الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: التائبون سبب نزولها: أنه لما نزلت التي قبلها، قال رجل: يا رسول الله، وإن سرق وإن زنا وإن شرب الخمر؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس . قال الزجاج : يصلح الرفع هاهنا على وجوه . أحدها: المدح، كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو هم التائبون . ويجوز أن يكون على البدل، والمعنى: يقاتل التائبون; فهذا مذهب أهل اللغة، والذي عندي أنه رفع بالابتداء، وخبره مضمر، المعنى: التائبون ومن ذكر معهم لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذا لم يقصدوا ترك الجهاد ولا العناد، لأن بعض المسلمين يجزئ عن بعض في الجهاد .

                                                                                                                                                                                                                                      وللمفسرين في قوله: "التائبون" قولان . أحدهما: الراجعون عن الشرك والنفاق والمعاصي . والثاني: الراجعون إلى الله في فعل ما أمر واجتناب ما حظر .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي قوله: العابدون ثلاثة أقوال . أحدها: المطيعون لله بالعبادة، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: المقيمون الصلاة، قاله الضحاك عن ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                                                      والثالث: الموحدون، قاله سعيد بن جبير .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: الحامدون قال قتادة: يحمدون الله على كل حال .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي السائحين أربعة أقوال . [ ص: 506 ] أحدها: الصائمون، قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة في آخرين . قال الفراء: ويرى أهل النظر أن الصائم إنما سمي سائحا تشبيها بالسائح، لأن السائح لا زاد معه; والعرب تقول للفرس إذا كان قائما لا علف بين يديه: صائم وذلك أن له قوتين، غدوة وعشية، فشبه به صيام الآدمي لتسحره وإفطاره .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني: أنهم الغزاة، قاله عطاء . والثالث: طلاب العلم، قاله عكرمة . والرابع: المهاجرون، قاله ابن زيد .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: الراكعون الساجدون يعني في الصلاة . الآمرون بالمعروف وهو طاعة الله . والناهون عن المنكر وهو معصية الله .

                                                                                                                                                                                                                                      فإن قيل: ما وجه دخول الواو في قوله: "والناهون" فعنه جوابان .

                                                                                                                                                                                                                                      أحدهما: أن الواو إنما دخلت هاهنا لأنها الصفة الثامنة، والعرب تعطف بالواو على السبعة، كقوله: وثامنهم كلبهم [الكهف:22] وقوله في صفة الجنة: وفتحت أبوابها [الزمر:73]، ذكره جماعة من المفسرين .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني: أن الواو إنما دخلت على الناهين لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره، فكان دخول الواو دلالة على أن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون بالسياحة دون الحامدين في بعض الأحوال والأوقات .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: والحافظون لحدود الله قال الحسن: القائمون بأمر الله .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية