الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي جعل الأمة المسلمة بما تحمل للعالم من قيم الحق والعدل والحرية والمساواة أمة الشهود الحضاري، وجعل خطابها عالميا وإنسانيا، قال تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة:143)، ذلك أن رسالة الأمة المسلمة في الأساس ووظيفتها الرئيسة إقامة موازين العدل ومؤسسات تحقيق المساواة وتوفير الحرية، والعمل على حمايتها، وتخليص الناس من العبودية والتسلط والإكراه، وإشاعة السلم والأمن في الأرض، والتأسيس لحضارة الرحمة الإنسانية ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:107)، وتيسير سبل التعايش والتعاون والتكامل والتكافل بين أبناء الأسرة الإنسانية الكبيرة، واللقاء على التعاون وبناء المشترك الإنساني، الذي يشكل الغاية من الخلق استجابة لقوله تعالى: [ ص: 5 ] ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ... ) (الحجرات:13)، وحسن تسخير سنن التدافع الاجتماعي لحماية القيم ومؤسساتها من الهدم والحيلولة دون الفساد والإفساد والاعتداء، يقول تعالى: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) (الحج:40) ، وقوله: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ... ) (البقرة:251).

والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، الذي جاء برسالة الرحمة، وقدم المنهج والأنموذج لبناء حضارة الرحمة، التي جاهد من أجل إرسائها الأنبياء جميعا حتى كان الكمال والاكتمال بالرسالة الخاتـمة، يقول تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ، ويقول: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) (الشورى:13)، ويقول الله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة:3) ، وبذلك كملت واكتملت رحلة النبوة التاريخية، وكمل الدين بالرسالة الخاتمة، التي تشكل المشترك الإنساني لالتقاء أهل الأديان جميعا: ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما [ ص: 6 ] بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ) (المائدة:48) ، ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ) (آل عمران :64).

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" السابع والأربعون بعد المائة: "في المنظور الحضاري: المنظمات الدولية.. رؤية تأصيلية" للدكتور سامي إبراهيم الخزندار، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، في سعيها المستمر لاسترداد فاعلية المسلم، وتبصيره برسالته العالمية، ودوره الإنساني، وإكسابه وسائل البيان المؤثرة، وإعادة تشكيل ثقافته وتحقيق قناعاته بأهمية الاختصاص وضرورة ارتقاء المنابر الفاعلة، وتأهيله لمهمة الشهود الحضاري، والتأكيد على إنسانية القيم الإسلامية المستمدة من الوحي ودورها في ضبط مسيرة البشرية وفق موازين الحق والعدل، بعيدا عن التعصب والانطواء على (الذات) والانحياز، حرصا على استنقاذ الآخرين، وإيصال الهداية إليهم، والتعاون معهم، وإقامة جسور التواصل بينهم، وبناء المواطن العالمي، والسعي لبناء المشترك الإنساني، واعتباره أحد المجالات الأساس والأولويات الغائبة في هذه الحقبة من تاريخ البشرية، حقبة (العولمة) والانفتاح العالمي. [ ص: 7 ]

ومما لا شك فيه أن حقبة العولمة بما توفرت عليه من التقنيات المعاصرة، التي أزالت الحدود ورفعت السدود وجعلت من العالم مدينة واحدة، أتاحت إمكانات هائلة وفتحت فضاء واسعا للتفاعل الإنساني والحوار الفكري، لذلك فالمطلوب من المسلم اليوم التفكير بكيفية التقاط الفرصة وحسن توظيف التقنيات المعاصرة ووسائل الاتصال الحديثة ذات الطاقات المذهلة لتوصيل القيم الإسلامية إلى الإنسان حيثما كان، والوصول إلى الشراكة الحضارية، والإفادة من المؤسسات الدولية والهيئات والروابط الإنسانية المعاصرة، وبيان دور القيم الإسلامية في تفعيل هذه المؤسسات وإكسابها إتقان العمل وأخلاق المعرفة، وانتشالها من التحيز والتعصب والتمييز العنصري، وبيان نوع العطاء الذي تضطلع به القيم الإسلامية والذي لا يزال غائبا عن تلك الحضارة، التي نشأت هذه المؤسسات في مناخها واكتسبت صفاتها في التمييز وغياب العدل والحق والمساواة، وضبط مسيرتها بموازين الحق والعدل، ووضع المؤيدات القانونية للحيلولة دون اختراقها، والتفكير بتأسيس المزيد منها في المجالات المتعددة، وتحديث قوانين المؤسسات القديمة، وتجديد هياكلها، وإخراجها من نطاق التحكم والهيمنة للدول الأقوى، التي تحركها متى تشاء وتعطلها متى تشاء.

إن دور هذه المؤسسات الدولية بدأ يتعاظم مع حقبة العولمة، ويتقدم نحو معالجة مشكلات الأمم والشعوب والدول بخطى سريعة حتى كاد [ ص: 8 ] يتجاوز القوانين والمؤسسات الإقليمية، ويتجاوز سيادة الدول، بالمفهوم التقليدي، لذلك فلم يعد هناك أي خيار أمام الدول والحكومات والشعوب والأمم في التعامل مع هذه المؤسسات؛ لأنها أصبحت الموقع الأهم للمغالبة الحضارية والتبادل الثقافي والمعرفي والقانوني، حتى لنكاد نقول: إن التأثير والتأثر، سلبا أو إيجابا، أصبح منوطا إلى حد بعيد بهذه المؤسسات الدولية، التي بدأت تشكل الرؤية الريادية والتكييف القانوني للمجتمع العالمي.

صحيح أن هذه المؤسسات، تاريخيا، شكلها وهيكلها الأقوياء والمنتصرون لحماية مكاسبهم واستمرار هيمنتهم وخدمة أهدافهم وتحقيق مآربهم في شرعنة احتلال العالم واقتسامه، وغابت عنها الدول الضعيفة والمتخلفة، لكن صحيح أيضا أن هذه المؤسسات بعد أن توسعت المشاركة فيها وأصبحت محل اهتمام العالم كله في هذا العصر الإعلامي، الذي احتل الفضاء كله.

لقد بدأت هذه المؤسسات تحاول استرداد دورها العالمي في حماية الحق والسلم والأمن والعدل، بعد مشاركة جميع الدول فيها، وأن هيمنة الأقوى بدأت تضعف وتتراجع شيئا فشيئا.

ولقد آن الأوان بالنسبة إلى المسلمين إنهاء مرحلة العزلة والانطواء وفك قيود التقليد والانفكاء، والانطلاق صوب العالمية، المهمة الرسالية، [ ص: 9 ] بكل جرأة واقتدار؛ لقد آن الأوان للانطلاق إلى فضاء الإنسان الواسع، والاضطـلاع برسـالة إخراجه وتخليصـه من العبودية، إخراجه من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق القيم الوضعية الدنيوية إلى سعة ورحابة القيم السماوية الدينية، من الانحياز والتعصب والإقليمية إلى رحابة وسعة العالمية.

وقد نكون بغـنى عن القـول: إن هذا الانفتاح العـالمي الرعيب، وما ترتب عليه من إزالة السدود والحدود، والوصول إلى كل المواقع، ورصد كل التحركات لحظة وقوعها، والتفاعل معها، تأثرا وتأثيرا، لم يقتصر على البعد الاقتصادي أو الإعلامي أو السياسي أو الثقافي، كما لم يقتصر على المؤسسات والدول وإنما تجاوز ذلك إلى الأفراد والجماعات الصغيرة، وبدأ العالم مرحلة جديدة من الشـراكة والتفاعل والانفعال، الأمر الذي لم تعد تنفع معه أدوات ووسائل التعامل القديمة، التي أصبحت قيمتها تاريخيـة، وإن حـاول بعض الناس تجـاهل الحـال والتمترس فيها وعدم مغادرتها.

ولا شك أن هذا الانفتاح بات يتطلب أنظمة وقوانين وتنزيل قيم جديدة تنظـم علاقـاته، وتضبط مسيرته، وتشرع لحركته، وتضمن حقـوقه، وتحول دون تجاوزاته، مما يمكن أن يدخل في نطاق مصطلح القانون الدولي، الذي يفترض فيه أن يكون ثمـرة لتشريعات مشتركة ونتيجة لرؤية مشتركة. [ ص: 10 ]

ولعل في مقدمة المطلوب في هذه الحقبة العولمية تفعيل دور المؤسسات الدولية أمام التقدم الإعلامي والثقافي، وإن شئت فقل: أمام العصر العولمي، الذي فتح أبواب هذه المؤسسات على مصراعيه، وبصر العالم بمناقشاتها، كما أن تزايد أقدار الحرية وتنوع أوعيتها من وسائل الإعلام أتاحت الفرصة لبيان وفضح السقطات والممارسات المزدوجة والمواقف المنحازة لهذه المؤسسات، إن الواقع الذي صارت إليه هذه المؤسسات بات يتطلب التنبه إلى أهمية إدراك دورها وبعدها العالمي في تنظيم العالم وإعادة ترتيب شؤون مجتمعاته ودوله؛ ذلك أنه على الرغم من أن هذه المؤسسات الدولية ما تزال حتى اليوم أشبه ببيت العنكبوت تخترقها الحيوانات القوية ولا تلتقط إلا الحشرات الضعيفة، فإنها بدأت تتقوى شيئا فشيئا بقوة الإعلام، الذي يبرز طرح ومناقشة وحجج المشاركين فيها، القادرين على المساهمة بتقديم القيم الإنسانية المقنعة والعادلة.

لذلك نقول: إن القدرة على تقديم القيم الإسلامية، التي تلتقي مع فطرة الإنسان، وتحقق له الكرامة، وتخلصه من العبودية، وتلحق به الرحمة، وتشيع العدل والسلم، وتنتصر للحق سوف يجعل من هذه المؤسسات منبرا عالميا متاحا وفرصة هائلة للدفاع عن الحق، ونصرة المغلوب، والانتصار للضعفاء، والتحالف ضد المستكبرين والطغاة في الأرض.

وتبقى هذه المؤسسات إحدى المنابر الحرة، التي إن أحسنا توظيفها واغتنامها والتعامل معها يمكن أن تشكل نقطة انطلاق دعوية تمكننا من [ ص: 11 ] الوصول إلى العالم ومخاطبته من على أعلى المنابر وأكثرها فاعلية، ولنا من قيمنا الإنسانية من الحرية والعدالة والمساواة وحرية الاختيار وعدم الإكراه وعدم الظلم والتحيز ما يجعل طريق هذه المؤسسات سالكة أمامنا، ويحولها إلى مؤسسات تسهم بعرض قيم الدين ونشرها.

وبالإمكان القول: إن تاريخ هذه المؤسسات وقراراتها لم يكن مشرفا، ولم تكن المشاركة فيها مشجعة؛ لأنها تأسست لمساندة الاستعمار ودعمه، وخدمة القوي وشرعنة تصرفاته، وتسويغ التسلط على الشعوب، ونهب خيراتها، وموطن لتحالف الأقوياء والذين استكبروا ضد المقهورين والذين استضعفوا، ولا ننسى أنها كانت وراء دعم أكبر جريمة اغتصاب في تاريخ الإنسـانية (قضية فلسـطين)، لكننا نقول: لقد بدأ الحال يتغير -كما أسلفنا- وأصبحت هذه المؤسسات تشكل الحلبة الرئيسة للمغالبة الحضارية والتنافس في التميز القيمي وصدق الأداء.

إن التأهل للعمل والتعامل مع هذه المؤسسات أصبح يتطلب التضلع في القانون الدولي، بكل أبعاده وتشريعاته، ويتطلب الخبرة في الدبلوماسية والعلوم السياسية وتاريخ القانون وتاريخ الأمم السياسي والثقافي ومسالكها في السلم والحرب، ولعل ذلك كله يندرج تحت ما يسمى "الفقه السياسي والعلاقات الدولية"، بكل تاريخه ونظرياته ومقارناته ومقارباته وحروبه ومعاهداته. [ ص: 12 ]

لقد أصبح تخصصا قائما بذاته، له علماؤه وخبراؤه ومتخصصوه وقضاته، لذلك فالتعاطي معه لا تنفع معه العواطف والحماسات والرغبات والأمنيات، فهو ليس بأمانينا ولا أماني أهل الكتاب.

والذي نريد له أن يكون واضحا أن هذا التخصص وآلية التعامل معه ووسائل تعاطيه إنما يقع في نطاق "الفقه السياسي"، وإن كان في معظمه يدرس في نطاق القانون الدولي العام وما يستتبعه من الأصول الدبلوماسية، إلا أن إطاره سياسيا أو "الفقه السياسي".

والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها هي أن من أسباب ومظاهر التخلف الحضاري، الجمود والتوقف، الذي يكاد يكون كاملا في مجال الفقه السياسي عامة، وأن القطيعة تكاد تكون كاملة بين الرؤية الإسلامية وخلودها وبين إنتاج الفقه السياسي أو القانون الدولي اليوم؛ إن ذلك التوقف كلفنا وما يزال يكلفنا كثيرا، ويحرم العالم ومؤسساته من عطاء القيم الإسلامية ومدى ما تقدم وتساهم في تحقيق السلم والأمن، وتبني من الحق والعدل، وتحمي الحرية، وتحول دون الجور والظلم والتمييز والانحياز، والانتصار لحقوق الإنسان.

لقد تمحور الاجتهاد بعمومه حول الفقه التشريعي، دون سائر مجالات الفقه الأخرى، وبذلك اقتصر -كما هو معلوم- الاستنباط والتدبر على آيات الأحكام فقط، التي قد لا تتجاوز الخمسمائة آية، على [ ص: 13 ] أحسن الأحوال، دون سائر القرآن، الذي بقي قصرا على التلاوة؛ حتى إننا لنرى أن بعض آيات الفقه الاجتماعي، التي تشكل الدليل على قوانين السقوط والنهوض الحضاري أو إيضاح المنهج السنني، الذي ينتظم الحياة ويبصر بمساراتها، استعملت دليلا على القياس كمصدر من مصادر الفقه التشريعي، فقوله تعالى في ذكر قصة يهـود بني النضير وما لحق بهم: ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ) (الحشر:2) ، فجعلوا ختام الآية ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) بكل أبعادها دليلا على القياس التشريعي فقط (!) ولا بأس في ذلك، لكن لابد من إبصار المدى الأوسع الذي يشكل عبارة النص، كما يقول علماء الأصول؛ لابد من إبصار القياس في الفقه السياسي والاجتماعي والحضاري، وامتلاك القدرة على اكتشاف وتسخير سنة السقوط والنهوض وأدوات الوقاية الحضارية.

وفي اعتقادي، أن سبب هذا هو التوارث الثقافي الجماعي، إن صح التعبير، الذي أدى إلى قطيعة بين قيم الوحي والاجتهاد، وتوليدها في مجالات الفقه السياسي والحضاري والتربوي والدولي، وجعلنا نمر على آياتها ونحن عنها غافلون. [ ص: 14 ]

ولعلنا نقول: هنا إن الانغلاق والجمود والقطيعة مع المجتمعات والدول والمؤسسات الدولية أوقعنا عمليا في فصل القيم الإسلامية عن الدولـة والمجتمـع، وإن كنـا نرفض ذلك نظريا، وندافع عنه نظريا، ولا نمارسه واقعيا، ونستمر في العجز عن ممارسته، لذلك تحول المجتمع والدولة ليكون تحت تصرف وسياسة القيصر، وانحسرت القيم الدينية لتقتصر على تنظيم العلاقة الفردية بالله، وأداء العبادة، واستيفاء أحكامها، بمفهومها القريب والبسيط، ولعل هذا يشكل إحدى الإصابات الكبرى التي تسببت من انتقال علل تدين الأمم السابقة، الأمر الذي أدى إلى عزل الدين عن حياة الناس ومؤسسات العالم، التي تقوم على شأنه وتشرف على علاقاته وانحسار القيم الدينية في نطاق الفرد.

وقد يكون المطلوب بين وقت وآخر، وخاصة عندما نكون في مفترق طرق وأمام منعطفات عالمية وتحول حضاري كبير، قد يكون من المطلوب القيام بمراجعات شاملة، وعلى جميع المستويات، لاختبار صحة وراثتنا الحضارية، أو إن صح التعبير وراثة النبوة، واكتشاف مواطن الخلل والإصابة، وتحديد أسبابها، ومن ثم وضع استراتيجية العلاج وسبيل العلاج، ورؤية التعامل مع العالم من خلال قيمنا، في الكتاب والسنة وتراثنا الحضاري بكل أبعاده. [ ص: 15 ]

والناظر في أوضاعنا وتخلفنا المعدي اليوم لا يصدق انتسابنا لهذه القيم، وارتباطنا بهذا التراث العظيم، أو أننا من أصحاب تلك القيم، التي أنتجت ما أنتجت من التجربة الحضارية التاريخية!

لكن تبقى الإشكالية: كيف يمكننا أن ننتقل من مرحلة التبرك بقيم الوحي والتقديس للتراث والتاريخ ومرحلة التكديس للكتب والاقتصار على التحقيق للمخطوطات إلى مرحلة فقه القيم ودورها في البناء الحضاري الإنساني والاجتهاد في تنـزيلها على واقع الناس والتوظيف للتراث والإفادة منه لحاضر الأمة ومستقبلها؟ وكيف نتحول من إثبات صحة النص وتحقيقه إلى مرحلة إعماله ومد رؤيته إلى حاضرنا ومستقبلنا؟

ففي قيمنا، في الكتاب والسنة ومرحلة القدوة والتأسي، من العدل والحرية والمساواة والتعاون والدعوة إلى التعايش والتسامح ما يؤهلنا لدور رسالي عالمي وإنساني، وفي تاريخنا السياسي والثقافي وتجربتنا الحضارية وتجسيد قيم الإسلام في واقع الناس معين لا ينضب؛ إنه يشكل بوصلة تحدد الاتجاه، ودليل عمل وتعامل مع كل الظروف والأحوال... كيف يمكننا أن ندرك خلود رسالتنا وتجردها عن حدود الزمان والمكان؟ هذا الإدراك الذي يمكننا من الانفتاح العملي والعطاء الإنساني في كل زمان ومكان.

وقد يكون من المفيد الإتيان على بعض الأمثلة والنماذج للرؤية الإسلامية المبكرة لمواثيق ومؤسسـات ومعاهدات المواطنة والعالمية والتعاون المشترك: [ ص: 16 ]

ففي وثيقـة المدينة، التي تعتبر بحق ميثاق المواطنة بين الأديان والأجناس والقبائل المختلفة، أبعاد لما تصل إليها الدول ولا مؤسسات التعاون الدولي.

وفي معاهدة الحديبية، مع الأعداء والخصوم، أنموذج متميز.

وفي حلف الفضول، الذي حضره الرسول صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وقال بعد النبوة: ( ...ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت ) الذي تم فيه التوافق على إيقاف الظلم ونشر العدل ورد المظالم، والتعاهد على أن لا يبقى مظلوم في المجتمع ما يدل على الاستعدادات والتوجهات المبكرة صوب الخير والقيم الإنسانية للتلاقي على الحق وبناء المشترك الإنساني، فهل نستجيب للدعوات ونساهم بفعل الخير وإنقاذ الناس؟

وفي شعب أبي طالب، وما كان من التحالفات بين المسلمين وغيرهم، والحصار، وما انتهى إليه الشأن من نقض الوثيقة، ما يمنح آفاقا وفضاء واسعا من المعاني والعبر.

وفي حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام من وضع صيغة للتشارك من القبائل جميعا لرفع الحجر الأسود، بعد الصراع حول نيل شـرف رفعه إلى مـكانه من بناء الكعبـة، صناعة مبـكرة وحـكمة بالغة لبناء المشترك الإنساني. [ ص: 17 ]

هذا عدا عما في كتب الرسول صلى الله عليه وسلم ورسائله إلى الملوك والأمراء، واستقباله للوفود، ومبايعاته الخاصة والعامة، من أبعاد إنسانية وحرص على الوصول لبناء المشترك الإنساني ونظم العقد الاجتماعي، لكن الإشكالية في الواقع الإسلامي تتمثل في انحسار الرؤية وغلبة النظرة التجزيئية، وضيق أوعيتنا عن استشعار واستيعاب النظرة الشاملة، والانصراف إلى التمحور والامتداد بفقه العبادات، والاستبحار فيه، مع أن العبادات توقيفية، تتلقى من الموحى إليه، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، مما يعتري الاستطاعات من صعود وهبوط وما يمر به المكلف من رخص وعزائم، إضافة إلى أن نصيب الفقه التشريعي كان ميدان الاجتهاد الرئيس، الذي لا يزال بشكل مستمر محل النظر والفقه والاجتهاد.

أما ميدان الفقه التربوي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي فمتوقف -كما أسلفنا- والذي نريد له أن يكون واضحا وبعيدا عن الالتباس أنه لا يوجد هناك حد فاصل وصارم بين الفقه التشريعي والسياسي والتربوي والاجتماعي والاقتصادي، بل أن هناك تداخل وتكامل، ذلك أن محل الفقه الإسلامي عامة هو بناء الإنسان وتنظيم سـلوكه وإدارة الدولـة والأمـة والمجتمع، وفق شرع الله، وإن مثل هذه التقسيمـات التي أشرنا إليها إنـما تتحـدد بحـسب طبيعة المحل [ ص: 18 ] لكل نوع من أنواع الفقـه والاجتهـاد، لكن يبقى مصبها جميعا الإنسان والأمة والمجتمع.

وقضية أخرى، قد يكون من المفيد الإشارة إليها، وهي أننا لا نقصد بالفقه السياسي التمحور حول الأحكام المتعلقة بوسائل وأدوات وممارسات الوصول إلى الحكم والدولة فقط، وإنما نرى أن فضاء الفقه السياسي أبعد من ذلك بكثير، هو سياسة تنـزيل أحكام الشرع على واقع الناس والرؤية الشرعية لإدارة شؤون الدنيا بكل أنشطتها، الأمر الذي يتطلب مؤهلات وتكاليف ورؤى واستراتيجيات وخططا وتبصرا بالمقاصد والعواقب، وترتيب الأولويات؛ إنه سياسة الدنيا وإدارة شؤون الحياة، على الأصعدة المتعددة، وتوفير التخصصات المعرفية المتنوعة والخبرات المتراكمة في مجال الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والحكومة والأمة، وفق القيم الإسلامية في الكتاب والسنة والسيرة، وتنـزيل قيم الحق والعدل والسلم والحرية والمساواة، والوصول بحضارة الرحمة إلى العالمية، إلى الأفق الإنساني، بكل مكوناته ومؤسساته، حتى تبلغ حضارة النبوة (حضارة الرحمة) ما بلـغ الليل والنهار، حتى لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا وقد وصله هذا النـور مصـداقا لقوله، عليه الصلاة والسلام: ( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت [ ص: 19 ] مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر ) (أخرجه أحمد).

وهذا القول من الصادق المصدوق، الذي بدأنا نلمح آثاره على مستوى الأرض، في حقبة العولمة، التي نعيشها، وتطور وسائل الاتصال والمعلومات لا يعني الإخبار فقط، وإنما يشير إلى أبعاد وآفاق كبيرة من التكليف، وبيان الدور الرسالي للأمة المسلمة، بكل ما يتطلبه الاضطلاع بهذا الدور من المؤهلات ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ؛ هذا الدور من الشهود الحضاري له أكلاف ثقيلة لعل في مقدمتها استيعاب قوانين الاجتماع البشري، وإبصار سنن سقوط ونهوض الحضارات، وإدراك أبعاد وسنن المدافعة، ومغالبة قدر بقدر، التي كانت وراء حماية مؤسسات العدل والمساواة والسلم والأمن والحرية، والانتصار للحق ومواجهة الظلم تاريخيا: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) ، ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) (الحديد:25). [ ص: 20 ]

ذلك أن الظن أن الفقـه السياسي عبارة عن مجموعة شعـارات عامـة في الشـأن العـام قادرة على تحريك عـواطف الناس وتمـكينهم من الوصول إلى الحكم بدون المؤهلات، التي أشرنا إليها، وهم وعجز عن فهم استحقاقات هذا الدين وتكاليفه وتضييع للأمانة، بإيكال الأمر لغير أهـله، وعندها يتحول الأمر من نعمة تفيض على الناس بالخير والعيش في ظلال إسـلامهم إلى نقمة وعنت وظلم وتنفير، قد يمارس باسم الدين، فيهرب الناس من الدين بدل أن يهربوا إليه، الأمر الذي دعا الإمـام ابن تيمية، رحمه الله، إلى القـول: إن الدولة العادلة ولو كانت كافرة أبقى وأفضـل من الدولـة المؤمـنة لو كانت ظالمة، أو كما ورد عنه، رحمه الله، وإن كانت الإشكالية تبقى في التناقض في وصف الدولة بالإيمان والظلم؛ لأن العدل في الأصل من لوازم الإيمان وثمراته: ( والكافرون هم الظالمون ) (البقرة:254).

والأمر المحزن حقـا أن نقول: إن أبعاد الفعل السياسي واستحقاقاته، والفقه السياسي ومؤهـلاته، ما تزال غائبـة عن الواقع الإسلامي بالأقدار المطلوبة، وإن الإصابات ما تزال تتكرر، ويمضي الزمان ويعطل الاعتبار، بل يحرم التقويم والمراجعة؛ لأن النقد والتقويـم والمراجعة قد يحمل إدانات، ويهز زعامات، ويكشف أسباب الفشل، ويعزل القيادات الفاشلة عن طريق الأجيال، ويعيد تصنيف الكفاءات، ويميز أهل الكفاءة [ ص: 21 ] والخبرة عن أهـل الثقة والولاء، ويحول الولاء للقيم، بدل الولاء للأشخاص والزعماء، ويخلص ذهنية الأمة من الالتباس بين (الذات) والقيمة، ويحقق النقلة النوعية من مرحلة الحماس والتوثب إلى مرحلة الاختصاص والتفهم.

فكم من الثغور المفتوحة في العقل الإسلامي والعلم الإسلامي والجسم الإسلامي، التي تتطلب التهيؤ والمرابطة والتحضير لمرحلة الشهود الحضـاري؟ ذلك أن معـظم الذين يعمـلون تحت المظلة الإسلامية قد لا يملكون سوى الحماس الفائر والحناجر القوية والخطب الطنانة الرنانة والقرع على الطبول الكبيرة ذات الأصوات المرعبة المصحوبة والمشفوعة بالنوايا الطيبة، على أحسن الأحوال، التي قد تستغل ممن انتهوا إلى ساحة الخصوم والأعداء! فكم من الحماسات والتحشيدات والشعارات والمسيرات، التي تبدأ وتنتهي ويذهب كل منا إلى مألوفه ومعروفه وتشكل بالنسبة لخصومنا وأعدائنا شاشات تظهر نسيجنا الثقافي، وتبقى تحت النظر والدراسة والتحليل والاستنتاج واكتشاف طريقة التعامل معنا والتخطيط لتحويلنا عن قيمنا؟!

إن الكثير منا ما يزالون لا يحسنون إلا الضجيج والإذاعة ورد الفعل على ما يفاجئهم من أحداث! ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين [ ص: 22 ] يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) (النساء:83).

ويكفي أن نقـول: إن الكثير منا نتيجة لغياب الرؤية السننية والقدرة على إبصـار القوانـين الناظمـة للحياة ما يزالون يعيشون عنصر المفاجأة دائما، لذلك تأتي مسالكهم أقرب لاستجابة المنعكس الشرطي المتكرر.

إن الكثير منا ما يزال لا يحـسن إلا التضـحيات والموت في سبيل الله والاضطلاع بالأعمال الإغاثية لمن سقطوا ضحايا الغباء السياسي، والفشل القيادي، أو على أحسن الأحوال الخروج من ساحة الفاعل والفاعلية إلى الظل، وإيثار السلامة، في الوقت الذي نجد العالم بمؤسساته وسياساته يستشرف المستقبل، ويدرس المقدمات، ويوازن بين الاحتمالات جميعها، ويضع لكل احتمال عدته وامتلاك وسائل التعامل مع الأزمات وإدارتها؛ إن العالم المتقدم اليوم يحكم من قبل الخبراء والمتخصصين، فلا مكان للأغبياء في عصر الأذكياء، فمتى نفكر بكيفية أن نحسن الحياة في سبيل الله، ونوفر كل استحقاقات ذلك، كما نفكر بالموت في سبيل الله؟ [ ص: 23 ]

وبعد:

فهذا الكتاب يعتبر بعمومه دعوة لفتح ملف المؤسسات الدولية المعاصرة، ويلفت إلى دورها المتعاظم بشكل غير مسبوق في حقبة (العولمة)، وما أتاحته وسائل الاتصال ومؤسسات الإعلام من المجالات لكل أمة أن تعرض قيمها وتبشر بها، وتنافس ببيان قدرتها على صناعة المشترك الإنساني، ولعل الخطورة في عدم التنبه المبكر لدور هذه المؤسسات والمنظمات الدولية وتأثيراتها على الوضع الإقليمي، الأمر الذي أدى إلى التقليل من شأنها، والعزوف عنها، وعدم التخصص بأنظمتها، والتأثير في قراراتها، خاصة بعد مواقفها المخزية إلى جانب العدو الصهيوني، وانحيازها وتغليبها المصالح على المبادئ، وتحولها إلى لعبة بيد الأمم المنتصرة والقوية، التي فصلتها على مقاسها.

لكننا نقـول: إن هذا الحال بدأ يتغير شيئا فشيئا، وبدأنا نشهد هزيمة الدول المهيمنة أمام ثورة الإعلام والاتصال وقدرتها على فضح أمر المواقف المنحازة.

والكتـاب من وجه آخـر يشـكل محاولة للوصول إلى رؤية تأصيـلية ودعـوة إلى إغنـائها في استئناف الاجتهاد السياسي، لتأسيس وتأصيل رؤية إسلامية للعمل العالمي المشترك، والإفادة من [ ص: 24 ] التعاطي مع هذه المؤسسـات المؤثرة، وتقديـم القيم الإسـلامية، ذلك أن هـذه المؤسسات الـدولية تعتبر منابر عالمية، تتقدم وتنمو فاعليتها وتأثيرها العـالمي باستمـرار، فهي بحـق تشـكل مجالا إنسانيا يتيح للقيم الإسلامية فرصة عظيمة لا بد من التقاطها وإبصار وسائل وكيفية التعامل معها؛ فإشاعة السلم والأمن والعدل والمساواة هو المناخ الملائم لامتداد وانتشار القيم الإسلامية، والإغراء بالإيمان بها، فالحرية والسلم والأمن والعدل والمساواة هي فرصة انتشار القيم الإسلامية، ذلك أن الإسلام يدعو إلى الجنوح إلى السلم، بكل تداعياته واستحقاقاته: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ) (الأنفال:61 )، ( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ) (الأنفال:62 )، فالجنوح إلى السلم والعمل على تأكيده وتثبيته هو بالنسبة للمسلم دين من الدين، حتى ولو خادعنا دعاته، فالله يحمينا وكيفينا ويسقط كيودهم.

ونود التأكيد هنا أن المؤسسات الدولية المعاصرة لم يعد دورها مقتصرا على تداول القضايا الدولية ومناقشتها والحوار حولها، وتحكيمها، وتقديم المقترحات والفتاوى القانونية لإشكالياتها، وإنما تجاوزت ذلك اليوم (حقبة العولمة) حتى لتكاد تكون تلك المؤسسات أشبه بحكومة العالم، التي تمارس سلطات تنفيذية في المجالات المتعددة، الاقتصادية والاجتماعية [ ص: 25 ] والأمنية والعدالة الدولية والحقوق والتحكيم والقانون والصحة والتعليم والغذاء، وجميع وظائف الدولة.

لقد أصبح لهذه المؤسسات من السلطات التنفيذية ما يجعل سيادتها الأعلى والأكثر تأثيرا، من الدولة الإقليمية، حتى أصبحت تتجاوز سيادة الدول، وتعيد تشكيلها، وتتدخل في شؤونها، وتأذن لنفسها بالتدخل بالقوة وممارسة التغيير باسم الحق الإنساني والحماية الدولية وإيجاد الملاذات الآمنة...إلخ، الأمر الذي يتطلب منا استحقاقات تخصصية وقدرات على التعامل معها، وكيفية التأثير في قراراتها، والإفادة من القيم الإسلامية الإنسانية الرحيمة لتسديد وتصويب مسارها.

والله المستعان. [ ص: 26 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث