الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي جعل معرفة الوحي سبيل الهداية إلى سبل السلام، ووسيلة الإخراج من الظلمات إلى النور، فقال تعالى: ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) (المائدة:16).

والصلاة والسلام على المنقذ من الضلال، الذي بما أوحي إليه وضع عنا إصرنا والأغـلال التي كانت علينـا، بعد أن لم نكن نـدري ما الكـتاب وما الإيمان، الذي صوب الرؤية الدينية، وخلص الوحي الإلهي من عبث الكهنة ورجال الدين، وجاء بالحنيفية السمحة، وأسس وأصل للوسطية والاعتدال، بعيدا عن الغلو والتطرف والتعصب والانغلاق، وربى الأمة الوسط، ونشهد أنه بلغ الرسـالة وأدى الأمـانة، لتنطلق أمة الشهادة في جنبات الأرض تحمل وحي الله، وتشهد بذلك على الناس، استجابة لقوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم [ ص: 5 ] أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة:143) ، وقوله تعالى: ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) (الحج:78) ، وبذلك كان البعث الحضاري لهذه الأمة، وانتهى إليها الكتاب والميزان فتحققت لها المعيارية والمنهج القويم، ونيطت بها مهمة التقويم وبيان سبيل الاستقامة.

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" التاسع والثلاثون بعد المائة: "قيم الإسلام الحضارية.. نحو إنسانية جديدة" للدكتور محمد عبد الفتاح الخطيب في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، في محاولتها الدائبة لتجديد أمر الدين، وتصويب صور التدين، واكتشاف مواطن الخلل، وتحديد مواقع القصور، وبيان أسباب التقصير، وبناء الوعي، واسترداد الفاعلية، واستدعاء معرفة الوحي لواقع الناس لتشكل البوصلة والدليل لوجهة الإنسان في تعامله مع الحياة والأحياء، وتستنفر العقل ليقوم بدوره في ضوء هداية الوحي في الاجتهاد ووضع الخطط والبرامج، وفق الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، وتنـزيل قيم الوحي في الكتاب والسنة على حياة الناس، وتقويم سلوكهم بها، وبناء العقل الناقد، واستمرار المراجعة لصور التدين، والحراسة الدائمة لقيم الدين، ونفي نوابت السوء، واقتراح وسائل تجاوز فجوة التخلف، وترحيل آثارها [ ص: 6 ] ودراسة أسبابها، ورسم سبيل الخروج ومعاودة النهوض، واستحضار جميع التجارب، والتحقق بعبرتها، ومحاولة الإجابة عن سؤال النهضة، وإنهاء حالة العطالة الثقافية والحضارية، وإحياء القيم الإسلامية، وتجديد فاعليتها لتأخذ دورها المأمول في ترقية المجتمع وتزكية أفراده وبناء مؤسساته، واستئناف الدور الرسالي لعالم المسلمين في العطاء وإلحاق الرحمة بالعالمين.

وبالإمكان القول: إن عجز ما يسمى بالنخب في الواقع الإسلامي عن الإنتاج الثقافي المأمول والمقنع وتطوير الأدوات والوسائل، التي تعيد ربط الأمة بقيمها، في الكتاب والسنة، وتعالج حالة الكلالة الحضارية، وتوقف الاجتهاد والامتداد، والخوف من التفكير والإبداع، ومحاولة الهروب إلى الماضي والتسور به الأمر الذي أدى بشكل سنني وطبيعي إلى استدعاء (الآخر)، والافتتان بقيمه وفلسفته للحياة وأنساقه المعرفية، وعدم الاقتصار على استيراد أشيائه والانتفاع بها وإنما الحرص على إشاعة أفكاره وقيمه وثقافته أيضا التي هي في نهاية المطاف لا تنفك عن أشيائه التي تملأ حياتنا.

ولعلنا نرى أيضا: أن اعتلاء المنابر المؤثرة والفاعلة في المجتمع من غير المؤهلين والمتخصصين وأصحاب الأصوات العالية المنوط بهم الأخذ بيد الأمة إلى النهوض والتجاوز ووضع الخطـط والبرامج والأوعية الـشرعية لحركة الأمة في ضوء قيمها، حال مجتمعات التخلف، انتهى بهم إلى أن أصبحوا جزءا من إشكالية التخلف نفسها، إن لم نقل: إنهم يمارسون، وعن حـسن نية في [ ص: 7 ] كثير من الأحيان، تكريس التخلف والعجز؛ لأنهم يعيشون وهم الفهم والإدراك لكل شيء، وما ندري كيف يتفق هذا الفهم وهذا الفقه وهذه العبقريات العظيمة مع واقع التخلف والتراجع الحضاري الذي لا يتوقف في حياة الأمة؟!

وليس أقل من ذلك شأنا وخطرا الذين غادروا قيمهم وتجربتهم التاريخية الحضارية، وعجزوا عن التوليد والتجديد من خلال قيمهم، وارتموا على (الآخر) واستدعوه، مع كل ما عنده، دون أي قدرة على التمييز بين النافع والضار، وما يتوافق مع قيم المجتمع ومعادلته الاجتماعية وأنساقه المعرفية، ولو أنهم كانوا في مستوى التمييز بين النافع والضار والقدرة على الأخذ والرد والمعرفة والإنكار لما وقعوا ضحايا لحضارة (الآخر)، التي أحدثت تغييرا في أشيائنا ووسائلنا ونمط حياتنا، وألغت عقولنا وأفكارنا ومحاولاتنا للنهوض وحتى مجرد التفكير والأمل والحلم بالمبادرة والابتكار والوصول إلى مرحلة القدرة على الإفادة من (الآخر) بعقل وحكمة.

لذلك نرى أن الذين توجهوا صوب الماضي وحبسوا أنفسهم في دوائره دون القدرة على التحقق بعبرته لم يستطيعوا أن يحققوا لمجتمعهم أية نقلة حضارية، وإنما ساهموا بتوسيع دائرة أحلام اليقظة عنده، وتكريس العجز عن أي تجديد أو توليد من خلال قيمهم الحضارية التي ينتسبون إليها ويدعون نصرتها والالتزام بها؛ وأن الذين توجهوا صوب (الآخر) وألقوا بأنفسهم بالكلية [ ص: 8 ] في قوالبه الحضارية الجاهزة المتولدة عن أصول وتاريخ آخر فحاولوا إقامة حاضر حضاري على أصول وماض حضاري مغاير لم يستطيعوا أيضا أن يحركوا في رواكد التخلف شيئا.

ويبقى المطلوب أن تتولد نخبة قادرة على استدعاء قيمها وتجربتها التاريخية الحضارية وامتلاك المعيار والميزان، وفي الوقت نفسه قادرة على الإفادة مما عند (الآخر)، وممارسة التبادل الثقافي والمعرفي، ذلك أن الإنسان المتخلف عاجز أصلا عن الإفادة مما عند (الآخر)، فهو في حقيقة الأمر والميزان الحضاري زبون يسوق أفكار (الآخر) لا تلميذ دارس يتعلم ممن هو أعلم منه.

ونحن بذلك لا نرمي إلى إلغاء (الآخر)، أو قطع جسور التواصل معه، والانكفاء عنه، وعدم الإفادة منه، أو التلفيق والمقاربة الحضارية على حساب قيمنا فنحاول مسخها وصبها في قوالبه، وإنما نرى أن (الآخر) موجود وسيبقى موجودا إلى يوم الدين، وأن التفاعل والتنامي والحراك كما يتم في إطار (الذات) أو ما يمكن أن يسمى حوار (الذات) ومن خلال نقدها ومراجعتها فهو يتم بشكل أوفر وأبعد أثرا مع (الآخر)، الذي يمكن أن يشكل الاستفزاز والتحدي، بمعناه الإيجابي، والمحرض الحضاري، الذي يلم الشمل، ويجمع الطاقات، ويشحذ الفاعلية، ويحرك القوى الكامنة، ويدعو للاستباق الحضاري، وخاصة عندما ندرك ويدرك أن ليس أحدنا بديلا للآخر، وأن لكل إنسان وجهة هو موليها، وأن حرية الاختيار هي كرامة الإنسان، الذي أسسها [ ص: 9 ] الإسلام بقوله تعالى: ( لا إكراه ) (البقرة:256) ، وأن المطلوب هو أنسنة علاقات التعامل، وبناء المشترك الإنساني، وتوسيع دائرة التفاهم، وتكريس حقائق التعارف والتعايش، والاعتقاد بأن ذلك هو مقصد الدين، وغاية التدين؛ فالاختلاف والتنوع بل والتدافع الحضاري هو سنة من سنن الأنفس والآفاق، بها يتحصل النمو، ويتحقق الارتقاء في مدارك الكمال، ويتم من خلالها التلاقح والتناغم والتوالد والامتداد: ( ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) (هود:118-119)، فإذا أبصرنا هذه الحقائق الحياتية والكونية فقد استوعبنا رحلة الحياة.

والبوصلة التي تحدد الوجهة في ذلك كله هي معرفة الوحي، فهي دليل الحياة وكيفية التعامل معها؛ ومجموعة القيم التي أكدتها معرفة الوحي جاءت لتشكل الدوافع والروافع للعقل الحضاري، كما أنها تقيم وتقوم الميزان والمعيار للعقل البشري؛ ويبقى المطلوب فقه معرفة الوحي وإدراك أبعادها ودورها في تأطير حركة الحياة، وفقه القيم ودورها في ضبط مسيرة الحياة.

وعندي أن التجديد والنهوض يبدأ بل ينطلق من إدراك أبعاد عقيدة التوحيد وتجديد معانيها في النفس، وتحويلها من مسألة توارث اجتماعي، كحال التقاليد والعادات وأثاث المنـزل وسائر الأشياء، إلى محل نظر وتفكير وتجديد اختيار واعتناق واعتقاد، ومن ثم إدراك أبعادها التغييرية في النفس والمجتمع، ووضع البرامج والمناهج التربوية والإعلامية والتعليمية والثقافية لتحقيق النقلة بالأجيال من الإرث العفوي إلى تجديد الاعتناق والاعتقاد، الذي يوصل [ ص: 10 ] إلى تجديد معاني العقيدة في النفس والمجتمع، وبيان دورها في مسيرة الحياة، وضبط حركتها بقيم الدين.

ولا شك أن الجهود الطيبة المشكورة، التي بذلت من بعض رواد الإصلاح والتجديد تمحورت في معظمها حول تنقية العقيدة من البدع والخرافات ونوابت السوء، وهذا يشكل أساسا محوريا في عملية التجديد، لكن الإشكالية هي التوقف عند ذلك والإبداء والإعادة حوله، دون استكمال المشروع الإصلاحي في تجديد معاني العقيدة في النفس، واسترداد فاعليتها في الحياة، وإعمالها في تحقيق الحياة الطيبة لمعتنقيها.

إن تنقية العقيدة على قدر كبير من الأهمية الدينية والثقافية والحضارية وحتى السياسية والاجتماعية، وبدون ذلك لا يمكن أن يكون التدين السليم البعيد عن الغش والعوج ووهم العافية؛ فالتنقية قاعدة البناء الحضاري الصلبة، لكن كيف نبني استحقاقات ومعاني العقيدة في النفس والمجتمع لتحدث أثرها في التغيير والارتقاء وهداية الأمة سبل السلام؟ فتلك هي: المعادلة الصعبة والممتدة طوال الحياة الإنسانية.

وهذا البعد هو الذي عبر عنه "ابن خلدون" عند بيانه لحقيقة عقيدة التوحيد في قوله: "إن المعتبر في هذا التوحيد ليس هو الإيمان فقط، الذي هو تصديق حكمي فإن ذلك من حديث النفس، وإنما الكمال فيه حصول صفة منه تتكيف بها النفس"، ومعناه تفعيلها لقيمه وانطلاقه من تحريك الحياة من خلال مقتضياته، استخلافا في الأرض، وتزكية للنفس، وتعميرا للبنيان الحضاري، وشهادة على الخلق. [ ص: 11 ]

وبعد:

فهذا الكتاب محاولة لاستدعاء القيم الحضارية في الإسلام، ومعايرة الواقع الإسلامي بها، وتقديم قراءة جديدة لهذه القيم وكيفية إعادة تفعيلها وفاعليتها، وبيان دورها في التغيير والتجديد للواقع المتخلف، والإفادة من فشل قيم (الآخر) في تغيير واقع الأمة وانتشالها من التخلف، الذي تعاني منه، حتى ولو عايشت من حيث الشكل مظاهر حضارية من خلال استعمالها لأشياء (الآخر) والتي تبقى مظاهر حضارية مغشوشة؛ وكيف أن النجاح الحضاري والتغيير الثقافي منوط بالقدرة على التوليد والتجديد من خلال القيم الحضارية لعقيدة الأمة، والبناء على أصولها الحضارية؛ وأن هذه القيم، إذا أحسنا استرداد فاعليتها، قادرة على التجـديد والتحديث، أو بناء حداثة إسلامية لا تقتصر على الداخل الإسلامي وإنما يمكن أن تشكل أنموذجا جديدا لحضارة إنسانية على مستوى العالم.

فالكتاب يقدم رؤية ومشروعا لتفعيل القيم الحضارية في حياة الناس يمكن أن يشكل سبيلا للخروج من الواقع الحزين، كما يمكن أن يفتح نافذة ويلقي ضوءا كاشفا على عملية التوليد الذاتي، والوقاية الثقافية، ويقدم أنموذجا حضاريا إنسانيا مؤهلا للحوار والشهود الحضاري.

والحمد لله من قبل ومن بعد. [ ص: 12 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث