الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال ) : مسافر أصبح صائما ثم قدم المصر فأفتي بأن صيامه لا يجزئه وأنه عاص فأفطر فعليه القضاء ولا كفارة عليه ، والكلام في هذه المسألة في فصول :

أحدها : أن أداء الصوم في السفر يجوز في قول جمهور الفقهاء ، وهو قول أكثر الصحابة وعلى قول أصحاب الظواهر لا يجوز ، وهو مروي عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما يستدلون بقوله تعالى { فعدة من أيام أخر } فصار هذا الوقت في حقه كالشهر في حق المقيم فلا يجوز الأداء قبله وقال صلى الله عليه وسلم { الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وقال : ليس من البر الصيام في السفر } وفي رواية { ليس من امبر امصيام في امسفر } .

( ولنا ) قوله تعالى { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ، وهذا يعم المسافر والمقيم ثم قوله ومن كان مريضا أو على سفر لبيان الترخص بالفطر فينتفي به وجوب الأداء لا جوازه وفي حديث عائشة رضي الله عنها { أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال يا رسول الله : إني أسافر في رمضان أفأصوم فقال صلى الله عليه وسلم : صم إن شئت } وفي حديث { أنس رضي الله تعالى عنه قال : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر لا يعيب البعض على البعض } وتأويل حديثهم إذا كان يجهده الصوم حتى يخاف عليه الهلاك على ما روى { أنه مر برجل مغشي عليه قد اجتمع عليه الناس وقد ظلل عليه فسأل عن حاله فقيل إنه صائم فقال صلى الله عليه وسلم : ليس من البر الصيام في السفر } يعنى لمن هذا حاله .

والثاني أن المسافرة في رمضان لا بأس بها وعلى قول أصحاب الظواهر يستديم السفر في رمضان ولا ينشئه والدليل على جواز المسافرة حديث أبي هريرة رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة لليلتين خلتا من رمضان فصام حتى أتى قديدا فشكا الناس إليه فأفطر ثم لم يزل مفطرا حتى دخل مكة } فإن سافرت في رمضان فقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن صمت فقد صام ، وإن أفطرت فقد أفطر وكل ذلك واسع .

والثالث إذا أنشأ السفر في رمضان فله أن يترخص بالفطر وكان علي وابن عباس كانا يقولان ذلك لمن أهل الهلال [ ص: 92 ] وهو مسافر فأما من أنشأ السفر في رمضان فليس له أن يفطر والحديث الذي روينا حجة فقد أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شكا الناس إليه ولا يقال لما أهل الهلال ، وهو مقيم فقد لزمه أداء صوم الشهر فلا يسقط ذلك عنه بسفر ينشئه باختياره كاليوم الذي يسافر فيه ; لأنا نقول : صوم الشهر عبادات متفرقة وإنما يلزمه الأداء باعتبار اليوم الذي كان مقيما في شيء منه دون اليوم الذي كان مسافرا في جميعه قياسا على الصلوات .

والرابع أن الصوم في السفر أفضل من الفطر عندنا . وقال الشافعي رحمه الله تعالى : الفطر أفضل ; لأن ظاهر ما روينا من الآثار يدل على أن الصوم في السفر لا يجوز فإن ترك هذا الظاهر في حق الجواز بقي معتبرا في أن الفطر أفضل وقاس بالصلاة فإن الاقتصار على الركعتين في السفر أفضل من الإتمام فكذلك الصوم ; لأن السفر يؤثر فيهما قال : صلى الله عليه وسلم { إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم } .

( ولنا ) ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { في المسافر يترخص بالفطر ، وإن صام فهو أفضل له ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصوم حتى شكا الناس إليه ثم أفطر } فذلك دليل على أن الصوم أفضل ثم الفطر رخصة ، وأداء الصوم عزيمة والتمسك بالعزيمة أولى من الترخص بالرخصة ، وهذا ; لأن الرخصة لدفع الحرج عنه ، وربما يكون الحرج في حقه في الفطر أكثر فإنه يحتاج إلى القضاء وحده ، والصوم مع الجماعة في السفر يكون أخف من الفطر ، والقضاء وحده في يوم جميع الناس فيه مفطرون بخلاف الصلاة فإن شطر الصلاة سقط عنه أصلا حتى لا يلزمه القضاء فإن الظهر في حقه كالفجر في حق المقيم إذا عرفنا هذا فنقول : إذا قدم المصر فأفتي أن صومه لا يجزيه تصير هذه الفتوى شبهة في إسقاط الكفارة وكذا كونه مسافرا في أول النهار يصير شبهة في آخره والكفارة تسقط بالشبهة

التالي السابق


الخدمات العلمية