الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحـمـد لله، الـذي جـعـل التأسـيس للنـجـاح والصـلاح في الـدنيـا والـفـلاح في الآخرة والتحقق بالوراثة الحضارية منوطا بفعل الخير وإثارة الاقتداء بمنهج النبوة، والعمل على الدعوة إليه، والانضباط به، والتعاون على البر والتقوى، وتغيير المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ذلك المنهج الذي أكدته النبوات، من لدن آدم، عليه السلام، وحتى النبوة الخاتمة، بوسائل وأدوات متعددة وملائمة للعصر وملائمة لطبيعة الأقوام محل الخطاب، أو محل خطاب الإصـلاح، وحسـب نوعية الإصابات، التي يعانون منها، يقول تعالى: ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين * وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:105- 107).

فكانت تلك الوراثة شـرعة دينية، وسـنة اجتماعية، وحقيقة تاريخية، وسـمة حضارية، ذلك أن عملية الإصلاح للمجتمع، والارتقاء بالأمة، وبناء حضارة الرحمة للإنسانية ترتكز على تأهيل وإعداد وإنتاج الفرد الصالح في ذاته، الذي يثير الاقتداء، ويغـري بالاتباع، بسـلوكه وعـلاقاته، وتشـكيل الطـائفة القائمـة على الحـق، في ذاتها، وفي عـلاقاتها، الحـاملة لقـيم الحق إلى غيرها؛ لأن وجودها يدلل على خلود منهج النبوة وقدرته على الإنتاج في كل زمان ومكان، وتجسده في حياتها، وتنقله إلى الناس، وبذلك فهي تمثل خميرة النهوض الاجتماعي، وتحمي قيم النبوة من التأويل الجاهل والغلو المنحرف والانتحال الباطل، كما أنها تحفظ قيم الدين، كإمكان حضـاري، يتحقق بها النهوض كـلمـا تحققت الظـروف والشـروط وانتـفـت الموانـع، يقول الرسـول صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) (أخرجه مسلم).

والصـلاة والسـلام على من اكتمـل برسـالته منهج النبـوة التـاريخي، يقول الله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة:3)، ويقول، عليه الصـلاة والسـلام: ( إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) (أخرجه البخاري)، وتوفرت لحضارته مقاصـد الرحمة: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ، الذي يأتي في مقدمتها حفظ كرامـة الإنسـان، واسـترداد إنسـانيتـه، واحـترام حـريـة اختياره، وتحـريـر نـفسـه وروحه وعقله من العبودية والاستعباد والاستبداد، وإيقاف تسلط الإنسان على الإنسان، وذلك من منطلق الإيمان بوحدة الخالق، ولذلك كان الجهاد النبوي الكبير والشعار القرآني العظيم، الذي تحول إلى شعيرة وممارسـة على الأرض: ( لا إكراه ) (البقرة:256).

لذلك قد لا نستغرب، في حضارة الحرية والمساواة والرحمة والكرامة الإنسانية، أن يشرع الجهاد في الإسلام حماية لحرية اختيار الفرد وعدم إكراهه على ما لا يعتقد، يقول تعالى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) (البقرة:193)، ذلك أن الإنسان بدون كرامة وحرية اختيار يعيش مأساة إنسانية تلغي وجوده؛ فإلغاء حريته في الاختيار أكبر من قتله وإزهاق روحه، يقول تعالى: ( والفتنة أكبر من القتل ) (البقرة:217).

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" التاسع والخمسون بعد المائة: "رؤى الإصلاح عند الإمام محمد الخضر حسين، رحمه الله" للأستاذ الدكتور المرسي محمود شولح، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بدولة قطر، في اجتهادها المستمر وسعيها الدائب لتلمس الإجابة عن سؤال النهضة عند حركات التجديد والعلماء والرواد والمجددين والمؤسسات والمعاهد العلمية والمعرفية والجامعات والحركات الدعوية ودعوات التغيير والإصلاح، ومحاولة دراستها، وتقويم إنتاجها ومناهجها وكيفية تعاملها مع القيم الشرعية، وفقهها للواقع، وتحديد جوانب النجاح ومجالات الإخفاق، في محاولة لاستصحابها، والاعتبار بتجربتها، ضمن سياقها التاريخي، وملاحظة ظروف الزمان والمكان.

فهاجس الإصلاح كان ولا يزال هو المؤرق الدائم، أو هو القلق السوي، الذي يعتبر مهماز النهوض ورافعة الإصلاح.

إن الانتكاسات المستمرة، والإخفاقات المتتالية، التي أصبحت وكأنها ضـربة لازب على الأمـة، وعلى الأخص ما يـكون تحت شـعارات إسـلامية، أو ما يحمل منها على القيم الإسلامية، يدعو بإلحاح إلى فتح ملف التقويم والمراجعة وديمومة النظر لتحديد مواطن الخلل، ودراسة أسبابها، وقد يكون الأهم هو الإفادة من عبرتها، وتجنب عثارها، وهذا بالتأكيد لا يخدش سيرتها ولا يحط من قدرها ويغمص جهادها ويبخسها حقها، وإنما يديم الإفادة من عطائها، وخاصة عندما تشكل تجربتها عبرة وتسديد مسيرة وتصويب رأي.

ونستطيع القول: إن وجهة معظم دراساتنا لحركات التجديد والإصلاح والنهوض لم تحرك ساكنا، ولم تحقق عبرة، ولم تبصر بحقيقة؛ لأنها في مجملها، مع شديد الأسف، نحت منحى الثناء والمديح والتقريظ وحشد وتزاحم الألقاب، وكأنها معصومة وليست من فعل بشر، ويكاد يكون من الندرة بمكان أن تشير دراساتنا إلى خلل أو تقصير أو تراجع، وتبين أسبابه، الأمر الذي يكرس الركود والتخلف ويحاصر حركات التجديد كتجارب في عمر الأمة، ويوقف عطاءها، ويساهم سلبا في استمرار قيادات الواقع الفاشل البائس، حيث الكثير منا يتخذها أنموذجا ورمزا للمقاربة والمحاكاة والتقليد، دون التنبه لظروف الزمان والمكان، وينحصر نشاطه الذهني والعملي في إطار فكرها ومحاكاة وسائلها وتكرار تجاربها، وفي هذا أشد الإساءة لروادنا وحركات التجديد والإصلاح، الأمر الذي تمثل، على الأقل، في عدم الإفادة من تجربتها وعبرتها، ذلك أن التقويم والمراجعة والنقد واكتشاف مواطن الخلل مؤذن باستمرارها وديمومة عبرتها وتراكم عطائها في بناء العملية النهضوية والمحاولات التجديدية والإصلاحية.

إن الإصابات المستمرة والمتكررة، حتى في نطاق الجيل الواحد، والفشل الذي يكاد يصير مزمنا وضربة لازب لحركات التجديد والإصلاح، التي ترفع شعارات إسلامية -كما أسلفنا-يعني -فيما يعني- أن هناك قصورا في الرؤية، وسوءا في التقدير، واختلالا في ضبط النسب، وخللا في المنهج، وعنادا واستكبارا بغير الحق، في أحيان كثيرة، وعفوية أو سذاجة في الفعل، بعيدا عن إدراك مدى الاستطاعة وحدود التكليف، وبعيدا عن التخطيط ووضع الاستراتيجيات الملائمة، وحتى بعيدا عن التقويم والمراجعة بعد السقوط والفشل، لتحديد أسبابه والتحقق بعبرته لقابلات الأيام؛ لأننا نرى أن الأمور تتكرر بمقدماتها ونتائجها وجغرافيتها وإنسانها! وكأن هناك محركات (ريموت) تدفعنا حيثما تريد، بعيدا عن اختيارنا وإرادتنا واستطاعتنا وحسابات الربح والخسارة، التي يمارسها الإنسان البسيط، وكأن التخطيط والتفكير والمراجعة يفسد الأمور، ويعطل على البسطاء نشوتهم، ويفسد عليهم أحلام اليقظة، التي يعيشونها والتي عطلت حواسهم، فلا يسمعون إلا أصواتهم، ولا يبصرون إلا أمانيهم.

ولعلنا نقول هنا: إن معظم عمليات النقد والتقويم جاء من خارج حركات الإصلاح والتجمعات والتنظيمات والمؤسسات الإسلامية، جاء من خصومها، بل من أعدائها، منطلقا من التحيز والحقد والمكر والعداوة.. وهذا، بطبيعة الحال، أدى ويؤدي إلى مزيد من الانكفاء، والتشبث بالذات، والتصلب في الفكر، والتعصب والإصرار على الفعل، وقد يحمله ويفسره بعض البسطاء على أنه علامة على صحة الوجهة والوسيلة، وبذلك تستوطن الأمراض، ويستمر الخلل، ويكرس العجز، وتعطل المراجعة، ويتحول الجهد إلى نوع من المدافعة، التي سوف لا تبقي مجالا للنظر في اختبار أحوال (الذات) وأدائها، واكتشاف خللها، وتصويب مسيرتها، وإدانة نفسها، والإفادة من تجربتها.

وقد يكون ذلك من الأسباب الكبيرة للركود والجمود والانطفاء، حيث يستغرق جهدنا الموقف الدفاعي، وليس ذلك فقط وإنما يتحكم بنشاطنا ويرسم لنا مجال حركتنا وتفكيرنا، وبذلك يصبح زمامنا في يد خصومنا، يتحكمون بنا حيثما وكيفما يشاؤون.

ونحن هنا لا نقلل من أهمية الموقف الدفاعي وضرورة البيان ورد الشبهات، ولكن الذي نود أن نشير إليه اختلال ضبط النسب، وانصراف جهودنا بالكلية إلى الدفاع، على حساب البناء والتنمية والتطوير لإمكاناتنا ووسائلنا، ولو حاولنا استبصار المنهج القرآني في ذلك لقلنا: لو أن القرآن الكريم تمحض نزوله للرد على تمحلات المنافقين والكافرين وأصحاب الشبهات لما تفرغ لبناء أمة وإقامة حضارة وعمران وإيصال الخير والهداية للعالمين.

لقد طرح القرآن من الأدلة والردود على الكافرين والمنافقين، وفند شبهاتهم، ما هو كاف لمن يريد الاستدلال والوصول إلى الحق، والذي لم يستدل بها تجاوزه إلى رسالته الأساس؛ لأن المشكلة باتت في المستدل وليس في قوة الدليل وبيانه. واللافت فعلا أن بعض المشكلات والقضايا والتهم ما زالت تكال للإسلام والمسـلمين من أكثر من قرن، وأن السـاحة الإسـلامية مشـغولة بالـدفـاع عنها، ولا تزال، وكأن تلك الخارطة من التهم، في مجال المرأة والزواج والإرث والتعدد والشهادة والقضاء، ضربة لازب ملازمة لنا ولأنشطتنا الذهنية لا يجوز لنا مغادرتها والنظر في أحوالنا، وكأن الردود لقرن تقريبا غير مقنعة، فما نزال نبدي ونعيد، وكأنها فخاخا منصوبة لنا وحجرا محجورا علينا.. فأين هذا من منهج الوحي، الذي ننتسب إليه وندعي التعامل معه؟

وقضية أخرى ملفتة أيضا، وتكاد تكون قديمة جديدة، وهي أن محاولات المخادعة والمكر، التي يقوم بها أعداء الإسلام والمسلمين وخصومهم، من حيث عدم التفريق بين قيم الإسلام المعتدلة المتسامحة المنفتحة القابلة للآخر وبين مسالك التشـدد والتطـرف والعنف، التي يمارسـها بعض الذين ينتسـبون للإسـلام، وبيان خطورتها على المـجـتمعات، نقول: لو كانت محاولاتهم صادقة لاقتضى الأمر زيادة في التوعية بقيم الإسـلام الصحيحة وفقه مقاصد الدين، على كل المسـتويات، في الأسرة والمدرسة والجامعة والجامع والتعليم والإعلام وسائر المؤسسات التربوية، لكن الذي نراه مقابل ذلك إلغاء القيم الإسلامية الصحيحة من مجالات الحياة، وإقصـاء المتدينين من الوظائف والمواقع المؤثرة، وحتى المعتدلين منهم، وحرمانهم من أبسـط حقوقهم ومن الفرص المكافئة لأقرانهم، وزجهم بالسـجون والمعتقلات، هذا عدا عن التصفيات الجسدية لهم، باسم تجفيف المنابع، الأمر الذي يدفعهم، في غياب الحرية والمساواة، إلى ممارسة العنف والتشدد دفعا.

ولعل القضية تهدف، في حقيقتها، إلى صناعة التطرف، لتشويه صورة الإسلام، حتى أصبح الإسلام يعني التطرف، وإيجاد الحواجز بين المسلمين ودينهم، ومن ثم إيجاد المسوغات لضرب الإسلام والمسلمين، وإيجاد المناخ الملائم لقبول ذلك من جماهير الأمة؛ فهل يبتلع الإسلاميون الطعم ويقعون فريسة ويصبحون الضحية التنفيذية لذلك؟ وإلى متى يتحولون إلى أدوات على المسرح العالمي، أو في اللعبة الدولية، تصفى الحسابات بدمائهم، وتحفر لهم الحفر هنا وهناك ليسقطوا فيها؟

وعندنا أن التشـدد والغـلو والتطـرف العنـف يجـافي طبيعة المنهج النبوي، ولم يأت بخير طيلة تاريخنا الطويل، وهو مدان على كل حال، فليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، والحق أحق أن يتبع، ولو جاء من الخصوم والأعداء، ولنا في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة، ولنا في قيم القرآن الخالدة المجردة عن حدود الزمان والمكان دليل، فلقد اعترف الرسول صلى الله عليه وسلم بوقوع القتال من المسلمين في الشهر الحرام، الأمر الذي عابه الكفار عليهم؛ لأنهم اخترقوا حرمته من قبل سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه ونزل في ذلك قرآن يتلى إلى يوم القيامة.

فالاعتراف بالخطأ وتصويبه، مهما كان مصدره، هو سلوك إسلامي ومنهج قرآني، لكن الأمر لم يقتصر على الاعتراف والتصويب، على مستوى (الذات)، وإنما تم توظيف الخطأ بشكل إيجابي، وذلك عند عقد مقارنة بين خطأ المسلمين وممارسات وأخطاء الكافرين المتراكمة، فردهم على أدبارهم، يقول تعالى: ( قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) (البقرة:217).

نعاود القول: إن التطرف والتشدد والتعصب يناقض سماحة الإسلام ومنهج النبوة، وهو مدان على كل حال وبكل الأشكال، لكن من الضرورة، كسبيل للعلاج، إلى جانب الإيضاح والبيان والتفقه في الدين، النظر في أسبابه وأهداف صناعته المشبوهة ومحاولات اختراقه العمل الإسلامي لإجهاضه وإحباطه؛ حرصا على الوقاية منه والعلاج والعمل على إظهار خلق الإسلام وسماحته.

وقد يكون من المفيد هنا، وبعد هذه الإصابات على مستوى (الذات)، التي مكنت لامتداد (الآخر) وإصاباته وامتداد فعله ومكره في الحياة الإسلامية، قد يكون من المفيد أن نشير إلى منهج ذلك الصحابي (حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ) ذي الحواس المتيقظة المتقدمة عندما كان يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر، في الوقت الذي يسأل فيه بقية الأصحاب عن الخير ليفعلوه، كان هو يسأل عن الشر مخافة أن يدركه.. فهل لنا أن نقول: إنه في أوقات الفتن والأزمات والتباس الأمور واختلاطها يصبح تحسس الشر واستشعاره والسؤال عنه وإدراك أبعاده آكد، حتى لا يدركنا؟ فلقد بلغت الغفلة منا مبلغا.. وكثيرة كثيرة تلك الآيات والعبر، التي نمر بها وتتكرر فينا ونحن عنها غافلون!

فالفتن والأزمات تتطلب عينا بصيرة وآذانا واعية لتجنبها، أو لتجاوزها بأقل قدر من الخسائر، وعدم الهياج والخوض مع الخائضين، والوقوع فريسة للإذاعة والإشاعة، وفقدان المقدرة على الرؤية السديدة.. ويحضرني هنا قولة الصحابي الجليل، صاحب أعلى إسناد في الحديث، عندما عاب عليه بعض الأصحاب عدم الخروج والقتال والمشاركة في الفتنة، التي عصفت بالمسـلمين في زمـانه، وعدم اسـتجابته لقوله تعالى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) ، فكان جوابه: "قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله"(أخرجه البخاري).

إنها رؤيـة مبـكرة للنـفق المظـلم، الممـتد بتـداعياته وتـراكم فتنه أكثـر من أربعة عشر قرنا!

فهل نبصر ماذا نعمل؟ وهل نبادر بالعمل الصالح وعمليات الإصلاح على مسـتوى (الـذات) و (الآخـر)، حـتى نحـاصـر الفـتـن، اسـتـجابة لقول الرسـول صلى الله عليه وسلم : ( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم ) (أخرجه مسلم)؟

إن الإصلاح والبناء هو سبيل الخروج من الفتنة، وهو لون من القتال والجهاد حتى لا تكون فتنة، وتفويت الفرص على من يساهمون بسوق الأمة إلى حتفها، لسوء تقديرهم وعدم رؤيتهم للعواقب ومعرفتهم للإمكانات.

وهل ندرك أبعاد الفتن المصنوعة لهذه الأمة، وكيف أنها تشكل مناخا ملائما لأنواع من الابتزاز والتكسب وصناعة الزعامات، التي لا ترى فرصتها إلا في الأحوال الملتبسة؟

إن الخوف من الزلل والانحراف والسقوط في المعاصي كان يدفع دائما الصحابة للعودة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسؤاله عن الخير ليفعلوه ويستزيدوا منه ويطـمئـنوا إلى مسـالكهم، وكان بعضهم يحرص على السـؤال عن الشـر، حتى لا يدركه ويسقط فيه، وكان منهم من يعرض ما يقوم به من عمل، وهل الاقتصار عليه يدخله الجنة... وهكذا كانت المراجعات مستمرة توخيا للصواب وتحريا للحقيقة واطمئنانا على سلامة المنهج وحسن التأسي والاقتداء.

وتتأكد هذه المراجعات، كما أسلفنا، في أيام الفتن والتباس الأمور، ولئن كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد انتقل إلى الرفيق الأعلى فإن قيم الوحي في الكتاب والسنة والتجسيد العملي في السيرة الصحيحة وصلتنا بطرق علمية لا يتطرق إليها الشك، وأن في استنطاقها للإجابة عن حلول لمشكلاتنا والنجاة مما يحيط بنا من فتن، وحسن تنزيلها على واقعنا، هو سبيل الخروج ووسيلة القبول والفوز.

وفي تقديري أن الفجوة الكبرى في مسيرتنا والتي قد تكون وراء الكثير من فشلنا وإخفاقنا إما أنها بسبب تعطيل المراجعة ودراسة مدى انطباق فعلنا على منهج الوحي، وإما بسبب سوء الاقتداء وعدم القدرة على تحديد الاستطاعة في كل مرحلة وتحديد موقع الاقتداء الملائم من مسيرة السيرة وكيفية التعامل مع القرآن في تنزيل الآيات، التي تتناسب مع واقعنا واستطاعاتنا، والعدول عن العبث بقيم الوحي وقراءتها على هوانا، والانتقاء منها، وإسقاطها على حالنا لتبرير واقعنا، دون أن يخطر ببالنا أن نراجع محل التكليف أو محل التنزيل، وهل تتوفر له الشروط المطلوبة؛ لأن فقه المحل لا يقل أهمية عن فقه النص، بل هو من لوازم فقه النص.

من هنا نقول: قد نكون بأشد الحاجة للمراجعة والمقارنة والمقاربة لدراسة مدى انطباق مسيرتنا على منهج النبوة، واكتشاف مواطن الخلل ومعالجتها بجرأة وشجاعة؛ لأن الواقع المحزن، الذي نعاني منه وندعي نجاحات وانتصارات موهومة، تغطية للفشل، أكبر دليل على سوء اقتدائنا وفشل اجتهادنا، حتى ولو رفعنا شعارات إسلامية كبيرة.

لذلك قد يكون من المفيد في مناخ هذه المآسي والتنابز والتلاوم والتراجع والفشل، أن نذكر بملامح منهج النبوة، ومن ثم يصبح ذلك سبيلا لنعاير سلوكنا وتصرفنا فنحدد الخلل، ونضع خطة للتوبة الفكرية والعملية والاستراتيجية والدعوية، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

وقد يكون من الضروري أن نوضح ابتداء، حتى نتحقق بالاطمئنان واليقين وعدم الالتبـاس، أن معـيار التقـويم والمراجـعة ليـس من وضـع البـشـر، وإنما هو قيم ثابتة ومتأتية من الوحي، في الكتاب والسنة ومسيرة النبوة التاريخية، لذلك فهو بطبيعته من عليم خبير، بعيدا عن الانحياز والقصور والمحاباة، الموسوم بها الإنسان، ويمتلك الدليل والتجربة العملية التاريخية.

ولعل من أبرز ملامـح منهج النـبـوة أن: هدفه الأساس أو مهمته الأسـاس تتمحور حول عملية إبلاغ خطاب الله للإنسـان، وإغـرائه باتباعه؛ لأن في ذلك خلاصا له، كما أسـلفنا، يقول تعالى: ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) (العنكبوت:18) ، ( فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) (النحل:35) ، ( أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ) (الأعراف:62 )، ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (المائدة:67) ، إلى آخر هذه الآيات التي تملأ الكتاب في بيان مهمة النبوة، إما تصريحا أو تلميحا.

لذلك فإن كل المسـاومات ومحـاولات تحويـل وجهـة الرسـالة ومهـمتـها عن طريقها باءت بالفشل، رغم المغريات الكبيرة من الثروة والسـلطة والمتعة، وقد لا نكون بحاجة إلى أن نذكر بأن جواب الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، على ذلك، على الرغم من هذا الإغراء: ( والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته ) (السيرة النبوية لابن هشام)، وكان مطلبه الوحيد وهدفه الأساس البلاغ للرسالة: ( خلوا بيني وبين الناس".. ) فالنبوة، في مقاصدها الأساس، ليست لجمع الثروة، ولا لاستلام السلطة، ولا لصنع الزعامة، بل هي سبيل للإصلاح، واستنقاذ الإنسان مما هو فيه.

فهل ندرك أن المقصد التخلية بيننا وبين الناس، والعمل على رفع الحواجز دون الناس، بدل وضعها، حتى بين أتباع النبوة؟

ولعل التوقف والتأمل والتبصر، ولو بأقدار بسيطة، عند سمات منهج النبوة يدعونا للمراجعة والتقويم وإصلاح الخلل واكتشاف الفجوة الكبيرة بين واقعنا ومنهج النبوة، وتفسير ما لحق بنا من إصابات واختلالات وهزائم وفشل وتحكم من (الآخر)، وعلاجها قبل أن تحيط بنا أخطاؤنا؟

ويـأتـي في مقدمة هذه السـمات، بعد البـلاغ النـبـوي، عـدم الإكـراه: ( لا إكراه في الدين ) (البقرة:256) ، ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) (الكهف:29) ، ( لست عليهم بمصيطر ) (الغـاشـية:22) ، ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (يونس:99) ، ( لكم دينكم ولي دين ) (الكافرون:6) ، ( قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ) (القصص:19)، ذلك أن من سمات منهج النبوة حفظ كرامة الإنسان كإنسان، مؤمن وغير مؤمن، يقول تعالى: ( ولقد كرمنا بني آدم ) (الإسـراء:70)، فليس من المعقول ولا المقبول للرسالة، التي جاءت لحفظ كرامته أن تبدأ بهدرها بالإكراه والغصب والقهر، ذلك أن الأفكار والعقائد، كما هـو مـعـلـوم، محلها القـلـب وداخـل الإنسان، ولا سـلـطـان لأحـد عـلـيـه إلا سلطان الدليل والقناعة والاختيار، فالمهمة النبوية تتـركز بالبلاغ المبين (البيان) والبرهان والدليل وليس بالإكراه والإجبار، يقول تعالى: ( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) (ق:45) ، ويقول، مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم : ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) (الرعد:40).

والحقيقة الغائبة الحاضرة أن استقراء التاريخ القديم والمعاصر يحمل لنا الدلالة، التي لا شك فيها، أن الإسلام والعمل الإسلامي انتشر وانتصر في أوقات السلم والحرية والأجواء الطبيعية، وانكمش في أوقات الرعب والإرهاب والاستبداد السياسي، لذلك كان الإتيان بالأنظمة القمعية والديكتاتورية للحكم، لحماية الاستبداد وإشاعة الرعب، ونشر أجهزة الأمن في العالم الإسلامي هو الخيار الأمثل لمحاصرته، وإطفاء فاعليته، وأكثر من ذلك ممارسة الضغط عليه وجره للمواجهة غير المتكافئة؛ لتكون مبررا لمحاربته، والتنكيل بأهله، واتهامهم بشتى أنواع التهم!

فمحاربة الإسلام وشل حركة العمل الإسلامي تستدعي حكم الأنظمة القمعية العسكرية، وتستدعي الأحكام الاستثنائية، وتسويغ أحكام الطوارئ، لإقامة الحواجز بين الناس وقيم الدين؛ وليس ذلك فقط، فكثير ممن أتي بهم لحكم عالم المسلمين ممن لا يمتلكون رصيدا شعبيا أو اجتماعيا أو تاريخيا؛ لأنهم أجسام غريبة عن عقيدة الأمة وحضارتها وهويتها وتاريخها، لذلك كان لا بد لهم من الحماية، التي تضمن لهم البقاء والاستمرار، لا بد لهم من العسكر لحماية وجودهم وتأمين استمرارهم، الأمر الذي أوقع بعض الإسلاميين في الفخاخ المنصوبة لهم، ودفعهم لأن يختزلوا قيم الإسلام بالمغالبة السياسية على الحكم، ويعتبروا القوة والمواجهة هي وسيلة التغيير الوحيدة، بعيدا عن التزام منهج النبوة، بعطائه وشموليته.

ولعل فترات الحرية والديموقراطية كانت من الفرص الذهبية لانتشار الإسلام، وحسبنا في صلح الحديبية دليلا، فقد تضاعف عدد المسلمين أثناء السلم والهدنة أضعافا مضاعفة، حتى سمي الصلح بالفتح المبين: ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) (الفتح:1).

ومن سمات منهج النبوة: التحرير من العبودية لغير الله، والارتفاع بالإنسان إلى الإيمان بالله الواحد، رب الإنسانية جميعا، فلا إله إلا الله، وهو رب الناس جميعا ولا رب سواه، وفي ذلك تحرير لروح الإنسان وضميره وعقله وواقعه من التسلط والتأله، وإعلان مبدأ المساواة وعدم التمييز، ونسخ الألوهيات، لذلك كانت قولة الأنبياء جميعا: ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ) (الأعراف:65 )، وكان شعار "لا إله إلا الله" هو بوابة الإيمان في الرسالة الخاتمة، والانتقال والتحول والخيار الجديد، وأن الرافضين لمنهج النبوة إنما يرفضونه لأنه يسويهم بغيرهم، وهم يريدون أن يكونوا آلهة وكبراء؛ فالوحدانية تعني الحرية والكرامة والمساواة.

وهذه الدعوة، أو هذه المهمة الرسالية ترتكز على الاحتساب والتجرد، وذلك يمنح صاحبها وأتباعها وورثتها صدقا وزخما وقوة، ويضع حدا للابتزاز والتكسب بالدين وترفع أهله عن الناس، لذلك كان شعار النبوة، أو إن شئت فقل: ميثاقها الدائم، ما حكاه عنهم الله في قوله: ( وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) (الشعراء:109) ، ( اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ) (يس:21) ، وبذلك صوبت النبوة الخاتمة مسيرة التدين، وأوقفت علله التاريخية في التكسب والابتزاز وأكل أموال الناس بالباطل، يقول تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) (التوبة:34).

وفي هذا المجال الخطير، كم نحن بحاجة لمراجعات في واقعنا، حيث الكثير منا يحـمله الإسـلام، ويـعـتـاش به، ويقبـض ثمـن التدين، أو ضـريبة التدين، ويقيم من حوله أتباعا وإمبراطوريات تعمل على تعظيمه، بدل أن يحمل الإسـلام إلى الناس بتجرد واحتسـاب ( لا أسألكم عليه أجرا ) (هود:51) ، ويسـعى لإخراجهم من الظلمات إلى النور.

فأين واقعنا من منهج النبوة، حيث بات يقتصر الاقتداء، في أحسن الأحوال، على التقليد في اللباس والطعام والشراب وبعض المظاهر الأخرى، على ما في ذلك من خير، لكن المشكلة الاقتصار عليه دون ما عداه، ونخشى أن نقول: نقع في مدلول قوله تعالى: ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) (الأنعام:120).

ومن سمات منهج النبوة في الرسالة الخاتمة، التي اجتمعت لها أصول رسالات الأنبياء وكمالاتهم وصفاتهم جميعا، إلى جانب التجرد والاحتساب: الاعتقاد الجازم أن عملية البلاغ وإيصال الخير للناس وإصلاح شؤونهم وإخراجهم من هوى أنفسهم هو السبيل إلى النجاة والحماية من الطغاة والعصمة والوقاية من شر الظالمين، والوسيلة الأمثل لإثارة الاقتداء والإغراء بالاتباع وتحقيق مقاصد الدين، يقول تعالى: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (المائدة:67)، ويقول تعالى: ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا * إلا بلاغا من الله ورسالاته ... ) (الجن:22-23).

ولعل التأمل في هذه الآيات كاف لبيان منهج النبوة في الإصـلاح، ورسالة المـسـلم في الحـيـاة، وسـبـيـله للوقـاية من الإصـابات وإنقـاذ النـفـس والنـاس من الهلكة.

ومن سمات منهج النبوة الخاتمة، التي هي جماع النبوات: التزام المنهج السنني، وتأكيد أهمية اكتشاف السنن الجارية ومعرفة قوانين الأشياء، التي تحكم حركتها ووجهتها، وأن رسالة المسلم وتكليفه امتلاك القدرة على كشفها وتسخيرها، والاعتقاد أنها أقدار الله، وأنها ماضية في الحياة والأحياء، وأن هذه الحياة لم تخلق عبثا، يقول تعالى: ( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) (الأحزاب:62 )، وأن المسلم الحق ليس الذي يفتقد الفعل والفاعلية ويتحول إلى آلة صماء، وإنما المسلم الحق هو الذي يفر من قدر إلى قدر، ومن سنة إلى سنة، الذي لا يستسلم للقدر وإنما الذي يغالب القدر بقدر أحب إلى الله، كما يقول ابن القيم، رحمه الله، وأن سبيل النهوض والإصلاح اكتشاف هذه السنن وإدراك فاعليتها في الحياة، وإبصار كيفية التعامل معها، وحسن تسخيرها؛ فمنهج النبوة لم يبن على الخوارق والمعجزات وإنما تحقق فعل النبوة في حياة الناس من خـلال عـزمات البشـر، ولم ينتظر جيل خير القرون ولم يتطلع إلى السنن الخارقة، التي شـأنها إلى الله: ( ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ) (محمد:4).

وقد يكون من الأهمية بمكان التوقف، ولو بقدر بسيط، عند سنة المدافعة، التي لا يبصرها ويحسنها إلا الأذكياء من الناس، وهي من أبرز سمات منهج النبوة، حيث امتلاك إمكانية حسن توظيف القوة البسيطة لتؤدي دورها الكبير في المغالبة والمواجهة مع القوى الكبرى والعظيمة؛ فمن نعم الله وحكمته في تسيير الكون: التناقض في المصالح والأهداف وتعدد القوى والآراء، الأمر الذي يوجد مكانا لفاعلية الحق والعدل بين صراعات الظلم والظالمين، ويكون لهذا التوظيف البسيط، إذا أحسن استخدامه، من القدرة على التغيير والفاعلية أكثر من القوة الغاشمة الكبيرة.

ولنا في أنموذج غزوة الأحزاب العبرة الواضحة والخالدة، فعندما رمى الأعداء المسلمين عن قوس واحدة، حيث اجتمعت عليهم قريش وبنو قريظة من يهود وقبائل غطفان، واشتد الحصار حتى زلزل المؤمنون وبلغت القلوب الحناجر، واهتزت النفوس وكثرت الظنون، وكاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصالح على بعض ثمار المدينة، خروجا من المصيبة وحقنا للدماء، وكان أن أسلم نعيم بن مسعود رضي الله عنه وتسلل ليلا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره: "إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت" (انظر: لم يعلموا) فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا، إن استطعت، فإن الحرب خدعة".. ) فذهب وأحسن القيام بالمهمة والمخادعة، فكان ما كان من الإيقاع بين الأحزاب وإثارة الخلافات والتناقضات مما هو معروف في مظانه من كتب السيرة (ابن هشام).

لقد كان لحكمة رجل وذكائه وقدرته على التصرف في الظروف الصعبة قدرة جيوش وثبات مؤمنين وتحقيق نصر؛ فهل من سـبيل لسنن المدافعة، التي لايحسنها إلا الأذكياء، والتوقف عن المواجهة، التي تشكل فخاخا لإسقاطنا فيها؟

وهكذا مسـيرة النبـوة، من بـدء ( اقرأ ) الـوحـي إلى ختـام النبـوة: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة:3) ، تعاملت مع السنن الجارية في النصر والهزيمة، والقوة والضعف، والدعوة والدولة، ولم يقعد المسلم الحق عن الفعل في غرفة الانتظار ويدعو الله أن ينصره، بدون كلفة وتضحية!

من هنا نرى أن من الإصابات الكبرى، على مستوى التصور والفعل، بالنسبة لمسلم التخلف، القعود عن التعامل مع السنن الجارية، وانتظار فعل السنن الخارقة، ومحاولة انتقاء بعض النصوص وتفسيرها أو تأويلها تأويلا تخلفيا لتسوغ له فشله أو قعوده.

وبهذه المناسبة، أكتفي بذكر فعل واحد لجيل خير القرون، لعل فيه الدلالة الكافية.. فعندما "اسـتحر القتل يوم اليمامة بقراء القرآن"، خاف سـيدنا عمر رضي الله عنه على ضياع القرآن، فذهب إلى الخليفة أبي بكر رضي الله عنه يقنعه بأهمية جمع القرآن، حفظا له من الضياع، ولم يذكر أن أحدا من الصحابة اعترض على هذا الفعل أو التوجه بقول الله تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9)، فكيف نخاف ضياع القرآن وقد تعهد الله بحفظه؟ وإنما أدرك الجميع أن الحفظ إنما هو من خلال عزمات البشر.. وهكذا شأن الفعل الإسلامي، أنه فعل جار على السنن الطبيعية وليس قائما على الخوارق والمعجزات.

ولعل من سمات منهج النبوة البارزة، ومن ثمرات التعامل مع السنن الجارية: ربط التكليف بالاسـتطاعة، استجابة لقوله تعالى: ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) (البقرة: 286).

صحيح أن التعاليم الإسلامية جميعا واقعة بمقدور الإنسان، وهو يسعى دائما لاستكمالها، لكن الاستطاعة، على مستوى الفرد والأمة، تتفاوت من زمن إلى زمن، ومن شخص إلى شخص، ومن مكان إلى مكان، ومن ظرف إلى ظرف، وأقدار التدين لا تبقى في مستوى واحد، لذلك رأى الكثير من العلماء المصلحين الأعلام، كابن تيمية والشاطبي وغيرهم، رحمهم الله، أن فاقد الاستطاعة لا يرد عليه التكليف أصلا، وأن الإنسان إذا بذل جهده واستفرغ وسعه واستطاعته فقد أدى الإسلام المنوط به، ولو لم يستكمل فروعه جميعا، شريطة أن ينوي وأن يسعى لاستكمالها، فهو يؤمن بالقيم الإسلامية والتكاليف الشرعية جميعا، وينفذ منها ما يستطيع؛ فلحالة النصر أحكامها، ولحالة القوة أحكامها، ولحالة الهزيمة أحكامها، ولحالة الضعف أحكامها، ولحالة الدعوة وسائلها، ولحالة الدولة أدواتها؛ أما المجازفة في تنزيل الأحكام على غير محالها دون النظر للاستطاعات والظروف المحيطة فيوقع بمضاعفات خطيرة، ويهدر طاقات في غير مكانها، ويجعل المسلم يخسر ما يملك بوضعه في ما لا يملك.

فالرسول صلى الله عليه وسلم بقي ثلاثة عشر عاما في مكة لم يكسر صنما، ولم يستفز الكافرين بفعل، أما بعد فتح مكة وامتلاك الاستطاعة فأول ما بدأ به كنس الأصنام وتطهير البيت من رجس الأوثان؛ وأعتقد أن الكثير من الخسائر والإصابات، التي تلحق بنا، إنما هو ثمرة لسوء التقدير وعدم التعامل مع السنن الجارية، والقيام بمجازفات لم يكلف الله بها، انتظارا للسنن الخارقة، واستدعاء لها.

ومن ثمرات ربط التكليف بالاستطاعة، في منهج النبوة، ومن سماته البارزة: التدرج في الارتقاء بالناس، والأخذ بيدهم إلى الالتزام بأحكام الدين، عقيدة وعبادة وشريعة، شيئا فشيئا.

ولعل أول ما نلمح من منهج النبوة في التدرج: تدرج النبوات وتتابعها في تأهيل وتحضير الإنسان إلى مرحلة الرشد، والانتهاء إلى الرسالة الخاتمة.. كما أن مسيرة الرسالة الخاتمة وبناءها للإنسان استمرت ثلاثة وعشرين عاما، مرت بكل الـحـالات والأحوال والاسـتطاعات، التي يخضع لها الإنسان، حتى كان الاكتمال فيها لرسـالة النبوة ومنهج النبوة التاريخي وبناء الأنموذج، لذلك أرى في قول الله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم ) أفقا أبعد وأعمق من فترة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، أرى فيه اكتمال منهج الأنبياء، اكتمال الدين وكماله، فهو ثمرة لسنة التدرج التربوية، السنة الجارية في الحياة والأحياء.

ونعاود القول: إن سنة التدرج من استحقاقات الاستطاعة ولوازمها، وهو أيضا من أهم الأسس التربوية في بناء الاستطاعة والارتقاء بها، وتعظيم أمر التكليف، والارتقاء به أيضا.. وهذا هو الأمر الطبيعي والفطري، فالإنسان يتدرج في ارتقاء عضويته وخصائصه وصفاته وملكاته، ولكل مرحلة استحقاقاتها.. والتدرج هو منهج النبوة، منهج اللبنة، فالرسـول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) (أخرجه البخاري).

ولنا في الفعل النبوي والممارسات الدعوية خير شاهد ومثال، فوصية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى معاذ رضي الله عنه عندما أرسله إلى اليمن، داعيا إلى الإسلام، فيها منهج العمل المتدرج، في إطار العقيدة والعبادة والتشريع، ذلك ( أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله، الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ) (أخرجه أبو داود).

وقد يكون في نزول القرآن حسب الظروف والمناسبات، وتوالي نزوله لمعالجة الحالات، التي عليها الناس والأخذ بيدهم شـيئا فشـيئا حكم بالغة ودلالات مـهمة، ذلك أن محـل النـزول البـشـر، الخـاضـعـون للسـنن الجـاريـة، قـوة وضعفا واختيارا وقبولا ورفضا، وهم ليسوا ملائكة مسيرين مبرمجين على فعل الخير، لاخيار لهم.. لذلك تعامل القرآن في نزوله وتنزيله مع السنن الجارية، أما التغيير من خلال السنن الخارقة والقوة الخارقة والمعجزة الخارقة ( كن فيكون ) ، فأمر السـنن الخـارقة إلى الله وليـس من تكـليف الإنسـان، ولا من قدراته.

وقد تكون الإشكالية الكبرى، بعد اكتمال بناء الأنموذج: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) في كيفية التعامل مع القرآن وتنزيله على واقع الناس، المتغير، أو مدى وكيفية التدرج في تنزيله، وكذلك الحال بالنسبة للسيرة وحياة خير القرون، ذلك أن القرآن كان ينزل حسب الحالات، ويعالج ما يتعرض له الناس، ويقدم الحلول والأحكام لكل الإشكالات -وأسباب النزول من علوم القرآن المعروفة- وكذلك تنزيل هذه الآيات على واقع الناس، وتجسيدها في حياتهم المتطورة والمتغيرة حسب الأحوال والاستطاعات؛ ولعل في عدم ترتيب القرآن حسب أزمنة النزول مؤشر واضح على أهمية فقه التنزيل وفقه الواقع، الذي هو محل التنزيل؛ لأنه يخشى من ترتيبه حسب أزمنة النـزول أن تحكم سيرورة الزمن، في عصر النبوة، بالدعوة والاستطاعة، الأمر الذي يناقض طبيعة الحال.

فكيف ننزل القرآن، منهج النبوة، اليوم على حياتنا، بعيدا عن عبث من لا فقه لهم بأحكامه؟ وكيف نميز بين فقه التنزيل، الذي يأخذ باعتباره فقه المحل وتوفر الاستطاعة واتباع سنة التدرج، وبين آلية الإسقاط، التي تنزل الأحكام على غير محالها، أو على الأقل دون توفر شروط محل الحكم، فتحول الأحكام بذلك من حل إلى مشكلة، كما هو الحال اليوم؟

وكيف نعيد قراءة واقعنا، ونفقه الموقع المناسب له للاقتداء من مسيرة السيرة، ونحاول بناء مقاربة مع خير القرون تثير الاقتداء، ونفتح النافذة المغلقة على حقيقة منهج النبوة، ونخلص القيم الإسلامية من الفهوم المعوجة، التي نمارس تطبيقها بشكل عشوائي ومشوه، وبذلك لا نكتفي بتنفير الناس من الإسلام، حتى من هم من أهله، والهروب منه، في الحاضر البائس، وإنما يمتد أثرها السلبي لاغتيال الماضي المضيء للقيم الإسلامية ومنهج النبوة وحضارة النبوة، وإقامة الحواجز النفسية بيننا وبين مصادر القوة والنهوض في حياتنا.

إن سوء الفهم، وسوء التطبيق، وسوء التأويل، وقولبة القيم الإسلامية حسب الفهوم المعوجة، وإقامة الإمارات المصنوعة هنا وهناك، وأخذ المبايعات من الشباب، وإثارة حماسهم، وزجهم في أتون المعارك الخاسرة والانصياع للقيادات الفاشلة، باسم الدين والتدين والخوف من الميتة الجاهلية، وربطهم بالسنن الخارقة والمعجزات، بعيدا عن إدراك السنن الجارية وحدود التكليف، وترك ما نملك إلى ما لا نملك، سوف يكرس الفشل، ويشيع الثقافات المغشوشة، ويحاصر القيم في مجتمع مغلق وفهم محدود ومجتزأ، بحيث يصبح تأويلها حكرا على بعض الجماعات والتنظيمات، التي ترفع شعارات الإسلام ويتمحض نشاطها في المغالبة السياسية فقط، دون توفر المؤهلات المطلوبة لذلك، الأمر الذي لا يمت إلى حقيقة الإسلام ومنهج النبوة بصلة.

ومن سمات منهج النبوة أنه يعتمد الدعوة بالحجة والحكمة والموعظة الحسنة، يقول الله تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) (النحل:125) ، ويقول: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) (العنكبوت:46) ، ويقول: ( وقولوا للناس حسنا ) (البقرة:83)، ذلك أن الغاية من النبوة هي استنقاذ الناس من الشرك والضلال والظلم والاستعباد والاستبداد، وإلحاق الرحمة بالعالمين، يقول تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:107).

وبالإمكان القول: إن منهج النبوة قائم على الدعوة، والاستقامة في السلوك، والعدل في الحكم، والبرهان والعرفان والبيان في الإقناع، وعدم الإكراه، كما أسلفنا: ( قل هاتوا برهانكم ) (البقرة:111)، ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) (الإسراء:36 )، ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) (الأنعام:83)، بينما نجد السبل الخارجة على النبوة، الفاقدة لقوة الحق والعـدل تعتمد القـوة والبـطـش والهيـمنة والسـلـطـة الـغـاشـمة والقهـر والإكـراه، عنـد عـجـزها عن مـقـارعة الحـجـة بالحـجـة: ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ) (إبراهيم:13) ، ( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ) (الأنبياء:68 )، ( ليسجننه حتى حين ) (يوسف:35) ، ( فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ) (طه:71) ، ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) ( الأنفال : 30 ).

فمنهج النبوة منهج إقناع وبرهان وبيان وتأكيد على حرية الاختيار، وتاريخ النبوة الحقيقي وعطاؤها هو التاريخ العلمي الفقهي الثقافي؛ أما التاريخ السياسي فعبارة عن ومضات بسيطة في مسيرة الأمة، فكم طوى التاريخ السياسي مستبدين وطغاة وظلمة، تلاحقهم اللعنات، وتحيط بهم جرائمهم، وكم أشاد بذكر العلماء والفقهاء والقضاة والمفسرين والمحدثين، الذين لم يتوقف عطاؤهم، على الرغم من مضي الزمن وتطاول الأيام، فأول ما ينقض من عرى الإسلام الحكم، حيث انفصل السلطان عن القرآن مبكرا، وعزل العلماء والمصلحون الحكم الظالم عن ضمير الأمة، ومفاعيلها في المجتمع، فكان للعلماء ورواد الإصلاح الدور الأساس في بناء مسيرة الأمة، ووقايتها من الانحراف.

ومن سمات منهج النبوة أنه خطاب إنساني، للناس جميعا، وأن تعاليمه وقيمه تدور مع الحق حيث يدور، ويعترف بما عليه الناس من خير، ويتوسع في دوائره، ويغري باتباعه، ويشجع عليه، ويحاصر الشر، ويبين فساده، ويحذر من عواقبه، ويعين على تجاوزه، ولا يبخس الناس أشياءهم، ويلتقي مع الجميع على التعاون على قيم الخير، على البر والتقوى.

فمنهج النبوة يقوم على المناصحة، فالدين النصيحة، والإصلاح لمواطن الخلل والفساد، والابتعاد عن التعميم أو عمى الألوان، بحيث يصبح الهدف الخروج والتغيير والانقلاب على كل شيء؛ فمنهج النبوة سبيله الدعوة والمناصحة والبرهان والبيان والبلاغ والحوار والمدافعة والرحمة بالناس، وليس المواجهة.

فالمواجهة والإكراه والانقلاب واستخدام القوة ليس من قيم النبوة في شيء، مهما كانت المعاذير، والعنف والمواجهة لم يأت لنا بخير طيلة تاريخنا الطويل، ذلك أن طبيعة القيم الإسلامية تأبى العنف والإكراه؛ لأن العقيدة محلها القلب، ولا سـلطان لأحد عليه إلا سـلطان الدليل والبرهان والقناعة -كما أسـلفنا- فالشعار الكبير، الذي استرد إنسانية الإنسان وحفظ كرامته: ( لا إكراه ) ، ( لكم دينكم ولي دين ) (الكافرون:6).

ومن سمات منهج النبوة: الاعتراف بالخطأ دون لبس أو التواء، كما أشرنا سـابقا، والتـوبة العملية والفكرية منه، وكلنا يذكر ما وقعت به سـرية سيدنا عبد الله بن جحش رضي الله عنه من القتال في الشهر الحرام، وما حاوله المشركون من العيب على المسلمين من انتهاك حرمة الشهر الحرام، ونزل في ذلك قرآن يتلى إلى يوم القيامة: ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) .

ولقد جاء في خبر السرية: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش صلى الله عليه وسلم في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين... وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا.... فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه، فإذا فيه: ( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم ) ... ومضى ... حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي.. فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا عمار: لا بأس عليكم منهم.

وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام؛ فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم... فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان... فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: ( ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ) ...

فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال...

فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) (السيرة النبوية لابن هشام).

هذا الحدث مدعاة للتأمل والتفكير والنظر؛ لأنه يمثل تميز منهج النبوة وكيفية تعامله مع الواقع، بعيدا عن التستر على الخطأ والإنكار للحقائق، فلقد اعترف الرسول صلى الله عليه وسلم بالخطأ، ودفع الدية، ولكنه حاول مقارنة هذا الخطأ الكبير، ومقاربته مع ما يقع فيه المشركون من أخطأ الصد عن المسجد الحرام، وإخراج أهله منه، وإكراه الناس وفتنتهم عن الدخول في الإسلام، بحيث تم الاعتراف بالخطأ من جانب، وعدم التستر، والاستفادة من الخطأ للمقارنة مع فعل المشركين: ( قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ) .

فهل يعيش المسلمون اليوم هذا الإرث النبوي العظيم، وبخاصة الذين يرفعون شعارات إسلامية ولم يؤثر عنهم الاعتراف بخطأ واحد، والأمور تسير من سيء إلى أسوأ، حتى أصبحوا محل تهمة القريب والبعيد، بذريعة أن الاعتراف يضعف القوة ويخلخل الصفوف ويبصر العدو بمواطن الضعف؟

ومن سمات منهج النبوة: بناء المشترك الإنساني، والتعاون على إشاعة قيم الحق والعدل والخير والنفع العام، والتحالف على ذلك مع (الآخر)؛ ولسنا بحاجة إلى التذكير بالتحالف أثناء حصار شعب أبي طالب، حيث استفيد فيه من كل الروابط والقرابات القبلية والقومية....إلخ؛ والتذكير بحلف الفضول عندما تعاهد أشراف مكة على نصرة المظلوم، وأن لا يبقى في مكة مظلوما إلا وترد له ظلامته، وقولة الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها، وألا يعز ظالم مظلوما ) (ابن كثير، البداية والنهاية)؛ والثناء على ملك الحبشة، حيث أرض الصدق، التي فيها ملك لا يظلم الناس عنده، ودعوة المسلمين المظلومين للهجرة الأولى إلى الحبشة...

أما نحن اليوم فنمارس احتكار الخير، واحتكار الفهم، والانكفاء على (الذات)، والتذرع بفلسفات مأزومة، أو هي ثمرة لفكر أزمة أدت إلى أزمة فكر، نمارس العزلة الشعورية والعزلة العملية وإخراج الآخرين من ساحة الإيمان، وهم من المسلمين (!)، وتجريدهم من كل خير، الأمر الذي أدى، مقابل الانكفاء على (الذات) إلى الارتماء على (الآخر).

وقد لا نكون بحاجة إلى التذكير بالميثاق الوطني والسياسي مع مكونات المجتمع جميعها، من يهود ومشركين وقبائل، في وثيقة المدينة، فأين أمثال تلك المواثـيق الجـامـعـة للمواطـنة من واقـع الطـوأفة والتـمزق والبعثرة والتـحزب، التي يعيشها المسلمون، حتى فيما بينهم؟ أين ذلك من منهج النبوة؟!

ومن سمات منهج النبوة: اعتماد الشورى في جميع شؤون الحياة، في السلم والحرب والسياسة والإدارة، وحتى في الشأن الخاص، استجابة لقوله تعالى مخـاطـبا الرسـول صلى الله عليه وسلم : ( وشاورهم في الأمر ) (آل عمران :159) ، وقوله تعالى في صـفة مجتمع المسـلمين: ( وأمرهم شورى بينهم ) (الشـورى:38) علما بأن الرسول صلى الله عليه وسلم مستغن بالوحى عن الشورى، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس باقيا على قيد الحياة، والوحي ليست مستمرا، فلابد من تأسيس وتأصيل المبدأ ليكون محور حياة المسلمين.. ولا يتسع المجال للإتيان على نماذج من تطبيقات الشورى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وخير القرون، فهو معلوم في مظانه في كتب السيرة، ومسموع من على المنابر وفي دروس الوعظ والإرشاد والمحاضرات والمؤتمرات الإسلامية، وإن كان نصيبه من واقع المسلمين، حتى الداعين إليه، محزنا، وحسبنا أن شعار الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم: ( أشيروا علي أيها الناس ) .

وقد جاء الحض على الشورى واقترانها بالصلاة في كتاب الله بعد معركة أحد، التي كانت الشورى، بحسب الظاهر، السبب في الهزيمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يريد الخروج لملاقاة العدو، فلما كانت الشورى تطالب بالخروج خرج، فكان ما كان.. والغريب اليوم حرص المسلمين على الصلاة وزهدهم في الشورى (!)

فهل نمارس الشورى في بيوتنا ومدارسنا وأنديتنا ومجتمعاتنا ومؤسساتنا وتنظيماتنا الإسلامية حقا، ونتعبد الله بممارساتها كما نتعبده بالصلاة، وقد جاءت بنفس السياق قرينة للصلاة، أم أن الشورى مادة وعظ وإرشاد وتفاخر ومحاضرة وتأليف؟ والذي يشيع في ثقافتنا الاستغناء بالجدل حول مفهوم الشورى، وهل هي ملزمة أو معلمة، عن ممارستها، أو القيام بمقارنات بين الشورى والديموقراطية، والتوفيق تارة والتلفيق أخرى، دون أن نعيشها في مؤسساتنا وتنظيماتنا الإسلامية الرائدة.

ومن الأشياء المحزنة حقا أن تقوم بعض المؤسسات الإسلامية العالمية بالدعوة لانتخاب رئيس لها، ويجتمع الأعضاء، ومن ثم يفاجأون بإعلان الفوز، بالإجماع، أو بالتزكية، دون أن يمارسوا انتخابا! ولسنا بذلك بأحسن حالا من الحال فيما وراء ذلك في مؤسسات الحكم والإدارة، التي هي محل انتقادنا!

وليس ذلك فقط، فإذا مورست الشورى فإن جاءت نتيجتها لصالحنا فهي ملزمة، وإذا لم تحقق رغبتنا فهي معلمة!

فأين نحن من منهج النبوة؟ وكيف لنا الإصلاح والارتقاء ونحن نعاني من علل التخلف والعجز، الأمر الذي يجعلنا جزءا من المشكلة وليس وسيلة للحل والإصلاح، ومع ذلك نشكو من الفشل، ومن تكراره، وعدم بلوغ النصر الموعود والنجاح المشهود، ونبخل على أنفسنا ولو بمراجعات بين الحين والآخر لاختبار صحة وجهتنا وسلامة خطونا، والتعرف على الخير لفعله، والشر حتى لا يدركنا، والخلل حتى نعالجه، وأخطائنا حتى لا نكررها.

ومن سمات منهج النبوة في الدعوة والإصلاح: فقه الواقع، الذي عليه الناس، والتحقق بالرؤية الشاملة للظروف والملابسات، وإبصار التداعيات المستقبلية لكل فعل وحركة، وتقدير الاستطاعة، مناط التكليف، قبل تقرير الأحكام وممارسة الأفعال.

ولعل في أسباب نزول الآيات، التي تشكل دليل عمل لتنزيل آيات القرآن وفق ظروف الناس، وتقديم الحلول لمشكلاتهم، مؤشر واضح على أهمية فقه الواقع، بكل ظروفه وملابساته، قبل تنزيل قيم الوحي عليه.. وهذا منهج النبوة وعطاؤها.

فالرسول صلى الله عليه وسلم - كما نعلم- عدل عن هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم، عليه السلام، خوفا من فتنة حديثي العهد بالإسلام، ( أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهـيم.. فقـلت: يا رسـول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قـال: لولا حـدثان قومـك بالكفر لفعلت ) (أخرجه البخاري)، وفي رواية لمسلم: "لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر".

هذا الفقه النبوي، وهذا المنهج النبوي الغائب عن كثير من مسالكنا وعلاقاتنا وتعاملنا وتديننا... متى نعود إليه بمراجعات شاملة لواقعنا وثقافتنا وفهمنا وفقهنا؟

وجانب آخر، فإن منهج النبوة يستدعي الكثير من التفكير والتدبر والتأمل والتريث، قبل اتخاذ القرارات الصعبة في الإصلاح والتغيير والمواجهة، فلقد منع المسـلـمون من مقـاتلة الكفار والمشـركين، ودخول مكة قتالا، بعد أن أظفر الله المسـلمين عليهم، رغم عدوانهم وظلمهم وكل كيودهم؛ لكون مكة مجتمعا مختلطا، فيه المؤمن والكافر، البريء والمجرم، الظالم والمظلوم، خشية من إراقة الدماء المؤمنة البريئة أثناء محاربة الظلم والمشـركين، قال تعالى: ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا * هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) (الفتح:24-25).

نعاود القول: إن التدرج في النبوات، وتفرد كل نبوة ورسالة بمرحلة زمنية معينة من عمر البشرية، ومعالجتها للإصابات الواقعة، ودعوتها للوقاية من الإصابات المتوقعة، تحضيرا للإنسان لبلوغ مرحلة الرشد والتأهل للرسالة الخاتمة، التي احتوت قصص النبوة، واجتمعت لها أصول الرسالات، وتحقق لنبيها صفات وخصائص الأنبياء، فكان الكمال وكان الاكتمال: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ، يمكن أن يشكل فقها ونوافذ لكيفية تنزيل القرآن على واقع الناس، ذلك أن أصول الرسالات جميعا وأحوال أقوامها وإصاباتهم ما تزال ممتدة، بأقدار متفاوتة، في الرسالة الخاتمة.

فكيف نفيد من ذلك، ونبدأ بالتعامل من الحال، التي عليها الناس، ونأخذ بأيديهم للترقي والارتقاء حسب حالاتهم واستطاعاتهم لبلوغ حالة الكمال والاكتمال، حيث أقدار التدين لا تقف عند حالة الكمال والاكتمال وإنما هي بارتفاع وانخفاض، وقوة وضعف، وانتصار وهزيمة، وهذا يتطلب العلاجات المناسبة للعلل والأمراض الواقعة والمتوقعة؟

أما تنزيل آيات النصر على واقع الهزيمة، وآيات معالجة الهزيمة على واقع النصر، والدعوة إلى القتال حتى لا تكون فتنة، ونحن لا نستطيع أن ندفع الفتنة عن أنفسنا، فذلك فقه عليل وعقل كليل، والله حسبنا ونعم الوكيل!

وقد تكون الإشكالية في التعامل مع منهج النبوة، من خلال أبجديات ثـقـافة (الـملك) من قبـل بـعض الجماعات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية، أو ما يطلق عليه ظلما (جماعات الإسلام السياسي)، مع التحفظ الكبير على هذا التقطيع للإسلام، وتقسيمه إلى إسلام سياسي وإسلام غير سياسي، فالإسلام هو الإسلام، يقول تعالى: ( كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين ) (الحجر:90-91)، فجعلوا المحور الأساس هو المغالبة السياسية، وحشدوا لذلك الكثير من المفهومات والأفكار، والتأويل لبعض الآيات والأحاديث لتوافق هواهم وخيارهم، وأصبحت هذه المفاهيم هي الشائعة وكأن اسم الإسلام وفقهه تحول ليصبح حكرا عليهم وعلى ممارساتهم، دون أن يمتلكوا أدوات ذلك وتخصصاته! كما أن معرفة الإسلام تتم من خلالهم!

ونحن هنا لا نقلل من أهمية السلطان للقرآن، والقوة للحق، لكن الذي نقول: إن للنبوة منهجها ووسائلها، وللملك والسلطان السياسي منهجه ووسائله أيضا.. ولعل فيما دار بين العباس صلى الله عليه وسلم وبين أبي سفيان، قبل أن يسلم، عند فتح مكة، ومشاهدة أبي سفيان لإيمان وتصميم وشجاعة كتائب الفتح، دلالة واضحة على الفرق بين منهج النبوة ومناهج الـملك والسلطة السياسية، حيث قال أبو سفيان: "والله، يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما"، فقال العباس: "إنها النبوة".. وليس الـملك (انظر السيرة النبوية لابن هشام).

فمتى نقوم بمراجعات، ونقرأ واقعنا بأبجدية منهج النبوة، لا نقرأه بأبجدية الـملك والمغالبة السياسية؟ ومتى ننظر في مطابقة مسالكنا لمنهج النبوة، ونحسن اختيار موقع الاقتداء من مسيرة النبوة، ونحسن تنزيل آيات القرآن على واقعنا، بحسب استطاعاتنا، ونبصر حدود حركتنا وجهادنا، ونعي قولة عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، عندما عاب بعضهم عليه عدم الخروج للقتال، درءا للفتنة، فكان جوابه: "قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله"، حيث ما يزال نفق الفتن المظلم ممتدا حتى اليوم، يستخف كثيرا من الناس؟

وبعد؛

فهذا الكتاب يعتبر محاولة لفتح ملف أحد أعلام التجديد والإصلاح، وعرض منهجـه في رسـائله، وأسـلوبه في المناصـحة، والاضطلاع بمسـؤولية حمل العلم ونفي نوابت السوء، والعودة بالأمة المسـلمة إلى استئناف دورها الرسالي في العالم.

وتأتي أهمية دراسة حركات التجديد والإصـلاح وسـير الأعلام العاملين في المجالات المتعددة، واستصحاب تجاربهم، والإفادة من عطائهم؛ لأنها تساهم بإنارة الطريق والإجابة عن سـؤال النهضة ومعاودة إخراج الأمة، كما أنها تساهم بتسديد المسيرة وتحقيق الاعتبار وتجنب العثار، ذلك أن تاريخنا الحقيقي هو التاريخ العلمي والثقافي والفقهي، وسير العلماء العدول، وليس التاريخ السياسي، على كل حال، حيث انفصل السلطان عن القرآن، في وقت مبكر، وكان الحكم أول ما نقض من عرى الإسلام، فانحازت الأمة إلى القرآن، وشكل العلماء والمصلحون رموزها وقادتها، فامتد أثرهم، وغاب الحكام الظلمة والجهلة من حياة الناس وحضارتهم دون ذكر لهم.

فالتاريخ الحقيقي هو تاريخ المصلحين وحركات الإصلاح.. واستنقاذ الناس من الضلال والتخلف، وإلحاق الرحمة بهم هو المسؤولية والأمانة المنوطة بهم، مهما كانت التضـحيات، شـعارهم: ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ) (هـود:88)، وعدتهم التجرد والاحـتسـاب: ( فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله ) (يونس:72).

والإصلاح في منهج النبوة غير الانقلاب والتغيير، فالإصلاح ينصب على تحديد أماكن الإصابة، ودراسة أسباب ذلك، ومعالجة مواطن الخلل، بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة، والتزام المنهج السنني، والتدرج في التكاليف، بحسب الاستطاعة، بعيدا عن العنف والإكراه والمواجهة، فالعنف والمواجهة لم تأت بخير على مدى التاريخ الطويل.

فالمسلم الحق يهمه انتصار الحق، ولا يهمه حظ نفسه، ويدور معه حيث دار، بعيدا عن التعصب والحزبية وبخس الناس أشياءهم، ومحاولة التعاون معهم على الخير وبناء المشترك.

وقد تكون الإشكالية في دراسة أعلام الإصلاح وحركات التجديد والتغيير، في واقعنا الثقافي، أن قوامها المديح والتقريظ وتفخيم (الذات) وحشد الألقاب، تحت شعار: "اذكروا محاسن موتاكم"، بعيدا عن التقويم والمراجعة وبيان السـقطـات والأخطاء، الأمر الذي يحقق الاعتبار ويفتح الأبصـار، حتى لا تـتـكرر الفـواجع وتـتوطـن الإصابات ويستمر الحـال وتهـدر الجـهـود في دراسات لا تتقدم بالأمة ولو خطوة واحدة.

لذلك نقول: لقد أصبح من الضروري بل من الأهمية بمكان إعادة النظر بمنهج دراسة حركات وأعلام التجديد والإصلاح حتى نتمكن من الإفادة من تجاربهم ونتجنب عثارهم وأخطاءهم، فـ ( كل ابن آدم خطاء ) وكل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن لأعلام وحركات التجديد ظـروفها وزمـانها ومشـكلاتها وسـياقها التاريخي، لذلك لا بد أن نعرف كيف نستفيد منها، بعيدا عن التمترس حولها، ومحاكاة وسائلها، والتوقف عند اجتهادها وفكرها، بالرغم من تغير الظروف والمشكلات والمجتمعات، وهذا لا يضير حركات التجديد وأعلام الإصلاح وإنما يضر بالحاضر العاجز عن الإفادة منهم، والاقتصار على الدوران ضمن فكرهم، وعدم القدرة على استصحابهم، لتوليد أفكار ورؤى تفقه الحاضر وتبصر المستقبل وتحسن التعامل مع الناس.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث