الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( وشرطه ) أي الساتر ( ما ) الأحسن كونها مصدرية ( منع إدراك لون البشرة ) وإن لم يمنع حجمها وشرطه أيضا أن يشتمل على المستور لبسا أو نحوه فلا يكفي زجاج وماء صاف وثوب رقيق لأن مقصود الستر لا يحصل به ولا الظلمة لأنها لا تسمى ساترا عرفا وبهذا يندفع إيراد أصباغ [ ص: 113 ] لا جرم لها فإنها وإن منعت اللون لا تسمى ساترا عرفا نظرا لخفتها الناشئة من عدم وجود جرم لها .

( ولو ) وهو حرير والأوجه أنه لا يلزمه قطع زائد على العورة إن نقص به المقطوع ولو يسيرا لأن الحرير يجوز لبسه لحاجة والنقص حاجة أي حاجة ونجس تعذر غسله كالعدم وفارق الحرير بأن اجتناب النجس شرط لصحة الصلاة ولا كذلك الحرير وأيضا فهو عند عدم غيره مباح والنجس مبطل ولو عند عدم غيره و ( طين ) وحب وحفرة رأسهما ضيق بحيث لا يمكن رؤية العورة منه بخلاف نحو خيمة ضيقة ومثلها فيما يظهر قميص جعل جيبه بأعلى رأسه وزره عليه لأنه حينئذ مثلها في أنه لا يسمى ساترا ويحتمل الفرق بأنها لا تعد مشتملة على المستور بخلافه ، ثم رأيت في كلام بعضهم ما يدل لهذا ( وماء كدر ) أو غلبت خضرته كأن صلى فيه على جنازة أو بالإيماء أو كأن يطيق طول الانغماس فيه ( والأصح وجوب التطين ) ومثل ذلك الماء فيما ذكر ، وكذا لو أمكنه السجود على الشط مع بقاء ستر عورته به ولا يلزمه أن يقوم فيه ثم يسجد على الشط [ ص: 114 ] إن شق ذلك عليه مشقة شديدة لأنه لا يعد ميسورا حينئذ فيصلي على الشط عاريا ولا يعيد .

هذا هو الذي يتجه في ذلك وبه يجمع بين إطلاق الدارمي عدم اللزوم وبحث بعضهم اللزوم ( على ) مريد صلاة وغيره خلافا لمن وهم فيه ( فاقد ) ساتر غيره من ( الثوب وغيره ) لقدرته به على الستر ومن ثم كفى به مع القدرة على الثوب ( ويجب ستر أعلاه ) أي الساتر أو المصلي بدليل قوله عورته الآتي ( وجوانبه ) أي الساتر للعورة على التقدير الأول فهو عليه مصدر مضاف لفاعله وعلى الثاني لمفعوله لكن الأول أحسن لأنه الأنسب بسياق المتن ولاحتياج الثاني إلى تقدير أعلى عورته أي سائرها فيرجع للأول ولا مبالاة بتوزيع الضمير في أعلاه وعورته لوضوح المراد ( لا أسفله ) لعسره ومنه يؤخذ أنه لو اتسع الكم فأرسله بحيث ترى منه عورته لم يصح إذ لا عسر في الستر منه وأيضا فهذه رؤية من الجانب وهي تضر مطلقا ( فلو ) صلى على عال أو سجد مثلا لم تضر رؤية عورته من ذيله أو صلى وقد ( رئيت عورته ) أي كانت بحيث ترى عادة ( من جبينه ) أي طوق قميصه لسعته ( في ركوع أو غيره لم يكف ) هذا القميص للستر به ( فليزره أو يشد وسطه ) بفتح السين على ما يأتي في فصل لا يتقدم على إمامه حتى تكون عورته بحيث لا ترى منه ويكفي ستر لحيته إن منعت رؤيتها منه وذلك للخبر الصحيح { إنا نصيد أفنصلي في الثوب الواحد قال نعم وازرره ولو بشوكة } .

فإن لم يفعل ذلك انعقدت صلاته ثم تبطل عند انحنائه بحيث ترى عورته وفائدة انعقادها دوامها لو ستره وصحة القدوة به قبل بطلانها

( تنبيه ) يجب في يزره ضم الراء على الأفصح ليناسب الواو المتولدة لفظا من إشباع ضمة الهاء المقدرة الحذف لخفائها فكأن الواو وليت الراء [ ص: 115 ] وقيل لا يجب لأن الواو قد يكون قبلها ما لا يناسبها ويجوز في دال يشد الضم اتباعا لعينه والفتح للخفة قيل والكسر وقضية كلام الجاربردي كابن الحاجب استواء الأولين وقول شارح إن الفتح أفصح لعله لأن نظرهم إلى إيثار الأخفية أكثر من نظرهم إلى الاتباع لأنها أنسب بالفصاحة وألصق بالبلاغة ( وله ) بل عليه إذا كان في ساتر عورته خرق لم يجد ما يسده غير يده كما هو ظاهر وفي هذه هل يبقيها في حالة السجود إذا لم يمكن وضعها مع الستر بها لعذره أو يضعها لتوقف صحة السجود عليها تجوز كلا من الكشف وعدم وضع بعض الأعضاء كالجبهة مع عدم الإعادة فيهما .

وحينئذ فالذي يتجه تخييره إذ لا مرجح ، وليس هذا كما مر قريبا في قولنا فيصلي على الشط المعلوم منه أنه إذا تعارض السجود والستر قدم السجود لأن ذاك فيه تعارض أصلي السجود والستر ، وأصل السجود آكد لأنه ركن وما هنا تعارض فيه وضع عضو مختلف في وجوبه وستر بعض بعضو مختلف في إجزاء الستر به فتعين ( ستر بعضها ) أي العورة ( بيده ) حيث لا نقض ( في الأصح ) لحصول المقصود ودعوى أن بعضه لا يستر ممنوعة وقارب الاستنجاء بيده لاحترامها والاستياك بأصبعه لأنه لا يسمى استياكا عرفا ويكفي بيد غيره قطعا وإن جره [ ص: 116 ] كما لو سترها بحرير ويلزم المصلي ستر بعض عورته بما وجده وتحصيله قطعا وإنما اختلفوا في تحصيل واستعمال ماء لا يكفيه لطهره لأن القصد منه رفع الحدث وفي تجزيه خلاف وهنا المقصود الستر ، وهو يتجزى ( فإن وجد كافي سوأتيه ) أي قبله ودبره سميا بذلك لأن كشفهما يسوء صاحبهما ( تعين لهما ) لفحشهما وللاتفاق على أنهما عورة ( أو ) كافي ( أحدهما فقبله ) أي الشخص الذكر والأنثى والخنثى يتعين ستره لأنه بارز للقبلة والدبر مستور بالأليين غالبا فعلم أنه يجب ذلك في غير الصلاة أيضا نظرا لبروزه وأنه يلزم الخنثى ستر قبليه فإن كفى أحدهما فقط فالأولى ستر آلة ذكر بحضرة امرأة وعكسه وعند مثله يتحيز كما لو كان وحده ( وقيل دبره ) لأنه أفحش عند نحو السجود ( وقيل يتخير ) لتعارض المعنيين .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله الأحسن كونها مصدرية ) أي ؛ لأن الشرط المنع لا المانع الذي هو الساتر وجعله شرطا من حيث مانعيته فيه استدراك وتكرار ( قوله إيراد أصباغ إلخ ) أي على تعبيرهم بما يستر اللون لكن الاندفاع إنما يظهر بالنسبة لمن صرح بأن اللون يسمى ساترا عرفا دون من سكت عنه [ ص: 113 ] قوله ولو هو حرير ) قد يوجه الرفع بعد لو كما هو عادة المصنف بأن لو بمعنى إن وإن يجوز دخولها على الجملة الاسمية عند الكوفيين ( قوله والأوجه إلخ ) اعتمده م ر وقوله إن نقص به المقطوع قد يقال وكذا إن لم ينقص مطلقا إذا أخل الاقتصار على ستر العورة بمروءته إلا أن يقال ما يفعل لأجل العبادة لا يكون مخلا بالمروءة لكن قد يرد هذا أنهم أسقطوا الجمعة على من لم يجد إلا لباسا لا يليق به ( قوله والنجس مبطل إلخ ) في مقابلة هذا لما قبله ما لا يخفى ( قوله نحو خيمة ضيقة ) ينبغي تصوير ذلك بما إذا وقف داخلها بحيث صارت محيطة بأعلاه وجوانبه ، أما لو خرق رأسها وأخرج رأسه منها وصارت محيطة ببقية بدنه فهي أولى من الحب والحفرة فتأمل ( قوله ويحتمل الفرق إلخ ) على هذا لا بد أن يكون بحيث لا يرى عورة نفسه على ما تقدم عن اعتماد شيخنا الرملي ( قوله ولا يلزمه أن يقوم فيه ثم يسجد على الشط إلخ ) في نفي اللزوم إشعار بجواز ذلك ، وهو ظاهر .

واعلم أن حاصل ما يتجه في هذه المسألة أنه إن قدر على الصلاة في الماء مع الركوع والسجود فيه بلا مشقة شديدة وجب ذلك أو على القيام فيه ثم الخروج إلى الركوع والسجود في الشط بلا مشقة كذلك وجب أيضا [ ص: 114 ] وإن ناله بالخروج إليهما في الشط مشقة كذلك كان بالخيار بين أن يصلي عاريا في الشط بلا إعادة وبين أن يقوم في الماء ثم يخرج إلى الشط عند الركوع والسجود ولا إعادة أيضا ( قوله من الثوب وغيره ) لو قدر على ثوب حرير فهل يجب تقديم التطيين عليه أو لا فيه نظر ، وقد يقال إن أزرى به التطيين أو لم يدفع عنه أذى نحو حر أو برد لم يجب تقديمه عليه وإلا وجب ( قوله لكن الأول أحسن ) أقول من مرجحات التقدير الأول سلامته مما يوهمه الثاني من وجوب ستر أعلى المصلي الزائد على العورة ( قوله أي ساترها ) قد يمنع الاحتياج إلى هذا للاكتفاء بما قبله والمعنى حينئذ ويجب على المصلي أن يستر أعلى عورته فلم يرجع للأول فليتأمل .

( قوله ضم الراء ) أي بناء على الإدغام قال السعد قالوا وإذا اتصل بالمجزوم أي ومثله الأمر حال [ ص: 115 ] الإدغام هاء الضمير لزم وجه واحد نحو ردها بالفتح ورده بالضم على الأفصح وروي رده بالكسر ، وهو ضعيف ا هـ ( قوله قيل والكسر ) في الغزي وشرحه للسعد الجزم بجواز الحركات الثلاث ( قوله وله ستر بعضها بيده في الأصح ) أي مع القدرة على الساتر وإلا فمع العجز لا معنى لمنع المقابل وحينئذ فلا معنى لإدخال قوله بل عليه تحت مراد المتن إلا أن يجعل ترقيا زائدا على المتن لإفادة حكم زائد ( قوله بل عليه ) قد يقال لو صحح هذا لوجب على العاري العاجز عن الستر مطلقا وضع يديه على بعض عورته ؛ لأن القدرة على بعض السترة كالقدرة على كلها في الوجوب كما هو ظاهر وإطلاقهم كالصريح في خلافه فليتأمل ومن هنا يظهر ضعف التخيير الذي بحثه في قوله وفي هذه هل يبقيه إلخ ويظهر تعين مراعاة السجود ؛ لأنه ركن فلا يجوز تفويته لمراعاة أمر غير واجب على أنه لو سلم الوجوب لم يتم التخيير ؛ لأنه يعد عاجزا عن السترة دون السجود .

( قوله وإن حرم ) قضية جعل هذه الواو للمبالغة أنه قد لا يحرم ، وهو كذلك أما أولا فلأن الستر لا يستلزم المس لإمكان وضع يده على خرق الثوب بحيث يستتر ما يحاذيها من البدن من غير مس له ولا حرمة حينئذ كما هو معلوم ، وأما ثانيا فلعدم تحريم المس في صور منها ما لو وضع طبيب يده على المحل المكشوف من العورة بقصد معرفة العلة ليداويها فإن ذلك الوضع جائز مع حصول الستر به ومنها أن يضع رجل يده على ذلك المحل من رجل آخر لظنه أنه زوجته أو أمته مع علم الموضوع عليه أن الواضع رجل أو شكه في أنه رجل فإن ذلك الوضع ليس بحرام للظن المذكور ولا ناقض ؛ لأن لمس الرجل والمشكوك في أنه رجل غير ناقض مع حصول الستر به كما هو ظاهر فإن قلت : يلزم الموضوع عليه رفع يد الواضع ؛ لأن وضعها حرام في الواقع فليس له السكوت عليه .

[ ص: 116 ] قلت : هذا لا ينافي عدم حرمة الوضع على الواضع وحصول الستر وإن أثم الموضوع عليه بإقراره ذلك على أنه قد لا يأثم لظنه جواز ذلك لنحو قرب عهده بالإسلام ومنها ما لو اختلطت محرمه بأجنبيات غير محصورات فتزوج واحدة منهن فسترت بيدها بعض عورته فإنه لا تنتقض طهارته بذلك على المتجه للشك ولا يحرم وضع يدها ؛ لأن لها حكم الزوجة في جواز الاستمتاع بها فليتأمل ( قوله بحرير ) أي مع القدرة على غيره ( قوله بما وجده ) هل وإن لم يكن له وقع كقدر العدسة من نحو شمع أو طين يلصقه ببدنه ( قوله وهو يتجزى ) أي بلا خلاف ( قوله لأنه بارز للقبلة إلخ ) عبارة شرح الروض ؛ لأنه يتوجه بالقبل للقبلة فستره أهم تعظيما لها ولأن الدبر مستور غالبا بالأليين بخلاف القبل ا هـ وقضية التعليل الثاني أنه لو صلى لغير القبلة في نحو نفل السفر أنه يستر القبل أيضا ولا ينافيه التعليل الأول ؛ لأن الأصل أن كلا علة مستقلة فليتأمل .

( فرع ) له قبلان أصلي وزائد واشتبه أحدهما بالآخر ووجد ما يستر واحدا فقط من أحد القبلين والدبر فيحتمل أن يتخير [ ص: 117 ] بين القبلين ويدل عليه مسألة الخنثى المذكورة بجامع اجتماع مطلق أصلي وزائد مع الاشتباه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث