الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي جعل الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وجعلها واسعة لتشكل فرجا ومخرجا لمن ضـاقت به نفسـه وضاقت عليه الأرض بما رحبت؛ نتيجة لممارسات الظالمين والمتألهين والمستبدين، كما جعلها سبيلا للسعة والرزق ومراغمة الأعداء والانعتاق من حالة الذل والاستضعاف، فقال تعالى: ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) (النساء:97)، وقال: ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ) (النساء:100).

فالهجرة في الأصل حركة إيجابية دينامية، تحمي (الذات) من السقوط، وتضمن لها كسب الرزق واستمرار العطاء، وتفتح لها الآفاق المغلقة، وتحقق الأهداف المرجوة، وهي سنة تاريخية، سنة الأنبياء ووسيلة المصلحين ومعقد [ ص: 5 ] رجاء الرواد والعلماء؛ ذلك أنها تحمل إلى مجالات أرحب، وتبصر بآفاق أوسع وثقافات أكثر تنوعا، وتمكن من الاطلاع على عوالم أغنى وأثرى، وهي ليست بالضرورة تأتي ثمرة للإكراه والاستبداد والاستضعاف والمطاردة، وإن كانت كذلك في الأغلب، أو تكون إجبارية وجماعية، فقد تكون اختيارية، وتكون فردية, وقد تكون سياسية أو اقتصادية...إلخ، وقد تكون رحلة علمية معرفية مقصدها طلب العلم، وقد تكون استشفائية علاجية سياحية، وقد تكون طلبا للرزق والتفتيش عن فرصة أفضل، لكن أبرز الهجرات وأعظمها تأثيرا وتغييرا الهجرات الدعوية التي تهدف إلى إبلاغ الفكرة ونشرها وحمايتها من الجبابرة والمتسلطين؛ والهجرة هي المقابل الإيجابي للمواجهة، فهي بشكل عام سبيل لتحقيق (الذات) والتفتيش عن المناخ المناسب لرعاية وتنمية المواهب والتمتع بالحرية والمساواة والعدل المفقود هنا الموجود هناك.

والهجرة بأبعادها الزمانية والمكانية قد تكون خارجية وقد تكون نفسيه ذاتية داخلية، كالارتحال من الكفر إلى الإيمان، ومن المنكر إلى المعروف، ومن هجر ما نهى الله عنه، فالنية في كل الأحوال والحالات هي المرتكز والهدف وهي المعول عليه، وهي التي تحول الهجرة من صورة سلبية انسحابية هروبية انطفائية إلغائية إلى صورة إيجابية بنائية فاعلة وتغييرية نهضوية، فالهجرة تبدأ من النفس وتنتهي في المحيط، فالمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والهجرة جهاد ومجاهدة ومراجعة وتجديد وتجدد ومراغمة للباطل، وهي بالمعنى العام ليست تولية للدبر وتول عن الزحف وإنما هي تحرف لقتال وتحيز إلى فئة. [ ص: 6 ]

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي جعل الأعمال تشرف بشرف أهدافها ومقاصدها، فقال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) (أخرجه أبو داود)، فارتقى بمفهوم الهجرة ودلالتها إلى الهدف الأسمى وهو تحقيق مقاصد الدين وحمل رسالة الحق والعدل والمساواة، وتحقيقها في حياة الناس وإلحاق الرحمة بهم.

لقد جعل الإسلام الهجرة مبصرة لمقاصدها ولم يتركها حركة عشوائية أو حركة جسد بلا عقل، وإحساس بلا إدراك ووعي وبصيرة، حتى تكون حركة المسلم قاصدة ويعرف في كل حركة أين يضع قدمه.

فالهجرة في رسالة الإسلام لم تكن حالة طارئة وإنما رافقت النبوة الخاتمة من خطواتها الأولى.

فلقد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه الهجرة عندما اشتد بهم اليأس، وأحكم الحصار من حولهم، وسدت منافذ الدعوة، وضاقت بهم السبل؛ طلب إليهم الهجرة إلى أرض الصدق والعدل، إلى الحبشة، حيث فيها ملك لا يظلم الناس عنده ( إن بالحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجا ) (أخرجه البخاري)؛ فكان شيوع العدل وعدم الظلم هي نفسها القيم والمقاصد التي يسعى الإسلام لترسيخها وتأصيلها. [ ص: 7 ]

ولعلنا نقول: إن هؤلاء الرواد من المهاجرين المستضعفين كانوا السبب في إسلام النجاشي، ملك الحبشة.

ثم جاءت هجرته صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة عشر عاما من الصبر والمصابرة وتحمل شتى أنواع الأذى، إلى أن تيقن أن المجتمع المكي في هذه اللحظة التاريخية بات مغلقا تجاه كل خير، ومع ذلك لم تنقطع بهجرته صلته وعلاقته بمولده وموطنه، فمكة باقية في نفسه، كيف لا وهي أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن أهلها أخرجوه منها ما خرج، لذلك ما لبث أن عاد إليها لتحريرها وفتحها بعد أن أدت الهجرة إلى المدينة مقاصدها من إقامة المجتمع المسلم وامتلاكه الإمكانية للانطلاق والتحرير وتخليص الإنسان من الاستعباد والاستبداد حيثما كان، فعاد إلى مكة نبيا رسولا، أخا كريما وابن أخ كريم.

وتبقى الهجرة على العموم فعلا اجتهاديا، له ملابساته وظروفه، فقد يدفع إليها الأعداء لتفريغ البلاد من الخصوم، والاستفراد والعبث فيها دون أية خصومة أو معارضة، ففي بعض الحالات قد يكون فعل الهجرة جهادا والقعود عنها تخلفا عن الزحف، وفي حالة أخرى قد تكون محرمة إذا كانت تؤدي إلى الانسحاب وتسليم الأرض إلى الأعداء والمفسدين وتمكينهم من السيطرة، وفي هذه الحال قد يحكمها قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) (أخرجه مسلم).

والهجرة بشكل عام ماضية إلى يوم القيامة، كما أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة؛ لأن سنن المدافعة بين الكفر والإيمان، والحق والباطل، والعدل [ ص: 8 ] والظلم، والعبودية والمساواة، والحرية والاستبداد، والعدالة الاجتماعية والمظالم الاجتماعية ماضية إلى يوم القيامة أيضا، وهذه جدلية الحياة وسنتها؛ ولعلنا نقول: إن الهجرة هي سنة كونية واجتماعية وديمغرافية وشرعية واقتصادية وسياسية، ذلك أن أبعاد الحياة كلها ومضامينها ومقاصدها ومدافعاتها مركوزة في مفاعيل الهجرة.

والهجرات عبر التاريخ الإنساني موجات بشرية متدافعة ومتداخلة كموج البحر، الذي تتولد عنه طاقات هائلة تحرك السطح والأعماق وتضمن توازن الحياة والبيئة.

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" السادس والخمسون بعد المائة: "المعطيات الحضارية لهجرة الكفاءات"، لنخبة من المؤلفين، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، في سعيها الدائم لغرس خمائر التغيير، وبناء عوامل النهوض، التي ترتكز إلى مرجعية معرفة الوحي والتجربة الحضارية التاريخية، ومحاولة استرداد وظيفة العقل، ليقوم بدوره في تنزيل قيم الوحي على واقع الناس، بحسب استطاعاتهم، مستصحبا مسيرة خير القرون وعطاء التراث، والقدرة على توليد رؤية تجديدية من خـلال تجريد الاجتهادات التاريخية من ظروف الزمـان والمكان ومحاولة توليدها في ضوء ظروف الزمان والمكان والناس. [ ص: 9 ]

إن عملية التأسيس والتأصيل تقتضي إعادة بناء ثقافة المراجعة والتقويم والنقد وإدراك أهميتها في تنهيج الفعل ومراجعة النواتج وتجنب العثرات، ذلك أن تشكيل الرؤية الاستراتيجية أو تكوين العقل الاستراتيجي أمر يتطلب إعادة الاعتبار لوضع العقل بعد هذه القطيعة الطويلة والعطالة المزمنة، التي تولدت في الفكر الإسلامي في عصور التخلف بحجة الانتصار للوحي، حيث أصبح لزاما اليوم تحريك عجلة الاجتهاد وإدراك أهميته لرسم طريق العودة بالأمة إلى قيم الكتاب والسنة وتنزيل الوحي على واقع الناس، في ضوء استطاعتهم، التي تعني الإحاطة بالظروف المحيطة والإمكانات المتاحة وتصويب المقابلة المتوهمة بين الوحي كمصدر للقيم والمعرفة الإنسانية وإطار مرجعي لحركة العقـل وبين العقل كمصـدر للخطط والبرامج، حيث الرؤية الاستراتيجية الغائبة تقتضي تنهيج حركة المسلم لإدراك دور النية: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) (أخرجه أبو داود)، كرؤية إيجابية استراتيجية وتصور مسبق عن أبعاد الفعل، وتوجيه للفعل الإنساني، واعتماد الفكر، والنظر لأبعاد المستقبل قبل الفعل والحركة، ليفكر كثيرا قبل أن يحدد وجهته، ويدرس جدواها قبل أن يضع قدمه، محاولا أن يطرح على نفسه مجموعة من الأسئلة البدهية: لماذا؟ ومتى؟ وكيف؟، ومن ثم يسعى لاستكمال الأدوات والوسائل، التي يمكن أن تحقق له مقصده وتبلغ به غاية نيته. [ ص: 10 ]

وقبل ذلك كله وبعده معايرة الفعل بكل خطواته بقيم الكتاب والسنة، ولعلنا نقول: إن الخطوة الأولى صوب المهاجرة من الحاضر إلى المستقبل تبدأ بإعادة فحص واختبار ما استقر في العقل كمسلمات ومعطيات ثابتة للفكر الإسلامي أوجدت هذا الواقع البائس، والبدء في تأسيس وتأصيل وطرح حقيقة الحقائق أو مسلمة المسلمات: أن هذه المعطيات وهذه المسلمات هي نتاج فكر ونظر واجتهاد بشري، يجري عليه الخطأ والصواب، كما تجري عليه غربة الزمان والمكان وتبدل المشكلات، وأنه محل للمراجعة والتصويب والتجديد والاجتهاد في ضوء المتغيرات؛ ذلك أن صوابيته في التعامل مع مشكلات عصر معين لا تعني بالضرورة صوابيته للتعامل مع كل الأزمان وملاءمته لكل المشكلات، وإلا توقف الزمن وتجمد النمو وتيبس العقل وألغي التفكير والاجتهاد، وتحنطت الملكات الإنسانية، وهذا يخالف سنن الله في الحياة والأحياء، ويحاصر خلود القيم في الكتاب والسنة، ويبطل الدعوة إلى التجديد والتكليف به وهجر الخطأ ونفي نوابت السوء وإعادة البناء وفق معايير الكتاب والسنة، التي تمتلك ثبات النص وخلوده، بمعنى قدرته على الاستجابة وإنتاج الأحكام للتعاطي مع مشكلات الإنسان في كل زمان، ذلك أن القيم المعيارية في الكتاب والسنة خالدة على الزمن، وهي بهذا الخلود قادرة على الإنتاج لكل زمان ومكان بما يلائمه ويصلحه.

وبهذا الخلود فإن هذه القيم تمتلك آفاقا وطبقات متعددة ومتفاوتة في المعاني تتكشف على الزمن، يبقى الغوص فيها والولوج إليها وإدراك [ ص: 11 ] مقاصدها وأبعادها مطروحا لكل عصر ومتاحا لكل مجتهد، كما تمتلك مستويات متعددة من المعنى، بحيث لا يمكن استنفاد معانيها وماهيتها في عصر بعينه، فهي خالدة العطاء.

فهل من سبيل اليوم إلى هجر للواقع وأدواته ومناهجه، التي لم تعد تستطيع انتشاله من حالة التراجع والتخلف؟ وهل من هجر للقوالب الفكرية والمسلمات غير المقدسة الجاهزة، التي تتحكم بثقافتنا وتورثنا ما نحن عليه؛ ذلك أن استخدام المناهج والأدوات نفسها سوف يعيد الإنتاج المتولد منها نفسه؟ وهل من سبيل إلى هجرة ثقافية تعيدنا إلى المنابع الأصيلة في الكتاب والسنة ونستعيد بها فاعليتنا، فلا تسمح للتراث أن يلغي عقولنا واجتهادنا ويحبسنا في قوالبه الجاهزة، كما لا تسمح لنا بهجر التراث والقفز من فوقه وعدم الإفادة من عبرته وتراكم معارفه وتجاربه، وامتلاك القدرة على استصحاب ذلك في إعادة بناء حاضرنا والتطلع إلى استشراف مستقبلنا؟

والهجـرة سنة عضـوية وسنة كونية وسنة اجتماعية وسنة حضارية -كما أسلفنا- فأبعادها أكثر من أن تحصى، فالتغيير والتطوير هجرة، والتجديد والاجتهاد هجرة، والمدافعة هجرة، والجهاد هجرة، والارتحال هجرة، لذلك نقول: إن الإنسان في حالة هجرة دائمة، على مستوى التفكير والنفس والجسم، فكل لحظة هو في شأن بالنسبة إلى عضويته ونفسيته وتفكيره، فالتوقف عن الهجرة يعني الموت والانطفاء، لذلك نقول: إنه لا بد من تغيير زوايا النظر للهجرة وتنويعها، للوصول إلى آفاق وأبعاد جديدة ومفاهيم حديثة، تبصرنا بالهجرة من كل زوايا النظر. [ ص: 12 ]

ونسارع إلى القول: إن الهجرة بكل أبعادها ليست حالة سلبية هروبية من الثبات على الحق والتضحية في سبيله، وإنما هي حركة إيجابية بنتائجها، ودليل فاعلية، ووسيلة عطاء وكسب حضاري والتقاط الفرصة المناسبة والحرية المتاحة، التي تشكل المناخ الملائم لنشر القيم والأفكار وانتقال خمائر الدعوة والنبوة إلى العالم، وتحويل ثقافة المسلم من الحرص على الموت في سبيل الله إلى ثقافة الحرص على الحياة في سبيل الله وتطبيق نهجه.

ذلك أن المستقرئ لتاريخنا القديم والمعاصر ولمسيرة حركات العمل الإسلامي وفعلها يدرك أن المواجهة لم تحمل لنا إلا النكبات والكوارث والبلايا ومحاصرة الدعوة وفصلها عن جسم الأمة، في معظم الأحيان، ليسهل اتهامها والقضاء عليها وشل حركة الدعاة، وأن الهجرة لم تحمل لنا إلا الخير والعطاء والانتصار وإرغام العدو والاستقرار والانتشار وامتلاك التميز والتفوق والتخصص والعلم والرزق، مصداقا لقوله تعالى: ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ... ) (النساء:100).

فحياة الأنبياء ودعوتهم وحركتهم وتاريخهم مطبوع بالهجرة، بعيدا عن المواجهة، فالمواجهة حصار وإغلاق وتعطيل واستدعاء للصد عن سبيل الله واستفزاز للعدو ومجافاة لنهج النبوة؛ لذلك فقد نكون بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة القراءة لتاريخ النبوة ولتاريخنا وتراثنا بأبجدية صحيحة ومن زوايا أخرى. [ ص: 13 ]

فكل تاريخنـا هجري، وكل عطائنا هجرة، فنشر الدين هجرة، وامتلاك أسباب القوة والحماية هجرة، ابتداء من الهجرة الأولى إلى الحبشة، أرض الصدق والعدل ووجود الحاكم الذي لا يظلم الناس عنده، ووصولا إلى الهجرات المعاصرة، التي حملت الإسـلام إلى العالم وساهمت بإعادة الوعي وصيـاغة (الذات) المسـلمة والتـعرف عليها من خلال (الآخر) من جـديد في بـلاد الاغتراب، سواء في ذلك تلك الهجرات التي تمت بهـدف الابتعاث للتحصيـل العلمي والتي كثيرا ما أريد لها الإفساد والانحـلال للمبتعثين وإخراجهم من دينهم فانقلب السحر على الساحر، وعـاد المبتعثون على شـاكلة أخرى، أو الهجرات التي تمت بدوافع ومقاصد أخرى.

وما أزال أذكر قولة بعض المسؤولين عندما كانت تناقش في تجمعات الحزب العقائدي الشمولي الحاكم في بعض البلاد العربية قضية الابتعاث وأهميته وضرورة اقتصـارها على كوادر الحزب القائد قوله: نحن نرسلهم اليوم حزبيين، لكن السـؤال المطروح: هل يعودوا حزبيين ويقبلوا بالحال التي نحن عليها؟

وبالإمكان القول اليوم: لقد تطورت مضامين الهجرة ووسائلها ومعطياتها وفضاؤها، فلقد أتاحت وسائل الاتصال الحديثة أن يهاجر الإنسان إلى جميع أنحاء العالم، ويستكشف ويطلع على كل ما فيها، وتصل إليه وتتواصل معه، وهو في مكانه، فالأشياء والأفكار والأشخاص والحياة [ ص: 14 ] أصبحت في حالة حركة وهجرة دائمة، فكيف نتعامل معها وكيف نقرؤها ونحدد موقفنا منها، وكيف نطور زوايا الرؤية وننوعها لنبصر موقعنا، ونكتشف مدى حركتنا، ونبصر مقاصدنا، ونمارس هجراتنا المعاصرة بكل مقاصدها المتميزة؟

فقد يكون المفيد هنا أن نذكر بقولة أبي سفيان، رضي الله عنه، في كونها تشكل مفترقا على طريق الهجرة وتحديد مقاصدها، لندرك التميز بين رسالة النبوة وسطوة الملك، أو رسالة الدعوة ولعبة السياسة، أو بين رسالة النبوة وأهداف الحكم.

عندمـا رأى أبو سفيـان جمـوع المسـلمين يدخـلون مكة فاتحين، كثمرة للهجرة، قال للعباس، رضي الله عنه، عم الرسول صلى الله عليه وسلم : "والله يا أبا الفضل، لقـد أصبـح ملك ابن أخيك الغـداة عظيما"، فكان رد العبـاس، رضي الله عنه، ملفتا، بقوله: "يا أبا سفيان، إنها النبوة"، وليس الملك.

وقد تكون الإشكالية الممتدة في الحياة الإسلامية اليوم تكمن بحضور أبجدية أبي سفيان في قراءة الأمور والحركة والإنجاز وتغييب رؤية العباس، رضي الله عنهما، عن الذهنية الثقافية للمسلم المعاصر، لذلك تجيء القراءات اليوم ثمرة للأبجديات المغلوطة، فتورث النكبات المتتالية، وتفرز القيادات الفاشلة والعاجزة، وتولد الأفكار الملتبسة. [ ص: 15 ]

إن هجر الأفكار واختبار مدى صلاحيتها وقدرتها على انتشال الواقع وتغييره كانت ولا تزال هي الدينامية المحرضة والمحركة والرافعة الحقيقية للهجرة والحركة والدعوة، والمؤشر الأول للفعل الإيجابي والاستمرار في صناعة وبناء وامتداد تاريخنا الهجري، والارتكاز إليه، وإبصار المقاصد لكل حركة ولكل هجرة، فالأعمال ينطلق مسارها وتبصر مقاصدها من النيات، والأفعال تستجيب للأفكار، وتجليها في واقع الناس.

وقد لا يتسع المجال للحديث عن دوافع الهجرات المتعددة والمتنوعة وأهدافها وأسبابها ونتائجها وفعلها في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي بشكل مستوف، فذلك فضاء وسيع ووسيع جدا يستوعب الحياة بكل مكوناتها وتداخلها وحركتها وجدليتها.

وقد نقول هنا بشكل عام ودون استقراء واستقصاء كامل: إن النظر إلى ظاهرة الهجرة وقراءتها جاء جزئيا ومبتسرا ومقتصرا على زوايا للنظر يكاد يصطف وراءها الجميع ويطل منها الجميع، لذلك نراهم يعودون بنتائج واحدة، وهي تكريس الصـورة السلبية للهجرة والتحذير من مخاطرها وآثارها السلبية على العقيدة والسياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع والتربية... إلى آخره، حتى وصل الأمر ببعض الفتاوى والأحكام الفقهية إلى تحريم الهجرة والعيش في غير (دار الإسلام) لما يترتب على ذلك من فتن للمسلم عن دينه(!) واستمرت دراسة هذه الفتاوى والأحكام حتى بعد أن [ ص: 16 ] ساد بلاد المسلمين الاستبداد والاستعباد والتخلف وغاب دور الهجرة في الاستقواء والمراغمة ونشر الدعوة وإيصال الإسلام إلى الناس كافة.

ولا شك أن طرح الآثار السلبية لظاهرة الهجرة وإصاباتها مطلوب للحذر والتوقي، فعموم الصحابة، رضي الله عنهم، كانوا يسألون عن الخير ليفعلوه، وكان بعضهم يسأل عن الشر حتى لا يدركه؛ ولا تتكامل الصورة إلا برؤيتها من الزوايا جميعا.

لذلك فقد يكون المطلوب بإلحاح الاجتهاد في محاولة لتجديد المناهج وتغيير زوايا النظر أو إضافة زوايا جديدة للظاهرة لتكتمل الصورة وترى من جميع جوانبها، وإلا فسوف نبقى عاجزين عن فهم الظاهرة وحسن التعامل معها وحسن توظيفها في تحقيق الأهداف المرادة.

وهذا الواقع من التقليد الجماعي بالمناسبة لا يخص النظر إلى ظاهرة الهجرة من الزوايا والمناهج المتوارثة، ولا يقتصر عليها، وإنما يحكم العقلية المسلمة المعاصرة، التي يمكن وصفها اليوم بأنها تعبث بإرثها العظيم، وتعجز عن وضعه في موقعه الصحيح، ولا تمتلك القدرة على توليد رؤى مبصرة وإنتاج مناهج نضيجة وإبداع زوايا للنظر جديدة في ضوء طبيعة ومكونات الظواهر ذاتها، وما تستدعيه من النظر والتدبر، وما تمنحه روافد العلوم والمعارف والخبرات من إمكانات مساندة وخبرات متراكمة، وما يخضع له العالم من التغير السريع، حيث يمسي على حال ويصبح على حال أخرى، لكن الإشكالية تبقى في المصاب بعمى الألوان، العامي والغافل، الذي [ ص: 17 ] يصعب عليه أن يتجاوز حالة الإحساس، التي تستوي فيها المخلوقات جميعها، إلى حالة الإدراك للتحولات والسنن والقوانين التي تحكمها، وبالتالي يقوده هذا الإدراك إلى إبداع الأدوات والوسائل لكيفية التعامل معها والانتقال من السكونية إلى الدينامية، ومن الخمول والقعود إلى الفاعلية والحركة، ومن العجز والاستسلام إلى الهجرة، ومن العطالة وانتظار السنن الخارقة إلى المدافعة وتسخير السنن الجارية.

وبالإمكان القول: إن الهجرة لم تعد ظاهرة طبعية عفوية انسيابية إرادية في كثير من الأحيان والأماكن، ذلك أن أرض الله الواسعة ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) (النساء:97) بدأ يحتلها ويعتدي عليها ويحاصرها ويضيقها الظالمون والمستبدون والمستعبدون، الذين يمارسون عدوانهم واغتصابهم لحقوق الله والعباد، صباح مساء، وليس الأمر مقتصرا على هؤلاء العنصريين الهمج من الخلق، والمتألهين من البشر على بقية الناس بالحديد والنار، وإنما الأمر الأخطر أن التحكم بظاهرة الهجرة أصبح من الأذكياء، الذين يقبضون على ناصية العالم ويسعون للاستحواز على جميع خاماته وخبراته وشعوبه.

فتراهم يتحكمون بالهجرات وكأنهم يحركونها بالريموت، لذلك نراهم يهيئون الفرص المغرية لهجرة الطاقات، من العقول والسواعد معا، إليها، يغرونها بالمال وبمناخ الحرية المفقود من بلادها الأصلية، لذلك تجدهم يحاولون امتصاص الخبرات والاستحـواز عليها وإحضارها حيثما كانت، [ ص: 18 ] أو توظيفها من مواقعها وتجاوز قوانين الهجرة المعمول بها في دخولها وتوطينها وتجنيسها.

فالذين يحاولون قيادة العالم اليوم والتحكم به يبصرون هذه التحولات الاجتماعية ويخططون لها ويتحكمون بحركتها وتحديد مقاصدها، ويتيحون الفرصة لها للاستقرار والاستمرار وإقامة المشاريع والاستثمار في هذه الأوطان البديلة، حفاظا على الثروات القومية من التحول إلى البلاد الأصلية، وبذلك تتحول الهجرة نتيجة لهذا التحكم الذي تمتد مخططاته إلى المواطن الأصلية حيث صناعة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، الذي يترافق مع إتاحة فرص الحرية في المهـجر، إلى وسيلـة بيد الدولة المهيمنة، تتحكم بها كيف تشاء.

ويزداد الأمر سلبية وسوءا إذا سبق الهجرة حالة من الفراغ أو التفريغ الثقافي والخواء الروحي والغياب الحضاري والعجز اللغوي والافتنان بالصورة دون إدراك الحقيقة، التي تكمن وراءها.

لقد تغير العالم وما يزال يتغير بوتيرة مستمرة ومتسارعة، كثمرة للعصر الإلكتروني وتطور وسائل الاتصال والإعلام حتى يكاد الإنسان يهاجر يوميا إلى جميع أنحاء العالم وهو في مكانه -كما أسلفنا- وتكاد الهجرة بكل أبعادها ومعطياتها تتحقق لمعظم سكان الأرض، حيث يبنى اليوم عالم فضائي آخر غير العالم الأرضي، تشكل الوسائل الحديثة فيه السفن الفضائية ووسائل النقل والانتقال. [ ص: 19 ]

هذه المتغيرات المتسارعة، التي لم تجئ بمنأى عن صنع الأقوى المهيمن حيث تدفعه دائما إلى التفكير بوسائل التحكم والاحتواء والاختراق، وبدل أن يصبح المهاجر طليعة ثقافية، وحضارية، ودعوية، في بلاد المهجر، ومن ثم يعود بالمال والعلم والمعرفة والتبادل الثقافي إلى بلده لينهض بها أصبح الكثير من المهاجرين رهائن دوائر التحكم والاختراق، وتحولوا إلى أدوات حضارية وجسور ثقافية لمرور (الآخر) إلينا، وبدل أن تأخذ الهجرة بعدها وتكون عامل نهوض تحولت لتصبح عامل قوة لبلاد المهجر، وعامل تكريس للتخلف والتراجع والتبعية للبلد الأصلي، فهل نبصر هذا الأمر، ونفكر بكيفية التعامل مع هذا العالم المتغير بهذه السرعة؟ وكيف ندرك أبعاد هذه الظواهر ونفكر في كيفية الإفادة منها لحاضرنا ومستقبلنا؟

وليس في الأمر مفاجأة من حيث الأصل، فالحقيقة أن العالم لم يكن في يوم من الأيام ساكنا وإنما كان ولا يزال متغيرا متحركا، وإن كان إيقـاع الحركة قد تغـير، وكانت الهجرة على مدار التاريخ الإنساني تشكل لونا من التفاعل الثقافي والحضاري ونوعا من تبادل الخبرات والتجارب، وتسهم بتقدم الجنس البشري، وكان للمسلم حظ وافر من عطاء الهجرة تاريخيا.

والمسلم بما يحمل من رسالة إنسانية وإيجابية وعقيدة تحاكي الفطرة البشرية كان ولا يزال قادرا على العطاء والإنبات أينما وجد، في مختلف الظروف والبيئات والمناخات، فهو ينبت أينما يزرع؛ خاصة وأن المسلم [ ص: 20 ] أصلا لا يعاني من عقدة الاغتراب؛ ويعتقد أن أخوة الإسلام فوق الجغرافيا وجميع الفوارق، فهو يؤمن بأن الأرض، كل الأرض، لله يورثها من يشاء من عباده، ويعتقد أن وطن الإنسان حيث يوجد لا حيث يولد، ويدرك أن الإنسان حيثما كان هو محل لدعوته وعقيدته، وأن قابلية الإنسان لتلقي الإسلام مركوزة في فطرته، مهما تبدلت الأحوال.

لذلك نرى أن الإسلام ما يزال، وعلى الرغم من كل ما يحيط بأهله وقيمه من المكر السيئ في بلاد المسلمين الأصلية، حيث التمكين لحكم المخافر ومساندة الأنظمة الشمولية، أو في بلدان المهجر من محاولات إيقاظ النزعات العنصرية والتعصب الديني لمحاصرة المسلم، مع ذلك فما يزال الإسلام ينتشر وينتصر ويمتد ويستقر في جميع الدنيا، سواء في ذلك أكثر بلاد الدنيا تخلفا وبدائية أو أكثرها تقدما ومدنية، فالأبواب أمام الإسلام كانت ولا تزال مفتوحة، رغم عوادي الدهر، التي لحقت بالمسلمين، ودعوات التشويه الممنهجة لقيم ومبادئ الإسلام.

مع ذلك، فـإن الإسـلام الخـالد يشـكل مفتـاحا لكل مغـلق إذا أحسنا استعماله، وتجديد شرعية الهجرة، ودراسة مداخلها وأبعادها ووسائلها، الأمر الذي أصبح ملحا اليوم بعد هذا الانفتاح العالمي، أكثر من أي وقت مضى، فالهجرة نوع من الجهاد، والجهاد ليس بالمواجهة والقتال دائما؛ لأن ذلك إنما شرع للضرورة ورد الاعتداء؛ والجهاد بإبعاده [ ص: 21 ] كلها ماض إلى يوم القيامة؛ وتاريخنـا الهـجري، ابتداء من الهجرة إلى الحبشة ومن ثـم الهجرة إلى المدينة وما بعدها من هجرات فردية وجماعية كانت جميعا وراء نشر هذا الدين وتوطينـه واستقراره وإيصاله إلى جميع أنحاء العالم، لاستنقاذ إنسانه وتخليصه وانعتاقه من الطاغوت، من العبودية والاستعباد والاستبداد.

والذي يتيح للهجرة الفاعلية ويمكنها من الاضطلاع برسالتها وقبول (الآخر) عنصرا مشاركا وفاعلا في أخوة الإسلام، أن أمة الإسلام أمة الفكرة المتعالية على الأجناس والألوان والأقوام، وهي وعاء ومجتمع مفتوح لكل إنسان؛ وأخوة الإيمان بكل حقوقها واستحقاقاتها موجودة في كل أنحاء الدنيا، ولعل الأمر الملفت حقا أن النبوة بشكل عام اتجهت إلى بناء الأمة، وتمتين روابطها، وعقد الأخوة بين أبنائها، بالدرجة الأولى، واعتبرت الدولة، حالة وجودها، أحد مؤسساتها، وأن الدولة عرض زائل، وأنها دائلة: ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران :140)، والأمة باقية، فحدود الأمة العقيدة، وحـدود الـدولة الأرض والجغرافيا، فالخطاب والبناء كان للأمة، وتأتي الدولة إحـدى ثمـارها -كما أسلفنا- فالأمة أبقى من الدولة، والعقيدة أقوى من السياسة، والقرآن أبلغ أثرا وتأثيرا وعمقا من السلطان، والمجتمعات والشعوب أقوى وأبقى من الحكومات، والمبادئ والقيم أقوى من روابط الفلسفات، وجوهر الفطرة أطهر من عرض الشهوة والغريزة. [ ص: 22 ]

لذلك نرى أن الهجرة وقاية من السقوط في حالة الذلة والاستضعاف، وعلاج وخروج من حالة الهوان، وفي عطائها نبصر خلود مدلول قوله تعالى: ( ... قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) (النساء:97)، وقوله تعالى: ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) (النساء:100).

إن استقراء تاريخ الهجرات والفتوح يؤكد هذا الخلود، كما أن استمرار حالة الهجرة والحركة والدعوة دليل ذلك أيضا، وأن سنة التدافع في الحياة، التي تجعل من العسر يسرا، تتجلى أكثر ما تتجلى في صراع ومواجهة الطغاة والظالمين، بشتى الوسائل، حيث تأبى سنة الله أن يتسلط على البشرية ظالم دون أن يدفع بظالم آخر، فيكون بذلك فرج ونجاة للمستضعفين، وحماية للعدل، ورحمة بالناس، وبقاء واستمرار لمؤسسات العدل والحق، فالله يقول: ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ) (الحج:40).

وقد يكون من المطلوب أن نتوقف قليلا عند بعض المفاهيم والاجتهادات الفكرية والفقهية، التي ما تزال تتحكم بثقافتنا الشرعية والتي تولدت تاريخيا نتيجة لظروف معينة ومشكلات عصر بعينه، ذلك أنها في نهاية المطاف لا تخرج عن اجتهاد بشري غير معصوم وغير مقدس، توخى أصحابها المصلحة التي رأوها في عصرهم، وأصبح من اللازم إعادة النظر [ ص: 23 ] والاجتهاد فيها بعد أن تغير الزمان، وتطورت علاقات الناس، وتغيرت مواصفات محل الحكم وقوانين العلاقات الدولية، وتقاربت المسافات، واتسع نطاق الحريات، وتبلورت حقوق الإنسان إلى حد بعيد، من مثل اجتهاد تقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام ودار معاهدة، فأين اليوم دار الإسلام بمواصفاتها، والتي لا يجوز العيش في غيرها، لتتحدد في ضوئها دار الحرب والدار المعاهدة؟ وهل بقيت وامتدت دار الإسلام دار إسلام أم اغتصبها الظالمون والمستبدون والبغاة والطغاة وبعض من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ويسيم الناس خسفا، حتى يكاد المسلم يفر منها هربا بدينه وعرضه وماله، ويجد مأمنه في بلاد أخرى أكثر حرية وعدلا؟

وهل دار الحرب بقيت دار حرب في كل زمان ومكان أم أن المتغيرات قد تجعل منها دار أمان للمسلم، يهاجر إليها ليجد نفسه ويتمتع بأمنه وحريته وممارسة شعائره، وقد يجد في شوارعها من الحرية والكرامة وحقوق الإنسان ما لم يجده في معابد بعض بلاد المسلمين؟ فهل تبقى الأحكام والاجتهادات متخشبة تحكم البشر وثقافتهم حتى لو أدى ذلك إلى إفساد حياتهم وتفويت مصالحهم، أم هي اجتهادات حسب المصلحة، يراها البشر ويغيرونها ويطورونها، في ضوء المصالح والمفاسد؟ وليس أقل من ذلك شأنا وخطورة أمر الولاء والبراء وأبعادهما، وعدم التمييز في التعامل معهما بين الإسقاط والتنزيل حسب الاستطاعة وتوفر شروط محل الحكم؛ وكذلك أيضا أمر البيعة والطاعة والولاية... إلخ. [ ص: 24 ]

هذه الاجتهادات وما قد يترتب عليها من أحكام وسلوكيات وممارسات تدفع أصحابها، في كثير من الأحيان، للقيام بانفجارات هنا وهناك، وتطبيقات محزنة ومنفرة من الإسلام، وتحملهم على الإخلال بعهود الأمان بحجة أن هذه دار حرب، فلا ولاء ولا براء، فتستباح الأموال وتنتهك الأعراض وتتجاوز القوانين ويعتدى على الأملاك العامة، وكل ذلك يتم باسم الإسلام وتطبيق الشريعة(!)

إن الذين ما يزالون يتناقـلون هذه الاجتهادات، التي تولدت في ظروف معينة وعلاقات دولية معينة أيضا، لا يدركون تغير الزمان ولا المكان ولا الأحكام والقوانين، ولا كيف أن العالم اليوم يكاد يصبح دارا واحدة؛ والمحزن حقا أننا ما نزال نهدر جهودنا في المكان الخطأ، ونقرأ الأمور بالمقلوب باسم الانتصار لشرع الله، ونظن أننا نحسن صنعا!

وغير ذلك كثير مما لا مجال للتوقف أمامه وفتح ملفه، حيث يتطلب الأمر نظرات جديدة واجتهادات جديدة وأحكاما جديدة، في ضوء تلك المتغيرات، في الوقت الذي لم يبق لمثل تلك المصطلحات إلا القيمة التاريخية والتأريخ لتطور الاجتهاد، فالعالم يتغير كل يوم، إن لم نقل كل ساعة، ووتيرة التغيير مستمرة، وكل يوم يتشكل بشكل، فلا يصلح معه عمى الألوان، كما لا يجوز لنا شرعا ولا عقلا استمرار اللهاث وراء المجتمع وإصدار الأحكام المتأخرة لمسيرته بعد فوات الأوان، بل أصبح لزاما علينا [ ص: 25 ] الانتقال إلى أمامه، وإبصار وجهته، وتداعياتها، ووضع الأوعية والأحكام الشرعية لمسيرته.

فهنـاك الكثير من الإشـكاليات والأسئلة المعلقة، التي ما تزال بحاجة إلى اجتهاد وإبصار المصلحة من قبل المتخصصين وأهل العلم والمعرفة والفقهاء، وليس من أهـل الحماس والتوثب من الخطباء، فإلى متى نبقى نمارس محاصرة أنفسنا ببعض المفاهيم والمصطلحات والأمثلة، التي ذهبت مع زمانها وأشخاصها؟

وهذا الكتاب، هو في الأصل مشروع ثقافي جماعي، اعتدنا في "مؤسسة الأمة" على إصداره سنويا، حاولنا من خلال طرحه استدعاء النظر إلى موضوع هجرة الكفاءات أو الهجرة بشكل عام من الوجه الآخر، في محاولة منا لتغيير زوايا النظر التقليدية، ذلك أن معظم الكتابات حول موضوع الهجرة اهتمت برصد الآثار السلبية للهجرة، والقليل القليل منها الذي توقف عند الوجه الإيجابي، أو ما يمكن أن يكون من العطاء الحضاري للهجرة، الذي يتطلب الكشف عن استراتيجية عمل أو خارطة طريق من بعض الوجوه.

ولعل هذه المحاولة تلفت النظر إلى الكثير من الأبعاد، التي تكاد تكون غـائبة بالأقـدار المطـلوبة، سـواء في ذلك البعد الدعوي أو السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي... إلخ. [ ص: 26 ]

ولا ندعي أننا بهـذا الطرح أحطنا بعلم الموضـوع من كل جوانبه، وإنمـا هي محاولة لاستدعاء ملف الهجرة، وفتح آفاق ومجالات وملامح للنظر جديدة، ومن زوايا إضافية، خاصة بعد هذا التداخل والتمازج والتفاعل والتعايش البشري، من هنا رأينا فتح مجموعة من النوافذ للإطلالة منها على الموضوع، قد تتجاوز ما اعتدناه من "التقديم" إلى المساهمة والمشاركة في تأطير الموضوع ليشكل رؤية للباحثين والدارسين تتطلب مزيدا من النظر والإنضاج.

فالهجرة سنة النبوة، فهي مدافعة للواقع، وممارسة للتغيير، وهي جهاد بالوسائل المشروعة وتجنب المواجهة؛ حيث تبقى المواجهة حالة استثنائية للدفاع والحماية ورد العدوان وإزالة العوائق من طريق الدعوة إلى الدين، وليست لإكراه الناس؛ والجهاد ماض إلى يوم القيامة، فالهجرة قائمة ودائمة ومستمرة إلى يوم القيامة، وكل شيء في هذا الكون في حالة هجرة مستمرة، في حالة تغير وتغيير، تطور وتطوير؛ والهجرة القاصدة تبدأ من داخل النفس، فالأعمال بالنيات، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله؛ والمهاجر هو المرتحل من الحاضر، الواقع، إلى المستقبل الزاهر، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، فالمسلم في الأصل مهاجر، والمهاجر مواطن عالمي يحمل رسالة الإنقاذ والحضارة للعالم ويضحي بمألوفه ومعروفه في سبيل استنقاذ الناس ودعوتهم إلى الخير. [ ص: 27 ]

وللهجرة في تاريخنا الثقافي والحضاري أعماق وآفاق أكبر من أن يحاط بها.. والذي يستوعب بعض مفاعيل الهجرة في تاريخنا الحضاري والثقافي والسياسي والعلمي والدعوي، ويستوعب عطاءها الذي كان ولا يزال سبيلا لفك الحصار وتحقيق الانتشار والاستقرار وحمل قيم الدين إلى الناس، وتوفير حرية الاعتقاد للأمم والشعوب، والحيلولة دون ممارسة الفتنة والإكراه في الاختيار، وصناعة حضارة إنسانية تساهم فيها كل العروق والأجناس والألوان والثقافات، وما أنتجته من التغيير في منظومة الحياة الإنسانية والاقتصادية وتحقيق السعة في الرزق ومراغمة الأعداء، ابتداء من الهجرة الأساس من الكفر إلى الإيمان ومرورا بالهجرة الأولى إلى الحبشة وارتكازا إلى الهجرة إلى المدينة وإقامة المجتمع والدولة وعقد الأخوة وبناء ميثاق المواطنة، ووصولا إلى هجرات الابتعاث الحديثة ودورها في التعرف على (الذات) من خلال (الآخر)، يدرك الأهمية الكبرى لاجتهاد سيدنا عمر، رضي الله عنه، المبكر باعتماد التاريخ الهجري والتأريخ بالهجرة، بأبعاده الشرعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والتاريخية والمستقبلية، وأن هذا لا يقل أثرا عن اجتهاداته المفصلية، التي وافقها الوحي في كثير من الأحيان وشكلت رؤية حضارية خالدة ممتدة تحول دون الحصار والعطالة، لا ينضب عطاؤها وتدفع إلى الاستزادة من المفاعيل الإيجابية.

وقد يكون من الأمور المطلوبة عندما تشتد المحن ويستحكم التقليد وتتداعى الأمم ويكثر التبعثر وتتحكم النظرات الجزئية إدراك أهمية التمحور حول مثل هذا الاجتهاد المقاصدي في رؤيته المبكرة وتداعياته المستقبلية، [ ص: 28 ] وإعطاء الاجتهاد العمري مكانه ومكانته في بناء العقل المسلم، الذي يفقه النص ويفهم الواقع ويستشرف المستقبل ويعيد الأمور إلى نصابها.

والإسـلام رسـالة إنسـانية عالمية، والهجرة هي وسيلة التوصيل والتـواصل والبيان والبـلاغ ونشر الدعـوة وتوطينها في العالم واستنقاذ الناس، فتاريخنا هجري، بكل ما يحمل من أبعاد ودلالات حضارية وتاريخية ومستقبلية، وثقافتنا هجرية، وحضارتنا هجرية، ودعوتنا هجرية؛ والإسـلام كعقيدة دين لا يعرف الحـدود الجغرافية واللـون والعرق اهتم ببناء الأمة، وأمة الإسلام منتشرة في العالم كله اليوم، كل ذلك بسبب الهجرة والسفر، والأمة غير الدولة، فالأمة باقية والدولة دائلة - كما أسلفنا- ولعل الهجرة من بعض الوجوه من أسرار خلود الإسلام واستمراره.

إن القعود عن الهجرة انطفاء للفاعلية، وتعطيل لسنن المدافعة في الحياة، وسكون وعطالة، وخضوع للذل والاستضعاف، الذي لم يرضه الله للمسلم، واستدعاء لسنة الله في القاعدين عن المجاهدة: ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (التوبة:24)، فهـل نعيش حـالة من الانتظـار والتربص لما سوف يحل بنا لقعودنا عن النفرة للفقه في الدين وإبصار المعرفة وتحقيق الوقاية والحذر؟ [ ص: 29 ]

ونحن لا ندعي أننا بهـذا الـكتاب، الذي يشـكل نواة للموضوع قد استوفينا ما نريد وحققنا النظر من الزوايا المتنوعة لموضوع هجرة الكفـاءات، فكثيرة تلك الزوايا المهمة والمعطـلة، التي تستدعي النظر والاجتهـاد للارتقـاء، وإنما الذي قصـدنا إليه استدعاء الموضوع إلى مجال التفـكير والنظر لعلنا نعاود قراءة الهجرة بأبجدية جديدة صحيحة، ونولد أحكاما شرعية متجددة في ضوء مقاصد الشريعة ومصالح المسلمين، بحيث تشـكل لنا المفاهيم الجديدة التجديدية نقلة نوعية صوب استرداد رسالة المسلم في حقبة العولمة.

ويبقى ملف الهجرة من الملفات المطروحة والمفتوحة للاجتهاد والنظر، فهو ممتد امتداد الحياة نفسها؛ لأنه من لوازمها.

والله غالب على أمره. [ ص: 30 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث