الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

569 [ ص: 57 ] حديث عاشر لأبي الزناد

مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه ، كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء ؟ قالوا : يا رسول الله أرأيت الذي يموت وهو صغير ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين .

التالي السابق


قال أبو عمر : روي هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه صحاح كلها ثابتة من حديث أبي هريرة وغيره ، فممن رواه عن أبي هريرة : عبد الرحمن الأعرج ، وسعيد بن المسيب ، وأبو سلمة ، وحميد ابنا عبد الرحمن بن عوف ، وأبو صالح السمان ، وسعيد بن أبي سعيد ، ومحمد [ ص: 58 ] بن سيرين ، ورواه ابن شهاب ، فاختلف أصحابه عليه في إسناده ، فرواه معمر ، والزبيدي ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، ورواه يونس ، وابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ورواه الأوزاعي عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، وزعم محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري أن هذه الطرق كلها صحاح ، عن ابن شهاب محفوظة .

قال أبو عمر : ليس هذا الحديث عند مالك عن ابن شهاب في الموطأ ، وهو عنده عن أبي الزناد ، عن أبي هريرة ، وقد روى هذا الحديث عبد الله بن الفضل الهاشمي شيخ مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه كالبهيمة تنتج البهيمة ، هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها إلى ههنا انتهى حديثه ، ولم يذكر ما في حديث مالك قوله " أرأيت من [ ص: 59 ] يموت وهو صغير " إلى آخر الحديث ، وزاد فيه " ويمجسانه " وهكذا رواية ابن شهاب لهذا الحديث ليس فيها قوله " أرأيت من يموت وهو صغير ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين " عند ابن شهاب ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي عليه السلام أنه سئل عن أولاد المشركين ، فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين ، وسنذكر حديث ابن شهاب هذا ، عن عطاء بن يزيد في باب مفرد من هذا الكتاب إن شاء الله .

أما قوله في حديث مالك وغيره " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه " الحديث ، فإن أهل العلم من أصحابنا وغيرهم اختلفوا في معنى قوله " كل مولود " فقالت طائفة : ليس في قوله " كل مولود " ما يقتضي العموم .

قالوا : والمعنى في ذلك : أن كل من ولد على الفطرة وكان له أبوان على غير الإسلام هوداه أو نصراه أو مجساه ، قالوا : وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة ، بل المعنى أن المولود على الفطرة من الأبوين الكافرين يكفرانه ، وكذلك من لم يولد على الفطرة [ ص: 60 ] وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما في صغره ، إن كانا يهوديين فهو يهودي يرثهما ويرثانه ، وكذلك لو كانا نصرانيين أو مجوسيين حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث ، فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه ، واحتج قائلو هذه المقالة بحديث أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرا وبقوله عليه السلام ألا إن بني آدم خلقوا طبقات ، فمنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا .

وهذا الحديث حدثناه خلف بن القاسم قراءة مني عليه ، أن أحمد بن محمد بن أبي الموت المكي حدثهم ، قال : حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر بنهار ثم قام وخطبنا إلى مغرب [ ص: 61 ] الشمس ، فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبر به ، حفظه من حفظه ، ونسيه من نسيه ، وكان فيما حفظنا أن قال : ألا إن الدنيا خضرة حلوة ، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ، ألا فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء وكان فيما حفظنا أن قال : ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه ، فبكى أبو سعيد وقال : قد والله رأينا فهبنا ، وكان فيما حفظنا أن قال : ألا إن لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته ، ولا غدر أعظم من غدر إمام عامة ، وكان فيما حفظنا أن قال : ألا إن بني آدم خلقوا طبقات شتى منهم من يولد مؤمنا ، ويحيى مؤمنا ، ويموت مؤمنا ، ومنهم من يولد كافرا ، ويحيى كافرا ، ويموت كافرا ، ومنهم من يولد كافرا ، ويحيى كافرا ، ويموت مؤمنا ، ومنهم من يولد مؤمنا ، ويحيى مؤمنا ، ويموت كافرا ، ومنهم حسن القضاء حسن الطلب ، وذكر تمام الحديث .

قالوا : ففي هذا الحديث ومع الحديث في غلام الخضر ما يدل على أن قوله " كل مولود " ليس على العموم ، وأن المعنى فيه أن كل مولود يولد على الفطرة ، وأبواه يهوديان أو نصرانيان ، فإنهما يهودانه أو ينصرانه ، أي يحكم له بحكمهما ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه ، قالوا : وألفاظ الحفاظ على نحو حديث مالك [ ص: 62 ] هذا ، ودفعوا رواية من روى " كل بني آدم يولد على الفطرة " قالوا : ولو صح هذا اللفظ ما كان فيه أيضا حجة لما ذكرنا ; لأن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفظ في لسان العرب ، ألا ترى إلى قول الله عز وجل ( تدمر كل شيء ) ولم تدمر السماوات والأرض ، وقوله ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) ولم يفتح عليهم أبواب الرحمة ، ومثل هذا كثير .

وذكروا من ألفاظ الأحاديث في ذلك رواية الأوزاعي ، عن الزهري ، عن حميد ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه قال الأوزاعي : وذلك بقضاء وقدر ، وهكذا لفظ حديث معمر ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي عليه السلام كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون من جدعاء ثم يقول أبو هريرة [ ص: 63 ] : اقرءوا إن شئتم ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ذكره عبد الرزاق هكذا ، ولم يختلف في هذا اللفظ عن معمر فيما علمت ، أعني قوله " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه " الحديث .

وكذلك رواه ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه " الحديث كلفظ حديث معمر سواء إلا قول أبي هريرة ، وكذلك حديث سمرة بن جندب حديث الرؤيا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه " هذا لفظه ، وروى أبو رجاء العطاردي ، عن سمرة بن جندب الحديث الطويل حديث الرؤيا ، وفيه عن النبي عليه السلام " وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام ، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة " .

وقال آخرون : المعنى في ذلك كل مولود من بني آدم فهو يولد على الفطرة أبدا ، وأبواه يحكم له بحكمهما ، وإن كان قد ولد على الفطرة حتى يكون ممن يعبر عنه لسانه [ ص: 64 ] والدليل على أن المعنى كما وصفنا رواية من روى " كل بني آدم يولد على الفطرة " و " ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة " وحق الكلام أن يحمل على عمومه .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا مطلب ، قال : حدثنا أبو صالح ، حدثني الليث ، حدثني جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال : قال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل بني آدم يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه ، كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء ؟ قال : أفرأيت من يموت صغيرا يا رسول الله ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين وكذلك رواه خالد الواسطي ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بنى آدم يولد على الفطرة ، ثم ذكره سواء ، روى ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : [ ص: 65 ] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من مولود إلا يولد على فطرة ، ثم قرأ ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) .

وحدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا مطلب بن شعيب ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم قال أبو هريرة : اقرءوا ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) وكذلك حديث سمرة بن جندب ، عن النبي عليه السلام حديث الرؤيا ، فيه : والشيخ الذي في أصل الشجرة إبراهيم ، والولدان حوله أولاد الناس ، قالوا : فهذه الأحاديث تدل ألفاظها على أن المعنى في حديث مالك وما كان مثله ليس كما تأوله المخالف أنه يقتضي أن الأبوين [ ص: 66 ] لا يهودان ولا ينصران إلا من ولد على الفطرة من أولادهما ، بل الجميع يولدون على الفطرة .

قال أبو عمر : الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلف العلماء فيها ، واضطربوا في معناها ، وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة ، ونزعت كل فرقة منهم في ذلك بظاهر آية ونص سنة ، وسنبين ذلك كله ونوضحه ، ونذكر ما جاء فيه من الآثار ، واختلاف الأقوال والاعتلال عن السلف والخلف بعون الله إن شاء الله .

وقد سأل أبو عبيد محمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي حنيفة ، عن معنى هذا الحديث ، فما أجابه فيه بأكثر من أن قال : كان هذا القول من النبي عليه السلام قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ، قال : وقال ابن المبارك : يفسره آخر الحديث " الله أعلم بما كانوا عاملين " هذا ما ذكره أبو عبيد في تفسير قوله " كل مولود يولد على الفطرة " عن محمد بن الحسن وابن المبارك لم يزد على تلك عنهما ولا عن غيرهما .

[ ص: 67 ] فأما ما ذكره عن ابن المبارك ، فقد روي عن مالك نحو ذلك ، وليس فيه مقنح من التأويل ، ولا شرح موعب في أمر الأطفال ، ولكنها جملة تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو إيمان أو جنة أو نار ما لم يبلغوا .

وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه إما لإشكاله عليه ، أو لجهله به ، أو لكراهية الخوض في ذلك ، وأما قوله فيه إن ذلك القول كان من النبي عليه السلام قبل أن يؤمر الناس بالجهاد فليس كما قال ; لأن في حديث الأسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان بعد الأمر بالجهاد .

حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سليمان ، عن إسماعيل بن مسلم [ ص: 68 ] ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بال قوم بالغوا في القتل حتى قتلوا الولدان ؟ فقال رجل : أوليس إنما هم أولاد المشركين ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أوليس خياركم أولاد المشركين ؟ إنه ليس من مولود إلا وهو يولد على الفطرة ، فيعبر عنه لسانه ، ويهوده أبواه أو ينصرانه وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة منهم : بكر المزني ، والعلاء بن زياد ، والسري بن يحيى ، وقد روي عن الأحنف ، عن الأسود بن سريع ، وهو حديث بصري صحيح ، وروى عوف الأعرابي ، عن أبي رجاء العطاردي ، عن سمرة بن جندب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل مولود يولد على الفطرة ، فناداه الناس : يا رسول الله ، وأولاد المشركين ؟ قال : وأولاد المشركين .

قال أبو عمر : أما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث ، فقالت جماعة من أهل الفقه والنظر : أريد بالفطرة المذكورة في هذا الحديث الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه ، فكأنه قال : كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ، يريد خلقة مخالفة [ ص: 69 ] لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك ، واحتجوا على أن الفطرة الخلقة والفاطر الخالق بقول الله عز وجل ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض ) يعني : خالقهن ، وبقوله ( وما لي لا أعبد الذي فطرني ) يعني : خلقني ، وبقوله ( الذي فطرهن ) يعني : خلقهن ، قالوا : فالفطرة الخلقة ، والفاطر الخالق .

وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار ، قالوا : وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة ، وطبعا ، وبنية ليس معها إيمان ولا كفر ، ولا إنكار ولا معرفة ، ثم يعتقدون الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا ، واحتجوا بقوله في الحديث " كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء " يعني سالمة ، هل تحسون فيها من جدعاء ، يعني مقطوعة الأذن ، فمثل قلوب بني آدم بالبهائم ; لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها ، فيقال : هذه بحائر ، وهذه [ ص: 70 ] سوائب ، يقول : فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر حينئذ ولا إيمان ، ولا معرفة ولا إنكار ، كالبهائم السالمة ، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين ، فكفر أكثرهم ، وعصم الله أقلهم ، قالوا : ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء على الكفر أو الإيمان في أولية أمرهم ما انتقلوا عنه أبدا ، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون ، قالوا : ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا ; لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئا ، قال الله عز وجل : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) فمن لا يعلم شيئا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار .

قال أبو عمر : هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها والله أعلم ، وذلك أن الفطرة السلامة والاستقامة بدليل حديث عياض بن حمار ، عن النبي عليه السلام حاكيا عن ربه عز وجل " إني خلقت عبادي حنفاء " [ ص: 71 ] - يعني على استقامة وسلامة - والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم ، وإنما قيل للأعرج : أحنف على جهة الفأل ، كما قيل للقفر مفازة ، فكأنه والله أعلم أراد الذين خلصوا من الآفات كلها والزيادات ، ومن المعاصي والطاعات ، فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما ، ألا ترى إلى قول موسى في الغلام الذي قتله الخضر ( أقتلت نفسا زكية ) لما كان عنده ممن لم يبلغ العمل فيكسب الذنوب ، ومن الحجة أيضا في هذا قول الله عز وجل ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ) ، ( كل نفس بما كسبت رهينة ) ، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء ، وقال الله عز وجل ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ، ولما أجمعوا على دفع القود ، والقصاص ، والحدود ، والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك ، والله أعلم .

[ ص: 72 ] وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - " كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء ؟ " فالبهيمة الجمعاء : المجتمعة الخلق التامة غير الناقصة ، الصحيحة غير السقيمة ، ليس فيها قطع أذن ، ولا شقها ، ولا نقص شيء منها ، يقول : فهل ترى فيها جدعاء ؟ يقول : هل تحس من جدع أو نقصان حين تنتج لتمام ؟ يقول : ثم الجدع والآفات تدخلها بعد ذلك ، فكذلك المولود يولد سالما ثم يحدث فيه بعد الكفر والإيمان .

وقال آخرون : الفطرة ههنا الإسلام ، قالوا : وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل قد أجمعوا في قول الله عز وجل ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) على أن قالوا : فطرة الله : دين الله الإسلام ، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث : اقرءوا إن شئتم ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، وذكروا عن عكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، وإبراهيم ، والضحاك ، وقتادة في قول الله عز وجل ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، قالوا : دين الله الإسلام ( لا تبديل لخلق الله ) قالوا : لدين الله .

[ ص: 73 ] واحتجوا بحديث محمد بن إسحاق ، عن ثور بن يزيد ، عن يحيى بن جابر ، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي ، عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس يوما : " ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب : أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين " الحديث بطوله ، وكذلك روى بكر بن مهاجر ، عن ثور بن يزيد بإسناده في هذا الحديث حنفاء مسلمين .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا عبيد بن عبد الواحد ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن ثور بن يزيد ، عن يحيى بن جابر ، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي - وكان عبد الرحمن من حملة العلم يطلبه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحاب أصحابه - أنه حدثه ، عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس يوما " ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب : أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين ، وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه ، فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا وحراما " وذكر الحديث بتمامه .

[ ص: 74 ] قال أبو عمر : روى هذا الحديث قتادة ، عن مطرف بن عبد الله الشخير ، عن عياض بن حمار ، ولم يسمع قتادة من مطرف ، لأن همام بن يحيى روى عن قتادة ، قال : لم أسمعه من مطرف ، ولكن حدثني ثلاثة : عقبة بن عبد الغافر ، ويزيد بن عبد الله بن الشخير ، والعلاء بن زياد ، كلهم يقول : حدثني مطرف بن الشخير ، عن عياض بن حمار ، عن النبي عليه السلام بهذا الحديث ، قال فيه : وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، لم يقل مسلمين .

وكذلك رواه عوف الأعرابي ، عن حكيم الأثرم ، عن الحسن ، عن مطرف ، أن عياض بن حمار حدثه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر هذا الحديث ، وقال فيه : " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم " ولم يقل مسلمين ، وإنما قال حنفاء فقط .

وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عنده ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن عياض بن حمار ، عن النبي عليه السلام ، فقال فيه : " ألا وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم " [ ص: 75 ] وساق الحديث ، فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق ، وإتقانه ، وضبطه ; لأنه ذكر مسلمين في روايته ، عن ثور بن يزيد لهذا الحديث ، وأسقطه من رواية قتادة ، وكذلك رواه شعبة ، وهشام ، ومعمر ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن عياض ، عن النبي عليه السلام ، لم يقولوا فيه عن قتادة " مسلمين " ، فليس في حديث قتادة ذكر " مسلمين " ، وهو في حديث ثور بن يزيد بإسناده ، وقد اختلف العلماء في قوله عز وجل " حنفاء " ، فروي عن الضحاك ، والسدي في قوله " حنفاء " قالا : حجاجا .

وروي عن الحسن قال : الحنفية : حج البيت ، وعن مجاهد " حنفاء " قال : مسلمين متبعين ، وهذا كله يدل على أن الحنفية الإسلام ، ويشهد لذلك قول الله عز وجل ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ) ، وقال ( هو سماكم المسلمين ) فلا وجه لإنكار من أنكر رواية من روى " حنفاء مسلمين " ، قال الشاعر ، وهو الراعي :


أخليفة الرحمن إنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا     عرب نرى لله في أموالنا
حق الزكاة منزلا تنزيلا

[ ص: 76 ] فهذا قد وصف الحنفية بالإسلام ، وهو أمر واضح لا خفاء به ، وقيل : الحنيف من كان على دين إبراهيم ثم سمي من كان يختتن ويحج البيت في الجاهلية حنيفا ، والحنيف اليوم المسلم ، ويقال : إنما سمي إبراهيم حنيفا ; لأنه كان حنف عما كان يعبد أبوه وقومه من الآلهة إلى عبادة الله ، أي عدل عن ذلك ومال ، وأصل الحنف ميل من إبهامي القدمين كل واحدة منهما على صاحبها ، ومما احتج من ذهب إلى أن الفطرة الإسلام قوله - صلى الله عليه وسلم - : خمس من الفطرة ، فذكر منهن قص الشارب ، والاختتان ، وهي من سنن الإسلام ، وممن ذهب إلى أن الفطرة في معنى هذا الحديث الإسلام : أبو هريرة ، وابن شهاب ، حدثني محمد بن عبد الله بن حكم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا إسحاق بن أبي حسان ، قال : حدثنا هشام بن عمار ، قال : حدثنا عبد الحميد بن حبيب ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : سألت الزهري عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع ؟ [ ص: 77 ] قال : نعم ; لأنه ولد على الفطرة - يعني الإسلام - وعلى هذا القول يكون معنى قوله في الحديث " من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء " يقول : خلق الطفل سليما من الكفر مؤمنا مسلما على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى .

قال أبو عمر : يستحيل أن تكون الفطرة المذكورة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : كل مولود يولد على الفطرة ، الإسلام ; لأن الإسلام والإيمان قول باللسان ، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، وهذا معدوم من الطفل لا يجهل بذلك ذو عقل ، والفطرة لها معان ووجوه في كلام العرب ، وإنما أجزأ الطفل المرضع عند من أجاز عتقه في الرقاب الواجبة ; لأن حكمه حكم أبويه ، وخالفهم آخرون فقالوا : لا يجزئ في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى ، وقد مضى في هذا الباب من هذا المعنى ما يكفي ، والحمد لله .

[ ص: 78 ] وقال آخرون : معنى قوله عليه السلام : كل مولود يولد على الفطرة ، يعني على البدأة التي ابتدأهم عليها ، أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنهم ابتدأهم للحياة ، والموت ، والشقاء ، والسعادة ، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من ميولهم عن آبائهم واعتقادهم ، وذلك ما فطرهم الله عليه مما لا بد من مصيرهم إليه ، قالوا : والفطرة في كلام العرب البدأة ، والفاطر المبدئ والمبتدئ ، فكأنه قال - صلى الله عليه وسلم - : كل مولود يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة مما يصير إليه .

واحتجوا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا سفيان ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : لم أكن أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر ، قال أحدهما : أنا فطرتها ، أي [ ص: 79 ] ابتدأتها ، قالوا : فالفطرة البدأة ، واحتجوا بقول الله عز وجل ( كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث