الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) .

                          [ ص: 381 ] لما أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبين للمشركين أنه على بينة من ربه فيما بلغهم إياه من رسالته ، وأن ما يستعجلون به من عذاب الله ونصره عليهم - تعجيزا أو تهكما أو عنادا - ليس عنده ، وإنما هو عند الله الذي قضت سنته أن يكون لكل شيء أجل وموعد لا يتقدم ولا يتأخر عنه ، وأنه تعالى هو الذي يقضي الحق ويقصه على رسوله وبيده تنفيذ وعده ووعيده - قفى على ذلك ببيان كون مفاتح الغيب عنده ، وكون التصرف في الخلق بيده ، وكونه هو القاهر فوق عباده لا يشاركه أحد من رسله ولا غيرهم في ذلك حتى يصح أن يطالبوا به ، فقال عز وجل :

                          ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) المفاتح جمع مفتح - بفتح الميم - وهو المخزن ، وبكسرها وهو المفتاح الذي تفتح به الأقفال ، وقرئ في الشواذ " مفاتيح الغيب " ويؤيد هذه القراءة حديث ابن عمر الآتي في تفسير الآية ، ويجوز استعمال اللفظ في معنييه ، أي أن خزائن الغيب - وهو ما غاب علمه عن الخلق - هي عند الله تعالى وفي تصرفه وحده ، وأن المفاتيح - أي الوسائل التي يتوصل بها إلى علم الغيب - هي عنده أيضا لا يعلمها علما ذاتيا إلا هو ، فهو الذي يحيط بها علما وسواه جاهل بذاته لا يمكن أن يحيط علما بها ولا أن يعلم شيئا منها إلا بإعلامه عز وجل ، وإذا كان الأمر كذلك فالواجب أن يفوض إليه إنجاز وعده لرسوله بالنصر ، ووعيده لأعدائه بالعذاب والقهر ، مع القطع بأنه لا يخلف وعده رسله ، وإنما يؤخر إنجازه إلى الأجل الذي اقتضته حكمته ، وقد تقدم في تفسير هذه السورة بيان حقيقة الغيب واستئثار الله تعالى بعلمه ، وما يعلمه بعض خلقه من الحقيقي أو الإضافي منه ، وسنزيد ذلك بيانا ( ويعلم ما في البر والبحر ) قال الراغب : أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير . وقيل : إن أصله الماء الملح ، وأطلق على الأنهار بالتوسع أو التغليب . والبر ما يقابله من الأرض ، وهو ما يسميه علماء خرت الأرض باليابسة . وعلمه تعالى بما في البر والبحر من علم الشهادة المقابل لعلم الغيب . على أن أكثر ما في خفايا البر والبحر غائب عن علم أكثر الخلق ، وإن كان في نفسه موجودا يمكن أن يعلمه الباحث منهم عنه ، وقدم ذكر البر على البحر على طريقة الترقي من الأدنى إلى ما هو أعظم منه ، فإن قسم البحر من الأرض أعظم من قسم البر ، وخفاياه أكثر وأعظم ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) أي وما تسقط ورقة ما من نجم أو شجر ما إلا يعلمها ؛ لإحاطة علمه بالجزئيات كلها ( ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) أي وما تسقط من حبة بفعل فاعل مختار في ظلمات الأرض كالحب الذي يلقيه الزراع في بطون الأرض يسترونه بالتراب فيحتجب عن نور النهار ، والذي تذهب به النمل وغيرها من الحشرات في قراها وجحورها ، أو بغير فعل فاعل كالذي يسقط من النبات في شقوقها وأخاديدها ، وما يسقط [ ص: 382 ] من رطب ولا يابس من الثمار ونحوها - إلا كائن في كتاب مبين - وهو علم الله تعالى الذي يشبه المكتوب في الصحف بثباته وعدم تغيره - أو كتابه الذي كتب فيه مقادير الخلق كما ورد في الحديث الصحيح وسيأتي ذكره ، وهو بمعنى قوله فيما قبله : ( إلا يعلمها ) ولذلك قيل : إنه تكرير له بالمعنى ، وقيل : بدل كل أو بدل اشتمال منه .

                          فإن قيل : ما حكمة تخصيص هذه الأشياء بالذكر ؟ قلنا : إن المعلوم - أو ما يتعلق به العلم إما موجود وإما معدوم ، والموجود إما حاضر مشهود ، وإما غائب في حكم المفقود ، وليس في الوجود شيء غائب عن الله تعالى ، فعلمه تعالى بالأشياء إما علم غيب وهو علمه بالمعدوم ، وإما علم شهادة وهو علمه بالموجود ، وأما أهل العلم من الخلق فمن الموجودات ما هو حاضر مشهود لديهم ، ومنها ما هو حاضر غير مشهود ؛ لأنه لم يخلق لهم آلة للعلم به كعالم الجن والملائكة مع الإنس ، ومنها ما هو غائب عن شهودهم وهم مستعدون لإدراكه لو كان حاضرا ، وما هو غائب وهم غير مستعدين لإدراكه لو حضر ، فكل ما خلقوا غير مستعدين لإدراكه من موجود ومعدوم فهو غيب حقيقي بالنسبة إليهم ، وكل ما خلقوا مستعدين لإدراكه دائما أو في بعض الأحوال فهو - إن غاب عنهم - غيب إضافي . وقد بين الله تعالى لنا في هذه الآية أن خزائن عالم الغيب كلها عنده ، وعنده مفاتيحها وأسبابها الموصلة إليها ، وأن عنده من علم الشهادة ما ليس عند غيره ، وذكر على سبيل المثل علمه بكل ما في البر والبحر من ظاهر وخفي ، ثم خص بالذكر ثلاثة أشياء مما في البر : إحاطة علمه بكل ورقة تسقط من نبتة ، وكل حبة تسقط في ظلمات الأرض ، وكل رطب ويابس . فأما الورق الذي يسقط فهو ما كان حبا رطبا من النبات فأشرف على اليبس وفقد الحياة النباتية والتحق بمواد الأرض الميتة ، وقد يتغذى به حيوان بعد يبسه أو قبله ، أو يتحلل في الأرض بعد سقوطه ، ويتغذى به نبات آخر فيدخل في عالم الأحياء بطور آخر ، وأما الحب فهو أصل تكوين النبات الحي يسقط في ظلمات الأرض ، فمنه ما ينبت ويكون نجما أو شجرا ، ومنه ما يتغذى به بعض الأحياء من الحيوان ، كالطير والحشرات ، فيدخل في بنيتها كما قلنا فيما قبله . وأما ذكر الرطب واليابس فهو تعميم بعد تخصيص في هذا الباب ، فهذه الأشياء من عالم الشهادة تدخل في عالم الغيب ، ثم تبرز في عالم الشهادة . وعلم الله تعالى محيط بكل شيء منها على كثرتها ودقة بعضها وصغره ، وتنقله في أطوار الخلق والتكوين وما يتبعهما من الصور والمظاهر ، وحسبك هذا الإيماء من حكمة تخصيصها بالذكر .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية