الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي جعل التفاهم والتعاون والتعايش والتسالم هو سبيل بناء الحضارة الإنسانية، وغاية التنوع البشري، وعلة الاجتماع والعمران، ووسيلة الفقه الحضاري وتحقيق التقوى والكرامة الإنسانية، التي تشكل السياج السليم للنسيج الاجتماعي بعيدا عن النـزعات العنصرية، فقال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) (الحجرات:13) .

فمعيار الكرامة الإنسانية في الرؤية الإسلامية، الذي يرتكز إلى التقوى هو العاصم الحقيقي من كل ألوان الصراع القائم على الجنس والعنصر واللون والجغرافيا والمكانة الاجتماعية والطبقية، الموصل إلى السلام والتحقق بالإنسانية السعيدة والمجتمع الآمن.

والصلاة والسلام على رسول الإنسانية جمعاء، يقول تعالى: ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) (الأعراف:158) ، الذي جسد القيم الإسلامية الإنسانية في مجتمع النبوة، ليكون أنموذجا للاقتداء في التعاون والتفاهم والتعايش والتسالم، وأقام المؤسسات الاجتماعية وفي مقدمتها عقد المآخاة بين المهاجرين والأنصار وبناء المسجد، محور الحياة والنشاط الاجتماعي، وكتابة الوثيقة التي مثلت عقدا اجتماعيا ودستور التعايش والتسالم في المدينة، عاصمة المسلمين الأولى.

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» السادس والثلاثون بعد المائة: «الآثار الاجتماعية للتوسع العمراني.. المدينة الخليجية أنموذجا» للدكتور عبد الله بن ناصر السدحان في سلسلة «كتاب الأمة»، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، في محاولتها الدائبة لاسترداد الوعي، وبيان أبعاد الرؤية الإسلامية للكون والحياة والحضارة والإنسان، هدفها وركيزتها، وتقديم نماذج من الاعتبار والتدبر في القراءتين، في كون الله المنظور وكتاب الله المسطور، للحياة المعاصرة، بفلسفتها ورؤاها وإنتاجها، على الأصعدة المتعددة.

إن هذا التدبر يجعل الإنسان قادرا على القراءة بأبجدية صحيحة للحياة والأحياء، ويمكنه من أن يحدد مكانه، ويقدر فاعليته بدقة، ويدرك أبعاد رسالته في واقع الحياة، في ضوء استطاعته، آخذا في الاعتبار الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، مستصحبا المنهج السنني في التغيير وحسن التقدير، بعيدا عن المجازفات والشعارات الكبيرة وقرع طبول الحرب، دون إعداد واستعداد، وشعارات الحمـاس والتعبئة، دون دراية وتخطيـط، الأمر الذي لم يورثنا إلا مزيدا من التخلف والتراجع الحضاري وتبصير عدونا بنا، وتعريفه بجوانب ضعفنا، وإثارة عنصريته وتعصبه وأحقاده.

وفي تقديرنا أن تلك الحـال ما تزال تحـكم حركتنا؛ لأننا ما نزال في مرحلة التخـلف والوهـن الحضـاري وحياة القصعة، ندع ما يقع ضمن اسـتطاعتنا من اكتـشاف دوائر الخير والتوسع فيها إلى التطاول إلى ما لا نستطيع؛ التطاول إلى القضايا الكبيرة ظنا منا أنها تحل وتعالج بالشعارات والصراخ والحماس وسماكة الحناجر وضخامة الأصوات، وقرع الطبول، واستمرار الندب، فتهدر بذلك إمكاناتنا، ويضل سعينا، وقد نظن أننا نحسن صنعا؛ حالنا كحال من افتقد بوصلة الهداية فاختلطت عليه الأمور وتحديد الجهات فمشى مكبا على وجهه.

والمحزن حقا أنه لم يبق لنا من الإيمان، إلا من رحم الله، إلا التلفظ بالشهادتين وممارسة عادات تحت مسمى العبادات.

ولعل أول الطريق إلى تغيير الحال يبدأ من الإحاطة بعلم بأنفسنا وإمكاناتنا، وتحديد مواطن الخلل فينا، ومن ثم الإحاطة بعلم الواقع من حولنا؛ ونقصد بالواقع الحال، التي عليها الأمة المسلمة الآن وحال خصومها وأعدائها والظروف التي تحيط بها.

وليس ذلك فقط، وإنما اكتشاف نقاط التقاطع والالتقاء والتشارك في ما بين معطيات الرؤية الإسلامية ونواتج الحضارة المعاصرة، التي تحيط بنا من كل جانب، بعين متخصصة بصيرة، والتعرف الدقيق على أن الحضارة المعاصرة ليست شرا مطلقا ولا خيرا مطلقا، وإنما هي من هذا وذاك، والعاقل هو القادر على التمييز، العارف ماذا يأخذ وماذا يدع، المدرك لدوره في هذا الواقع ورسالته في الحياة والمجتمع وما يتطلبه ذلك من آليات وخطط وأعمار وآجال وحتى أجيال.

ذلك أن الحضارة الإسلامية، التي توقفت شرايينها عن التدفق ونسغها عن الامتداد والعطاء والقيام بوظيفة الاستخلاف والعمران من قرون عديدة، الأمر الذي يعني التراجع الحضـاري، وفسح المجال لامتداد الآخر في فراغنا، لا يمكن أن تخـتزل تلك الفجـوة الحضـارية بسـاعات وأيام وسنيـن، كما لا ينفع معها التعالج بالبكاء على أطلال الماضي وامتداد الافتخار بإنجازاته لمعالجة مركب النقص في كثير من الأحيان، وبذلك يتحول النواح على الماضي من دافع ومحرك ورافع ومحرض حضاري إلى مانع ومعوق ومعطل ومكرس للعجز ومخرب للوعي ومؤد إلى الغيبوبة الحضارية ووهم العافية.

ولا مندوحة من الاعتراف بأننا على حال متخلفة لا نحسد عليها، حيث تحيط بنا أخطاؤنا، وتحاصرنا معاصينا من كل جانب، الأمر الذي أسقطنا في ارتهان حضارة (الآخر) ؛ وليس ذلك فقط، وإنما في استمرار اتساع الفجوة الحضارية التي تزداد كل يوم، بل كل ساعة تقريبا بيننا وبين (الآخر) ، لدرجة من الهوان أصبحنا معها ميدان تجارب ووسيلة إيضاح لنمو وتقدم (الآخر) . ولا تقتصر هذه الإصابات على أصحاب الشأن السياسي، الذي نكاد نحمله عادة كل الأوزار لإعفاء أنفسنا، وإنما باستطاعتنا القول: إن أصحاب الشأن الديني والشأن التربوي والشأن الثقافي ليس أحسن حالا وأقل مسؤولية من أصحـاب الشأن السياسي في هذا الجانب، إن لم نقل: إن الشأن السياسي إنما هو ثمرة ونتيجة للخلل والإصابات الخطيرة في تلك الجوانب جميعا.

والناظر في حال الأمة على الأصعدة المختلفة، الديمغرافية والاقتصادية والسياسية والتربوية واللغوية، قد لا يجد في الواقع المعيش ما ينتسب إلى مرجعيتها أو يشير إلى تواصلها الحضاري، حيث تقيم حاضرها على أصول وقيم حضـارة أخرى؛ لقد انتهينا إلى الحـالة الذي ذكرها القرآن من التقطـع في الأرض، سياسيا واجتماعيا ولغويا، حيث تقطعت الأمة أمما: ( وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ) (الأعراف:168) .

إن ملامح واقع الأمة اليوم، بشكل عام، يشير إلى أن هذا الواقع جاء ثمرة ونتيجة لحضارات غازية وثقافات مهيمنة تكاد تأتي على مقومات الأمة جميعا بحيث باتت تغيب معها قسمات هوية الأمة وتاريخها وتواصلها الحضاري.

لقد تجاوز الحال، التي نحن عليها، عملية التبادل الثقافي والمعرفي والشراكة الحضارية الموهومة، الحال الطبيعية بين الأمم والشعوب والحضارات، إلى الاستلاب الحضاري والتنميط ضمن سياقات الحضارة الغالبة، وذلك على الأصعدة المتعددة، السياسية والثقافية والتربوية والتعليمية واللغوية والسياسة السكانية والفنون العمرانية؛ لقد تحولنا إلى أرقام معطلة المعنى والفاعلية، لدرجة أصبحت معها تلك الأنماط أو هذا الحال من التنميط أشبـه بعقود إذعـان تسـلب إرادتنا وتعطل اختيارنا في كل مجالات الحياة وحركتها.

وقد يكون أحد وجوه الإشكالية أنه بعد أن تقطعت الأمة أمما تقطعت ثقافتها، ومزقت رقعة أفكارها، وهجنت لغتها، وعجمت ألسنتها، وتبعثرت مرجعيتها، واهتزت كلياتها، واختلت أولوياتها، وأصبحت كل أمة من هذه الأمم شظية تعيش حبيسة مرحلة معينة من الماضي تتقولب فيها (!) لقد سقطت في فخاخ ذلك الماضي وفتنه ومشكلاته، وهي ما تزال تقيم المعارك ولا تقعدها بغير عدو حقيقي، وتغرق في النظرات الجزئية، التي تعميها عن رؤية المشكلات الأساس بشكل صحيح وتحول دون القدرة على التحقق بالرؤية الشاملة، التي تمكن من رؤية الحاضر، وتستصحب عبرة الماضي، التي تحقق لها العبور وصناعة المستقبل السليم.

فهل يحق لنا أن نقول: إن ذلك بسبب افتقادنا المعيار ودليل الهداية ووسيلة الاقتداء؟ أم نقول: لقد اختلطت علينا الأمور، وعميت علينا الأشياء، إلى درجة أصبحنا معها نقدس المدنس وندنس المقدس، ونقبل الضار ونرفض النافع المفيد؟ وهل السبب في ذلك منتجات الحضارة وسياساتها وثقافتها وفضاؤها؟ وهل هذا هو الذي شل إرادتنا وعطل ذهنيتنا وأخرجنا من مرجعيتنا فتحولنا إلى زبائن أغبياء لا نحسن حتى التقليد والمحاكاة، لا تلامذة أذكياء متعلمين؟

إن الحضـارة المعـاصرة بآلتها وجبروتـها تحيط بنا من كل جانب، كما أسلفنا، في البيت، والشارع، والمركب، والمشرب، والملبس، والمدرسة، والنادي، والجامعة، والمسرح، والمعرض، والمكتبة، والدائرة، وطرز البناء والعمران، تحاول تنميطنا وقولبتنا وفقا لمقاييسها حتى ولو كنا نختلف عنها قيما، وتاريخا، وعادات، وتقاليد، وموروثات حضارية، ومعادلات اجتماعية، وعمر حضاري؛ إنـها تمارس التخـلية، بمعنى التفريغ، من كل ما يختلف عنها، وتحشد لذلك العلماء والخبراء من كل اختصاص، وتحاول الإمساك بعقول النخب السياسية والثقافية والتربوية والفكرية، تجندها في محاولة لنخرب بيوتنا بأيدينا؛ لقد أصبحنا، وإلى حد بعيد، نمثل رجع الصدى لها، على كل المستويات، حتى ولو كنا نقاد إلى حتفنا بظلفنا.

لقد بدأت الإصابات تترى وتتوالى علينا، في السياسة والثقافة والتربية والتعليم والسياسات السكانية وطرز البناء والعمران، وتوثق بمعاهدات دولية تمثل بالنسبة لنا ارتهانا وعقود إذعان؛ لقد تمحورت معظم السياسات المستهدفة حول الأسرة، في محاولة لإيقاد الصراع بين أفرادها، والدعوة والإغراء بالتمرد والصراع على قيمها تحت شعارات «الحرية الشخصية» وفلسفات «صراع الأجيال» والحق في «حرية الاختيار»، ومواجهة التمييز ضد المرأة، والحد من الاغتصاب الجنسي، حتى في نطاق الحياة الزوجية، والمطالبة بالحقوق المتساوية في الإرث والسفر والإقامة والقوامة، وذلك شأن كل الفلسفات التي تدعو إلى الخلاص من سلطة الأبوين وإسقاط مجتمعات الأبوة بإطلاق؛ وليس ذلك فقط وإنما إيقاد الصراع أيضا بين الرجل والمرأة، ومحاولة إلغاء الفوارق العضوية والنفسية والتخصصية والوظائف الاجتماعية، والدخول إلى أخص الخصوصيات، والتدخل في العلاقات الزوجية بأدق دقائقها، الأمر الذي أدى إلى تفكك الأسرة في عالمنا الإسلامي، التي كانت ولا تزال تعتبر الحصن الأخير للتربية والخلق والثقافة والعادات.

لقد وضعت الفلسفات للتحول من الأسرة الممتدة، بكل عطائها وروابطها ونسيجها الاجتماعي وما تحققه من التوارث الاجتماعي والتجانس بين الأجيال، إلى الأسرة النووية، التي تقتصر على الأب والأم والأولاد، التي تقطعت معها الأوصال، وقضي فيها على صلات الأرحام، وأدت إلى تمزق النسيج الاجتماعي للأمة، والعبث بقيمها وتاريخها.

وبالإمكان القول: إن ذلك كان سبيلا إلى عملية تدمير كامل للحياة الاجتماعية، بكل أبنيتها، بما في ذلك الأسرة النووية، ويمكن لنا بنظرة بسيطة ومستعجلة أن نبصر المصير الذي انتهت إليه الأسرة النووية من التباعد والتفكك والصراع بين الأزواج والزوجات والأبناء والبنات؛ ولو طرحنا سؤالا: كم من الأسر النووية المعاصرة استطاعت الصمود والامتداد؟ لأجابتنا معدلات الطلاق بما يبلسنا والغاوين؛ ولو عقدنا مقارنة بسيطة بين أسرنا السعيدة في التاريخ الإسلامي وماذا أنجبت وأنتجت من العلماء والقادة والأبطال وأسرنا التعيسة المعاصرة وماذا تنتج من المأزومين والانهزاميين والمغرورين والفاسدين بشكل عام، لعرفنا ببساطة إلى أين نسير، وماذا يحمل لنا المستقبل (!) لكن يؤسفنا أن نقول: إن العاقل يعتبر بغيره وخطأ نفسه، والأحمق من يكون عبرة لغيره.

إن أسرتنا المعاصرة فقدت الروح الجماعية، التي تربي العواطف، وتقوي الأواصر، وتدرب على التعاون والإيثار والوفاء والإخلاص والحب والرحمة واحترام الكبير والعطف على الصغير.

لقد أصبح أفراد معظم أسرنا المعاصرة أشبه بنـزلاء الفنادق، لكل غرفته وطعامه ومنامه واهتمامه وممارساته لشأنه الشخصي، حتى ولو جمعتهم أحيانا غرفة أو مجلس واحد؛ فالتلفزيون لبعضهم هو أمه وأبوه وأخوه وأخته، وحديثه وأنيسه فهو مشدود إليه، يعيش بجسمه فقط في الأسرة؛ ومنهم من ينكفئ على الكمبيوتر يحاكي من يريد ويستدعي ما يريد؛ ومنهم من يغرق في بحر الإنترنت بكل أطيافه ومخاطره؛ ومنهم من قد يمضي وقته كله خارج المنـزل ويعود منهكا إلى فراشـه وكأن لا علاقة له بغيره؛ وكثير من النساء المتحضرات المتحررات يغادرن البيوت إلى وظائف منهكة قد لا تمت إلى وظيفتها الاجتماعية والعضوية بنسب، فتكسب دريهمات بخسة قد تدفع بها إلى التمرد والانكفاء وعدم الانسجام الأسري، ومحاولة الاستقلالية الخادعة، دون استشعار لأهمية دورها في التربية، وكأن تربية الأولاد والسهر على الأسرة عبثا من العبث وليس عملا (!) وحتى بعض المتدينات، لسن أحسن حالا، من اللواتي بدأن يخرجن باسم الدعوة والنشاط الديني، حتى ولو كان ذلك على حساب الزوج والأولاد وسعادة الأسرة وتأمين متطلباتها والقيام باستحقاقاتها، وكأن رعاية الزوج وتربية الأولاد وغرس الفضائل والرعاية الصحية وبناء العواطف وتمتين الأواصر الأسرية في البيت ليست من الدعوة إلى الله (!) لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا وأشد خللا إذا لم تدرك المرأة أبعاد مهمتها في الأسرة والدور المنوط بها، فيصبح مكثها في البيت ذا إشارة سلبية ويشكل عبئا عليها وعلى أسرتها، وبذلك تخسرها الأسرة وتخسرها الأمة.. وهكذا يستغرقنا الاعوجاج حتى في فهمنا لقيمنا الدينية وتطبيقاتها على الواقع.

وليس ذلك فقط، وإنما بالإمكان القول: إن نمط وطرز العمران وشكل البناء وهندسته المقلدة لحضارة (الآخر) ضاغط ودافع إلى تفكيك الأسرة واختصار حجمها، والوصول إلى الأسرة النووية، والانخلاع من الأسرة الممتدة؛ وليس ذلك فقط أيضا وإنما يمثل ضاغطا ودافعا لأفراد الأسرة، وخاصة المرأة، للخروج إلى الشوارع والمجمعات والشرفات والأسواق والمطاعم.

لقد كان طراز البناء ثمرة واستجابة للرؤية الشرعية، بكل استحقاقاتها وأبعادها وحدودها الشرعية، في الحل والحرمة؛ كان معوانا للأسرة على الاضطلاع برسالتها، ومكملا ومساعدا على الالتزام بأخلاقها.. كان طراز البناء وفن المعمار قائما على الستر والراحة والمتعة؛ كان يسهل النظر في الكـون، والاتصال بالسمـاء، والتأمل في آلاء الله؛ كانت البيوت (الدور) تتمتع بفسحة سماوية، وتحتوي على حديقة مملوءة بالزهور والأشجار المثمرة، محاطة بغرف ومرتفقات من دورين تأخذ المرأة فيها حقها من المتعة والحرية وكأنها في غرفة نومها، فجاءت الأنماط الحديثة تحاصر المرأة، تحجبها عن السماء وتحبسها في غرفة كأنها السجن أو العلبة تضغط عليها، وتدفعها دفعا للخروج إلى الشرفات والحدائق، الأمر الذي قد لا يمكنها كل خرجة من ارتداء اللباس السـاتر، الذي نتساهل فيه شيئا فشيئا، هذا إضافة إلى ما يحمله هذا الخروج من استكمال المظاهر واللباس والتزين والمفاخرة (!)

لقد انقلبت الآية، فخـرجت الزينة إلى الشـوارع، وتحولت البيوت إلى مستودعـات لأدوات زينة الشوارع، فالشارع محل الزينة والبيت مخزنها، هذا إضافة إلى ما يحمل تقابل الأبنية والنوافذ من كشف للعورات وانكشاف يتطلب من المرأة المسلمة أن تكون في بيتها بكامل لباسها وكأنها في الشارع، الأمر الذي سوف لا يستقيم ولا يمتد، حيث لا بد أن يخرجها شيئا فشيئا.

والعلة ليس فقط في طراز ونمط البناء، الذي يقطع الإنسان عن الاتصال بالسماء وينكس رأسه إلى الأرض، وإنما بالتدخل أيضا بتكوين الأسرة ومحاولة استيراد سياسيات سكانية عجيبة وغريبة على ديننا ومجتمعنا وواقعنا الديمغرافي؛ سياسات تتناسب مع حضارة العمران وطرز البناء المستوردة أيضا، تدخل علينا متدثرة بثوب العلم والمعرفة ومستصحبة التجارب والدراسات الرعيبة عن خطورة الزواج المبكر والذي باتت تحشد له الدراسات الوهمية حتى ولو صادم الفطرة، وفتح المجال أمام الرذيلة والعلاقات المشبوهة، من مثل أهمية تنظيم النسل والمباعدة بين الولادات بدل أن يقولوا تحديد النسل، ومحو الفوارق بين الجنسين، واختراع مصطلح جديد (الجندر) حتى يصدق على الذكر والأنثى، دون معرفة الجنس، وإشاعة وتفشي الزواج خارج نطاق الأسرة، وتشريع قوانين الحماية له، والتقنين لزواج المثليين،... وإلى آخر هذه القائمة الدنسة.

إن هدم الأسرة الممتدة، وتقطيع صلات الأرحام، وإلغاء الذاكرة الأسرية والتوارث الاجتماعي المتواصل بين الأجيال، ومحاولة تجاوز التقاليد والأعراف بدعوى الاقتصار على الأسرة النووية، في فلسفة للحياة الاجتماعية، والرؤية الحضارية الاجتماعية، وإقامة العمران وتخطيط البيوت والمدن وطراز الأبنية في ضوئها، شكل في الحقيقة بداية الطريق لإلغاء الأسرة كليا، سواء في ذلك الممتدة والنووية معا.

لقد أصبحت الحياة الاجتماعية تعني -فيما تعني- أزواجا بلا زوجات، وزوجات بلا أزواج، وآباء بلا أبناء، وأبناء بلا آباء، وزواج متعة وصداقة، وزواجا خارج إطار الزوجية، وزواجا بشرط عدم الإنجاب، وزواجا مثليا.. لقد انتهت الأسرة في الحضارة المهيمنة بكل أشكالها، فهل ندرك غايات ومرامي تلك الفلسفات قبل فوات الأوان؟ يأتي ذلك كله في الوقت الذي تشكو فيه بلادنا، وخاصة مجتمعات الخليج، من قلة السـكان الأصليين وخطورة غلبة الوافدين إليها من كل أنحاء الأرض.

والمؤسف، أشد الأسف، ما يمارسه بعض الخبراء القادمين من الخارج، الذين يسرقون أموالنا في النهار ويعبثون بحياتنا: ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) (النساء:89) من تقديم واقتراح خبرات عجيبة وغريبة، من تطبيق قوانين وسياسات المجتمعات الأخرى، التي تشكو من التخلف وزيادة السكان وقلة الموارد وضيق الأماكن، يأتوا بهذه الخبرات ليطبقوها على مجتمعات تختلف في طبيعتها وعقيدتها وتاريخها وإمكاناتها..... إلخ.

وما أزال أذكر أننا كنا في بعض بلداننا العربية الإسلامية نناقش قضية التربية والتعليم والأبنية المدرسية ومتطلباتها من التوسع وأهمية التخطيط لهذه الأبنية بشكل مواز لنمو الطلبة وبمعدلات مدروسة، فاقترح أحد المشاركين، وقد يكون من الخبراء (!) أن يجعل الدوام في المباني الموجودة على ثلاث دفعات، فتصبح المدرسة تستوعب ما تستوعبه ثلاث مدارس؛ ولما حاولنا مناقشة ما يترتب على ذلك من سلبيات ضياع الأوقات والتسكع في الطرقات، وزحمة الشوارع، وانعكاس ذلك على البيئة ووسائل النقل، وانتقاص حق الطالب من المعرفة، كان جوابه (المقنع) طبعا بأن في دولة الصين خمس دفعات تتتابع في المبنى الواحد.. وهكذا تتم المقارنات المحزنة بين بلد يبلغ عدد سـكانه المليار إنسان وبلد لما يصل عدد سكانـه إلى المليون أو بعض المليون (!) فكيف يمكن أن نطبق تلك القوانين التي جاءت ثمرة لكثافة سكانية معينة على بلد يشكو الفقر السكاني؟ وهكذا مع الأسف تدار الأمور وتوضع الخطط (!)

وقد تكون الإشكالية كلها في أننا نستورد المشكلات، التي تعاني منها المجتمعات الأخرى، ونفترض وجـودها عندنا، وبالتـالي نبرر استيراد الحـلول والخـبراء لمعالجة المشكلات المفترضة أو الموهومة، ونضيع بذلك أمـوالنا وأوقاتنا ومجتمعاتنا ولا نواجه المشكلات الحقيقية التي نعاني منها.

فالسياسات السكانية المستوردة، واستراتيجيات التنمية، ودراسات ومعاهدات التمييز ضد المرأة، ودراسات معالجة ظواهر العنف الأسري، وتأليب أفراد الأسرة على بعضهم تحت شعارات ومسميات خادعة، وتسليط أفراد الأسرة بعضهم على بعض بدأ ينذر بنتائج خطيرة هنا وهناك، وهذا يمكن أن يشكل الملامـح الجديدة المعاصرة والقادمة لبلاد العالم الإسلامي عامة: ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) (البقرة:109) .

وهذا الرد والإخراج من الدين لم يعد بالوسائل المباشرة، التي قد تحدث عكس مفعولها فتؤدي إلى استشعار التحدي والاستفزاز وتعمل على تجميع القوة والنفرة إلى المواجهة، وإنما تحول إلى ألوان أخرى من التسلل واستخدام القوى الناعمة المتدثرة بثوب العلم؛ تحملها إلى العالم الإسلامي المتخـلف والعـاجز والمـؤهل لتقبل كل شيء دون فحص أو اختبـار؛ ولو كان مؤهـلا للفحـص والاختبار والبصارة الحقيقية لما يأخذ وما يدع لما كان متخلفا وعاجزا، لذلك أصبح محلا لنفايات الحضارات والثقـافات الأخرى، تحت شعارات المشاركة والحوار والتفاعل والتفاهم والعولمة.

والإشكالية الاجتماعية قد تكون أكثر وضوحا في دول الخليج والجزيرة العربية، مهبط الوحي، حيث كانت الأسرة بما تمثل من التقاليد الاجتماعية السليمة والمؤسسات الاجتماعية والتوارث الاجتماعي والروابط الاجتماعية تشكل الحصن الأخير للأمة المسلمة.

لقد بدأ يصلها هذا الوباء الاجتمـاعي، وإن كانت المناعة والاسـتجابة ما تزال تختلف من مكان إلى آخر، فالتفكك الأسري بدأت نذره، والعزوف عن الزواج أصبح ظاهرة، وزيادة معدلات الطلاق صار مرعبا، والتحول إلى الأسرة النووية وتقطيع الأوصال الاجتماعية يسير بسرعة رعيبة.

والأخـطر من ذلك كله المشـكلة الديمغرافية، الألغـام الاجتماعية أو الألغام البشرية التي تزرع بزيادة الوافدين وتناقص سكان البلد الأصليين، حيث بلغت نسبة الوافدين من جنسيات مختلفة ما يقارب 80% من السكان في بعض بلدان الخليج، بعاداتهم ولغاتهم ومشاكلهم وجرائمهم، حتى بات يصدق فينا قول المتنبي:

ترى الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان

ذلك أن المشكلة الاقتصادية هي الأهون على كل حال، أما المشكلات الاجتماعية والثقافية والأمنية والجاسوسية فهي أشبه بالألغام الموقوتة، التي بدأت تنفجر هنا وهناك. لقد بدأت المدينة الخليجية تفتقد هويتها وملامحها وقسماتها إلى حد بعيد، فإذا نظرت إلى طراز البناء، أو نظرت إلى سحن الوجوه في الشوارع والدوائر، أو نظرت إلى طرز اللباس والمأكل والمشرب فيصعب عليك تحديد الجغرافيا التي تعيش فيها.

وبعد:

فإن الكتاب الذي نقدمه تمحور حول إشكالية بدأت تأخذ أبعادا خطيرة، إلى حد بعيـد، وهي الهجـرة من الريف إلى المدينة ومن البداوة إلى الحضارة وما يترتب عليها من مخـاطر وسلبيات؛ إنه يشكل صوت النذير ويقرع جرس الإنذار، ويقدم بعضا من الآثار السلبية لهذا الاغتراب ونماذج لهذا التقطع في الأرض، ويشير إلى ضريبة ما يسـمى (التحضر) ، وانفلات الذمام، والخروج عن الانضباط والتخطيط، الذي قد ينتهي إلى الاستلاب الاجتماعي ويستدعي خبرات (الآخر) وينتهي إلى الاختلال الحضاري والعمراني.

إن ظاهرة الهجرة الكبيرة من البادية إلى الحاضرة، أو من حياة البداوة إلى حياة الحضارة في المدن، وما يترتب عليها من آثار سلبية وعمران عشوائي غير متجانس، وتبعثر اجتماعي، وتطاول في البنيان من رعاة الشاة، على الرغم من كل الاختلالات المدنية والعمرانية والاجتماعية، التي يورثها، يعتبر من بعض الوجوه مؤشرا ودليلا وعلامة على اقتراب الساعة حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل، عليه السلام: ( أخبرني عن أمارتها، قال:... أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ) (أخرجه مسلم) ، ذلك أن هذا الاختلال الاجتماعي والعمراني مؤذن بالخراب العميم؛ وانتهاء الحياة على الأرض.

وقضية أخرى قد يكون من المفيد أن نشير هنا إليها وهي أن تفكيك المدن والأحياء وإعادة تنميطها باسم التنظيم قد يقصد في كثير من الأحيان إلى بعثرة تماسكها، والقضاء على تجانسها وتعارف أهلها، الذي كان يحول دون اختراق أي غريب أو اختفاء أية جريمة.

إن هذا التفكيك هو بلا شك أحد أهداف أنظمة الاستبداد السياسي ومتطلبات الأجهزة الأمنية حتى يسهل زرع أزمة الثقة وتحقيق إمكانية السيطرة عليها وتسليط بعض السكان على بعض؛ كما أنه أحد أهداف الاستعباد وأنظمة الهيمنة الدولية، التي تسعى اليوم إلى تفكيك الدول وخلخلة المجتمعات بإثارة العنصرية والإثنية والقـومية والطائفية، حيث قد لا يوجد بلد مسلم اليوم إلا ويعاني من هذا التدخل وهذه التشظيات المرسومة القادمة.

إن المدن والأحيـاء وأنماط البنـاء والعمران كانت أشبه بحصون وقلاع تحمي أهلها، وتمتن الأواصر بينهم، وتحمي أعراضهم وأخلاقهم وأمنهم؛ فهي كالإهاب للجسد الواحد، أما الآن في الأنماط العمرانية الجديدة فلا يعرف أحد أحدا، ويبقى كل أحد مصدرا للشك والريبة والتجسس على الآخر! وفي تقديري أنه لا بد في ضوء ذلك من التفكير بإعادة النظر في تشكيل المؤسسات الاجتماعية، وبناء رسالتها، وعدم الاكتفاء بالتشخيص، دقيقا كان أو غير ذلك.

وقد يكون بدء الإحساس بإشكالية ما ظاهرة إيجابية تمهد الطريق لوعيها وإدراك مخاطرها، هذا الإدراك الذي يمثل بحد ذاته المحرض والمحرك المتحدي والمستفز لاستشعار الخطر ومن ثم تلمس سبيل الخروج قبل أن تتحول الظواهر إلى كوارث، لكن الخطورة، كل الخطورة، أن تبقى الأمة عند عتبة الإحساس والشكوى والتأوه والتبرم، حتى يصبح ذلك، بحد ذاته، عملا بدل أن يدفع للعمل.

ولعلنا نقول هنا: إن العقود المتطاولة، التي تمر بنا وتحمل لنا المشكلات اقتصرت في كثير من الأحيان، عند إعلاميينا ومفكرينا وخطبائنا... إلخ، عند حدود التشخيص للمشكلة، هذا إن كان التشخيص صحيحا ودقيقا، واعتبر ذلك عملا، دون القدرة على التجاوز ووضع الحلول الناجعة للإصابات الواقعة، وما تزال تزداد فينا دفقات الحماس والتوثب والانفعال، وترتفع نبرة الخطاب، إلى درجة قد تدفعنا إلى بعض الممارسات الطائشة وغير المدروسة والمـأمونة، التي لا تزيد حياتنا إلا خبالا، وواقعنا إلا تعقيدا.

وفي الحال التي عليها الأمة الآن من الاستلاب العمراني والديموغرافي، والاغتراب الفكري، والتفكك الأسري، وبدء غياب المشروعيات الكبرى ومعاني الوحدة الجامعة والتفاعل الصحيح نحتاج إلى العزيمة الصادقة وأخذ الكتاب بقوة، نحتاج إلى إدراك وإخلاص؛ نية وعزيمة، إيمان واستقامة، فكر وفعل؛ نحتاج إلى إعادة تشكيل وتفعيل المؤسسات الاجتماعية التي أنتجت المجتمع الأول، والقيم التي ضبطت مسـيرته، والأخلاق التي حكمت علاقته، ليبعث الحياة فينا من جديد.

كم نحن بحاجة في هذا الاغتراب الاجتماعي والاختلاط الديموغرافي والتنميط العمـراني، حيث نحارب بالحجر والبشر لنخرج عن قيمنا، كم نحن بحاجة إلى إعادة النظر بوظيفة المسجد الجامع، سفينة الإنقاذ، بكل معانيها وأبعادها ليتحول المسجد إلى رئة اجتماعية تساهم في إعادة النسيج الاجتماعي، وإحياء حقوق الأخوة بكل متطلباتها، تشيع قيم المحبة والإحسان والعفو والإيثار والرحمة والتعاون والتعارف.

لقد وجـد المسجد ليشكل محلا للالتقاء والعبادة والجماعة، والتعرف على أفراد الجماعة ومشكلاتهم وحاجاتهم، وتحقيق التكافل الاجتماعي بكل معانيه.

إن المسجد اليوم، مع الأسف، أخذ يتحول من بناء جماعة متلاحمة متماسكة متضامة إلى ضم مجمـوعة أفراد يصطفـون ويفتـرقون، وقد لا يعرف بعضهم مجرد اسم (الآخر) ؛ عطلت وظيفته، إلى حد بعيد، وقلص وهمش دوره، ولم يعد المسلم يشعر بفارق عملي كبير بين صلاته منفردا وصلاته في جماعة، حيث الدافع للجماعة فضلها وثوابها عند الله فقط، أما وظيفة المسجد الاجتماعية فتكاد تغيب تماما (!) والحل الوحيد العودة إلى عمارة المساجد، واستعادة كل المعاني الغائبة، واسترجاع دورها، ليصبح المسجد الملاذ الأمين من هذا الاغتراب، ويعيد لحمة الأمة، ويبعث الروح في المعاني والأحكام الشرعية، ليستشعر المسلم أنها دين من الدين.

فصلات الرحم، وكل الآداب والأحكام التي تشرعها، وتحض عليها، وحقوق الأخوة، وأحكام الأسرة والزواج، ونظام النفقات، وأحكام الإرث، والعلاقات بالكبار واحترامهم، والعطف على الصغار ورحمتهم... إلى آخر منظومة هذه القيم الاجتمـاعية، التي تشكل المانع من الذوبان، والدافع إلى التمسـك، وتربط ذلك بأمر الدين هي السبيل إلى الحماية والمواجهة واستعـادة العافية، أما التهـاون بها تحت أي ظرف من الظروف أو فلسـفة من الفلسفات فذلك يعني الحالقة، التي تذهب بريح الأمة.

لـذلك فإن استرداد رسالة المسجـد الجامـع، وإدراك أبعـادها، واختبـار جـدواها، وتطوير وسـائلها قد تكون من أهم الأمور، التي بها نكون أو لا نكون.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث