الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي خلق الإنسان اجتماعيا بطبعه وجبلته، ليكون التلاقي والتفاعل سنة اجتماعية ونزوعا فطريا، كما جعل من آياته، التي تدعو للتأمل والتدبر والتفكر والاعتبار: اختلاف الألسنة والألوان، وتعاقب الليل والنهار، كآيات ظاهرة ودليل لما وراء هذا التنوع والتعددية في الخلق من الحكم، على مستوى الكون والإنسان والحياة، وجعل الفوارق الفردية والتنوع الاجتماعي والأنماط الحضارية سبيلا للتنافس والتدافع والسباق والكسب والتمايز في مضمار الخير، كما جعله سبيلا لشحذ الهمم واستنبات الطاقات الكامنة ومحرضا للمغالبة في السباق على الفعل الحضاري.

فلقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تكون علة التنوع في الخلق والاجتماع البشري متأتية من وحدة الأصل الممهدة للتعاون والتعايش والتكامل، قال تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) (النساء:1)، وقال: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات:13)، وبذلك جعل المفاضلة منوطة بكسب الإنسان وفعله واختياره وليس في لونه وجنسه وجميع الفوارق القسرية الأخرى، التي لا يد له في وجودها، إقرارا لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، وليكون ذلك تحقيقا للعدل وميدانا للتسابق الحضاري وحافزا لفعل الخيرات، فالأكرم هو الأتقى، والكريم في أبسط صفاته هو المعطاء للآخرين، المتكافل معهم.

لذلك نرى أن تحقيق (الذات) السوية وحسن بنائها في هذا السياق وسبيل نجاتها منوط بالتعاون والتكامل والتعايش مع الآخرين وإنقاذهم، فـ ( أحـب النـاس إلى اللـه أنفعـهـم للناس ) (المعجم الكبير للطبراني)، و ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) (أخرجه البخاري)، فبناء (الآخر) والاهتمام به والتكامل معه، أخذا وعطاء، جزء من بناء (الذات)، والاعتزاز بها، وسبيل قربها من الله، في التصور الإسلامي.

لذلك نسـارع إلى القـول هنـا: إن (الذات) المشوهة أو غير السوية، وغير المؤمنة بالله الواحـد، وغير المتوازنة، وغير المتكاملة مع نفسها غير مؤهلة أو مهيأة للتـكامل والتـكافل مـع الآخـرين؛ لأنـها تستبد بـها الأثرة والأنانية والانغلاق والتعصب، ولا تدرك قيمة (الآخر)، ولا تستشعر الإيثار والغيرية نحوه.

والصلاة والسلام على نبي الرحمة الإنسانية وأنموذج بناء الحضارة الإنسانية، الذي تجسدت جماع المعاني الإنسانية في شخصيته، عليه الصلاة والسلام، ومن ثم جسدها في نفوس الناس وواقعهم، ومكن لها ودرب عليها حتى باتت وكأنها خصائص عضوية (بيولوجية) في مسالكهم، فطبعت حياتهم، وأصبحت مجالا للتوارث الاجتماعي بين الأجيال، ومجالا للتسابق والتنافس في فعل الخير.

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" الواحد والستون بعد المائة: "تكامل الحضارات.. بين الإشكاليات والإمكانيات"، للأستاذ الدكتور عطا محمد حسن زهرة، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، مساهمة منها في إبراز ملامح وسمات منهج النبوة، محل الاقتداء وميدان المقاربة، وبيان مواصفاته الإنسانية ومقاصده في تحقيق الرحمة للعالمين جميعا، وتأسيس الأخوة، وحماية الكرامة الإنسانية، وإشاعة قيم العدل بين الناس، كل الناس، واسترداد ما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم اليوم من الإيجابية والإيثار والتنافس على الخير، والسعي إلى إزالة الحواجز والقواطع والفواصل النفسية والمادية، وتوجيه الخلق صوب اكتشاف الصيغ الإنسانية المشتركة، التي دعا إليها الأنبياء جميعا، ورفع الوصاية الدينية من البشر على البشر، التي كانت ولا تزال سبيلا للتسلط والابتزاز، وربط الفرد بربه مباشرة، وبناء الفرد المتوازن المتكامل مع نفسه ليكون أهلا للتعاون والتعايش والتكامل مع الآخرين -كما أسلفنا- وإحياء عالمية الرسالة الإسلامية وعالمية الأمة الإسلامية، وإبراز إنسانية قيم النبوة، والتحضير لمعاودة إنتاج الجوانب الخيرة في مسيرة الحضارة الإنسانية المتوقفة، بعيدا عن التعصب والتكلف والإكراه والإقصاء والغلو والتطرف، والتأسيس والتأصيل لمنهج الوسطية والاعتدال، وإشاعة قيم التسامح، وكفالة حرية التدين، وتحويل شعار: ( لا إكراه في الدين ) إلى شعيرة وممارسة عملية تثير الاقتداء وتخلص الناس من التسلط والاستعباد.

وقد لا نأت بجديد إذا قلنا: إن التجربة الحضارية التاريخية الإسلامية، التي جاءت ثمرة لقيم الوحي، ساهمت فيها جميع الشعوب والأعراق والأجناس والألوان والجغرافيا، واستطاعت منذ وقت مبكر في حياة البشرية إلغاء التمييز والعنصرية وإيقاف تسلط الإنسان على الإنسان، وتعبيد الناس جميعا لإله واحد يتساوى أمامه الجميع، وأن تبني حضارة إنسانية، وتؤصل وتؤسس قيما مشتركة، بحيث يجد كل إنسان نفسه فيها وجزءا منها، ذلك أن ما تتمتع به الحضارة الإسلامية من قيم إنسانية متأتية من الوحي، من خارج الإنسان، عصم أهلها من التسلط والهيمنة والتعالي والانغلاق والتحيز، وجعلها في كل زمان ومكان المأمن الحقيقي للإنسان، كما أنه يؤهلها اليوم، وفي هذه الظروف الدولية بالذات، وهذا اللقاء الإنساني والتواصل الجغرافي والحضور المعلوماتي والإعلامي لتقديم القيم الإنسانية، التي يستظل بها الجميع، ويؤوي إليها الجميع، ويـفـر إليـهـا الجـمـيـع مـن جـديـد: ( ففروا إلى الله ) (الذاريات:50)، إذ لا عبرة بصور التدين المصنوع والمخترق والمغشوش، التي تطفو على السطح الإسلامي والتي تساهم بتشويه صورة الإسلام وإقامة الحواجز بينه وبين الإنسان، في محاولة لتحويل دولته وحضارته إلى كسروية وقيصرية، والتهوين من قيمه، وتفسيرها حسب الهوى ومقتضيات المغالبة السياسية لتبرير الوسائل غير المشروعة في الوصول إلى الحكم.

ولعلنا نقول: إن من أهم ما امتازت وتمتاز به الحضارة الإسلامية نزوعها الإنساني، فهي قيم الإنسان وحضارة الإنسان، حيثما هو وحيثما كان، واعترافها بـ(الآخر)، وتقدير دوره في صناعة التاريخ الحضاري، والإقرار بما هو عليه من المكارم ومحاسن الأخلاق، وما يمتاز به من الكرم والوفاء والعدل والصدق والتعايش، فالله سبحانه وتعالى يقول: ( ويل للمطففين ) (المطففين:1)، ويقول: ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) ، والرسول صلى الله عليه وسلم يوجه المسلمين، أصحاب المظلومية في مكة للهجرة، ويقول لهم: ( لو خرجتم إلى أرض الحبشة؛ فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه ) (ابن كثير، البداية والنهاية)، فالحبشة بتلك الصفات، التي تمتلكها، كانت مؤهلة لأن تصبح دار هجرة للمسلمين الأوائل في حينها.

بل لقد كان مجتمعها الأول، أو نواتها الحضارية الأولى، مجتمع الألوان والأجناس والتفاوت الاجتماعي، المنسجم المتعاون المتكافل المتكامل، فبلال إلى جانب أبي بكر وعمر، وسلمان إلى جانب عثمان وعلي، رضي الله عنهم جميعا، والفقراء في كنف الأغنياء، والقيم العليا واستباق الخيرات متاح للكسب الفردي: ( فاستبقوا الخيرات ) (المائدة:48)، فالأكرم الأتقى، يقول تعالى: ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ) (الأنعام:52)، ويقول: ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) (الأنعام:54)، فالمعيار كسبي، متاح لكل إنسان، وليس قصريا ينتهي بالحضارة إلى التمييز والعنصرية والانحياز.

ولعل مما يلفت النظر ويتطلب أن تعيه الآذان الواعية في هذا السياق، مجال التعاون والتعارف والتكامل، أن الإسلام اعترف بالأديان القائمة جميعا، والأنبياء جميعا، وعرض لسيرتهم ودعوتهم وتعاليمهم، وما نالها من عبث الإنسان، كما عرض لوسائل دعوتهم وصفاتهم وخصائصهم، وجاء مكملا لها، ولبنة مـكملة في بنائـها الإنسـاني الكبيـر، والـقرآن جاء جماع الكتب السماوية، والرسول النبي صلى الله عليه وسلم جماع الرسل والأنبياء، يقول تعالى: ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) (البقرة:136)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( نحن أولى بموسى منهم ) (أخرجه البخاري)، ويقول: ( أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبينه نبي ) (أخرجه مسلم)، وفي رواية: ( أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة ) (أخرجه مسلم).

والقرآن جاء مصدقا لما بين يديه (سبقه) من الكتاب: ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ... ) (المائدة:48)، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) (أخرجه البخاري)، لذلك فليس الاعتراف بـ(الآخر) واللقاء على مكارم الأخلاق وحميد الصفات والمشترك الإنساني أمرا عارضا ظرفيا أو مناورة سياسية أو شعارا ابتزازيا، وإنما هو نزوع فطري، وتكليف شرعي، وضرورة اجتماعية، وتعاليم نبوية، وصفة إنسانية.

ولعلنا نقول: إن حضارة الإسلام، قيميا وتاريخيا وواقعيا، في ضوء ذلك، وسعت التاريخ العـام الإنساني، وتاريخ النبوة من لدن آدم، عليه السلام، لـذلك فهـي ذات عمـق تاريخـي، وغـنى إنسـاني، ابتداء مـن النشـأة الأولى وحتى ينشئ الله النشأة الآخرة، وجاءت بأنموذج يحتذى للتكامل والاكتمال والكمال؛ فقـولـه تـعـالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم ) (المائدة:3) -كما هو معلوم- لا يعني رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقط، وهذا قائم بطبيعة الحال، وإنما يعني - فيما يعني- أن عندها وبها اكتملت وتكاملت مسيرة النبوة وحضارة النبوة ودين البشرية، من لدن آدم، عليه السلام، فهي تمثل الصورة المبكرة والخاتمة والخالدة للكمال والاكتمال والتكامل.

والشواهد الحضارية والثقافية في دنيا الناس اليوم قائمة في كل مكان، على الرغم من التقهقر والتراجع والتخلف، التي يعاني منها المسلمون، وما يمارس من اختراقات ومحاولات لإبراز الصور المشوهة لحقيقة الإسلام، لتنفير الناس منه؛ فالمسلمون اليوم من كل الأجناس، وكل الألوان، وكل التاريخ العام، وفي كل مواقع الأرض وجغرافيتها، موجودون يتعايشون مع غيرهم في البيئات والثقافات والحضـارات والأعراق والأجنـاس، وتستوعب قيمهم الإنسانية، التي جاءت بها النبوة، قضايا الأمم والمجتمعات، ويتكيفون معها، ويرفدونها بقيم إنسانية تتمم مكارم الأخلاق، ويشكلون، في الوقت نفسه، دليلا على إمكانية التعايش والتكامل والتبادل مع الحضارات والثقافات البشرية، ويلتقون على قيمها الفاضلة، ويساهمون ببنائها، فهم ثمرة لحضارتهم الإنسانية، التي حملت كل مساهمات البشر، حيثما كانوا.

فالحضارة الإسلامية حضارة مشترك الأنبياء جميعا، ومشترك الناس جميعا، وتكاملت فيها الحضارات جميعا، فيها مساهمات هندية وفارسية ورومية وتترية ومغولية وفرعونية، ويحق لكل هذه الأمم أن تدعيها لنفسها، وتعتبرها مكونا أساسا في مسيرتها، فهي حضارة الحضارات جميعا -كما أسلفنا- لم تتنكر لقيمة إنسانية، ولم تكره على دين، ولم تسقط كرامة مخلوق أو إنسانية إنسان، وطلائعها اليوم في كل العالم لا يكتفون بالانتساب إليها وإنما يحملون قيمها، ويتعايشون بها مع (الآخر)، ويدعونه بدافع من إيمانهم إلى بناء مشترك إنساني متكامل تتلاقى عنـده مصلحة البشرية ونزوعها الإنساني إلى العدل والسلم والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وعدم التمييز، والبراءة من العنصرية والتحيز.

لذلك نقول: إن رصيد الحضارة الإسلامية من التكامل الحضاري، وعطاءها في هذا المجال، وتجربتها التاريخية، وقيمها الإنسانية الداعية إلى قبول (الآخر)، والتعارف معه، والمشاركة في إيجاد صيغ إنسانية يساهم بها الجميع، ويتعارف عليها ويعرفها الجميع، يؤهلها -كما أسلفنا - لأخذ زمام المبادرة، والاضطلاع بهذه المهمة الإنسانية، التي تسهم بالارتقاء والتحفيز والتفاعل والتبادل في المعارف والتجارب، والقضاء على أسباب التعصب والحقد والتحيز والعنصرية، والتحول من المواجهة، التي تكلف البشرية اليوم أمنها وتستنزف اقتصادها إلى الحوار والتعارف، والتحول من البحث عن نقاط الاختلاف وتضخيمها إلى البحث عن مواطن الائتلاف وتنميتها؛ فأمر التكامل والاعتراف بـ(الآخر) والتعاون معه ليس بدعا بالنسبـة للحضـارة الإسلامية، بل هو عنوان لتكامل الحضارات التاريخية، حضارات الشعوب.

نعود إلى القول: إن التنوع في الخلق، كل الخلق، والفوارق الفردية، والتنوع الحضاري، والاختلاف الذي يأتي ثمرة لذلك هو سنة طبيعية، وواقع مشهود، ومكون من مكونات الكون، فالتنوع قائم في الأشكال والألوان والأحجام والمناخات ومكونات الأرض والبيئة والمنتجات، ولكل نوع من هذه الأنواع دوره ووظيفته في العطاء، بحيث تتكامل العطاءات لتغني الحضارة الإنسانية وترفدها بكل مقومات العيش والتنافع والحياة المتوازنة، وتمكن من رؤية الحياة من زواياها المتعددة، والتعرف على آيات الله والحكمة الكامنة فيها، وتقديم الرؤى المتعددة، الأمر الذي يشكل غنى للحياة وقوة دفع لمسيرتها.

ولعـل هذا التنوع من لوازم التكامل، ولو لم يكن الخلق على ذلك الشكل لاستحالت الحياة، واستحال الاجتماع البشري؛ فالاجتماع والتعاون واستدراك الحاجات من (الآخر) ثمرة لهذا التنوع، ولازمة من لوازمه، لكن تبقى الإشكالية الكبرى، التي رافقت مسيرة الحضارة تاريخيا: هل هذا التنوع والاختلاف مدعاة للصراع والانغلاق والتعصب والهيمنة والابتزاز والسيطرة ونهب خيرات الشعوب والأمم واستعمارها واستعبادها وتحويل هذه النعمة إلى نقمة؟ أم أنه يكون سبيلا للتعايش والتعاون والمساواة وتكافؤ الفرص وإيجاد الصيغ الإنسانية المشتركة، التي ترقى بها البشرية، وتغيب فيها الأثرة، وتخمد نزعة العدوان، وتجد كل أمة نفسها في هذه الحضارة الإنسانية، وتعتبر أنها لبنة فيها، تتكامل معها وبها لإنجاز البناء الحضاري المتفاعل المتحاور المتداعي إلى كلمة سواء؟

ومن هنا تتأكد أهمية ودور القيم الضابطة والموجهة لمسيرة الحضارة، والمنظمة لعلاقاتها، وتقديرها (للآخر)، واستشعارها بالحاجة له، اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ودعويا، وأنه من لوازم (الذات) ودلائل صدقها الواقعية، لذلك نقول: إنه من هنا تتأكد أهمية أن لا يشكل مصدر هذه القيم الضابطة للمسيرة مجالا للتسلط والتعالي والهيمنة من أمة على أخرى، أو من حضارة على أخرى، وإنما تكون الأمم والحضارات أمامها سواء.

وهذا لا يتحقق إلا بأن يكون مصدر هذه القيم متأتيا من خارج الإنسان، الذي قد يعبث بها ويوظفها وفق غاياته وأهوائه حال أوكل إليه أمر وضعها؛ أن تتأتى من مصدر خارج عن الإنسان يتمتع بالعلم المحيط والنزاهة والحيادية والعدل وسائر صفات الكمال أو صفات الألوهية المترفعة عن البشر، وبشكل أدق: من خالق الإنسان والكون والحياة؛ فالذي خلق هو الأعلم بمكونات الإنسان وتطور الأزمان وبما يصلح الناس ويقيهم الشرور، يقول تعالى: ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) (الملك:14).

ومن هنا نعتقد أن الحضارة الإسلامية مؤهلة دون سواها، سواء في ذلك قيمها المتأتية من الوحي أو تجربتها الحضارية التاريخية، أن تكون رائدة في مجال التعاون والتفاعل والتعايش والتكافل والتكامل الاجتماعي؛ لأن ذلك بالنسبة لها من ثمرات إيمانها وتنزيل قيمها على واقع الحياة.

وقد لا يكون من التكرار التأكيد أن هذه الحقيقة التاريخية لحضارة النبوات جميعا، هي المؤهلة دون غيرها لبناء التكامل الحضاري، وتحقيق التعاون والمشترك الإنساني، والحيلولة دون الصراع والهيمنة والتعصب والتحيز والإقصاء، فقيمها وتاريخها وعطاؤها الواقعي، الذي تملأ شواهده التاريخ والحاضر، يؤهلها لأن تكون رائدة ودافعا للتكامل الحضاري، ومانعا من الصراع والمواجهة الحضارية، التي تعيشها حضارات اليوم، على الرغم من كل إنجازاتها المخادعة في المجال الإنساني، في كثير من الأحيان.

لذلك، فنحن عندما نتحدث عن حضارات اليوم لا يجوز أن نبخسها حقها ولا ما قدمته في أكثر من مجال، من الارتقاء بوسائل الإنسان وأشيائه، ولو كان ذلك على حساب التقهقر والتراجع في مجال الارتقاء بخصائص وصفات وأفكار الإنسان، والارتقاء بإنسانيته، وحفظ كرامته، وتنمية إحساسه بـ(الآخر)، والتشارك معه في الحياة، والسعي إلى إيجاد الصيغ المشتركة لخير الإنسانية، وتحقيق القناعة لإنسان الحضارة المعاصرة بحاجته إلى (الآخر) وعطائه، لاستكمال البناء الحضاري الإنساني المشترك، ذلك أن التكامل الحضاري واستشعار دور (الآخر) والحاجة إلى ما عنده، في ثقافة الحضارة المعاصرة، أصبح يشكل اليوم حاجة وضرورة ومصلحة بشرية، لذلك لا بد للحضارة المهيمنة من التواضع الحضاري، وتغييب نزعة الأثرة والهيمنة والتعالي، واستشعار الحاجة لكل الخبرات والطاقات لتحقيق حضارة متكاملة من الجميع، يساهم فيها الجميع، كل بما عنده، لتتكامل مسيرة البشرية نحو بناء مجتمع السلم والأمن والسعادة والرفه.

فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الأمم ولا الأفراد على نمط متكرر ومواهب واحدة - كما أشرنا- وإنما اقتضى عدله أن يختص كل فرد وشعب وأمة بخصـائص تتميز بـها دون غـيرها، ليجعل التلاقي والتعايش والتعاون والتكامل سنة جارية تحكم التجمع البشري، وتؤذن باللقاء والتعاون وقيام المعادلات الإنسانية.

لذلك نقول: الحكمة من توزيع الله المواهب والإمكانات على الأمم والشعوب، ليكون ذلك سببا ودافعا للقاء والتنافع والتعاون، وتكون الحضارة الإنسانية المتكاملة هي جماع حضارات وإمكانات ومواهب الأمم والشعوب وتفاعلها، أخذا وعطاء، فهذه الحضارات المتنوعة والمختلفة والمتفرقة هي في الحقيقة حواس وأدوات ووسائل، الأصل أن تصب وتتكامل مع حضارة الإنسان، كل إنسان.

فالتكامل الحضاري من لوازم الخلق، والإمكان الحضاري الفكري والنفسي والمادي والثقافي والروحي ليس حكرا على أمة دون سواها، وإنما هو ميدان مفتوح للسبق والتنافس بين الجميع؛ والحضارة الإنسانية بحاجة إلى هذه الإمكانات جميعا، والإنسانية بحاجة إلى توفر هذه الإمكانات، ولا يتحقق ذلك إلا بالتكامل الحضاري.

والحقيـقة الغـائبة الحاضرة أن الحـاجـة كانت ولاتـزال ملحـة لقيم حضارية إنسانية تلم شعث الأمم والحضارات، وتستوعب ذلك التبعثر والتناحر الحضاري، وتهندس خارطته المنسجمة، وتضبط مسيرته القاصدة، وتحمي حدوده من الاعتداء، وتحفظ إنسانه من السقوط، بحيث يشكل ذلك فضـاءها الحضـاري، ومجال سعيها، وبذلك تؤدي مهمتها الرسالية تجاه استنقـاذ الناس، وتوفير الحياة الطيبة، والخروج من المواجهة والصراع ونزعة الهيمنة والاستعباد والاستعمار للشعوب إلى الحوار والتعايش والتعاون والتكامل وتكافؤ الفرص.

نعاود القول: إن الحضارة الإسلامية مؤهلة للقيام بدور الإنقاذ لحضارة الإنسان، وملء الفراغ الحضاري من خلال قيمها المتأتية من الوحي، على الرغم من تقدم الأمم وتطور العلوم والمعارف، فهي حضارة الوحي المنفتحة على الإنسان، غير المتحيزة لجنس أو قوم أو لون، التي تحقق حرية الاختيار، وتعترف بـ(الآخر)، ولا تكره أحدا على اعتناق قيمها؛ ومحور مقاصدها إلحاق الرحمة بالعالمين: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:107).

فهي مؤهلة للقيام بهذا الدور للحضور الحضاري، أيضا، على خارطة العالم كله اليوم، حيث تقدم نماذج ولو كانت قليلة تثير الاقتداء، حتى ولو كان الكثير من المسلمين اليوم هم منتج لغير حضارتهم، وقد لا يختلفون عن غير هم إلا بالعناوين، أما المضامين فهي واحدة تقريبا.

ولعلنا نقول: إن من أبجديات التكامل الحضاري أو التعاون والتعايش والتنافع العمل على تحويل الوجهة من الصراع والمدافعة والقهر والهيمنة واعتماد القوة في فصل المنازعات إلى الحوار والتفاهم والتفاعل والتكامل والتداعي إلى الجلوس حول موائد مستديرة، بالمصطلحات الحديثة، أو إلى المصطلح القرآني: ( تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) (آل عمران :64).

كما أن من أولويات وأبجديات هذه الوجهة بناء الفرد المتكامل مع نفسه وأهله ومجتمعه وأمته، وتشكيل الأمة المتكاملة المتضامنة المؤمنة بالتنافع والتعايش والقبول بـ(الآخر)، والاعتقاد أنه لا توجد أمة أو حضارة خلوا من المكاسب، اتسعت أو ضاقت، وامتلاك الكثير من المفقود عند الآخرين، ولذلك ندرك لماذا جعلت الحضارة الإسلامية السير في الأرض، والتوغل في التاريخ، والتعرف على حضارات الأمم يأتي بفقه وعبر ومعطيات لا تتوفر في التمحور حول (الذات)، حيث لا بد من النفرة لاستـدراك ما فـات واكتشـاف المعـارف والخـبرات؛ ولقد نعى الوحي واستنكر على الذين لم يسيروا في الأرض ويستوعبوا الواقع، ويطلعوا على الحضارات، السابقة والقائمة، ويعودوا برصيد المعرفة وأبجدية التعامل، أو فقه التعامل، وآليات التكامل، ويبصروا عوامل السقوط والنهوض الحضاري: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (النحل:36)، فـالتـكامـل والتفـاعـل هـو في المحصلـة النهـائيـة أخـذ وعـطـاء لخـير البشرية.

وبعد:

فهذا الكتاب، يعتبر محاولة جادة، إلى حد بعيد، لفتح ملف التكامل الحضاري، لما لهذه القضية من الحضور والتفاعل والتداول اليوم في كثير من الندوات والمؤتمرات والمؤلفات والدراسات.

لقد برزت هذه القضية كأولوية، وأصبحت أفقا على قدر من الأهمية بعد أن صار العالم إلى ما هو عليه من التواصل الاجتماعي والثقافي، الذي جاء ثمرة لطي المسافات وإزالة الحدود والسدود وسرعة تدفق المعلومات والتغطيات الإعلامية لكل جوانب الحياة وطرح قضاياها، بحيث كادت الأمم جميعا تتقارب وتتبادل الخبرات والمعلومات والسفارات والمنتجات وكأنها اليوم أمة عالمية واحدة، أو قرية جغرافية وإعلامية واحدة؛ الأمر الذي جعل السوق الحضارية العالمية -إن صح التعبير- مكانا متاحا لتعرض كل أمة منتجات حضارتها، وتدلل على رسالتها العالمية، كما تدلل على مدى صلاحيتها ودورها في عملية الإنقاذ الإنساني، في الوقت الذي تسعى معه الدول الأقوى إلى تحقيق الاغتصاب الحضاري والسياسي والاقتصادي، وفرض الهيمنة، وتعبيد الدول الأخرى، وامتصاص طاقاتها، وتهميش دورها، وتركها تعاني التخلف والحرمان، والاستئثار بالثروات والخيرات والسلطات، والنزوع إلى تمزيق رقعة المشترك الإنساني بإيقاظ نزعات التميز والعنصرية والاستكبار، وإعلاء شأن القوة، واعتمادها في غالب الأحيان لفرض السياسة والسيطرة.

وعلى الرغم من المحاولات الواهنة والخجولة، التي أعقبت الحروب العالمية، الـتي دمرت الإنسـان والأرض والبنيان والبيئة، لإيجاد مؤسسات أممية دولية عالمية تشكل مجالات للقاء، ومحاولات للتشاور والتفاهم والـحوار، وتجنيب العالم الكوارث والحد من التسلط والهيمنة، مثل منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية وجميع المنظمات التابعة لها، في معظم المجالات، إلا أنها على الرغم من أهمية هذا التوجه، ما يزال عطاؤها متواضعا.

فهي في واقعها الحالي وتحكم الدول دائمة العضوية بالقرارات الكبرى وفق أطماعها ومصالحها، أشبه ببيت العنكبوت، الذي لا يلتقط إلا الحشرات الضعيفة، وتمزقه الحيوانات والهوام القوية، لكنها تبقى خطوة على طريق التعاون والتكامل تعوزها الفلسفة والثقافة الحضارية السليمة واستشعار المسؤولية.

وقد يكون السبيل الأكثر تمهيدا إلى بناء التكامل والتعاون والتعايش الحضاري مجاله الأمم والشعوب وإقامة المؤسسات الأهلية والسفارات الشعبية، بعيدا عن الدول وصراعها على المصالح والهيمنة .

ولعـل الإشـكالية الكبرى، في مسـألة التـكامـل الحضـاري، تـكمـن - فيما نرى- في فلسفة الحضارة عند الأمم والشعوب، تلك الفلسفة التي تنتج برامجها وممارساتها، وتبدع وسائلها، وتطبع سلوكها، وتسوغ أفعالها.

فالحضارة التي تقوم فلسفتها على اعتماد القوة والعنصرية والتمييز والهيمنة والتسلط والتحيز والاستكبار والاصطفاء وصفاء الدماء وعدم الاعتراف بأية فضيلة لـ(الآخر)، غير مؤهلة للاضطلاع بهذا الدور الإنساني العظيم، وسواء في ذلك الفلسفة المـاركسيـة، التي تؤمن بصراع الطبقات وتؤسس للصراعات في شتى المجالات، بين الفقراء والأغنياء، بين الرجـل والمـرأة، بين الأجيال، وبين الطبقـات، والاعتقـاد بأن التناقـض هـو سبيـل التفـاعـل والنهوض، أو فلسفـة الحضـارة الرأسمالية في الصراع والتحدي، والاعتقاد أن البقاء للأقوى وليس للأصلح، وأن الحق للقوة وليس القوة للحق، وجعل ذلك ديدنها في جميع ممارساتها.

إذن المشكلة، كل المشكلة، في فلسفة الحضارة، وما لم تتم التنقية الحضارية، ويتم الارتقاء بفلسفة الحضارة، وترفعها عن العنصرية والتمييز والانحياز، والارتفاع إلى مستوى البعد الإنساني، واعتماد التحاور بدل المواجهـة، وتحقيق تـكافؤ الفرص بين الأمـم والشعوب، والسعي لإيجاد الصيغ المشتركة لخير الإنسانية، والإفادة من القيم الحضارية، التي تحقق هذه المفاهيم فإن التسلط والهيمنة ستستمر، تحت رايات وألوان قد تتغير، لكن تبقى الحقيقة واحدة.

فلقد عرض الباحث لمقومات التكامل الحضاري بين الأمم والشعوب والحضارات، وحاول ما أمكنه السعي للتدليل على أهمية هذا التوجه في استنقاذ البشرية من شقوتها، كما عرض لمعوقات التكامل الحضاري والإصابات الحضارية، وبحث في أسبابها، وكيفية تجاوزها، إلى حد بعيد، ذلك أن التنوع والاختلاف سنة جارية في الحياة، بكل أبعادها ومجالاتها، وهي في الأمم والشعوب والحضارات كما هي في الأفراد، وأن هذا التنوع مصدر إثراء وغنى، وسبيـل تعـاون وتعايش وتنافع وتكامل، مع أهمية احتفاظ كل حضارة بذاتيتها وخصائصها وشخصيتها، الأمر الذي يغني التكامل، ويجعله ذا معنى، ولا يحولها إلى تابع ونسخة مكررة عن الحضارة الأخرى، وبذلك يلغيها ويعطل فاعليتها وعطاءها.

والأمل معقود أن يؤدي هذا التفاعل والتدافع الحضاري البطيء، الذي يشتد عوده يوما بعد يوم، إلى حصحصة الحق، والتوجه صوب اختيار الأصلح لخير البشرية، والوصول بعد هذه الشقوة الإنسانية إلى عطاء حضارة النبوة، حضارة التوحيد، وتخليص الإنسان من تسلط الإنسان، ومساواة الجميع ووحدتهم كثمرة لتوحيد الله الواحد، خالق الجميع.

والله غالب على أمره.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث