الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، الذي أكمل للبشرية الدين بالإسلام، فقال تعالى: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) (الشورى:13)، وأتم النعمة بختم النبوة، قال تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة:3)، وحفظ نصوص الوحي من التحريف والتبديل، قال تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9)، من خـلال عزمـات البشـر، وهـذا من لوازم الخاتـمية، حيث لا يعقل أن يخاطب الناس بنصـوص منحولة أو محرفة، ثم يحاسبون على مقتضياتها، وناط المراجعة والتصويب والحراسة بالعلماء العدول من كل خلف، وجعل من صفات الأمة عدم التواطؤ على الخطأ، فالمراجعة والتصويب الذاتي في أمة الرسـالة الخاتـمة تكليف من تكاليفها الشرعية، على مستوى الفرد والجمـاعة، واقتضت حكمته سبحانه وتعالى، أن يبقى أنموذج التطبيق السليم قائما ومستمرا للدلالة على خلود قيم الإسلام وقدرتها على الإنتاج في كل زمان ومكان.

والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، الصادق المصدوق، الذي أخبرنا بأسباب سقـوط الحضـارات وانقـراض الأمم ولحوق اللعنة بهم؛ أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، قال تعالى: ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) (المائدة:78-79)، وبين سبل السلام والوقاية من الإصابات، والتنبه إلى أهمية التصويب الذاتي والمراجعة الدائمة، فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يجمع الله أمتي على الضلالة أبدا ) (أخرجه الحاكم في المستدرك)، وقال: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) (أخرجه مسلم)، وقال: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) (أخرجه مسلم)، وهذه الأقوال هي تكاليف شرعية ومسؤوليات بمقدار ما هي إخبار.

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" الثامن والستون بعد المائة: "ظاهرة التطرف والعنف.. من مواجهة الآثار إلى معالجة الأسباب"، الجزء الثاني، لنخبة من الباحثين المتخصصين، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة الأوقـاف والشـؤون الإسـلامية بدولـة قطر، مساهمة منها في ترشيد المسـيرة، وتصـويب الاعوجاج، والتنبيه إلى مـواطـن التقصـير وأسباب القصور، وإعادة البناء، واسترداد الفاعلية، وربط التكليف بالاستـطاعة، يأتي في هذه الظروف والأحوال، حيث تجتاح الأمة المسلمـة، في مواقعها المتعددة، الفتن المركبة والمتراكمة وكأنها ظلمات بعضـها فـوق بعض، يلتبس فيها الحق بالباطل، وتستوطن بلاد المسلمين دون سواها.

وتشتد الخطورة، أكثر فأكثر، عندما تمتد الفتن فتطال كيفية التعامل مع القيم، والعبث بها، وفقه تنزيلها على واقع الناس، القيم التي تشكل المعايير وموازين التصويب والأحكام، وعندما تمتد إلى التاريخ أيضا لاستدعاء النقاط السود، ويتم السقوط في الفخاخ المبيتة، لتنطلق معها الرؤية والتصور والمراجعة، ومن ثم الفعل والممارسة، ويطفو على سطح المجتمع الفكر المعوج، ويعبث بالنصوص والأحكام الشرعية، وتوظف لاستباحة العرض والدم والمال، أو للتمكين للاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، ويكثر الهـرج والمرج، ويغيب عن الساحة العلماء العدول، الذين يشكلون الهداية والوقاية، وتتراجع العقول الراشدة، وتغيب التخصصات الـمرشدة، وتتقـدم السـواعـد والحمـاسات للفصل في أعقد الإشكاليات وما تفرزه من الفتن، التي تتعرض لها الأمة، وبذلك تضيع الأمانة، حيث يوسد الأمر لغير أهله، وبإضاعتها يختل نظام الحياة وتوازنها، فيزداد الخبال والضياع، ويسود القوم أرازلهم...

والأمـل بالله كبير أن ينبلـج الفـجر من شـدة الظلمـة، وأن يسهم هذا الكتاب، بجزأيه، في بناء البصيرة، التي تمكن هذه الأمة من إدراك الحقيقة، والاهتداء إلى طريق الصواب، فتسترد عافيتها، وتتجاوز إصاباتها، وتنفي الخبث، الذي كثر في حياتها، وتعود إلى مصادر قوتها في الكتاب والسـنـة، وتحسـن قـراءة معطيـاتـهما في ضـوء واقعـها، وتقوم واقعـهـا في ضوء تلك المعطيات.

والله غالب على أمره.

عمر عبيد حسنة

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث