنعمنا النظر لوجدنا أن الخلل كامن في المنهج أو في الطريق أو في اختيار الوسائل والأدوات الصحيحة.

لذلك فوضوح السبيل واستيعاب المنهج، بكل ما يتطلبه من الخطط والبرامج لتحقيق الأهداف، هـو المفصل الأساس في الإنجاز الملائم، ومن هـنا يمكن أن نتدبر قوله تعالى: ( قل هـذه سبيلي ) وأن وضوح المنهج وانضباطه يوازي في أهميته إبصار الهدف والتحقق من مدى قيمته؛ ذلك أن الكثير من الأهداف الكبيرة تحاصر وتموت من سوء التخطيط، وفساد المناهج الموصلة، وعقم الوسائل والأدوات المستخدمة، ولذلك نقول بأن البحث في الوسائل، أو فقه الوسائل، ودقة اختبارها لا يقل أهمية عن إبصار الأهداف وحسن اختيارها.

والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الذي خط خطا مستقيما وقال: ( هذا سبيل الله ) ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، متفرقة، وقال: ( هذه سبل.. على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ) (أخرجه أحمد ) ، الذي شكلت سيرته المنهج العملي للاتباع وتحقيق العبودية لله، في ظروف الحياة كلها، الذي كان ضالا طريق التوحيد والعبودية إلى الله، قبل هـداية الوحي، أو قبل معرفة الوحي،

قال تعالى: ( ووجدك ضالا فهدى ) (الضحى:7) ،

فالمنهج وعلم الطريق وتحديد الوجهة للوصول إلى الهدف يحتاج إلى بوصلة تنقذ من الضلال في مراحل كثيرة من الطريق، هـذه البوصلة وهذا الدليل تحددها معرفة الوحي، حتى ولو احتاج الطريق إلى الكثير من الوسائل والأدوات.. فهذه الأدوات جميعا إذا افتقدت البوصلة سوف تضل الوجهة وتنتهي إلى الضياع.

من هـنا تأتي أهمية البحث في المناهج والوسائل وإبصارها من خلال البوصلة الموجهة (البصيرة) ، وأن ذلك لا يقل أهمية، كما أسلفنا، عن الإحاطة بمعرفة الأهداف.

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» العشرون بعد المائة: «فقه الوسائل في الشريعة الإسلامية» للدكتورة أم نائل بركاني ، في سلسلة الكتب التي تصدرها «وقفية الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني للمعلومات والدراسات» (مركز البحوث والدراسات سابقا) في دولة قطر، في محاولتها الدائبة لمعاودة التأسيس والتأصيل العلمي والثقافي وبناء النخبة (أهل الحل والعقد؛ ولكل قضية أهل حلها وعقدها، بحسب موضوعها) القادرة على استصحاب الماضي، أو بمعنى آخر: بناء أهلية النخبة القادرة على أن تكون بمستوى قيمها في الكتاب والسنة إيمانا، وتراثها التاريخي عطاء، القادرة على العودة إلى الينابيع الأولى من خلال فهوم أسلافها ووسائلهم ومناهجهم في التعاطي مع القيم في الكتاب والسنة، واستيعاب الظروف التي أنتجت هـذا العطاء، وعدم القفز من فوق التراث إلى الكتاب والسنة إما عجزا عن استيعابه وتوظيفه وإما مجازفة، وبذلك تلغي هـذا الرصيد العظيم من التجربة بكل مكوناتها، من النهوض والسقوط، والصواب والخطأ.

هذا من جانب، ومن الجانب المقابل الجنوح إلى الانحباس ضمن إطـارات التـراث، وعدم القـدرة على اسـتلهامه، ومعاناة غربة الزمان والمكان.

إن التراث أعمار تضاف إلى عمرنا، وتجارب تضاف إلى تجربتنا، وعقول تضاف إلى عقلنا، فإذا كانت النخبة في مستوى قيمها وتاريخها وتراثها وحضارتها، وحققت في ضوء ذلك رؤية وبصيرة ومناهج ووسائل متجددة للتعاطي مع الحياة، وليس ذلك فقط وإنما لا بد لها أن تكون قادرة على الإفادة من التراث لتصبح في مستوى عصرها علما وتخصصا ومعرفة وشراكة حضارية؛ بهذا دون غيره تستطيع معاودة إخراج الأمة لتكون في مستوى إسلامها وعصرها معا، ذلك أن انكسـار أحد طرفي المعادلة يعني -فيما يعني- التخلف والتقهقر والتراجع وفسح المجال لامتداد (الآخر) بكل رؤاه ومناهجه ووسـائله، أو بتعبير أصح أن ذلك يعني إما غربة الزمان وإما غربة المكان، وفي ذلك كله ضلال في السعي، وخروج من الحياة بفعلها وفاعليها، وتعطيل لآليات التفاعل والتعامل معها. إن المنهجية التي تفاخر بها الحضارة المعاصرة، وقد بلغت في ذلك شـأوا بعيدا يكاد يخطف الأبصـار حقيقة –حيث لا نجاح ولا نهوض إلا بامتلاكها؛ لأنها وسائل التقدم والارتقاء وأدوات البحث العلمي والكشف المعرفي- هـي علوم الطريق لكل سالك يريد الوصول، هـي الوسائل الموصلة إلى الغايات، هـي الأسباب المؤدية إلى النتائج، هـي دليل النظام على مستوى الكون، على مستوى الأنفس والآفاق، حيث لا عبثية ولا فوضى ولا بخس ولا تطفيف،

يقول تعالى: ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) (المؤمـنون:115)

ويقول: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) (النجم:39) ،

ويقول تعالى: ( إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا ) (الكهف:84-85) ،

فالحياة موازين للأعمال، فهل تكون هـذه الموازين، من بعض الوجوه، مناهج مسلوكة تؤدي إلى الخير؟

فإذا كان تعريف المعجزة، التي هـي من قدرات الخالق المميزة له عن المخلوق، هـي: «خرق الأسباب»، أليس الوجه المقابل للمعجزة هـو تأكيد أن المنهجية والسببية هـي السبيل إلى تحقيق الغايات والوصول إلى الآمال والحصول على النتائج، ليس في شئون الحياة فقط وإنما في المجال العبادي أيضا: الصوم طريق التقوى، والزكاة طريق طهارة النفس، والحج طريق الخلاص من الذنوب، والصلاة سبيل الالتزام بالخير والانتهاء عن فعل الفواحش والمنكرات، وأن موازين الله لا تغفل مثقال الذرة؟ نعود إلى القول: إن الحضارة، التي تكاد تكون متحكمة بالدنيا جميعا اليوم إنما هـي حضارة المنهج، أو الحضارة الممنهجة بشكل عام، وأن سبب امتدادها واستمرار بسط نفوذها وغزارة إنتاجها أنها لم تصب بالتصلب والتكلس المنهجي، وإنما كانت ولا تزال تمتلك المرونة للاستيعاب كما تمتلك الشجاعة في الإقدام على التجربة والملاحظة والتغيير والمراجعة والارتقاء والإفادة من كل ملاحظة وخبرة ومعرفة، كما أنها تحاول باسـتمرار تقويم المناهج واختبار مدى ملاءمتها للزمان والمكان وتغيـر الحال.. (أما نحن، فلا نـزال نكرر القاعدة الفقهية الذهبية: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان» ، ونكتفي بالضجيج حولها والاجترار لها والمراوحة والمفاخرة دون أن نفعل شيئا، فلقد استحكمت إصابتنا، إننا نقول كثيرا ونفعل قليلا، حيث المطلوب أن نقول قليلا ونفعل كثيرا.. فهل بدأنا المرحلة الأخطر في تكريس التخلف، وهي التفكير بألسنتنا؟) .

وليس ذلك فقط، بل أصبح من معطيات الحضارة المعاصرة أن لكل علم وفن ومعرفة ومجال مناهجه ووسائله ودليل طريقه وتخصصه وخبرته.

ولو كنا بمستوى تراثنا المتأتي من قيمنا في الكتاب والسنة لتبين لنا أننا أمة المنهجية تاريخيا، فسائر علومنا ومعارفنا إنما جاءت ثمرة لمناهج ووسائل وطرائق موصلة في حقيقتها، وإن تحولت في عصور الركود والتخلف إلى شعارات ومفاخرات وقواعد ذهنية مجردة جامدة متقطعة الأوصال، فاقدة للحياة، حتى يمكن القول: إن بعضها حتى من ناحية الحفظ والاستمرار، أصبح مهددا بالانقراض.

فعلم أصول الفقه بكل ضوابطه ودقائقه هـو منهج الوصول إلى استنباط الحكم الشرعي للالتزام به وانتظام الحياة باتباعه؛ وليس علم الأصول منهجا واحدا وإنما مناهج متعددة متنوعة، فالقياس منهج له مقوماته، والاستحسان منهج، والاستصحاب منهج، والعرف منهج، والإجماع منهج، والسنة منهج، ولكل منهج كيفياته وأدواته.. والقرآن منهج المناهج، منه استمدت العقلية المنهجية.

وما يقال في مناهج الأصول، التي أنتجت هـذه الثروة الفقهية العظيمة، يقال في مناهج التفسير والحديث وقواعد التلاوة وقواعد البلاغة وقواعد النحو والصرف وهكذا، حتى لنكاد نقول: إن العلم والفقه الحقيقي وميدان البحث الحقيقي هـو ميدان المناهج، ميدان علم الوسائل، وعلم الطرق المؤدية إلى الهدف؛ وهذا العلم هـو سبيل للتقدم المعرفي وثمرة للتجريب والملاحظة والخطأ والصواب، بل هـو اليوم يكمن وراء وضع الخطط والاستراتيجيات، وحتى علوم المستقبل أو وسائل استشراف المستقبل، الذي ما يزال عصيا عن حواس الإنسان، واقعا في إطار تخميناته وتقديراته واستنتاجاته، من خلال مقدمات الواقع وقياس الحاضر على الماضي والمستقبل على الحاضر. فالإشكالية في نهاية المطاف إشكالية منهج، فإذا غاب المنهج حوصرت الأهداف، وتعطل عطاؤها، وأسيئ إليها، وأجهضت قيمتها، وتحول الناس إلى غيرها، بوهم أن الإصابة فيها.

ولا بد من التأكيد أن لكل شيء منهجه الموصول إليه، وليس المنهج الواحد مؤهلا لتحقيق النتائج في كل علم وفن، صحيح أن التربية المطلوبة إكساب العقل صفة المنهجية بشكل عام، لينطلق العقل بعد ذلك لاكتشاف منهج كل علم وفن.. فالحضارة الحديثة اكتشفت لكل علم منهجا، ولكل فن منهجا ووسيلة.. صحيح أن مناهج العلوم التجريبية أبناء أسرة واحدة، كما أن مناهج العلوم الإنسانية كذلك، إلا أننا إذا تجاوزنا المعطى العام فسوف نجد أن للرياضيات منهجا، وللفيزياء منهجا، وللكيمياء منهجا، وللطبيعة منهجا، وللفلك والكون وسائل معرفة ومناهج، ولعلوم المجتمع والتاريخ والنفس والاجتماع والإنسان مناهج.

فالعقلية المنهجية ابتداء هـي التي تستصحب وتكسب المنهجية في المجالات جميعا، وتبدع لكل شعبة معرفية منهاجها؛ وقد تتعدد المناهج والمذاهب في النظر، والحركة مستمرة في التعديل والتكميل وكشف الخلل والإلغاء والاستبدال، والرحلة المعرفية ماضية إلى يوم القيامة.

وكان عندنا، كما أسلفنا، للأصول منهج، وللتفسير منهج، بل مناهج لكل منهما، وللنحو منهج، وللبلاغة منهج، وللصرف منهج، وللتلاوة منهج... وهكذا.. لكن إيقاف الاجتهاد كان إيقافا للتفكير والامتداد وحصول القطيعة المعرفية وعطالة امتداد المناهج وإفقادها مرونتها وحيويتها وامتداد عطائها، فأصبح كل الجهد ينصب على فهم مناهج الأسلاف، والقليل القليل من الجهد لكيفية تطويرها وإعادة تشغيلها وإعمالها، فتحولت من وسائل وعلوم طريق إلى غايات بحد ذاتها، وبذلك نتعلم معالم الطريق، ونتوقف عن السير فيه، ونقطع المسافات الوهمية، ونحن نراوح مكاننا (!)

والإشكالية المنهجية أو الذهنية لإنسان التخلف، التحول من التفكير بإبداع الوسائل والاجتهاد في تطوير المناهج وتجريبها وإعمالها واختبار مدى ملاءمتها، وهي وظيفة العقل الأولى ومحل الاجتهاد الأساس، والتحول إلى المفاخرة والمناظرة والتباهي وصـرف الجهود لبيان عظمة ما نمتلك من أهداف وما حقق أسلافنا من نتائج، علما بأن ساحة فعل العقل الحقيقية هـي الوسائل والمناهج؛ لأن ساحة التفكير في المناهج هـي التي نمتلكها، أما الأهداف والنتائج فهي التي تملكنا ولا نملكها؛ والتخلف دائما يحول المعادلة، فنسعى إلى ما يملكنا ونعدل عما نملكه ونقدر عليه، ونخشى في ذلك أن يضيع أجرنا وعمرنا.

إن الاجتهاد في تحديد الوسائل، واختيار الملائم منها، لتحقيق الأهداف، من خلال ظروف الزمان والمكان والحال والاستطاعة، واختبار جدواها في تحقيق المطلوب، لا يغني فيها حملة الفقه وحفظته، بل الفقهاء الخبراء، الذين يفقهون النص ويدركون الواقع، بكل مكوناته وإمكاناته، والظروف المحيطة به، ويطورون وسائلهم في ضوء ذلك كله ( فرب حامل فقه إلى من هـو أفقه منه ) (أخرجه الترمذي ) .

هذا النوع من الاجتهاد، في حالة تغيير ونمو وحركة مستمرة، حيث أباح الإسلام للمؤمن النطق بكلمة الكفر، على خطورته، في حالات الاستضعاف والإكراه، شريطة أن يحتفظ في داخله بالإيمان، حماية لنفسه من الإهلاك؛ لأن النفس، محل الحكم، مقدمة في الاعتبار على الحكم، حيث لا قيمة للحكم ولا جدوى منه إذا افتقد المحل (المكلف) ،

قال تعالى: ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) (النحل:106) .

كما أباح الإسلام الكذب، على خطورته وعواقبه، في حالة الحرب وحالة الإصلاح بين المتخاصمين... واستخدم الرسول التورية ليعمي على أعدائه وجهته في الحرب، وقال: ( الحرب خدعة ) (البخاري) .. وهكذا نرى أن الوسائل متحركة، متطورة بحسب الحالة المطلوب التعامل معها.

إن المعاناة أو الإشكالية التاريخية إنما كانت في عجز الخطط والوسائل وقصورها عن تحقيق الأهداف والمقاصد، إضافة إلى أن هـذا القصور والخلل لم يكن محلا للمراجعة والتقويم وتحديد أسباب الفشل، والعمل على استدراكها، وتقديم تجربة نضيجة للأجيال القادمة، بحيث يحول الفشل والعجز إلى تجربة تغني مسيرة الأمة وتسددها وتبصرها بعثراتها وما يمكن أن يعتريها على الطريق، أما الاستمرار بالعقلية الذرائعية أو ما يسمى اليوم بنظرية المؤامرة، والإلقاء بالتبعة على مجموعة مبهمات لنعفي أنفسنا من التبعة ونعفيها من المراجعة والتقويم للخطط والوسائل، فبذلك تستمر حالة الوهن والهوان دون أن نكتشف السبب، ولو أردنا كشفه لاكتشفناه، ولكن عقلية التستر بحجج وذرائع أصبحت لا تليق، هـي المشكلة.. وقد رافق هـذه الحالة فهوم معوجة تحميها، وتدين مغشوش يقيم حولها الأسوار، ويحول دون مسها، وهي مقولة: «علينا أن نعمل وليس علينا إدراك النتائج» دون أن نسأل أنفسنا: ماذا نعمل، وكيف نعمل؟ ولماذا لم تتحقق النتائج؟ ونطرح السؤال الكبير: لماذا؟ وبذلك فقط يمكن أن نحدد الخلل ونستدركه.

ولا شك أن تلك العقلية حملت الوسـائل والمناهج، التي هـي محل الاجتهاد البشـري، إلى مرحـلة القدسـية، وحرمت جواز المس بها أو مناقشتها، وليس ذلك فقط وإنما حولت هـذه الوسائل إلى أهداف نكتفي بتكرارها وترديدها ونقف عند حدودها دون فحص أو اختبار لمدى عطائها، وقد تغيرت ظروف الزمان والمكان.

وليس أقل من ذلك خطورة أن يقودنا التدين المغشوش إلى العطالة عن الفعل والمراجعة والتقويم لوسائلنا الفاشلة، التي لم تحقق النتائج المرجوة، والاستبدال لها وتغييرها بحسب تغير الظروف والاستطاعات، وتأثيم مجرد النظر فيها بحجة أنه يحكمها القضاء والقدر ويتحكم فيها الله، وأنه ليس في وسـع البشـر عن طريق الحكمة والنظر والاعتبار تغييرها أو تبديلها، وأنه لا سبيل إلى ذلك مطلقا؛ لذلك فمن غير المجدي أن يعمل الإنسان شيئا فيما قضى به الله، وما على الإنسان إلا أن يدع الأمور تجري في أعنتها، وهكذا تنطلق الأمور وتتداخل الفهوم والحدود بين القضاء والقدر والحرية والإرادة الإنسانية.

وفي تقديري أن تلك هـي معضلة التدين المغشوش عبر تاريخ الإنسان، وأنها قد تضيق وتتسع لكنها لم تنقطع، وقد تغيب وتخبو لكنها لا تلبث أن تظهر وتعود، وخاصة في حقب التخلف عندما نريد تسويغ الواقع والفعل الخطأ وتعجزنا الحيلة ولا تسعفنا الأدلة، فنلقي باللوم على القضاء والقدر.. ولو كان ذلك كذلك لتحولت الحياة إلى أسوار صلبة وسنن قسرية تفتقد معها إرادة الإنسان وفعله، وتصبح مسئوليته عن أفعاله عبثا من العبث.. وهذه الحجج غالبا ما لجأ إليها بعض حكام الاستبداد والساسة، الذين اعتبروا أنفسـهم قدر الأمة، ولولا إرادة الله لما كانوا، فما على الأمم إلا السمع والطاعة، وأن المعارضة هـي معارضة للقدر، ومن ثم دخلت ساحة الفكر والعقائد؛ لأن تسييس الدين والفكر سعي وسعاية قديمة، حيث السياسة أدهى وأمكر في تسييس الدين والعقيدة وتدجينها، وعجزت المؤسسات الدينية عن تديين السياسة، فكانت نتيجة المعركة باستمرار لصالح السياسة.

وأعتقد أن هـذه المعضلة التاريخية وجدت حلا في الرسالة الخاتمة، على الأقل في مرحلة القدوة، حيث كان الفهم واضحا والتمييز مبينا بين القدر والحرية، وأن الإنسان حر مختار مريد، وأنه مسئول عن عمله، وأن لا معنى للتكليف والمسئولية والإيمان بيوم القيامة إذا كان الإنسان مسلوب الإرادة.

ففي الإسلام ينسب الفعل واختيار الوسـائل الموصلة للإنسان؛ ولقد أشـعر الإسـلام الإنسان بمسـئوليته عن عمله، وبين له أن الإخفاق وعدم إتقان الوسـائل واختيار الطرق الموصلة مسـئوليته بالدرجة الأولى: ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هـذا قل هـو من عند أنفسكم ... ) (آل عمران:165) ،

والمعروف هـنا أن الخطاب للصحابة بقيادة الرسول ( في معركة أحد، حيث عللت الهزيمة بعدم إتقان الأسباب الموصلة إلى النصر.

وما تلك الحادثة التي مرت في حياة الصحابة، حيث عاب أحدهم على أخيه، عندما غادر بأنعامه المكان المجدب إلى المكان الخصيب، بأنه يفر من قدر الله، فكان جواب التصحيح والتصويب: " نفر من قدر الله إلى قدر الله.. " ومن هـنا كانت قولة الإمام ابن القيم ، رحمه الله، فيما معناه: «ليس المسلم الذي يستسلم للقدر، وإنما المسلم الحق الذي يغالب القدر بقدر أحب إلى الله».

هذا الفهم الدقيق في تقديري يحسم الأمور، إضافة إلى أنني أعتقد أن السنن، التي شرعها الله في الأنفس والآفاق، وطلب إلى الإنسان السعي إلى كشفها وتسخيرها، ومغالبة قدر بقدر، هـي أقدار الله، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: ( سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ) (الأحزاب:38) ..

فهذه السنن هـي الأقدار الماضية في الناس، بحسب الإمكانات وتفاوت الاستطاعات البشرية والمادية.

ونخشى هـنا أن يترافق مع الفهم المعوج لقيم الدين قدر من الحماقة، حيث الإصرار على الخطأ، دون أن ندري، فالعاقل الذي يعتبر بغيره، خطئه وصوابه، والأحمق من يصبح عبرة لغيره.

ولعل الأخطر من ذلك التوهم بأن الكتاب والسنة يضما البرامج والخطط، ومحاولة تحميل النصوص ما لا تحتمل، ووصف البرامج والخطط بالإسلامية، وكأنها قرآن وسنة، مع أنها اجتهاد بشري يتوصل إليه في ضوء القيم الإسلامية.

وقد لا نكون بحاجة إلى القـول: إن ما ورد في الكتـاب والسـنة إنما يصنف في إطار الأهداف والقيم الضابطة للمسيرة الموجهة للبرامج والمناهج، أما البرامج والمناهج فهي من وضع البشر ومن وضع العقل، الذي يجري عليه الخطأ والصواب، وإن صح النص على الوسائل في الكتاب والسنة فذلك إنما يتحدد غالبا بالعبادات: ( ... إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ... ) (العنكبوت:45) ،

( لتأخذوا مناسـكـكم، فإني لا أدري لعـلي لا أحج بعد حجـتي هـذه ) (أخرجه مسلم ) ، ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) (أخرجه البخاري ) ، ( ارجع فصل فإنك لم تصل ) (أخرجه البخاري ) ، ( الصوم جنة ) (أخرجه البخاري ) ، وسـبيل تحقيق التقوى، الزكاة وسيلة الطهارة والنماء وهكذا...

أما في مجال المعاملات والأنشطة الحياتية جميعا القائمة على المصالح، فإن إبداع خططها ووسائلها منوط بالعقل وضعا ونقدا ومراجعة وتبديلا وتغييرا، أما دور الوحي في الكتاب والسنة فهو ضبط للوجهة والمسيرة، وتحديد للهدف؛ والاجتهاد محله الوسائل والمناهج والطرق الموصلة.

وهنا قضية نعتقد بأنها أساس في هـذا الشأن، وهي أن لكل هـدف وسـيلته، ولكل معرفة وعلم منهجها، ولكل مشـروع إدارته، ولكل فن علمه القـائم بذاته، وإن تلاقى الجميع بأهمية العقـلية المنهجية.. وهذه الوسـائل أو المناهج دينامية متحركة متغيرة متبدلة، بطبيعتها وبتراكم المعارف وتلاقح التجـارب، وملاحظـة الخطأ والصواب في التجربة الواحدة.

حتى في المجال الصناعي، نجد المبدعين فكروا بوسائل متعددة اختصارا للوقت واختصارا للجهد، وزيادة للإنتاج، فعمدوا إلى حذف الحركات غير المجدية للعامل، وصمموا له طريقة تؤدي إلى زيادة الإنتاج بالجهد نفسه، وهكذا في مجال تعميم استمارة الاصطفاء المسلكي والتوظيف، حيث الاستمارة خاضعة دوما للمراجعة والاختصار للوصول إلى معرفة الموظف ومؤهلاته بأقل وقت وجهد، وكل ذلك في جميع المجالات.. وكل اكتشاف، حتى ولو كان يقوم على الوسائل القديمة، إلا أنه يعود عليها بالتعديل واكتشاف بعض الخطأ، وهكذا تستمر رحلة المعرفة والكشف ووسائل الملاحظة.

فالمناهج والوسـائل هـي ميدان الكشـف المعرفي واستخراج المخبوء ورؤية الآيـات في الأنفس والآفاق؛ هـذه الرؤيـة التي تمثل سر الحياة وسر حركتها وامتدادها، بل تمثل جدلية الحياة الدائبة، فلا يقف الكشف إلا بتوقفها.

فإذا كانت الأهداف الأساسية من الثوابت وهي أقرب ما تكون إلى القيم التي تصبغ الحياة: ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ... ) (البقرة:138)

وهي متأتية من معرفة الوحي في الكتاب والسنة، فإن الوسائل من المتغيرات المتحركة التي لا تتوقف، حيث التوقف يعني الموت وانقطاع الحرية.

وقد يكون لتحقيق الهدف أكثر من طريقة ووسيلة، وقد يكون بعضها طويلا وبعضها مختصرا، وقد يأتي كشف العلم والتقدم الفكري بوسائل أحدث وأسرع.

لكن لا بد لنا من القول: بأن لكل معرفة منهجها، ولكل علم طريقة الوصول إليه وأدوات البحث فيه، فمنهج العلوم السياسية ومتطلباته وأهلية الاجتهاد فيه والمعارف المطلوب تحصيلها للفقه فيه غير منهج الثقافة، غير منهج الشريعة (أصول الفقه) ، غير منهج التربية؛ ومنهج العلوم التجريبية غير منهج العلوم الإنسانية والاجتماعية ؛ وسنن الأنفس وفهمها وإدراك كيفية التعامل معها غير منهج الآفاق المادية وأدوات النظر فيها.

ويبقى القول: إن من أعظم أنواع فقه الوسائل وأعلاها مرتبة هـو الفقه الشرعي، فقه الأدوات والآليات التي يتوصل بها إلى استنباط حكم الله، فالاجتهاد لكشف مراد الله من المكلف هـو الأدق والأهم، وهو رأس الأمر كله، الذي ينعكس بدقته ومتطلبات الأمانة فيه وآدابه على سائر فقه الوسائل الأخرى، في أنشطة الحياة جميعا، فهو أساس صلاح الناس في معاشهم ومعادهم.

وبعد،

فهذا الكتاب، بما عرض له وبحثه من فقه الوسائل، يعتبر محاولة جادة ومطلوبة لاستدعاء هـذا الملف إلى ساحة الاهتمام، بعد هـذا الغياب الفكري والفقهي الطويل لهذا الموضوع اللافت حقا والمهم جدا.

وعلى الرغم من أن الكتاب، في معظم ما تناوله، اقتصر على ما ورد في كتب الأقدمين من قضايا وأمثلة ومصطلحات ومعالجات وتنوعات في النظر، ولا شك أنها تحقق بعدا منهجيا بطبيعة الحال، له عطاؤه ودوره في التشكيل الذهني للمسلم المعاصر، إلا أننا نأمل في الوقت نفسه أن يفسح المجال ويفتح الباب للنظر في هـذا الموضوع، الذي هـو دائما محل للاجتهاد المتجدد والمتنامي؛ ذلك أن الكلام في فقه الوسائل -في المنهج- لا يقل أهمية عن الكلام والبحث في فقه المقاصد؛ لأن الوسائل هـي ساحة الاجتهاد الحقيقي والسبيل إلى تحقيق المقاصد، ذلك أن المقاصد تبقى أهدافا معلقة عصية على التطبيق والتنـزيل على الواقع، حال غياب المنهج السليم.

صحيح أن البحث قد يكون غلب عليه طابع التجريد الذهني في كثير من جوانبه، ولعل ذلك من لوازم البحث والمتطلبات الأكاديمية من بعض الوجوه، إلا إنه يؤكد قضيتين:

الأولى: أن تراثنا العظيم والمقدور إنما تولد وأنتج وأبدع من خلال عقلية منهجية واجتهاد منفتح وممتد.

والثانية: أشرنا إليه من أن مثل هـذا البحث يمنح العقل ويكسبه المنهجية ويشعره بأهميتها، ويؤكد أهمية النظر في الخطط والمناهج وتسديدها ومراجعة وتقويم مدى تحقيقها للأهداف، بما يمكن أن نطلق عليه: «فقه الخطط والاستراتيجيات والمناهج والوسائل وأدوات النظر».

ويبقى الكتاب، في أصله، بحثا أكاديميا عرض للمذاهب والاتجاهات المتصلة بهذا الموضوع، وناقشها مناقشة علمية مستفيضة، كنا نود لو أمكن نشره كاملا، وحسبنا، بما اخترناه، أننا فتحنا نافذة على الموضوع للمثقف المسلم بشكل عام، على أمل أن تتمكن الباحثة من نشر الكتاب كاملا حتى يفيد المتخصصون منه على الشكل الأكمل.

والله ولي التوفيق.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث