الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


" مسألة "

" وأكل لحم الإبل "

هذا هو المعروف في نصه ومذهبه ، وذكر جماعة من أصحابنا رواية أخرى : أنه لا ينقض كسائر اللحوم والأطعمة ؛ لأن الوضوء منه منسوخ بما روى جابر قال : " كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم - ترك [ ص: 328 ] الوضوء مما مسته النار " رواه أبو داود ، والنسائي . وقال عمر وابن عباس : " الوضوء مما خرج وليس مما دخل " رواه سعيد في سننه .

أو يكون الوضوء أريد به غسل اليد والفم ، فإنه يسمى وضوءا ، وهو وإن كان مستحبا في جميع الأطعمة لا سيما من الدسم ، فإن لحم الإبل فيه زيادة زهومة وحرارة . كما حمل بعضهم الوضوء من مس الذكر على هذا ؛ لأنه مظنة تلوث اليد بمسه لا سيما من المستجمرين ، أو يحمل على الوضوء للصلاة استحبابا . والصحيح الأول ؛ لما روى جابر بن سمرة أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أنتوضأ من لحوم الغنم ؟ " قال : " إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ " قال : " أنتوضأ من لحوم الإبل ؟ " قال : " نعم توضأ من لحوم الإبل " قال : " أصلي في مرابض الغنم ؟ " قال : " نعم " قال : " أصلي في مبارك الإبل ؟ " قال : " لا " رواه أحمد ومسلم .

وعن البراء بن عازب قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من لحوم الإبل فقال : " توضأ منها " . وسئل عن لحوم الغنم فقال : " لا تتوضأ منها " . وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال : " لا تصلوا فيها " ، فإنها من الشياطين " . وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال : " صلوا فيها فإنها بركة " . رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه .

[ ص: 329 ] وعن جابر بن سمرة قال : " أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم " . رواه ابن ماجه .

وروى الإمام أحمد من حديث أسيد بن حضير وابنه عبد الله ، من حديث ذي الغرة ، وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر . قال الإمام أحمد وإسحاق : " صح في الباب حديثان عن رسول الله صلى الله عليه [ ص: 330 ] وسلم ؛ حديث جابر بن سمرة ، وحديث البراء " وهذه سنن صحيحة يتعين المصير إليها ، ولا يصح ادعاء نسخه ؛ لوجوه :

أحدها : أنه لا فرق بينه وبين لحم الغنم ، فأمر بالوضوء من هذا ، ونهى عن الوضوء من هذا ، ولو كان هذا قبل النسخ لأمر بالوضوء منهما .

وثانيها : أن لحم الإبل ينقض الوضوء لكونه لحم الإبل ، لا لكونه ممسوسا بنار يقتضي الوضوء ، نيه ومطبوخه ، لكن كان النقض بمطبوخه لعلتين زالت إحداهما وبقيت الأخرى ، كما لو مس الرجل فرج امرأته لشهوة انتقض وضوؤه لسببين ، فلو زالت الشهوة بقي مجرد مس الفرج .

وثالثها : أنه لم يجئ حديث بنسخه ، فإن قول جابر : " كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار " إنما هو قضية عين وحكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه توضأ من لحم مسته النار ، ثم أكل من لحم ولم يتوضأ ، وذاك كان لحم غنم كما جاء مفسرا في روايات أخر ، فأخبر جابر - رضي الله عنه - أن ترك الوضوء منه كان آخر الأمرين ، وليس في هذا عموم ، ولم يحك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظا عاما ، وإنما يفيد هذا أن مسيس النار لا أثر له ، ولا يصح أن يقال : " لا فرق بينهما بعد تصريح السنة بالفرق " ومن جمع بين ما فرق الله بينه ورسوله كان بمنزلة من قال : " إنما البيع مثل الربا " وأحل الله البيع وحرم الربا ، وهذا قياس فاسد الوضع ؛ لمخالفة النص .

ورابعها : أنه لو فرضنا أنه جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صفة عامة بترك الوضوء مما غيرت النار - مع أن هذا لم يقع - لكان عاما ، والعام لا ينسخ الخاص ، لا سيما الذي فرق بينه وبين غيره من أفراد العام ، بل يكون الخاص مفسرا للعام ومبينا له .

[ ص: 331 ] وخامسها : أنه لو اندرج في العموم قصدا لم يفد العموم ، إلا أنه لا يتوضأ منه من حيث مسته النار ، ولا يبقى المتوضئ من جهة أخرى ، كما لو نسخ التوضؤ من مس الفرج لم ينف التوضؤ من مس فرج المرأة لشهوة ، ولو كان الرجل مخالفا معتقا وقد نسخ ميراث المخالف ، لم ينسخ إرثه من حيث هو معتق .

وسادسها : أنه أمر بالتوضؤ من لحمها مع نهيه عن الصلاة في مباركها في سياق واحد ، مع ترخصه في ترك الوضوء من لحم الغنم ، وإذنه في الصلاة في مرابضها ، وذلك اختصاص الإبل بوصف قابلت به الغنم ، استوجبت لأجله فعل التوضؤ وترك الصلاة ، وهذا الحكم باق ثابت في الصلاة ، فكذلك يجب أن يكون في الوضوء .

وسابعها : أنه قد أشار - صلى الله عليه وسلم - في الإبل إلى " أنها من الشياطين " يريد - والله أعلم - أنها من جنس الشياطين ونوعهم ، فإن كل عات متمرد شيطان من أي الدواب كان ، كالكلب الأسود شيطان ، والإبل شياطين الأنعام ، كما للإنس شياطين وللجن شياطين ؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما أركبوه برذونا فجعل يهملج به فقال : " إنما أركبوني شيطانا " . والتجالس والاجتماع ، ولذلك كان على كل ذروة بعير شيطان . والغنم هي من السكينة ، والسكينة من أخلاق الملائكة ، فلعل الإنسان إذا أكل لحم الإبل أورثته نفارا وشماسا وحالا شبيها بحال الشيطان .

والشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء ، فأمر بالوضوء من لحومها ؛ كسرا لتلك الصورة وقمعا لتلك الحال ، وهذا لأن قلب الإنسان وخلقه يتغير [ ص: 332 ] بالمطاعم التي يطعمها ؛ ولهذا حرم الله الخبائث حتى قيل : إنه حرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ؛ لما في طباعها من البغي والعدوان ، فيورث بطباع آكلها ما في طباعها ، وهذه العلة وما يقاربها يدل عليه إيماء النبي صلى الله عليه وسلم .

وأما دعوى كون الوضوء هو غسل اليد والفم ففاسد أيضا ؛ لوجوه :

أحدها : الوضوء المطلق في لسان الشرع هو وضوء الصلاة .

وثانيها : أنه يلزم منه أن يكون الأمر للاستحباب ، والأصل في الأمر الوجوب .

وثالثها : أنه ذكره في سياق الصلاة مبينا حكم الوضوء والصلاة في هذين النوعين ، والوضوء المقرون بالصلاة هو وضوءها لا غير .

ورابعها : أن جابر بن سمرة هو راوي الحديث ، ففهم منه وضوء الصلاة ، وأوجبه وهو أعلم بمعنى ما سمع .

وهذه الوجوه مع غيرها كما يقال في مس الذكر .

وخامسها : أنه فرق بينه وبين لحم الغنم ناهيا عن الوضوء من لحم الغنم ، أو مخيرا بين الوضوء وتركه ، وقد اجتمع الناس على استحباب غسل الفم واليد من لحم الغنم ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من بات وفي يده غمر ( ولم يغسله فأصابه شيء ) فلا يلومن إلا نفسه " .

فكيف يأذن في ترك غسل اليد والفم من لحم الغنم وهو يلزم من ترك ذلك ؟ قال أصحابنا : ما كان من المأكولات له رائحة أو زهومة ونحو ذلك ، فيستحب غسل اليد والفم منه ، وأما ما ليس له شيء من ذلك كالخبز والثمر ، فإن شاء غسل وإن شاء ترك .

[ ص: 333 ] وسادسها : أنه لو كان المراد به غسل اليدين والفم لما فرق بينهما ، وكون الإبل مختصة بزيادة زهومة ودسومة لا يوجب اختصاصها بالأمر ، " فإنه - صلى الله عليه وسلم - شرب لبنا فمضمض وقال : إن له دسما " .

وسابعها : أنه سيأتي أنه أمر بالوضوء من لبن الإبل ، ومعلوم أن دسمها دون دسم لحم الغنم ، فكيف يكون المراد به غسل اليد والفم ، وأما حمله على الاستحباب فبعيد ؛ لأنه أمر ، والأمر للإيجاب ؛ ولأنه ذكر الحكم في جواب السائل ، والحكم في مثل هذا لا يفهم منه إلا الإيجاب ، كالوضوء من الصوت والريح ومس الذكر ؛ ولأنه فرق بينه وبين لحم الغنم ، والنهي في لحم الغنم إنما أفاد نفي الإيجاب ، فيجب أن يكون في لحم الإبل مفيدا للإيجاب ؛ ليحصل الفرق ، ولأنه أثبت بذلك صفة في الإبل تقتضي الوضوء ، والأصل في الأسباب المقتضية للوضوء أن تكون موجبة ؛ ولأن استحباب الوضوء من لحم الإبل دون الغنم إحداث قول ثالث خارج عن قولي العلماء ، ولإن قاله قائل وعلل ذلك بالخروج من الخلاف ، وهذه علة اجتهادية ليست تصلح أن تكون علة لنفس الحكم ، والشارع فرق بينهما تفريقا يوجب اختصاص أحدهما بالحكم لمعنى اختلاف العلماء ، وذلك المعنى أن يوجب الوضوء أو لا يوجبه ، أو لا يقتضيه ، ثم لم يسلم اختصاص الإبل دون غيرها من الأنعام بوصف يستحب معه الوضوء بطلب جميع أدلتهم في المسألة من الجمع بينهما وبين غيرهما ، ولم يبق حينئذ دليل يوجب صرف الأمر عن الوجوب ، ويقال : إن جاز أن يختص باستحباب الوضوء جاز أن يختص بوجوبه ، وهو المعقول من الكلام ، فلا وجه للعدول عنه ، ثم الجواب عن جميع هذه الأسئلة أنها احتمالات مرجوحة وتأويلات بعيدة لا يجوز حمل الكلام عليها إلا مع دليل قوي أقوى من تلك الدلالة يوجب الصرف عن الظاهر والمصير إلى الباطن ، وليس في عدم نقض الوضوء بلحوم الإبل دليل يقارب تلك الدلالة فضلا عن أن يكون أقوى منها ، وإنما هو استصحاب حال وقياس طردي يحسن اتباعها عند عدم [ ص: 334 ] الدلالة بالكلية ، ولقد تعجب الإمام أحمد بمن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح ، وينقض الوضوء بالقهقهة ، مع أنها أبعد شيء عن العقول والأصول ، وحديثها من أوهى المراسيل ، ويترك العمل بهذا أو يعمل بحديث مس الذكر مع تعارض الأحاديث فيه ، وأن أحاديث النقض ليست مثل هذه الأحاديث في الصحة والظن ، فمن يخالفه من العلماء أنهم لم يستمعوه ، أو لم يبلغهم من وجه يصح عندهم ، فلم تقم عليهم به الحجة . وكذلك في انتقاض وضوء الجاهل به روايتان :

إحداهما : ينتقض وضوء العالم والجاهل كسائر النواقض .

والثانية : لا ينتقض وضوء الجاهل ، ولا يعيد ما صلى بعد أكله بوضوئه المتقدم ، قال الخلال : " وعلى هذا استقر قول أبي عبد الله في هذا " ؛ لأن هذا خبر واحد ورد في شيء يخالف القياس ، فعذر الجاهل به كما يعذر في الجهل بالزنا وشرب الخمر الحديث العهد بالإسلام والناشئ ببادية .

بخلاف الوضوء من الخارج من السبيلين ، فإن المراد هنا هو من لم يسمع الحديث من العامة ونحوهم ، فأما إن كان قد بلغه الحديث ، فعنه يعيد ، وعنه لا يعيد إذا تركه على التأويل وطالت المدة ، وعنه إذا طالت المدة وفحشت مثل عشر سنين ، لم يعد بخلاف ما إذا كانت قصيرة ، ولم يفرق بين العالم والجاهل ، فإن علم هذا قد انتشر ، يعم طرد هذا أن من كان لا يرى النقض بخروج النجاسات أو بمس الذكر ثم رآه بعد ذلك لا يجب عليه إعادة ما كان صلاه ، وقيل عنه : لا يعيد إذا تركه متأولا بحال ، وكذلك منكان صلى بتقليد عالم وشبه ذلك ؛ لأن هؤلاء معذورون ، وكذلك يقال فيمن أخل ببعض أركان الصلاة أو شرائطها المختلف فيها لعدم العلم بذلك ، حيث يعذر به اجتهاد أو تقليد ونحوه ثم علم ، فأما من يحكم بخطئه من المخالفين مثل من ترك الطمأنينة في الصلاة أو مسح على الخفين أكثر من الميقات الشرعي [ ص: 335 ] تقليدا لحديث عمر فإنه يعيد ، نص عليه ؛ لكونه قد خالف حديثا صحيحا لا معارض له من جنسه ، بخلاف ما اختلف فيه من الصحابة ولا نص عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث