الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين

هذه الجملة على الوجه الأول في كون المخاطب ، بقوله " وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم " الآية النبيء - عليه الصلاة والسلام - والمسلمين أن تكون استئنافا ابتدائيا انتقل به إلى مخاطبة المشركين ، ولذلك صدر بحرف التوكيد لأن المشركين ينكرون مساواة الأصنام إياهم في العبودية ، وفيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب .

والمراد بالذين تدعون من دون الله : الأصنام ، فتعريفها بالموصول لتنبيه المخاطبين على خطأ رأيهم في دعائهم إياها من دون الله ، في حين هي ليست أهلا لذلك ، فهذا الموصول كالموصول في قول عبدة بن الطبيب .


إن الذين ترونهم إخوانكم يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا



ويجيء على الوجه الثاني في الخطاب السابق : أن تكون هذه الجملة بيانا وتعليلا [ ص: 221 ] لجملة " وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم " أي لأنهم عباد أي مخلوقون .

و " العبد " أصله المملوك ، ضد الحر ، كما في قوله - تعالى - الحر بالحر والعبد بالعبد وقد أطلق في اللسان على المخلوق : كما في قوله - تعالى - إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا ولذلك يطلق العبيد على الناس ، والمشهور أنه لا يطلق إلا على المخلوقات من الآدميين فيكون إطلاق العباد على الأصنام كإطلاق ضمير جمع العقلاء عليها بناء على الشائع في استعمال العرب يومئذ من الإطلاق ، وجعله صاحب الكشاف إطلاق تهكم واستهزاء بالمشركين ، يعني أن قصارى أمرهم بأن يكونوا أحياء عقلاء فلو بلغوا تلك الحالة لما كانوا إلا مخلوقين مثلكم ، قال : ولذلك أبطل أن يكونوا عبادا بقوله عقبه " ألهم أرجل " إلى آخره .

والأحسن عندي أن يكون إطلاق العباد عليهم مجازا بعلاقة الإطلاق عن التقييد روعي في حسنه المشاكلة التقديرية لأنه لما ماثلهم بالمخاطبين في المخلوقية وكان المخاطبون عباد الله أطلق العباد على مماثليهم مشاكلة .

وفرع على المماثلة أمر التعجيز بقوله " فادعوهم " فإنه مستعمل في التعجيز باعتبار ما تفرع عليه من قوله فليستجيبوا لكم المتضمن إجابة الأصنام إياهم ، لأن نفس الدعاء ممكن ولكن استجابته لهم ليست ممكنة ، فإذا دعوهم فلم يستجيبوا لهم تبين عجز الآلهة عن الاستجابة لهم ، وعجز المشركين عن تحصيلها مع حرصهم على تحصيلها لإنهاض حجتهم ، فآل ظهور عجز الأصنام عن الاستجابة لعبادها إلى إثبات عجز المشركين عن نهوض حجتهم لتلازم العجزين قال - تعالى - إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم .

والأظهر أن المراد بالدعوة المأمور بها الدعوة للنصر والنجدة كما قال ذاك المازني : إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية حرب أم بأي مكان .

وبهذا يظهر أن أمر التعجيز كناية عن ثبوت عجز الأصنام عن إجابتهم ، وعجز المشركين عن إظهار دعاء للأصنام تعقبه الاستجابة .

والأمر باللام في قوله " فليستجيبوا " أمر تعجيز للأصنام ، وهو أمر الغائب فإن طريق أمر الغائب هو الأمر .

[ ص: 222 ] ومعنى توجيه أمر الغائب السامع أنه مأمور بأن يبلغ الأمر للغائب .

وهذا أيضا كناية عن عجز الأصنام عن الاستجابة لعجزها عن تلقي التبليغ من عبدتها .

وحذف متعلق " صادقين " لظهور السياق أي صادقين في نسبة الآلهة للأصنام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث