الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي جعل القرآن، الوحي الإلهي الخاتم، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فقال تعالى: ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ) (المائدة:48) ، وبذلك تقرر أن من مقاصد القرآن الكريم وأهدافه الرئيسة وخصائصه توفير المعيارية، ومنح المعيار الذي يمكن من اكتشاف الخلل وبيان القصور والانحراف والتحريف وتحديد مواطن التقصير، وأتى لذلك بالأدلة والشواهد من تاريخ الحضارة الإنسانية ومسيرة النبوة، فكان القصص القرآني منجم العبر؛ وكان إلى جانب القصص المثل، وكان البيان المباشر، واستخدم القرآن لذلك كل الأسـاليب وفنون القول، ليوقف الأمة المسلمة، أمة الوحي الخاتم، على قمة التجربة الإنسانية، ويسلحها بالرؤية السليمة للأشياء، التي تمكنها من تحديد مواطن الخـلل في ذاتها وعند (الآخر) وضرورة التنبه إليه، خشية أن تنتقل إليها إصابات وعلل الأمم السـابقة، التي كانت سبب سقوطها وانهيارها. [ ص: 5 ]

ولعلنا نقول هنا: إن خصيصة الهيمنة، ( ومهيمنا عليه ) التي تميز وتفرد بها كتاب الأمة المسلمة تعني -فيما تعني- المعيارية، والرقابة، والشهادة على التاريخ الإنساني ورؤاه الدينية، وما لحقها من عبث نتيجة التحريف والتبديل والمغالاة؛ فالقرآن بذلك يعتبر -من بعض الوجوه- كتاب النقد والتصويب الأول للعقائد والسلوك الإنساني المنحرف، وبيان طريق الصواب وسبيل الصراط المستقيم، ومواطن النكوص عن هذا الصراط، وليس ذلك فقط، وإنما ربى الأمة المسلمة على أهمية رعاية القيم وحراستها والاضطلاع بمهمة النقد لانحرافات (الذات) و (الآخر)، وناط خيريتها وامتدادها واستمرار عطائها بمدى التزامها بعملية النقد والتصويب، فقال تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران: 110)، ذلك أن خيرية هذه الأمة كانت ولا تزال منوطة بممارستها مهمة النقد والتصويب وفق المعايير والقيم التي يوفرها لها الإيمان بالله ووحيه المنـزل ( وتؤمنون بالله ) .

فالتصويب والنقد والمراجعة والتقويم من لوازم الإيمان والتحقق بالخيرية؛ فالأمة المؤمنة بالله وما أنزل من كتاب هي أمة الحق ( وبه يعدلون ) (الأعراف:159)... هي أمة ترسيخ العدل وإشاعته ونشره وتحقيقه في حياتها وفي عالم الناس: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) (البقرة:143). [ ص: 6 ]

فإبلاغها قيم الحق للناس والشهادة عليهم، وإغرائهم بفعل الخير، وتحذيرهم من عمل الشر ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) يعتبر من المهمات الصعبة، والمسؤوليات الكبيرة، والرسالة الإنسانية العظيمة، التي تتطلب من الأمة التي تضطلع بذلك مؤهلات وخصائص ومعارف وخبرات تمكنها من أداء مسؤوليتها؛ وهذه الوظيفة، هذا التكليف العام للأمة يعتبر من أعلى أنواع النقد والمناصحة والتصويب والإصلاح، وإن شئت فقل: إنه يوفر المناخ التربوي الكبير الذي يتشكل فيه العقل اليقظ الواعي الناقد، الذي يستشعر المسؤولية عن مسيرة الحياة والأحياء وهدايتها وحملها على الطريق الصحيح بالحكمة والموعظة الحسنة.

فموضوع النقد، الذي يتمحور حول بيان جوانب الصواب لتنميته والتزامه وجوانب الانحراف والخطأ وبيان سبيل معالجته وتصويبه والذي يكاد يتبلور في حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس قائما على الإرهاب والإرعاب والتخويف والتنفير، وإنما على البيان والمنطق والحوار والحكمة، فمن كان آمرا بالمعروف فليكن أمره بمعروف، وإلا فإن الخطأ في ممارسـة النقد والتصويب سوف يكون سببا في أن ينقلب إلى ضده، فيكرس الانحراف، ويورث العناد، ويصنع الاستكبار، وينمي الكبر، الذي يحول دون فعل الخير.

والصلاة والسلام على النبي الخاتم، الذي تفرد بالعصمة عن الخطأ عن سائر البشر، فهو مسدد بالوحي، مؤيد به، حتى في اجتهاده فيما وراء الوحي، [ ص: 7 ] فإذا أصاب أقره الوحي، وإذا أخطأ صوب له الوحي وبين له ما أخطأ فيه، وعلى ذلك فكل ما وردنا عنه بطريقة صحيحة صحيح مبرأ من الخطأ.

ولعلنا نقول هنا: إن تصويب الوحي لأخطاء الأنبياء، على أهميتهم ومكانتهم في الأمة وجلالة قدرهم في اجتهادهم واختيارهم، هو نوع من أرفع أنواع النقد لأعظم مستويات البشر، فلا أحد فوق احتمـالية الخطأ ومن ثم النقد والتصويب.

كما أنه بالإمكان القول: إن محور رسالة النبوة وسيرة الأنبياء وتعاليمهم كان ممارسة نقد العقائد، والمبادئ، والأفكار، والأقوال، والأفعال لأقوامهم، وبيان سبل السلام، وأطرهم على الحق أطرا، فكانوا القدوة والدليل إلى هداية الأمة إلى الصراط المستقيم، والوصول بها إلى سبيل الرشاد، وتقويم سلوكها بقيم الوحي.. والتقويم في حقيقته هو تصويب للخطأ ليصبح العمل ذا قيمة، ومعالجة للاعوجاج والانحراف وجعل المسار مستقيما بعد عوج، وذا قيمة وقدر بعد أن كان بسبب اعوجاجه لا قيمة له عند الله وعند الناس.

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" السابع والثلاثون بعد المائة: "التفكير الموضوعي في الإسلام" للدكتور فؤاد عبد الرحمن البنا، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، في محاولة منها لمعاودة إخراج الأمة، وإحياء مواتها، واسترداد رسالتها في الاضطلاع بمهمة النقد والتقويم والمراجعة وكشف الخلل الذي [ ص: 8 ] لحق بها، وإعادة بناء خيريتها من خلال إشعارها بمسؤوليتها عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق معايير الوحي وتعاليمه، وإعادة تأهيلها بقيم الوحي لتتوفر على الخصائص والصفات المطلوبة لإقامة الكتاب والميزان، والتأهل بالعدل للشهادة على مسيرة الإنسانية وممارسة الشهود الحضاري، استجابة لقوله تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة:143).

فالشهادة على الناس، والقيادة لهم إلى الخير، وإلحاق الرحمة بهم، وتحقيق العدل في بناء (الذات) وتقويم اعوجاجها، ونقد مجافاتها للحق، ومن ثم حمل رسالة الحق والعدل، التي جاء بها الوحي للناس، وتقويم سلوكهم بها وبيان مواطن الخلل والانحراف والفساد، التي يمكن أن تعتريها تتطلب مؤهلات كبيرة، كما أسلفنا.

إن حمل قيم العدل للناس، وتقويم سلوكهم بها، ونقد الواقع الفكري والفعلي الذي هم عليه كان ولا يزال محور رسالة النبوة الكبرى، ومهمة وراثة النبوة على مدار التاريخ، وكانت قولة الأنبياء جميعا ووسيلة الأنبياء جميعا في الإصلاح والتغيير، التي دفـع المؤمنون في سبيل تأسيسها ونشرها بها ثمنا غاليا لما لحق بهم من تكذيب وتعذيب وأذى وطغيان.

لذلك قد يكون من الخصائص والصفات الأساس المطلوبة للتأهل للشهادة على الناس أن نقوم سلوكنا أولا وقبل كل شيء بقيم الوحي، ونصوب شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم علينا ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا [ ص: 9 ] شهداء على الناس ) (الحج:78)؛ وهذا التصويب والتقويم بقيم الوحي يتطلب ديمومة المناصحة والمفاكرة والمشاورة والنقد والمراجعة والاجتهاد والتجديد والمراقبة والمعايرة ونفي نوابت السوء، ومحاولة الارتقاء دائما إلى الدرجات العلى: ( قد أفلح من زكاها ) (الشمس:9) ، ( قد أفلح من تزكى ) (الأعلى:14 )، والترقب الدائم والحذر من التراجع والسقوط إلى الدركات السفلى: ( وقد خاب من دساها ) (الشمس:10)؛ لأن احتمال الزلل وتسويل النفس مرافق دائما للإنسان؛ والتحذير من الكبر والظلم والطغيان وتكذيب الرسل؛ ذلك أن الظلم والطغيان وغياب العدل يؤدي بطبيعته إلى الكذب والتزييف وانبعاث الأشقياء في الأمة، الذين يعبثون بأمنها ومقدراتها، وهذا كان ولا يزال إيذانا لها بالخيبة والسقوط والهلاك: ( وقد خاب من دساها * كذبت ثمود بطغواها * إذ انبعث أشقاها ) (الشمس:10-12).

وقد لا يكون مستغربا أن تختزل رسالة الإسلام بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ) (أخرجه البخاري) ، فهي من جوامع الكلم وجماع الأمر كله، وأن تكون المناصحة من التكاليف الكبيرة والمسؤوليات العظيمة: ( إن الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) (أخرجه الترمذي) ، وأن يكون أحب الجهاد إلى الله عز وجل: ( كلمة حق تقال لإمام جائر ) (أخرجه الإمام أحمد). [ ص: 10 ]

فإن من كان لديه الاستعداد لأن يضحي بنفسه لإيقاظ أمة من سباتها، وذلك بالوقوف أمام الإمام الظالم يأمره وينهيه ومن ثم يدفع ثمنا لذلك حياته في الدنيا الفانية، لكنه في الآخرة الباقية يحوز الدرجات العلى، يأتي في المرتبة بعد سيد الشهداء: ( سيد الشهداء حمزة، ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله على ذلك )

ولا شك أن عملية النقد والمناصحة تتعاظم بتعاظم الظلم والانحراف وغياب العدل لتصل في المقاربة إلى مستـوى منـزلة سيد الشهداء حمزة، عم الرسول صلى الله عليه وسلم .

فرسالة الدين المناصحة والنقد وكشف الخلل، الأمر الذي لا بد أن يبدأ من العدل مع (الذات) فيؤهلها، و ( الكيس من دان نفسه ) (أخرجه الترمذي) ، ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ) وينتهي بحمل المناصحة والعدل لـ(الآخر) ونقد الخلل في حياته وعقيدته وفكره وفعله بالحكمة والموعظة الحسنة: "من أمر بالمعروف فليكن أمره بالمعروف، ومن نهى عن المنكر فليكن نهيه بلا منكر".

إن النقد والتقويم لم يتوقف لحظة واحدة في تاريخ النبوة، فلقد بدأ مع الخطوات الأولى للنبوة وللإنسان، وذلك عند خروج آدم، عليه السلام، وزوجه عن الوصية الإلهية عندما نسي: ( فنسي ولم نجد له عزما ) (طه:115) ، قال تعالى: ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث [ ص: 11 ] شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ) (الأعراف:19-20 )، ( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ) (طه:121) ، ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) (البقرة:37)، لقد اكتشف آدم خطأه عندما بدت له سوأته فعاد إلى جادة الصواب؛ ذلك أن الرجوع إلى الحق، والعدول عن الظلم، والعودة عن الخطايا سوف يبقى متاحا للإنسان، ومغريا له بالتخلص من خطاياه، ومن هنا تتأكد فائدة النقد والتقويم والمراجعة والمناصحة، وعظيم الثمرات التي تترتب عـليها في الدنيا في الإصلاح والصلاح وفي الآخرة بالفوز والفلاح...إلخ.

ولا نكاد نقرأ آية في القرآن تقريبا في التبشير والإغراء بعمل الخير والتبصير والتحذير من الانحراف والوقوع في المعاصي إلا ويمكن تصنيفها في خانة النقد والمراجعة للخطأ وبيان طريق الصواب، كما أننا لا نكاد نقرأ قصة نبي في تاريخ النبوة الطويل إلا ونبصر أن رسالة النبي ودوره في الحياة إنما كان مناصحة قومه ونقد ما هم فيه من الخطـايا والسفاهات وبيان طريق الصواب.

فالقرآن، الذي جاء مصدقا لما بين يديه (النبوة السابقة) ومهيمنا عليه (ناقدا وكاشفا لمواطن التحريف والتبديل ومبينا لسبيل الصواب)، بما قدم من معايير وقيم ثابتة، غير متأتية من الإنسان، وما قدم من نقد لأحوال [ ص: 12 ] وانحرافات في ضوء تلك القيم والمعايير، وما قص من مسيرة النبوة وعبر التاريخ وبين من قوانين السقوط والنهوض الحضاري يمكن اعتباره، إلى حد بعيد، دليل العمل النقدي والفكر النقدي، على مستوى التنظير والممارسة معا، إلى درجة تمكننا من القول: لا نهوض ولا عدل ولا تنمية ولا حراك فكري ولا استقامة بدون تربية التفكير النقدي وبناء العقل الناقد؛ ذلك أن غياب أو تغييب النقد والمناصحة وإلغاء الاجتهاد والتستر على الخطأ هو الفخ الكبير، الذي وقعت به الأمة وكان وراء تخلفها.

وسوف لن تخرج الأمة من جديد، ولا تتحقق لها الشهادة على (الذات) والناس ومن ثم يتحقق لها الشهود الحضاري إلا إذا كان النقد محور نشاطها الذهني، الذي بموجبه تتجسد في حياتها المعيارية، وتتميز بالوسطية، وتتحول بعقلها وفكرها وفعلها لأن تكون أمة معيارية، كما أراد لها ربها: ( وتكونوا شهداء على الناس ) (الحج:78) ، فكتابها معياري ، ( ومهيمنا عليه ) ورسولها معياري ( ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ، وهي بالتزامها وسلوكها وانضباطها بقيم الوحي معيارية، ورسالتها للناس معيارية أيضا ( وتكونوا شهداء على الناس ) ؛ وهذه المعيارية خالدة ومستمرة ومن لوازم الرسالة المعيار الخاتمة الخالدة، تضيق وتتسع لكنها لا تنقطع، لتدلل في كل عصر ومصر أن هذه القيم واقعية وليست خيالية، قادرة على أن تتجسد في حياة الناس، وتشكل دليلا للتطبيق وإثارة الاقتداء: ( لا يزال من أمتي [ ص: 13 ] أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك ) (أخرجه البخاري).

بل لعلنا نقول: إن توقف الوحي، الذي يعني - فيما يعني- توقف التصويب من السماء لمسيرة البشر وكشف الانحرافات والخطايا والإصابات الدينية والاجتماعية والحضارية يشير بشكل واضح إلى أن النقد والمراجعة والتصويب والمناصحة أصبحت منوطة بالعقـل، في ضوء مرجعية ومعايير قيم الوحي.

إن اجتهاد العقل الناقد هو الذي يكشف الانحرافات والسفاهات والفساد، ويبين طريق الصواب، وما حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر بأن ( الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) (أخرجه أبو داود) أو ( أمر دينها ) الذي هو إخبار الصادق المصدوق من وجه، إلا أنه من وجه آخر تكليف بالنقد والمراجعة لحالات التدين المغشوش، وما يمكن أن يلحق بإيمانها من علل وإصابات، واختلاط التقاليد بالتعاليم، ونمو نوابت السوء؛ فالنقد والمراجعة من وسائل حفظ هذا الدين واستمراره وخلوده، وأن توقفه يحمل الكثير من المخاطر والعلل، التي تتنافى أصلا مع خلود هذا الدين وخاتميته وهيمنته، التي تقتضي -فيما تقتضي- استمرار الحراسة والبيان بالنقد والمراجعة.

وليس أقل من ذلك دلالة إخبار الرسول الصادق صلى الله عليه وسلم ، الذي يحمل إلى جانب الإخبار تكليفا شرعيا، بقوله: ( يحمل هذا العلم من كل خلف [ ص: 14 ] عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين ) (أخرجه البيهقي) ، فهؤلاء العلماء العدول هم (النقاد) الذين ينفون عن الدين الانحراف والتحريف الباطل، والتأويل الجاهل، والانتحال الغالي.. وهل كشف ذلك الزيف، ورده، وحراسة قيم الدين كما نزلت، إلا لون من أرقى ألوان النقد والتقويم والمراجعة وحماية الحقيقة ونشر قيم الحق والعدل؟

لذلك قد يعجب الإنسان كيف انطفأت جذوة النقد في هذه الأمة، بعد أن كانت تمثل الروح السارية والممتدة؟! كيف تعطلت أدوات النقد والمناصحة حتى كاد يكون النقد من المحرمات؟!

ومن الأمور العجيبة حقا أن النقد (الجرح والتعديل وبيان علل الأحاديث)، التي تشكل المصدر الثاني للتشريع، هو أحد العلوم والركائز الأساس في تراثنا وتاريخنا الثقافي والعلمي يسمى "علم مصطلح الحديث"، ومع ذلك فالأمر اليوم يغيب عن حياتنا العلمية والفكرية والثقافية بالأقدار المطلوبة؛ لقد كان النقد في تراثنا علما له أدواته وآدابه ومقاصده ومصطلحاته ومتخصصوه، وكان من ثمار ذلك العظيمة حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والبيان النبوي لقيم القرآن من كل دخيل، والترصد الكامل للوضاعين والكذابين وغير المؤهلين، وفطمهم عن التقول بما لا يعلمون، وكان هذا النقد مؤشرا أيضا على حفظ القرآن ومعانيه وذلك بحفظ البيان النبوي ( إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه ) (القيامة:17-19). [ ص: 15 ]

والأمر الذي لا بد من بيانه هنا أن نقد التراث (فهوم البشر واجتهاداتهم) وما أنتج السابقون وغربلته، في ضوء قيم الوحي في الكتاب والسنة، على أهميته وضرورته، حتى لا تتسرب علل وأخطاء الماضي، وتؤخذ على أنها مسلمات مع أنها في حقيقتها فهم وفعل بشري يجري عليه الخطأ والصواب، وحتى تتحقق العبرة لبناء الحاضر وصناعة المستقبل، فهو من وجه آخر نزع للقدسية عن فهوم واجتهادات البشر والتباس الذات بالقيمة، ومساهمة في بناء العقل الناقد، وتحقيق الحراك الفكري، إلا أنه من بعض الوجوه أيضا يعتبر إقامة للمعارك الفكرية في الزمن الماضي، وغياب الخصم القادر على الدفاع عن وجهة نظره وإبانة دليله والرد على ما يوجه إليه.

وتبقى هذه معارك تجري حول فكر الزمن الغائب، وتعاني من خلل الزمان والمكان والتكافؤ في الفرص، وقد تكون في كثير من الأحيان -وهنا تكمن الخطورة- على حساب إشكالات الحاضر وضرورة رؤيتها من جميع الزوايا، وإصلاح الخلل الواقع والمتوقع فيها، وتصويب مسيرة الأمة، بل لعنا نقول: إن نقد تلك الاجتهادات، الماضي زمانها وأشخاصها، قد تكون الغاية منه والمبرر له تحقيق عبرة للحاضر أو التأهل لإصلاح الحاضر ونقده وتجنيبه عثرات الماضي.

لذلك نقول: قد يكون من الأجدى، وليس البديل، خاصة وأن العملية النقدية لا بد لها من الاتصال والتواصل والفعل والتفاعل والتفاكر، أن يرتكز النقد على الواقع الفكري والثقافي والشرعي والسياسي... إلخ، بكل [ ص: 16 ] مكوناته، وبيان الخلل الذي يعاني منه، ولا يشكل السكوت عنه والانصراف إلى الماضي كلية سببا في ضلال الأجيال، وتكريس الأخطاء، وتعطيل وظيفة العقل، خاصة عندما يثبت فشل الواقع الفكري والسياسي في تحقيق الأهداف، حيث يصبح السؤال الكبير والبدهي: لماذا فشلنا؟ وكيف نستدرك الفشل؟ والإجابة سوف تتمحور بكل أبعادها حول بناء العقل الناقد، القادر على البصارة وإيجاد الأوعية والحلول، التي تصوب المسيرة قبل تعثرها، وتبين مواطن الخطأ وطريق الصواب بعد العثار الواقع فيها.

وقد يكون حصاد فكر ما أسمي بـ"الصحوة"، التي انتهت في بعض جوانبها وأنشطتها وإعلامها ودعاتها إلى سـوق ترويجية استهلاكية للكثير مما يمكن أن يكون من البضائع المغشوشة والعملة الرديئة، التي تطرد عادة العملة الجيدة من التداول، حيث دخلها - في غياب وتوقف عملية النقد والترصد- من يحسن ومن لا يحسن، فأنتجت ما أنتجت من المساوئ والسيئات تحت ذريعة العواطف الجياشة والنوايا الحسنة والنصرة للإسلام، بحيث شكل ذلك حاجزا نفسيا حال بسبب هذه الذهنية الضبابية دون التصحيح والمراجعة بحجج وذرائع شتى أيضا -سنأتي على ذكرها إن شاء الله- ليس أقلها ضرورة توقف النقد والمناصحة بحجة عدم تبصير الخصوم والأعداء بمواطن الضعف والإصابة حتى لا ينفذوا منها(!) دون أن ندري أن العدو أعلم بعللنا منا، وأن العلل المستوطنة هي أشبه بألغام اجتماعية موقوتة سوف تنفجر بأصحابها، وهي أخطر على الأمة من عدوها، بكل كيوده ومكره. [ ص: 17 ]

لذلك قد نقول: إن حالات الفشل التي منينا بها على كل المستويات تقريبا إنما كانت بسبب غياب المناصحة والنقد والعودة إلى تصنيم وتعصيم نماذج من البشر.

وقد يكون من أهم الأمور وأبعدها أثرا ألا يستصحب كثير من المفكرين والكتاب والخطباء الكبار والصغار والدعاة تاريخهم ومواقفهم في هذا المجال(!) وكم كنا نتمنى أن نقع ولو على اعتراف بخطأ واحد أو نقد (للذات) ولو مرة واحدة، وأن نمتلك الجرأة والشجاعة الكافية على الاعتراف بالخطأ، الذي أدى إلى توريط الجماهير وحقنها بشحنات الحماس المتدفقة العالية، وصنع البطولات في الفراغ، وممارسة التحديات الكبيرة لكل الأنظمة والحكومات والدول والشرق والغرب والشمال والجنوب؛ وكم ستكون خيبات الأمل كبيرة والكوارث الفكرية مأساوية إذا حاولنا استرجاع بعض الخطب النارية في الساحات والميادين العامة، التي حرضت الناس ودفعتهم إلى المواجهات ولم تبال بإراقة الدماء في سبيل صنع الزعامات المزيفة والقيادات الفاشلة!

كل ذلك يحدث دون أي تعقل أو اعتبار أو حسن تقدير أو استشراف للمستقبل، حيث يسلمنا الفشل إلى فشل؛ هذا الحماس الطاغي والهياج المتدفق لم يترافق معه وضع أي من الخطط والأوعية الشرعية والمشروعة لحركة الجماهير، الأمر الذي حولها إلى ألغام اجتماعية وفكرية موقوتة -كما أسلفنا- يمكن أن تنفجر فتدمر نفسها - وقد حدث ذلك وأكثر- ومن ثم وهو الأخطر تتحول لتكون محل نقد واتهام ممن كانوا السبب في مأساتها(!) [ ص: 18 ]

كم نحن بحاجة إلى توبة الفكر والفعل وممارسة المراجعة لأخطائنا وماضينا، والاعتراف الشجاع بخطايانا؛ كم نحن بحاجة إلى توبة الفكر والعقل التي قد تكون أشد من حاجتنا إلى توبة السلوك والعمل؛ لأنها تتعدانا إلى الآخرين، لكن المشكلة في الكبر الذي في الصدور ( إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ) (غافر:56) ، الذي يحول بين الإنسان واعترافه بالحقيقة وتغيير رأيه، تحت شعار يرفعونه ولا يطبقونه: "الرجوع للحق خير من التمادي في الباطل"، ذلك أن الحمـقى هم الوحيدون الذين لا يغيرون آراءهم، يقول تعالى: ( بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره ) (القيامة:14-15).

لذلك تعطلت عمليات النقد والمراجعة، وحوصر أصحابها، وفصلوا من المؤسسات والتنظيمات والجماعات العاملة للإسلام وكيلت لهم التهم، الأمر الذي ألحق بالعمل الإسلامي الكثير من العلل المستوطنة والقاتلة.

ونستطيع أن نقول: إن الكثير من هذا الفكر، الذي جاء من بعض زعماء الجماعات ومؤسسـات "الصحـوة"، الذين لا فقه لهم ولا دراية ولا علم، أدى إلى صناعة المشكلات والحفر في طريق العمل الإسلامي بدل أن يقدم الحلول، لذلك نعتقد أن ملف ما أسمي بـ"الصحوة"، الذي أصبح يمثل تركة، يحتاج إلى الكثير من الغربلة والنقد والمراجعة والترحيل على مختلف المستويات. [ ص: 19 ]

هذا عدا عن الأشخاص، الذين قفزوا إلى المنابر بسهولة وبدون أهلية ومن تخصصات لا تؤهلهم لذلك من الناحية الشرعية والفكرية والاجتماعية، تركوا مواقعهم التي تخصصوا فيها ثغورا مفتوحة، ونصبوا أنفسهم كتابا ومفكرين ومؤرخين وفقهاء ودعاة، يمارسون الشحن من هناك والتفريق هنا، دون دراية وفقه للنص وللواقع معا؛ وتستمر الأمة في حالة استنقاع فكري وحضاري رغم الهوجات وأصوات الطبول الكبيرة، حصل ذلك كله ونحن نحسب أننا نحسن صنعا؛ وما حصل ذلك إلا بسبب أن أصحابه بمأمن من النقد والمراجعة على الأصعدة المتعددة، وبسبب غياب حرية النقد؛ لأن الحرية والنقد هما الكفيلان بإبراز الكفاءات وبيان الأخطاء والحيلولة دون الادعاء والتطاول، الذي ما يزال يمارس علينا باسم الدين والنصرة لأهله.

ولعل من أهم أسباب غياب النقد والتفكير الموضوعي:

الاستبداد بشكل عام؛ ولا نقصد هنا الاستبداد السياسي والإداري فقط، وإن كان هو محور الاستبداد، وإنما الاستبداد الذي نقصده هو كل أشكال الاستبداد الحزبي والأسري والطائفي والعرقي والعنصري... إلخ، ذلك أن النقد، الذي هو أساس الحراك الفكري، لا يؤسس ولا ينمو إلا في مناخ الحرية، ولا يتشكل ويخرج إلا من رحمها.

فالاستبداد أيا كان لونه يشل العقل، ويخرس اللسان، ويقدم أهل الولاء والثقة على أهل المعرفة والخـبرة، ويحول الناس إلى نسخ مكررة عن الزعيم، أو الرئيس، أو شيخ القبيلة أو الطريقة، فتتعطل سنن المدافعة ووسائل التكوين [ ص: 20 ] للشخصية السوية والاكتشاف للخبرات، فتتحول الأمة إلى مجموعة أفراد تمشي في القطيع، بدون تفكير، أو مجموعة أجساد بلا رؤوس، تفكر كلها برأس الزعيم، "لا تعترض فتنطرد"؛ ففي مناخ الاستبداد لا تولد إلا الأقزام، الذين يصبحون أرقاما في خانة الزعيم، والأقزام لا يولدون إلا زعامة قزمة.

وبغياب النقد وتعطيل أدواته وآلياته تصبح مقولة: "الناس على دين ملوكهم" صحيحة؛ وليس أقل منها صحة: "كما تكونوا يولى عليكم"، أو "عمالكم أعمالكم"، وهكذا تتشكل الدائرة المفرغة وتتحكم عبودية المصالح، العبودية المتبادلة؛ ولا سبـيل لكسر هذه الحلقة المحكمـة الإغلاق إلا بعمليات النقد والمراجعة واسترداد مناخ الحرية، على مختلف الأصعدة.

وليس الإرهاب والإرعاب الديني، أقل خطرا على الدين والعقل والتفكير من الاستبداد السياسي، فإذا كان الاستبداد السياسي يحكم ظاهر الناس وسلوكهم، ويساهم بصنع الشخصية المزدوجة المزيفة المزورة المغشوشة، التي تعتقد شيئا وتظهر آخر، فإن الإرهاب الديني يتحكم ببواطن الناس، ويتسلط على ضمائرهم، ويجرم مسالكهم: ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ) (البقرة:79).

وتبقى الصورة الأخطر عندما يتحالف الاستبداد السياسي مع الإرهاب الديني، عندما يتحول الدين إلى كهانات، ويلتقي الجبت والطاغوت، فالسياسي يحتاج إلى غطاء ومسوغ ديني أمام جماهير الأمة المتدينة، والديني [ ص: 21 ] يحتاج إلى سلطة حماية سياسية، وهكذا تدور الرحى على معاني الحرية والتفكير والتأمل والنقد فتسحقها، وتجرم أصحابها، وتطردهم من رحمة الله، وتتهمهم بشتى التهم، وتنعتهم بأبشع النعوت، ويصبح النقد من الأمور المحرمة.

ولعل من الأسباب الكبيرة لغياب النقد وأخطرها أيضا، وخاصة في مجال التدين المغشوش، حيث يشكل الدين المهرب الطبيعي والغريزي والعقلي من الاستبداد السياسي: الخلط بين نصوص الوحي المعصومة وفهوم البشر المظنونة، التي يجري عليها الخطأ والصواب، أو عندما تلتبس الذات بالقيمة، فتنتقل العصمة من النص المنـزل من الخالق إلى الإنتاج الفكري للشخص المخلوق، وبذلك يلغى النقد والمراجعة، حيث يصبح الحديث عن خطأ الشخص أو انحرافه أو مغالاته اتهاما للدين والشريعة؛ فالذي يتكلم عن الشخص ويخطئه يتكلم عن الشريعة ويخطئها؛ والذي يتكلم عن الشريعة يتكلم عن مبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ والذي يتكلم عن الرسول، مبلغ الشريعة، يتكلم عن الله منـزلها، وهكذا تمر هذه السلسلة من الفهوم المغلوطة والملتبسة بمتوالية محكمة الحلقات، وتتشكل في هذا المناخ الرديء طبقة أكليروس تحمل علل رجال الدين في الأمم السابقة، الذين ادعوا بأنهم يحتكرون الحقيقة ويتحدثون باسم الله ويحملون الكتاب المقدس ويفهمونه دون غيرهم، حيث الكلام عن الشخص ونقد الخطأ في اجتهاده هو كلام على الله وجحود له وكفر به(!) وكأن الأشخاص الذين يحملون شارات وشعارات الدين أصبحوا فوق مقام النبي المعصوم، الذي عوتب [ ص: 22 ] أكثر من مرة، وقال الله له: ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) (التوبة:43) ، وقال: ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) (الأنفال:67 )، وقال له: ( واستغفر لذنبك ) ، وقال: ( عبس وتولى * أن جاءه الأعمى ) (عبس:1-2).

وكأن الأشخاص، حملة هذا اللون من التدين، أصبحوا فوق مقام أهل أحد من كرام الصحابة، الذين وصف الله أحوالهم ودخائل نفوسهم وهم على أرض المعركة، وبين سبب هزيمتهم بمساحة تعبيرية كبيرة تكاد تروي دقائق الأمور، وقرر أن تلك الإصابة كانت بسبب تقصيرهم، كانت من عند أنفسهم: ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) (آل عمران:165) ، جاء هذا كله وهم ما يزالون على أرض المعركة، ولم يخطر بالبال أن ذلك يقوي العدو ويبصره بمواطن ضعفهم! أو أنهم باعتبارهم مسلمين وأصحاب فوق الخطأ، أو أن فعلهم معصوم لا يتطرق إليه الخطأ.

وكأن بعض المتدينين من أصحاب الكهانات اليوم يضعون أنفسهم فوق مقام أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، الذي أعلن في خطبته الأولى بعد اختياره خليفة للمسلمين: "إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم " ؛ وفوق مقام سيدنا عمر، رضي الله عنه، عندما قامت امرأة في المسجد تقول على [ ص: 23 ] مرأى ومسمع من الناس: "أيعطينا الله ويمنعنا عمر؟!"، فما كان منه إلا أن قال: "الحمد لله الذي جعل امرأة تقوم اعوجاج عمر".

وقد يكون من أسباب غياب النقد وتعطيله وانسداد قنواته: التوجه بالنقد صوب الأشخاص، وتجريحهم بدافع من الحقد والكراهية والحسد، والتركيز على صفاتهم الشخصية، وليس التوجه صوب الأعمال، وهنا مكمن خطر كبير، يفتقد النقد عنده وظيفته وأهميته، وتتعطل آليته، ويتحول من التصويب وبيان الخلل إلى المهاترات وإثارة العداوات والخصومات والأحقاد، فيوقع في الإثم وينمي الحقد والكيد الشخصي، الذي يتدخل فيه حسد النعمة والبهتان والزور، والاقتصار على النقائص والسلبيات دون ذكر آية فضيلة، ويصبح إلغاؤه والسكوت عنه مطلوبا ومشروعا من باب سد الذرائع، لمن لا يستطيعون تجاوز الصورة إلى الحقيقة، وعندها يختلط الحابل بالنابل.

ولعل من مشكلات غياب النقد أيضا: الذهنية المغشوشة السائدة، في الأوساط العامة والفكرية معا، وهي اختزال تاريخ الإنسان الطويل وكسبه المتنوع بخطأ في موقف واحد، يسقط معه كل كسبه وجهده واجتهاده وصوابه، ذلك أن مجرد الخطأ -و ( كل ابن آدم خطاء ) (أخرجه الترمذي)- يسقط تاريخ الإنسان، بكل إيجابياته وعطائه، ويحوله إلى كتلة أخطاء؛ وأي صواب قد يجعل منه معصوما منـزها عن الخطأ، لذلك فهو إما معصوم يحاط بسياج من الحماية من النقد حتى لا يسقط بخطأ، ويطارد ويحاصر كل من يخطر بباله النقد والتصويب، وإما شرير خطاء لا خير فيه ولا رجاء منه، [ ص: 24 ] وكفى المرء نبـلا أن تعد معـايبه، وعند ذلك لا يؤدي النقـد وظيفته، ولا يستشعر الناس أهميته ودوره في ترشيد المسيرة، فالحكام ليسوا وحدهم المعصومين بل رجال الدين أيضا وزعماء التنظيمات والجماعات(!)

فإذا كان الخطأ يجري على كل إنسان، وكل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم فإن صناعة العصمة المزيفة للأشخاص في تاريخنا العقيدي والثقافي والفقهي وبروز زعامات موهومة ومزيفة وفاشلة إنما يتأتى بسبب غياب النقد والتصويب والمناصحة.

ومما لا شك فيه أن التعميم في الأحكام، الذي يعني -من بعض الوجوه- العامية أو عمى الألوان، وينتهي بصحابه إلى سلب الناس قدراتهم وأهليتهم وقابلياتهم، كأن يقال: "فـلان ليس بشيء" أو "ما عنده شيء" أو "خالي الوفاض" أو "لا يفهم شيئا" أو "..." أو "..." على الرغم من أن ذلك محظور عقلا شرعا؛ لأنه ينافي الحكمة من الخلق، ويصادم الفطرة وأصل العطاء الإلهي لكل ما خلق الله، يقول تعالى: ( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) (طه:50)؛ إن عدم التنبه إلى ما أعطاه الله لكل مخلوق من قابليات ومواهب حتى أصبح محلا للهداية، يشكل مخاطرة كبيرة ويهدر طاقات كثيرة لم توضع في مجالها، فمن لا يحسن هذا الشيء، بسبب من الخطأ في اختياره لهذا الموقع، قد يكون مبدعا وعبقريا في أشياء أخرى.

وعلى الرغم من أن ذلك محظور شرعا -كما أسلفنا- ويعتبر دليل الجهل وسبيل البهتان ومؤشر ضآلة العلم، فإنه يمثل الوجه الآخر للتصنيم [ ص: 25 ] والتعظيم، الذي يجعل من الإنسان المعظم والعالم العلامة الزعيم المبجل الملهم، يفهم بكل شيء دون سواه.

ومن أسباب غياب النقد أيضا، بالأقدار المطلوبة: شيوع الذهنية الذرائعية، وثقافة الإلقاء بالتبعة والمسؤولية على (الآخر)، في محاولة لإعفاء (الذات) من المسؤولية.. وهذا (الآخر) قد يتمثل في عدو شرس، ومؤامرة كبيرة، وكيود خطيرة، أو ما إلى ذلك، وأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، وما تورث تلك الثقافة من قبول للفشل، والتسليم بالواقع، وتكريس العجز عن التغيير، وإلغاء مجرد التفكير بالمراجعة والنقد، وأقل ما يقال في ذلك: إن الذين يتطاولون على زعامة الأمة وقيادة الجماعات والتنظيمات والأحزاب هم دون سوية التعامل مع الظروف المتغيرة والمعطيات المتقلبة والتحديات القائمة، ذلك أن التطلع إلى الارتقاء ومحاولات التغيير أو ما يسمى بالقلق السوي هو المهماز الحضاري للترقي، حيث يصبح الشعار دائما: أنه "بالإمكان أفضل مما كان".

وليس أقل من ذلك خطورة عندما يعجزنا العثور على عدو نلقي عليه بالتبعة أن نلقي بالتبعة على القدر، وننـزل بعض الشعارات والعبارات الإسلامية على غير محلها، وننتقي عبارات نتوهم أنها تستر تقصيرنا، ونقول: "قدر الله وما شاء فعل"، ويفوتنا أن الله يشرع من الأقدار ما يشاء؛ إنه شرع الأقدار والسنن، وكلف الإنسان الحر المختار بمغالبة تلك الأقدار ومدافعة تلك السنن؛ ومن هنا كانت مقولة ابن القيم وفهمه الدقيق، رحمه [ ص: 26 ] الله: ليس المسلم هو الذي يستسلم للقدر وإنما المسلم الحق الذي يدفع القدر بقدر أحب إلى الله، لذلك كانت قولة الصحابة جميعهم، تقريبا، رضي الله عنهم: "نفر من قدر الله إلى قدر الله"، ولم يفهم ولا حتى واحد منهم أن القدر يعني العطالة وسلب الإرادة إلا ما كان في العصور المتأخرة من بعض فهوم فترات التراجع والانحطاط.

وقد تكون من أبرز إشكاليات غياب النقد أو التفكير النقدي بشكل عام: ادعاء العصمة لبعض من يطلق عليهم علماء أو شيوخ الطرق، والارتفاع بهم فوق النقد، وإقامتهم كأنصاب وأزلام لا يجوز أن تمس، والتخويف والتأثيم من مجرد الاقتراب منهم، علما بأن الرسول صلى الله عليه وسلم دون سواه هو المعصوم؛ لأنه مسدد بالوحي، ومؤيد به، فإذا اجتهد فأصاب أقره الوحي، وإذا اجتهد وأخطأ صوب له الوحي وبين الخطأ - كما أسلفنا- فكل ما وردنا عنه بطريقة صحيحة هو صواب؛ ومن هنا يمكن لنا أن ندرك أبعاد قولة الإمام مالك، رحمه الله عنه: "كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم "؛ فمتى نصل بتديننا إلى مرحلة أن نأخذ ونرد، ونعرف وننكر؟ وهذا هو النقد والتفكير النقدي الذي ندعو إليه، ذلك أن العمل النقدي في محصلته النهائية يعتبر شريكا في البناء والتنمية والترقي؛ وكم سيكون التدين محزنا ومعوقا وسببا في التخلف وانطفاء روح الأمة وتعطيل تفكيرها عندما ندعي العصمة لأولياء أو علماء أو صالحين أو أئمة، ليترقوا بذلك إلى ما فوق مقام النبوة، ويدعى لهم صفات الألوهية(!) [ ص: 27 ]

وهنـا قد يكون من المفيد التمييز بين عصمـة عمـوم الأمـة، التي لا تجتمع على خطأ أو ضلالة: ( إن أمـتي لا تجتمع على ضلالة ) (أخرجه ابن ماجه) أو ( خطأ ) ؛ وبين خطأ الأفراد، ابتداء من جيل الصحابة، كرام الناس، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وبالإمكان القول: إن تعطيل التفكير وإيقاف الاجتهاد، بحجة عدم الأهلية، أصاب الحياة الفكرية بشكل عام والتفكير النقدي وعمليات المراجعة والمناصحة والتصويب بشكل خاص في مقتل؛ والأمر يصبح أشد خطورة عندما يوصف حكام الاستبداد السياسي بأنهم يمثلون ظل الله على الأرض، أو ينفذون إرادته، أو يتحدثون باسمـه، سـواء كان ذلك مباشرة أو من قبل سدنتهم من الكهنة ورجال الدين من فقهاء السلاطين، الذين يسوغون أعمالهم ويشرعنونها، في أسوأ وأخطر ما يصيب كرامة الإنسان وحريته، وذلك عندما يتحالف الجبت والطاغوت، وقد أمر الناس أن يكفروا بهما، يقول تعالى: ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) (النساء:60) ، ( يؤمنون بالجبت والطاغوت ) (النساء:51).

وهنا قضية من المفيد التوقف عندها وهي: إن المناصحة والمراجعة والنقد، التي تبصر بالأخطاء، وتنقب عليها، وتبحث فيها، حماية للأمة [ ص: 28 ] وتحقيقا للحراك الفكري ومساهمة في النمو والارتقاء وسلوك سبل السلام تعتبر أحد أهم الروافع الحضارية والتنموية عندما تصبح ثقافة للأمة بكل شرائحها؛ ذلك أن نظرية الشك، ابتداء في الفلسفة، حتى يثبت اليقين كانت السبب الرئيس في انتظام العمل، واستواء التفكر، ودقة وإتقان الإنجاز، تلك التي عبر عنها بعض أئمتنا، بمنطق شرعي وحس إيماني رفيع، بأن الأصل في الأشياء الحظر حتى تثبت الإباحة، أو أن الأصل في الأشياء نص الشارع، ولهذا أبعاد فكرية وفقهية كبيرة لا يتسع المجال للتوقف عندها.

نعاود القول: إن المناصحة والمراجعة والنقد، بكل عطائها، يمكن أن تكون المقابل لعملية المديح والإطراء والتصفيق للخطأ والصواب وإضفاء صفات العبقرية والتميز والإبداع والتفرد على الأشخاص والأعمال، الأمر الذي يلغي العقل، ويعمي البصر، ويعطل البصيرة، ويكرس الخطأ، ويطفئ روح الأمة السارية، والنفس مفطورة على حب المديح، ضائقة بالنقد؛ لذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من المديح، وقال لأحد المداحين: ( ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك مرارا ) (أخرجه البخاري) ، ألغيت عقله، وعطلت تفكيره، وتركته يعيش الوهم؛ وقال: ( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ) (أخرجه مسلم).

ولعل الآفة الأخطر المتولدة عن غياب النقد والتي تعطل عملية النقد والمناصحة: نمو عقدة (الأنا) أو تفخيم (الذات)، عند بعض الناس، والتي معها يصاب بمرض جنون العظمـة، فيجعل نفسه فوق البشر، وفوق النقد، [ ص: 29 ] لا يطيـق إلا المديـح، ويقضي عمره في السـعي إليه، ويتوهم أن عظمته لا تتحقق إلا بتحطيم الآخرين وإسقاطهم، والعلو على جثثهم.

والأمر الذي نريد له أن يكون واضحا ابتداء أن الإشكالية قد تكون أيضا في نوعية معايير النقد ومقاييس النظر إلى الأعمال والحكم عليها؛ في القيم التي تقوم بها الأمور، ويكتشف اعوجاجها، ويعاد تقويمها والعمل على استقامتها، ذلك أن الخطأ في اختيار نوعية هذه المعايير أو في دقة تطبيقها على واقع الناس قد ينتهي إلى كوارث ومخاطر واختلالات اجتماعية وإنسانية ويؤدي عكس المطلوب، ويساهم بشكل سلبي بتعطيل عمليات النقد والمراجعة وانعدام جدواها.

ولعلنا نقول هنا: إن القيم والمعايير، التي تعتمد في النظر للأشياء والحكم على الفعل الإنساني، ومدى عدالتها واستوائها في الرؤية الإسلامية هي مستمدة من معرفة الوحي، في الكتاب والسنة، لذلك فهي قيم ثابتة ودقيقة وموضوعية وغير منحازة بطبيعة مصدرها؛ لأنها متأتية من مصدر آخر، من خالق الإنسان، العالم بأحواله، الشارع لسبل هدايته، لذلك فهي موازين مجردة ودقيقة ومعصومة عن الخطأ وبعيدة عن الهوى والخضوع للمؤثرات الشخصية بكل أنواعها، إضافة إلى أنه لا يمكن عقلا ولا واقعا أن يكون الإنسان مصدر الاجتهاد ومحل الفعل وفي الوقت نفسه معيار الحكم على ذلك الفعل! أو بتعبير آخر أن يكون المعيار ومحل المعايرة، في الوقت نفسه.

ولا شك أن لهذه المعايير النقدية المتأتية من معرفة الوحي أدبها وأخلاقها وأسلوب استعمالها، فهي تقتضي أول ما تقتضي الفقه بالأمر المطروح، [ ص: 30 ] والإحاطة بعلمه من كل جانب، حيث يقول تعالى: ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) (الإسراء:36)؛ لأن الحكم على الشيء والشهادة عليه فرع عن تصوره؛ كما تقتضي توفر خصائص وصفات شخصية لمن يقوم بالعملية النقدية من مثل عفة اللسان، والبعد عن الغيبة والتشهير والنيل من القضايا الشخصية، التي يقتصر أثرها على الشخص ولا تتعداه إلى الآخرين، والتمحور حول الأعمال وليس الأشخاص، واستخدام الأساليب الحكيمة والمؤثرة، والتنويع في الوسائل والأساليب، واستخدام الطرق غير المباشرة أحيانا، على سنة النبوة في التحذير والنصح: ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟! ) (أخرجه أبو داود) ، ( كان فيمن كان قبلكم... ) (أخرجه البخاري) ، ( إنما هلك من كان قبلكم... ) (أخرجه البخاري)، وأهمية البدء بذكر الفضائل والإيجابيات، ومن ثم تناول السلبيات بنوع من الإشفاق على الواقع فيها، وإرادة الخير له؛ ولعلنا نؤكد أن قولة الرسـول صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ) تحمل هذه المعاني جميعا، حيث هدف النقد الإصلاح ونصرة الآخر، ظالما أو مظلوما، وليس التشهير والجلد.

لذلك نقول: إن الشخصيات غير السوية: الحاقدة، والحاسدة، والمأزومة، والمزاجية، والمتقلبة، والفاشلة، وصاحبة البهتان والسفه والإسفاف والفجور في الخصومة والمبالغة والتطفيف والبخس، غير مؤهله، بطبيعة تكوينها، لممارسـة النقد والقدرة على الصـدق فيه، كما أن الاقتصار على الجـوانب السـلبية، وتجريـد المنتقد من كل إمكانية، يعتـبر خللا [ ص: 31 ] في الممارسة النقدية، ويؤدي إلى تعطيل عملية النقد وتحويلها إلى تكريس التصلب والتعصب.

وقد يكون من المفيد أن نتوقف قليلا وبما يتسع له المجال للحديث عن مشروعية النقد في الكتاب والسنة، وإن كنا قد أتينا على ذكر ذلك في ثنايا بالحديث فيما سلف.

ولعل في مقدمة دلائل المشروعية: القرآن الكريم، حيث جاء إنزاله مصدقا ما بين يديه، ومهيمنا عليه.. والتصديق للصواب، والتصويب للخطأ، وبيان ما وقع به أصحاب الأديان السابقة هو ممارسة للعملية النقدية بكل أبعادها؛ فالقرآن مهيمن على الكتب السماوية السابقة، ومصوب للرؤى الدينية؛ والقرآن مهيمن على الإنتاج البشري، وحاكم عليه، ولو كان هذا الإنتاج مستنبطا من القرآن نفسه؛ فهو المعيار والرقيب والشاهد.

وقد ناط القرآن بأمته الشهادة على الناس ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) (البقرة:143) ، وهذا دليل مشروعية النقد والمراجعة والتصـويب، فالشهادة بإبلاغ الصواب، وبيان مسالك الخطأ والانحراف، والتحذير من ذلك هو مراجعة ونقد؛ كما ناط القرآن بالرسول صلى الله عليه وسلم الشهادة على أمة القرآن ( ويكون الرسول عليكم شهيدا ) .

وعرض القرآن لقصص الأنبياء، وبين التحريف والتبديل والغلو والتطرف، وحذر من انتقال علل أصحاب الأديان السابقة. [ ص: 32 ]

كما عرض لبعض إصابات وأخطاء المؤمنين، كما حصل في معركة أحد -كما أسلفنا- وغزوة حنين؛ يقول تعالى: ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) (التوبة:25) ، حتى لقد اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم ممارسة النقد والمناصحة ونفي نوابت السوء هو سبيل حماية قيم الدين وممارسة التدين السليم وامتداده، فقال: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين ) (أخرجه البيهقي) ، فبيان التأويل الجاهل والتحريف الباطل والانتحال والمغالاة، والتحذير منه هو النقد ذاته.

فممارسة النقد من الرسـول صلى الله عليه وسلم لبعض أعمال وممارسات أصحابه، على جـلالة قدرهم وعظيم دورهـم وعطائهـم وهم خـير القرون، دليل واضـح على مشـروعية النقـد وأهميـة ممارسته، وأنه سنة من سنن النبوة: ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد (رضي الله عنه) ) (أخرجه البخاري).

ولا شك عندي أن خيرية الأمة ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) (آل عمران:110)، كانت ولا تزال منوطة برسالتها ووظيفتها في ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي ممارسة عملية النقد والتصويب والمناصحة والمراجعة؛ وهل في النقد غير ذلك؟ كما أن اكتساب الأمة [ ص: 33 ] لمفهوم ومدلول ومواصفات الوسطية والعدل هو الذي أهلها للشهادة على الناس وتحقيق الشهود الحضاري؛ وهل الشهادة على الناس إلا ممارسة النقد والمراجعة والتصويب؟

وليس ذلك فقط، بل إن تعطيل عملية النقد والمراجعة والتواطؤ على الخطأ مؤذن بالسقوط؛ لذلك عاب الله تعالى على الأمم السابقة تواطأها على الباطل، وتوقفها عن المناصحة والمراجعة والنقد، وتسترها على الأخطاء والعيوب، يقول تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) (التوبة:34) ، ويقول أيضا: ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) (المائدة:78) ، ويقول: ( يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ) (المائدة:13).

فهل تعتبر الأمة أن غياب النقد والمراجعة والمناصحة وعدم اعتماد الموضوعية والدقة في ذلك من أهم أسباب سقوط الحضارات فتأخذ حذرها، فتنفر وتستنفر للمناصحة والترشيد، ثبات وجميعا؟ [ ص: 34 ]

وقد يكون من المفيد أن نلخص أهم وسائل النقد والتصويب، التي يمكن أن تحقق المقصد منه، في:

- إخلاص النية لله تعالى، وابتغاء وجهه وخير الأمة.

- ممارسة النصيحة الخاصة والعامة، ( فـالدين النصيحة: "لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ) (أخرجه البخاري).

- اتباع الحكمة في حسن التقدير، ووضع الأمور بمواضعها، وزينها بموازينها، وضبط النسب، وعدم الشطط.

- التعريض بالعمل وبيان فساده والمخاطر التي سوف تترتب عليه.

- نقد الأعمال والبعد عن نقد الأشخاص والحط من قدرهم.

- البعد عن التشهير والتجسس والغمز واللمز.

- الاقتصاد في النقد وعدم التجاوز وفقدان الاتزان.

- اعتماد الحوار وسيلة لبيان الخلل، والتزام أدب الحوار والخلاف وأخلاق العلم والمعرفة.

- ممارسة المناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن.

- امتلاك أدوات النقد والمناصحة وفقه معاييره من معرفة الوحي، في الكتاب والسنة، وممارسته تأسيا بالسيرة العملية.

- الابتعاد عن حب الظهور والكبر والرياء والبهتان.

- البعد عن التجريح والإساءة وسوء الظن، والحكم على الظاهر، فالله يتولى السرائر ويعرف النوايا وما تكن الصدور.

- استخدام وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة.

- عدم الاقتصار على السلبيات والبدء بالإيجابيات. [ ص: 35 ]

- الاعتراف بفضل (الآخر) والإيضاح أن الغاية هي نشدان الحقيقة.

- العمل على ترشيد (الآخر) وإنقاذه وليس العمل على إسقاطه وإلغائه.

- ترك النقد في حالة الغضب والانفعال والتأزم، فالنقد قضاء، من بعض الوجوه، ولا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان.

- العلم بمحل النقد وفقه الواقع إلى جانب فقه المعيار والميزان، يقول تعالى: ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) .

هذه بعض وسائل النقد وآدابه وأخلاقه وشروطه يمكن لها أن تشكل نافذة على تلك العملية الخطيرة، التي ما تزال غائبة بالشكل المطلوب عن حياتنا السياسية والفكرية والشرعية والثقافية.

وقضية أخيرة، وهي أن الإشكالية الأساس عندنا قد تكون في مفهوم الموضوعية، أو ما يطلق عليه: "التفكير الموضوعي"، ومعايير الفحص والاختبار، فمتى يكون التفكير موضوعيا ومتى لا يكون؟ وهل التفكير منضبط بحدود الموضوع المطروح للنظر والتفكير؟ وكيف نحدد المكان الذي خرج فيه المفكر عن حدود الموضوعية والتفكير الموضوعي لرده إليها؟ وفي تقديري أن لكل خلق في هذه الدنيا قانونه، سواء في ذلك عالـم الأنفس، أو عالم الآفاق، وعلى ذلك يكون التفكير موضوعيا، فيما نرى، إذا التزم الباحث أو المفكر المنهج السنني (قانون الأشياء) في النظر، واتسق معه، وفكر ضمن سياقه، أما إذا لم يستوعب القانون ولم يحط به علما فمن أين له الموضوعية في تفكيره؟ ومسألة أخرى، فما هو المعيار الذي نحكم من خلاله على موضوعية أمر أو عدم موضوعيته؟ [ ص: 36 ]

لذلك نقول: إن معرفة الوحي في الكتاب والسنة والسيرة العملية هي التي تضع الإطار المرجعي والضابط المنهجي للتفكير الموضوعي، وتحكم عليه بالموضوعية من عدمها، فإذا ما خرج العقل عن حدود الموضـوع المطروح أو خرج عن وظيفته وحدوده ومجالاته إلى مواطن لا يمتلك أدواتها، فإنه يخرج عن الموضوعية؛ كذلك إذا وضع الإنسان مقدمات خاطئة واعتبرها مسلمات، هكذا بدون معيار أو ميزان، ورتب عليها نتائج، ثم اعتبرها موضوعية ومنطقية! مع العلم أن المقدمات الخاطئة تقود دائما إلى نتائج خاطئة، الأمر الذي يسهل معه ادعاء الموضوعية، لذلك نقول: إن محور الموضوعية هو قيم وموازين معرفة الوحي، فهي التي تضع الأسس والضوابط الموجهة للتفكير الموضوعي، والمعايير التي يحاكم إليها، لذلك يمكن أن ينصب النقد والمناصحة على تصويب الخروج على الموضوعية في ضوء تلك المعرفة.

وبعد:

فهذا الكتاب يعتبر اجتهادا فكريا وفقهيا واجتماعيا وثقافيا ومحاولة جادة وجريئة على الطريق الطويل المحفوف بالكثير من المخاطر والتحديات والالتباسات، يأخذ طريقه على استحياء وتوجس إلى المكتبة الإسلامية الفقيرة والمفتقرة إلى الكثير من الدراسات النقدية، التي توقفت في حياتنا، وكان انقطاعها وتوقفها السبب الرئيس في عمليات التأخر والانحطاط والسقوط والاستنقاع الحضاري وتكريس الفشل وتكراره في مشاريع النهضة والإصلاح، وبروز زعامات وقيادات وكتاب ومفكرين وخطباء ووعاظ وسياسيين على حين غفلة وتقصير من النقاد النصحة وحملة العلم [ ص: 37 ] العدول، الذين ينفون عن قيم الدين ما يلحق بها من البدع والخرافات ونوابت السوء والتدين المغشوش والغلو والتحريف والتأويل.

إن تجديد أمر الدين منوط باكتشاف مواطن الخلل، وبيان أسبابها، وكيفية علاجها، والعودة إلى الينابيع الأولى، وهذا لا يتأتى دون نقد للواقع ومراجعة لمساراته وتقويمه بقيم الكتاب والسنة.

إن مناخ الحرية هو الكفيل بإبراز الكفاءات، والحيلولة دون ظهور الطفيليات على الجسم الإسلامي، واعتماد أهل العلم والخبرة، واستبعاد أصحاب الادعاء والتطاول بغير علم ولا معرفة ولا خبرة ولا موضوعية.. إن عملية النقد كفيلة بممارسة الردع لغير المؤهلين؛ لأن النقاد لهم بالمرصاد.

ولعل الكتاب الذي نقدمه اليوم يؤكد الأهمية الخاصة لممارسة النقد ووسائله ومشروعيته في الكتاب والسنة والسيرة وحياة الأصحاب وكل فترات التألق والإنجاز الحضاري، ويستدعيها إلى ساحة الاهتمام، كما يؤكد أن المجتهد والناقد شريكان في البناء الحضاري للأمة.

فهل يحقق هذا الكتاب المأمول، ويحرك رواكد الأمة، ويستفز الإمكانات المخبوءة لتقوم بدورها في ممارسة النقد لتحول دون هذا الغثاء الكثير، الذي قد يضر ولا ينفع، حتى ولو حسنت النوايا، وتطمئن الأمة إلى شرعية ومشروعية عملها، وتتأكد أن النقد كان ولا يزال تكليفا شرعيا وسببا في خيرية الأمة ومعاودة إخراجها لتكون شاهدة على الناس من جديد؟

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. [ ص: 38 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث