الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

أبواب الطب باب إباحة التداوي وتركه 3762 - ( عن أسامة بن شريك قال : { جاء أعرابي فقال : يا رسول الله أنتداوى ؟ قال : نعم ، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله } رواه أحمد .

وفي لفظ : { قالت الأعراب : يا رسول الله ألا نتداوى ؟ قال : نعم ، عباد الله تداووا ، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء ، أو دواء إلا داء واحدا ، قالوا : يا رسول الله وما هو ؟ قال : الهرم } رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذي وصححه ) .

3763 - ( وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى } رواه أحمد ومسلم ) . [ ص: 230 ]

3764 - ( وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله } رواه أحمد ) .

3765 - ( وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء } رواه أحمد والبخاري وابن ماجه ) .

3766 - ( وعن أبي خزامة قال : { قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ، ودواء نتداوى به ، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا ؟ قال : هي من قدر الله } رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال : حديث حسن ، ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث ) .

3767 - ( وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون } ) .

3768 - ( وعن ابن عباس : { أن امرأة سوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي ، قال : إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك ، فقالت : أصبر ، وقالت : إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف ، فدعا لها } . متفق عليهما ) .

التالي السابق


حديث أسامة أخرجه أيضا النسائي والبخاري في الأدب المفرد ، وصححه أيضا ابن خزيمة والحاكم . وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا النسائي وصححه ابن حبان والحاكم . وحديث أبي خزامة وهو بمعجمة مكسورة وزاي خفيفة ، أخرجه أيضا الترمذي من طريقين : إحداهما عن أبي عمر عن سفيان عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه . والثانية عن سعيد بن عبد الرحمن عن سفيان عن الزهري عن ابن أبي خزامة عن أبيه . قال : وقد روي عن ابن عيينة كلتا الروايتين . وقال بعضهم عن أبي خزامة عن أبيه . وقال بعضهم : عن ابن أبي خزامة عن أبيه قال : وقد روى هذا الحديث غير ابن عيينة عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه وهذا أصح ، ولا يعرف لأبي خزامة عن أبيه غير هذا الحديث ا هـ كلامه ، وقد صرح بأنه حديث حسن وهو كما قال . قوله : ( فإن الله لم ينزل داء ) [ ص: 231 ] المراد بالإنزال إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي صلى الله عليه وسلم مثلا أو المراد به التقدير . قوله : ( عباد الله تداووا ) لفظ الترمذي " قال : نعم يا عباد الله تداووا " والداء والدواء كلاهما بفتح الدال المهملة وبالمد ، وحكي كسر دال الدواء . قوله : ( والهرم ) استثناه لكونه شبيها بالموت ، والجامع بينهما تقضي الصحة أو لقربه من الموت أو إفضائه إليه .

ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا ، والتقدير لكن الهرم لا دواء له ، وفي لفظ " إلا السام " بمهملة مخففا : وهو الموت ، ولعل التقدير إلا داء السام : أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت . قوله : ( علمه من علمه ) فيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمه كل واحد .

وفي أحاديث الباب كلها إثبات الأسباب ، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره وأنها لا تنجع بذواتها بل بما قدره الله فيها ، وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك ، وإليه الإشارة في حديث جابر حيث قال " بإذن الله " فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته ، والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بالعافية ودفع المضار وغير ذلك قوله : ( وجهله من جهله ) فيه دليل على أنه لا بأس بالتداوي لمن كان به داء قد اعترف الأطباء بأنه لا دواء له وأقروا بالعجز عنه .

قوله : ( رقى نسترقيها . . . إلخ ) سيأتي الكلام على الرقية . قوله : ( وتقاة نتقيها ) أي ما نتقي به ما يرد علينا من الأمور التي لا نريد وقوعها بنا . قوله : ( قال هي من قدر الله ) أي لا مخالفة بينهما لأن الله هو الذي خلق تلك الأسباب وجعل لها خاصية في الشفاء . قوله : ( لا يسترقون . . . إلخ ) سيأتي الكلام على الرقية والكي . وأما التطير فهو من الطيرة بكسر الطاء المهملة وفتح المثناة التحتية . وقد تسكن ، وهي التشاؤم بالشيء ، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه .

والأحاديث في الطيرة متعارضة ، وقد وضعت فيها رسالة مستقلة . وقد استدل بهذا الحديث والذي بعده على أنه يكره التداوي . وأجيب عن ذلك بأجوبة ، قال النووي : لا مخالفة بل المدح في ترك الرقى المراد بها الرقى التي هي من كلام الكفار ، والرقى المجهولة والتي بغير العربية وما لا يعرف معناه فهذه مذمومة لاحتمال أن معناها كفر أو قريب منه أو مكروه . وأما الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه بل هو سنة . ومنهم من قال في الجمع بين الحديثين إن الواردة في ترك الرقى للأفضلية وبيان التوكل وفي فعل الرقى لبيان الجواز مع أن تركها أفضل .

وبهذا قال ابن عبد البر وحكاه عمن حكاه ، والمختار الأول . وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تبارك وتعالى . قال المازري : جميع الرقى جائزة إذا كانت بكتاب الله أو بذكره ، ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى معناه لجواز أن يكون فيه كفر . وقال الطبري والمازري وطائفة : [ ص: 232 ] إنه محمول على من يعتقد أن الأدوية تنفع بطبعها كما كان أهل ; الجاهلية يعتقدون . قال عياض : الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن يشاركهم في أصل الفضل والديانة ، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها أو يستعمل رقى أهل الجاهلية ونحوها فليس مسلما فلم يسلم هذا الجواب .

وأجاب الداودي وطائفة أن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء ، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء فلا . وأجاب الحليمي بأنه يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض ، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا بقضائه ، فهم غافلون عن طب الأطباء ورقى الرقاة ولا يخشون من ذلك شيئا .

وأجاب الخطابي ومن تبعه بأن المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره لا القدح في جواز ذلك وثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة . وعن السلف الصالح ، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب . قال ابن الأثير : هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها ، وهؤلاء هم خواص الأولياء ، ولا يرد عليه وقوع مثل ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فعلا وأمرا لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل ، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز ، ومع ذلك فلا ينقص من توكله لأنه كان كامل التوكل يقينا فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئا ، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل ، فكان من ترك الأسباب وفوض وأخلص أرفع مقاما . قال الطبري : قيل لا يستحق اسم التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء ألبتة حتى السبع الضاري والعدو العادي ولا يسعى في طلب رزقه ولا في مداواة ألم .

والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله ، فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم بين درعين ، ولبس على رأسه المغفر ، وأقعد الرماة على فم الشعب وخندق حول المدينة ، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو ، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وادخر لأهله قوتهم ، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك . وقال للذي سأله أيعقل ناقته أو يتوكل ؟ : " اعقلها وتوكل " فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل . قوله : ( فقالت إني أصرع ) الصرع نعوذ بالله منه : علة تمنع الأعضاء الرئيسية عن استعمالها منعا غير تام .

وسببه ريح غليظة تنحبس في منافذ الدماغ ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء . وقد يتبعه تشنج في الأعضاء ، ويقذف المصروع بالزبد لغلظ الرطوبة . وقد يكون الصرع من الجن ويقع من النفوس الخبيثة منهم ، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية ، وإما لإيقاع الأذية به . والأول هو [ ص: 233 ] الذي يثبته جميع الأطباء ويذكرون علاجه . والثاني يجحده كثير منهم وبعضهم يثبته ، ولا يعرف له علاج إلا بجذب الأرواح الخيرة العلوية لدفع آثار الأرواح الشريرة السفلية وتبطيل أفعالها .

وممن نص على ذلك بقراط فقال بعد ذكر علاج المصروع : إنما ينفع في الذي سببه أخلاط ، وأما الذي يكون من الأرواح فلا . قوله : ( وإني أتكشف ) بمثناة من فوق وتشديد الشين المعجمة من التكشف وبالنون الساكنة المخففة من الانكشاف ، والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر .

وفيه أن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة ، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة .

وفيه دليل على جواز ترك التداوي وأن التداوي بالدعاء مع الالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير ، ولكن إنما ينجح بأمرين : أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد ، والآخر من جهة المداوي وهو توجه قلبه إلى الله وقوته بالتقوى والتوكل على الله تعالى .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث