الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم: بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام، وأورث محمدا صلى الله عليه وسلم الحكم والنبوة، وأنزل القرآن تبيانا لكل شيء.. قال تعالى: ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء... ) [النحل: 89].. وقال: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) [الأنعام: 38] وناط وراثة الأرض والصلاح المطلوب لإعمارها بالقيم الهادية، والحقائق العملية البانية، وجعل العمل شكرا، وعبادة من أجل العبادات وأسماها، ودعا إلى التكافل الاجتماعي، وحرم الفضل الزائد عن الحاجة وقت الشدة والأزمة كما حرم كنز المال ومنعه من التداول وتعطيل وظيفته الاجتماعية، وشرع الزكاة وتوزيع الميراث واعتبرهما وسيلة لتنمية المال وتوزيعه، حتى لا يكون دولة بين الأغنياء دون الفقراء، وتطهير المجتمع من الأمراض الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وحرم الميسر والاحتكار والربا، وآذن المرابين بحرب من الله ورسوله، لعدم توافق الجهد والثمرة، ولأن المال لا يتولد من تلقاء نفسه، وإنما لا بد له من العمل، ولما فيه من استغلال لحاجة المحتاج، وحجر على السفهاء والقاصرين لعجزهم عن الالتزام بضوابط الكسب وطرق الإنفاق المشروعة، وجعل الإنسان مستخلفا في المال، وحدد له وجوه الكسب وطرق الإنفاق، واعتبر المال وسيلة لا غاية، كما جعل التعامل على الوجه المشروع كسبا وإنفاقا جزءا من عقيدة المسلم، وأن الضرب في الأرض والابتغاء من فضل الله عبادة من العبادات، فالله الذي أمر بالاستجابة للصلاة والسعي لذكره هـو الذي أمر بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضله بعد انقضاء الصلاة، واعتمد العمل دعامة أساسية للاقتصاد والتنمية، وأعطى للزهد مفهوما جديدا مخالفا لما ألفه الناس، ودعا إلى الكسب وزيادة الإنتاج، ورتب العقاب على أصحاب الطاقات المعطلة أو التائهة الذين لا يحسنون استثمارها، فإنه ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أبلاه، وجسده فيما أفناه، وعلمه ماذا عمل فيه، وماله من أين اكتسبه وأين وضعه ) ، وضمن ذلك كله بغرس الأصول النفسية والتربية الخلقية وتحقيق القناعة الذاتية من داخل الإنسان، كما وضع التشريعات الملزمة والضابطة لمسيرة الحياة، وشرع الرقابة العامة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لضمان الصواب والسداد.. وبعد:

فهذا كتاب الأمة السابع عشر: (التنمية الاقتصادية في المنهج الإسلامي) للأستاذ عبد الحق الشكيري في سلسلة الكتب التي تصدرها رئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية بدولةقطر ، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري والتحصين الثقافي ومحاولة إعادة تشكيل العقل المسلم الذي افتقد كثيرا من فاعليته وتوهجه ومنهجيته وصوابه، من أجل أن يستأنف المسلم دوره الذي ناطه الله به، مستثمرا إمكاناته الروحية والذهنية والمادية كلها، ومنطلقا من ذاتيته الخاصة على طريق التنمية والنهوض وتحقيق الإرادة الحضارية.

وقد يكون من المفيد بين يدي الكتاب أن نلقي بعض الضوء على مفهوم التنمية، هـذا المصطلح الذي أصبح عنوانا للكثير من السياسات والخطط والأعمال على مختلف الأصعدة، كما أصبح مثقلا بالكثير من المعاني والتعميمات، وإن كان يقتصر في غالب الأحيان على الجانب الاقتصادي، ويرتبط إلى حد بعيد بالعمل على زيادة الإنتاج الذي يؤدي بدوره إلى زيادة الاستهلاك، لدرجة أصبحت معها حضارات الأمم تقاس بمستوى دخل الفرد ومدى استهلاكه السنوي، بعيدا عن تنمية خصائصه وصفاته ومزاياه وإسهاماته الإنسانية، وإعداده لأداء الدور المنوط به في الحياة وتحقيق الأهداف التي خلق من أجلها.

ولا بد من الاعتراف ابتداء بأن قضية التنمية ومفهوماتها، لها فلسفاتها المختلفة التي تبلورت من خلال القيم الاعتقادية والظروف النفسية والتاريخية والأزمات المادية التي مرت بها كل أمة، كما أن لها أوعيتها وأشكالها ووسائلها.

فالتنمية في حقيقتها عملية حضارية، لكونها تشمل مختلف أوجه النشاط في المجتمع بما يحقق رفاهية الإنسان وكرامته، وهي أيضا بناء للإنسان وتحرير له وتطوير لكفاءاته وإطلاق لقدراته.. كما أنها اكتشاف لموارد المجتمع وتنميتها وحسن تسخيرها.. وتبقى التنمية الثقافية هـي غاية التنمية بالمفهوم الشامل للثقافة.

ومن الأمور اللافتة للنظر أن الدول المتخلفة لا تزال تسعى إلى التنمية الاقتصادية وحدها، ظنا منها أن عملية التنمية والترقي تنحصر في إطارها، ذلك أن التخلف مشكلة متعددة الأبعاد، تتفاعل في إيجادها جوانب المجتمع كلها.. فالتخلف في مجال الاقتصاد لا يمكن أن يوجد في مجتمع بمفرده متعايشا مع تقدم سياسي أو ثقافي أو اجتماعي، وإنما يكون التخلف الاقتصادي نتيجة لتخلف سياسي وثقافي واجتماعي.. فكل واحد من هـذه الجوانب يكون مقدمة ونتيجة لغيره من وقت واحد.. والتخلف في واحدة من هـذه الجوانب مؤشر خلل وفساد في الجوانب الأخرى.

من هـنا نقول: إن القضية الاقتصادية أو قضية التنمية لا يجوز أن تفهم إلا ضمن إطار اجتماعي وثقافي ونفسي وعقائدي، وإن مجرد استيراد أو تغيير الهياكل أو الأشكال الاقتصادية هـو تشويه لحقيقة التنمية، تلك العملية الشمولية التي تتطلب هـياكل ومتغيرات اقتصادية إلى جانب عوامل نفسية اجتماعية وتربوية وإعلامية ملائمة.

وقد تكون المشكلة التي نعاني منها أن تحليل عمليات التنمية والتحديث في المجتمع العربي الإسلامي تستند غالبا إلى مقولات نظرية طورت على ضوء التجربة التاريخية لمجتمعات أوروبا، ومن خلال معطياتها التي تتعلق بالتحضر والتصنيع، أكثر من كونها نابعة من الظروف الخاصة بالمجتمعات الإسلامية، ومحاولة إخضاعها للمراحل ذاتها في التحول والتحويل.

ولا نريد أن نؤكد هـنا أن لكل أمة خصوصيتها وعقيدتها ونظرتها إلى الكون والإنسان والحياة، وأن شخصيتها التاريخية الحضارية إنما تشكلت من خلال ذلك كله، وأن عمليات التنمية المأمولة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار تلك الخصوصية، وأن استيراد الخطط والخبراء لا يغني فتيلا إذا ما اعتمد على ذلك بشكل كامل، حيث إن تلك الخطط نبعت من خلال الظروف الخاصة بالمجتمعات الأخرى ووضعت في اعتبارها معادلة الإنسان النفسية والاجتماعية في تلك المجتمعات.

فالذين يحاولون استيراد الخطط والخبراء كما يستوردون الطعام واللباس والدواء والحذاء دون الالتفات إلى تلك المعادلة وتلك الخصوصية، لا يزالون يعيشون على الأوهام حيث يمتلكون البصر ويفتقدون البصيرة. والواقع الذي نعيشه والصورة التي انتهت إليها الخطط المستوردة في العالم الثالث، أكبر دليل على ذلك، وإن كان يحلو لبعضهم المماراة بالباطل ومحاولة الإلقاء بالتبعة على فساد التطبيق، وليس على الخلل في الخطط المستوردة وبعدها عن معادلة الإنسان النفسية والاجتماعية، لأنها إنما جربت ونجحت في أماكن أخرى، ولم يسألوا أنفسهم ولو لمرة واحدة عن سبب فساد التطبيق وسبب عدم الانسجام بين الهيكل -الجسم المستورد- والروح الذاتية للأمة.

ونحن لا نريد بهذا إغلاق الأبواب والنوافذ وعدم الإفادة من التجارب العالمية في إطار التبادل المعرفي، وإنما الذي ندعو إليه هـو إعطاء الشروط الفنية والنفسية وخصوصية الأمة بعدها الصحيح والكامل في عملية التنمية المأمولة.. وكثيرة هـي الأمم التي استفادت من التراكم المعرفي العالمي في مجال التخطيط والتنمية، وحققت النهوض بل والتحدي التقني مع احتفاظها بخصوصيتها ومعادلة إنسانها النفسية والاجتماعية.. ولا يستطيع أحد أن ينكر التنمية والتحديث التقني في اليابان والصين مع احتفاظهما بالإنسان واللغة -رغم تعقيداتها- والثقافة الذاتية.. والفرق واضح بين الاقتصار على استيراد الخطط والخبراء وإسقاط الصورة الشمولية للعملية التنموية وبين الاستنبات وتوفير الشروط الفنية للعمل التنموي بجوانبه المتعددة.

الفرق واضح أيضا بين التاجر الذي يسافر ليستورد ويعود ليسوق البضائع الأجنبية والتلميذ الذي يرتحل ليتعلم ويعود لينتج.

ونستطيع أن نجزم، من خلال الاستقراء التاريخي والتجارب الحديثة في المجتمعات الإسلامية اليوم، أن عملية النهوض التي تعني التنمية بمعناها الشامل لا يمكن أن تحقق إلا من الداخل الإسلامي، آخذة بعين الاعتبار -طبعا- معادلة إنسان الإسلام النفسية والاجتماعية.. وأن أي تجاهل لهذه المعادلة يعني عدم التفاعل مع أية خطة مقترحة، كما يعني تكريسا للتخلف، أو -بعبارة أصح- تنمية للتخلف ومزيدا من التبعية.

إن إسقاط البعد الغيبي بالمفهوم الإسلامي، وتراجع فكرة الثواب والعقاب، وعدم تجاوز عالم الشهادة إلى المستقبل الأبعد -عالم الغيب- والتحضير له عن خطط ومخططات التنمية بمفهومها الشامل تحت ضغط المجتمعات المادية والتفسير المادي للحياة واعتماد الإنسان الاستهلاكي ومساحة الاستهلاك مقياسا للنمو، يؤدي إلى إصابات نفسية وسلوكية واجتماعية تعوق العمل التنموي نفسه في المجتمع الإسلامي.

وقد تكون الإشكالية -كما يقولون- بفهم البعد الإيماني وأثر الإيمان والتقوى في إعادة فاعلية الإنسان وفي رعاية واستمرار تلك الفاعلية، ذلك أن الإيمان والتقوى ليس عملية سلبية تواكلية قلبية بعيدة عن الاستزادة من الإنتاج والنماء والسلوك الحضاري بشكل عام والتسخير حيث لا بد من الصبر والمجاهدة لتجاوز الظروف القاسية وتخطي الأزمات الطارئة، فالواقع المادي مرتبط إلى حد بعيد بالأمر النفسي الإيماني وملازم له.. قال الله تعالى: ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) [الأعراف:86]، وقال: ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا... ) [نوح:10-11]، وقال ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) [البقرة: 155]، وقال: ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) [النحل:112].

إنها المعاصي النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تؤدي بالأمة إلى الانهيار وتعوق حركتها وتوقف نموها.. ولذلك لا بد من أسلحة للمواجهة من الإيمان والتقوى والصبر والاستغفار والمجاهدة لتستعيد الأمة العافية والقدرة على الإقلاع والانطلاق من جديد..

ومساكين أولئك الذين لا يزالون يعجزون ويفتقدون القدرة على الربط بين الأسباب والمعوقات المادية وبين الشروط النفسية والاجتماعية في مسيرة الأمم الحضارية.

إنهم يعيشون مرحلة القصعة التي تأتي ثمرة المحاكاة والتقليد للمظاهر والأشكال المادية، والجلوس فوق الخامات والإمكانات المادية والعجز الكامل عن استثمارها..

إنهم يحسنون الاستهلاك ويعجزون عن الإنتاج.. ولعل هـذا الملمح واضح في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، أثناء تشخيص الإصابة لحالة الوهن التي تصير إليها الأمة والتي عبر عنها بحب الدنيا (القدرة على الاستهلاك) وكراهية الموت (العجز عن الإنتاج والعمل الصالح.. وهي الحالة التي تعني أيضا الانتقال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الغريزة حيث يتركز هـم الإنسان فيها على شهوتي البطن والفرج.

إن حالة تنمية التخلف التي تعاني منها الأمة المسلمة، والتي تمتد إلى مختلف الأصعدة وتؤدي إلى توالي النكسات الحضارية، واتساع الفجوة بين الواقع والهدف والإمكانات والأمنيات، لها أسبابها الكثيرة التي تندرج تحت العنوان الكبير وهو عدم تحقق الأمة بإسلامها التزاما وانتماء، واستصحاب قيمه في ضبط مسيرة الحياة على الرغم من مشروعات الأبهة والتظاهر أمام الناس التي يراد منها تغطية الفشل والعيش على وهم العافية والسعادة بأحلام اليقظة.

ولسنا الآن بسبيل الاستقصاء لهذه الأسباب، وإنما هـي لمحات بالقدر الذي يسمح به هـذا التقديم.

ولعل في مقدمة هـذه الأسباب هـو وجود قابلية التخلف لدى مسلم اليوم بسبب انطفاء الفاعلية والعطالة التي لحقت بأجهزته حتى انتهى إلى ما هـو عليه.

لقد عجزت خطط التربية عن استقراء المشكلات الحقيقية التي يعاني منها الإنسان في العالم الإسلامي.. وأدى استيراد المناهج وتضاربها وبعدها عن استلهام الشخصية الحضارية التاريخية وبناء المرجعية الصحيحة، إلى لون من التمزق النفسي والشخصية المهزوزة والرؤية الفكرية المضطربة، وبذلك عجزت عن تحضير الإنسان لدوره المنوط به وتحقيق الهدف الذي وجد من أجله.. كما أن الإعلام في العالم الإسلامي لا يزال مستوردا للكثير مما يفيد وما لا يفيد، بل وما يضر في كثير من الأحيان، بسبب حرصه على العمل والإرسال لفترات طويلة تتجاوز طاقاته، وإمكاناته بحيث يصبح غاية ما في الأمر القدرة على الاستمرار في الإرسال وملء الفراغ إلى جانب العجز عن الإنتاج الذي ينبثق من عقيدة الأمة ويحمل هـمومها الحقيقية، ومن هـنا لم يساهم الإعلام المقروء والمسموع والمرئي المساهمة المطلوبة في إعادة تشكيل ثقافة الإنسان وصنع إيجابيته.

ولعل الاستبداد السياسي كان هـو الحالقة لأنه يعطل الطاقة، ويقضي على ملكات الإبداع، ويركز على أهل الولاء، ويطارد أهل الخبرة، ويفرغ الأمة من عقولها المفكرة، وسواعدها المنتجة، ولم يعد خافيا أن من وسائل الدول المتحكمة في العالم اليوم، والتي تسعى إلى توسيع فجوة التخلف، وتأكيد تقسيم العالم إلى أغنياء وفقراء، فرض لون من الإرهاب الفكري والاستبداد السياسي على العالم النامي يمكنها من امتصاص القوة المفكرة والتخصصات النادرة وإغرائها بوفرة المال واستقرار الأمن وتحقيق مناخ النمو العلمي والثقافي وتوفير فرص الحرية والأجواء الديمقراطية، لتنتهي إليها.

لقد نجح تخطيط الغرب لعصر ما بعد الاستعمار في جعل البلاد العربية والإسلامية تابعة له.. وعلى الرغم من الجهود المبذولة كلها والمؤتمرات التي عقدت والإجهاد الإعلامي لم يزد حجم التبادل التجاري بين الدول الإسلامية عن 18 مليار دولار أي بنسبة 10% من إجمالي تجارتها البالغ 182 مليار دولار، بينما يزيد الرقم بين الدول الإسلامية والغرب الصناعي عن 113.5 مليار دولار.

كما نجح الغرب -بسبب العجز- في جعل العالم الإسلامي في خانة المقترضين وتكبيله بالديون والفوائد. لقد تضاعفت الديون في السنوات الأربع الأخيرة، وتضاعفت مديوينة بعض البلاد العربية لتصل إلى 6 مرات، على الرغم من شعارات التنمية واستيراد الخبراء والخطط التنموية.

إن الشعارات ومشاريع الأبهة والتظاهر والخطب السياسية وإخفاء الحقائق لم يكف لحل المشكلات المعقدة.. وأصبح الهاجس الدائم للكثير من دول العالم الإسلامي إمكانية جدولة الديون وإيجاد مصادر جديدة للمديونية، وسوف نعرض هـنا عن ذكر هـذه المضاعفة في المديونية كأرقام وأسماء لأكثر من اعتبار، ذلك أن الحقائق لا تزال تخيفنا ونحب دائما أن نعيش وهم العافية.

ويكفي أن نقول: إن بعض الدول العربية تحاول جدولة ديونها مع أكثر من 16 دولة دائنة، وفوائد هـذه الديون 7% بينما تصل فوائد بعض الديون العسكرية إلى 14%.. لذلك نرى أن شروط صندوق النقد الدولي ومن ورائه الدول الصناعية اليوم تتحكم بما عجزت عنه المؤسسات السياسية.

في سنة 1978م كانت ديون العالم الإسلامي 82 مليار دولار، ارتفعت إلى 144 مليار دولار بعد خمس سنوات... وفي سنة 1986م بلغت ديون العالم الإسلامي 230 مليار دولار، تدفع عنها فوائد سنوية تقدر بـ10 مليارات دولار.. هـذه صورة عن واقع التنمية الاقتصادية في العالم الإسلامي، وهي تسير في طريق مسدود..[الأهرام 27 أكتوبر 1987م].

لذلك نرى أنه لا بد من مواجهة الحقائق، ومن تبني علم الإحصاء واعتماده في معرفة الحقائق وتقدير حجم المعاناة، ولتحديد مسارات خطط التربية والتنمية بعيدا عن العفوية والعشوائية في القرار حيث لم يعد بالإمكان إخفاء الواقع الاقتصادي لأن الصورة غير الحقيقة.. ونعتقد أننا لا نزال نقلد الدول المتقدمة في مجال الدراسات الإحصائية ونجهد أنفسنا في عمل الجداول وأخذ العينات ثم يكون مصيرها التحنيط، وإلى الآن لم تأخذ طريقها إلى صنع القرار الذي إنما يجيء غالبا متأثرا بدوافع الكسب السياسي والحرص على مظاهر الأبهة.

والجداول الإحصائية لا تقتصر -في الحقيقة- على بيان أوجه القصور والتداعي، وإنما تعتمد من أجل البحث عن حلول للمشكلات التي قد تتطور بعيدا عن المداخلة والمراجعة المطلوبة في الوقت المناسب، إلى درجة يصبح معها التعامل بالوسائل المعتادة مستحيلا.. وفي ظل هـذه الحقائق التي باتت ملموسة بترتب انتهاج طرق جديدة ذاتية بعيدا عن استيراد الوسائل التي جاءت ثمرة لواقع أصحابها فمشاكل الدول النامية الزراعية وصلت إلى شفا الهاوية والتي نجمت عنها المجاعات وترك الأرض بورا بعد هـجرة أصحابها واستقدامهم إلى حواشي المدن وخداعهم بالوعود المعسولة ليكونوا أرصدة بشرية جاهزة للاستعمال في مجال الكسب السياسي، وتزداد خطورة هـذا الأمر خاصة بعد أن أشهرت الدول المتطورة سلاح الغذاء كوسيلة للمحاصرة.

ونحن هـنا لا نقول بأن الإسلام يقدم الحل السحري لمعالجة التخلف الذي هـو ثمرة لعوامل متعددة وعمر طويل، وإنما الذي نقول: إن الإسلام يقدم النظرة الشاملة للتنمية ويحمي من السقوط ويضع القيم الضابطة لمسيرة الحياة.. ويبقى على الإنسان ضمن هـذا الإطار الاجتهاد في وضع البرامج وإيجاد الأوعية الشرعية لحركة النمو المطلوبة، والمسيرة التاريخية التراثية دليل على ذلك.

إن بإمكان المسلمين تقديم الفقه الاقتصادي والاجتماعي والتربوي المطلوب واستيعاب ومواجهة المتغيرات، والإفادة من تجارب الآخرين.. فالإسلام لا يفصل البرامج، وإنما يقدم المبادئ والقيم الضابطة ويحدد السياسات والمسارات الأساسية للمجتمع.

وفي الختام لا ندعي بأن الكتاب تجاوز الملامح العامة لنظرة الإسلام إلى المال وتنميته إلى تقديم البرامج والحلول الجاهزة.. وإنما يمكن أن يعتبر محاولة لطرح الموضوع ومن ثم التمهيد لبلورته وتميزه بالدراسات الناقدة والإضافات المتعددة.

ويأتي اعتزازنا بتقديم هـذا الكتاب من وجه آخر أن الكاتب من المغرب العربي الشقيق، الأمر الذي يؤدي إلى التنوع في العطاء الذي لا نزال نحرص عليه في السلسلة ولتأكيد التواصل الثقافي الإسلامي وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل خارطة العالم الإسلامي.. والله من وراء القصد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث