الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2329 34 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثني يزيد ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا ، فما ترى فيه ، فقال لنا : إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا ، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تؤخذ بالتكلف من قوله : فخذوا منهم حق الضيف ; فإنه أثبت فيه حقا للضيف ، ولصاحب الحق أخذ حقه ممن يتعين في جهته ، وفيه معنى قصاص المظلوم .

                                                                                                                                                                                  ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويزيد من الزيادة هو ابن أبي حبيب ، وأبو الخير ضد الشر ، واسمه مرثد بالثاء المثلثة ابن عبد الله اليزني ، وهؤلاء كلهم مصريون ما خلا شيخه ، فإنه تنيسي ، ولكن أصله من دمشق ، وعد من المصريين .

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن قتيبة ، وأخرجه مسلم في المغازي عن قتيبة ، ومحمد بن رمح ، وأخرجه أبو داود في الأطعمة عن قتيبة ، وأخرجه الترمذي في السير عن قتيبة ، وقال : حسن ، وأخرجه ابن ماجه في الأدب ، عن محمد بن رمح .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه ) . قوله : " لا يقرونا " ، بفتح الياء ، وسكون القاف ، وإسقاط نون الجمع كذا هو في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية غيرهما : لا يقروننا على الأصل ; لأن نون جمع المذكر لا يسقط إلا في مواضع معروفة ، وأصله من قريت الضيف قرى مثل قليته قلى ، وقراء : إذا أحسنت إليه ، فإذا كسرت القاف قصرت ، وإذا فتحتها مددت ، وقال الكرماني : لا يقروننا بالتشديد ، والتخفيف ، أي : لا يضيفونا . قوله : " فخذوا منهم " ، وفي رواية الكشميهني : فخذوا منه ، أي : من مالهم ، وفي رواية الترمذي ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر قال : قلت : يا رسول الله ، إنا نمر بقوم فلا هم يضيفونا ، ولا هم يؤدون ما لنا عليهم من الحق ، ولا نحن نأخذ منهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبوا إلا أن تأخذوا منهم كرها فخذوا . ثم قال : وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يأمر بنحو هذا .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن ظاهر الحديث ، وجوب قرى الضيف ، وأن المنزول عليه لو امتنع من الضيافة أخذت منه كرها ، وإليه ذهب الليث مطلقا ، وخصه أحمد بأهل البوادي دون القرى ، ومما استدل به على ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبي كريمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليلة الضيف حق على كل مسلم ، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين ، فإن شاء اقتضى ، وإن شاء ترك . وأبو كريمة : هو المقدام بن معدي كرب ، وصرح به الطحاوي في روايته عنه ، وروى الطحاوي أيضا من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذه بقدر قراه ، ولا حرج عليه " . وقال الجمهور : الضيافة سنة ، وليست بواجبة ، وقد كانت واجبة ، فنسخ وجوبها . قاله الطحاوي ، واستدل على ذلك بحديث المقداد بن الأسود قال : جئت أنا وصاحب لي حتى كادت تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجوع ، فجعلنا نتعرض للناس فلم يضفنا أحد ، وفي رواية مسلم : فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس أحد منهم يقبلنا ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله ، فإذا ثلاثة أعنز ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : احتلبوا هذا اللبن بيننا . الحديث بطوله . قال الطحاوي : أفلا يرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يضيفوهم ، وقد بلغت بهم الحاجة ثم لم يعنفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فدل على نسخ ما كان أوجب على الناس من الضيافة ، ثم روى من حديث عبد الله بن السائب ، عن أبيه ، عن جده ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبا ، ولا جادا ، وإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه " . وأخرجه أبو داود ، والترمذي أيضا ، وقيل : الحديث محمول على المضطرين ثم اختلفوا : هل يلزم المضطر العوض أم لا ؟ فقيل : يلزم ، وقيل : لا ، وقيل : كان هذا في أول الإسلام ، فكانت المواساة واجبة ، فلما فتحت الفتوح نسخ ذلك ، ويدل عليه قوله : في حديث أبي شريح عند مسلم في حق [ ص: 9 ] الضيف : وجائزته يوم وليلة ، والجائزة تفضل لا واجبة ، وقيل : هذا كان مخصوصا بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات من جهة الإمام ، فكان على المبعوث إليهم إنزالهم في مقابلة عملهم الذي يتولونه ; لأنه لا قيام لهم إلا بذلك ، حكاه الخطابي قال : وكان هذا في ذلك الزمان إذ لم يكن للمسلمين بيت مال ، فأما اليوم فأرزاق العمال من بيت المال . قال : وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف في الضيافة على أهل نجران خاصة ، وقيل : كان هذا خاصا بأهل الذمة ، وقد شرط عمر رضي الله تعالى عنه حين ضرب الجزية على نصارى الشام ضيافة من نزل بهم ، وقال ابن التين : نسخه قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قال وقيل : كان ذلك في أهل العمود ، والمواطن التي لا أسواق فيها .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية