الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثالث أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة وهو غائب بالشام

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1234 [ ص: 135 ] حديث ثالث لعبد الله بن يزيد

مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن فاطمة بنت قيس : أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة ، وهو غائب ( بالشام ) فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال : والله ما لك علينا من شيء ، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال : ليس لك عليه نفقة ، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال لها : تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك ، فإذا حللت فآذنيني . قالت : فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان ، وأبا جهم بن هشام خطباني ; فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا مال له ، انكحي أسامة بن زيد ، قالت : فكرهته ; ، ثم قال : انكحي [ ص: 136 ] أسامة بن زيد ، قالت : فنكحته ، فجعل الله فيه خيرا ، واغتبطت ( به ) .

التالي السابق


حدثنا أحمد بن محمد قال : حدثنا أحمد بن الفضل قال : حدثنا محمد بن جرير قال : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن فاطمة ابنة قيس قالت : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستتر مني ، وأشار عني بثوبه على وجهه ، وكذلك في حديث قيلة ابنة مخرمة - الحديث الطويل في قدومها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فأومأ بيده خلفه إذ قيل له : [ ص: 153 ] أرعدت المسكينة فقال ولم ينظر إلي : يا مسكينة عليك السكينة ، وفي حديث بريدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي : لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة .

وقد روي ذلك أيضا من حديث علي رضي الله عنه ، وقال جرير : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظرة الفجأة ، فقال : غض بصرك . رواه جماعة ، منهم الثوري ، وابن علية ، ويزيد بن زريع ، عن يونس بن عبيد ، عن عمرو بن سعيد ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن جرير ، وهذا النهي إنما ورد خوفا من دواعي الفتنة ، وأن تحمله النظرة إلى أن يتأمل ما تقود إليه فتنة في دينه ، وهذا نبي من أنبياء الله عز وجل ، وهو داود - صلى الله عليه وسلم - كان سبب خطيئته إليه النظر ، وقد ذكرنا ما يجوز النظر إليه من الشهادة عليها ، وشبهها في غير هذا الموضع ، وأما قوله : اعتدي في بيت أم شريك ، ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتدي في بيت ابن أم مكتوم ، ففيه دليل على أن المرأة الصالحة المتجالة ، لا بأس أن يغشاها الرجال ، ويتحدثون عندها ، ومعنى الغشيان الإلمام والورود .

قال حسان بن ثابت يمدح بني جفنة :


يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل

وزعم قوم أنه أمدح بيت قالته العرب .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني ، عن الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس فذكر الحديث . وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا بنت قيس ، إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان [ ص: 154 ] لزوجها عليها رجعة ، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا سكنى لها ولا نفقة ، ثم قال لها : اعتدي عند أم شريك ابنة العكر ، ثم قال : تلك امرأة يتحدث عندها ، اعتدي عند ابن أم مكتوم ; فإنه رجل محجوب البصر فتضعي ثيابك ، ولا يراك .

قال أبو عمر :

أم شريك هذه امرأة من بني عامر بن لؤي ، وقد ذكرناها في كتاب النساء من كتاب الصحابة بما يغني عن ذكرها هاهنا ، وفي قوله في هذا الحديث : فتضعي ثيابك ولا يراك ، دليل على أن المرأة غير واجب عليها أن تحتجب من الرجل الأعمى ، وهكذا في حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن فاطمة بنت قيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها : انتقلي إلى ابن أم مكتوم ; فإنه رجل قد ذهب بصره ، فإن وضعت شيئا من ثيابك لم ير شيئا ، وهذا يرد حديث نبهان مولى أم سلمة ، عن أم سلمة قالت : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا وميمونة جالستان ، فاستأذن عليه ابن أم مكتوم الأعمى فقال : احتجبا منه ، فقلنا : يا رسول الله أليس بأعمى لا يبصرنا ؟ قال : أفعمياوان أنتما لا تبصرانه ؟ . ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ، ويشهد له ظاهر قول الله عز وجل وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن الآية ، فمن ذهب إلى حديث نبهان هذا احتج بما ذكرنا ، وقال : ليس في حديث فاطمة أنه أطلق لها النظر إليه ، وقال : مكروه للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي الذي ليس بزوج ، ولا ذي [ ص: 155 ] محرم ; ( قال : ) وكما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة ، فكذلك لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل ; لأن الله يقول وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن كما قال : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ، وقد قال بعض مشيخة الأعراب : لأن ينظر إلى وليتي مائة رجل خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد .

ومن ذهب إلى حديث فاطمة هذا على ظاهره ، دفع حديث نبهان عن أم سلمة ، وقال : نبهان مجهول لم يرو عنه غير ابن شهاب ، وروى عنه ابن شهاب حديثين لا أصل لهما ، أحدهما هذا ، والآخر حديث المكاتب أنه إذا كان معه ما يؤذي وجب الاحتجاب منه قال : وهما حديثان لا أصل لهما ، ودفعهما ، وقال : حديث فاطمة بنت قيس حديث صحيح الإسناد ، والحجة به لازمة قال : وحديث نبهان لا تقوم به حجة .

قال أبو عمر :

حديث نبهان هذا حدثناه سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن المبارك قال : أخبرنا يونس ، عن الزهري قال : حدثني نبهان مولى أم سلمة ، عن أم سلمة قالت : كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعند ميمونة ، فأقبل ابن أم مكتوم ، وذلك بعد أن أمر بالحجاب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجبا منه ، فقلنا : يا رسول الله إنه مكفوف لا يبصرنا قال : أفعمياوان أنتما لا تبصرانه ؟ [ ص: 156 ] وأخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا ابن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري قال : حدثني نبهان مولى أم سلمة ، عن أم سلمة - فذكره .

قال أبو داود : هذا لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، واستدل بعض أصحابه بهذا الحديث على أن كلام المرأة ليس بعورة ، وهذا ما لا يحتاج إليه لتقرر الأصول عليه .

وأما قوله : يغشاها أصحابي ، فمعلوم أنها عورة كما أن فاطمة عورة ; إلا أنه علم أن أم شريك من السترة والاحتجاب بحال ليست بها فاطمة ، ولعل فاطمة من شأنها أن تقعد فضلا لا تحترز كاحتراز أم شريك ، ولا يجوز أن تكون أم شريك وإن كانت من القواعد أن تكون فضلا ، ويجوز أن تكون فاطمة شابة ليست من القواعد ، وتكون أم شريك من القواعد ، فليس عليها جناح ما لم تتبرز بزينة ، فهذا كله فرق بين حال أم شريك وفاطمة ، وإن كانتا جميعا امرأتين العورة منهما واحدة ، ولاختلاف الحالتين أمرت فاطمة بأن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى حيث لا يراها هو ولا غيره في بيته ذلك ، وأما وجه قوله لزوجته ميمونة ، وأم سلمة : إذا جاء ابن أم مكتوم احتجبا منه ، فقالتا : أليس بأعمى ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفعمياوان أنتما ؟ فإن الحجاب على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس كالحجاب على غيرهن لما هن فيه من الجلالة ، ولموضعهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدليل قول الله تعالى يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن الآية [ ص: 157 ] ، وقد يجوز للرجل أن ينظر لأهله من الحجاب بما أداه إليه اجتهاده حتى يمنع منهن المرأة فضلا عن الأعمى .

وأما الفرق بين ميمونة وأم سلمة وبين عائشة ; إذ أباح لها النظر إلى الحبشة ، فإن عائشة كانت ذلك الوقت - والله أعلم - غير بالغة ; لأنه نكحها صبية بنت ست سنين أو سبع ، وبنى بها بنت تسع ، ويجوز أن يكون قبل ضرب الحجاب مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العيون ، وليس الصبايا كالنساء في معرفة ما هنالك من أمر الرجال .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن شاذان قال : حدثنا معلى قال : حدثنا ليث بن سعد ، عن أبي الزبير قال : سألت عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص عن طلاق جده فاطمة بنت قيس فقال عبد الحميد : طلقها ألبتة ، ثم خرج إلى اليمن ، ووكل بها عياش بن أبي ربيعة ، فأرسل إليها عياش ببعض النفقة فسخطتها فقال لها عياش : ما لك علينا من نفقة ولا مسكن ، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسليه ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما قال فقال : ليس لك نفقة ولا مسكن ، ولكن متاع بالمعروف ، اخرجي عنهم ، فقالت : أخرج إلى بيت أم شريك ، فقال : إن بيتها يوطأ ، فانتقلي إلى بيت عبد الله بن أم مكتوم الأعمى فهو أقل واطية ، وأنت تضعين ثيابك عنده ، فانتقلت إليه حتى حلت ، فخطبها معاوية بن أبي سفيان ، وأبو جهم بن حذيفة فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أما معاوية فغلام من غلمان قريش لا يملك شيئا ، وأما أبو جهم فإني أخاف عليك عصاه ، ولكن إن شئت دللتك على رجل : أسامة بن زيد ، قالت : نعم يا رسول الله ، فزوجها أسامة بن زيد .

[ ص: 158 ] ففي حديث مالك في أم شريك : تلك امرأة يغشاها أصحابي ، وفي حديث مجالد عن الشعبي : تلك امرأة يتحدث عندها ، وفي حديث أبي بكر بن أبي الجهم ، - وقد مضى ذكره - أن بيت أم شريك يغشى ، وفي حديث أبي الزبير أن بيتها يوطأ ، وفي هذا كله دليل على أن القوم إنما كانوا يتحدثون بالمعاني ، وإياها كانوا يراعون ، وفيما ذكرنا دليل على ما وصفنا من جواز غشيان النساء الصالحات المتجالات في بيوتهن ، والحديث معهن .

وأما قوله : إن معاوية وأبا جهم خطباني ، ثم خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها لأسامة بن زيد حين أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها - ففيه دليل على أنه لا بأس أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ما لم تكن إليه على ما قال مالك وغيره مما قد ذكرناه في باب محمد بن يحيى بن حبان وغيره من كتابنا هذا .

واتفق جمهور الفقهاء على أنه إذا ركن إلى الخاطب الأول لم يجز أن يخطب أحد على خطبته ، وقال بعض أصحاب الشافعي : يجوز على حديث فاطمة هذا ، وهذا ليس بشيء ; لأنه يجعل الأحاديث معارضة ، وإذا حملت على ما قال الفقهاء لم تتعارض ، وقد مضى الحكم فيمن خطب على خطبة أخيه في باب محمد بن يحيى بن حبان . ومثل خطبة رسول الله لأسامة بن زيد على خطبة معاوية وأبي جهم - ما ذكره ابن وهب ، عن ابن لهيعة وغيره ، عن عبيد الله بن المغيرة أنه سمع الحارث بن سفيان الأسدي يحدث عن الحارث بن سعد بن أبي ذباب : أن عمر بن الخطاب خطب امرأة على جرير البجلي ، وعلى مروان بن الحكم ، وعلى عبد الله بن عمر ، فدخل على المرأة وهي جالسة في قبتها عليها ستر ، فقال عمر : إن جريرا البجلي يخطب وهو سيد أهل المشرق ، ومروان يخطب وهو سيد شباب قريش ، وعبد الله بن عمر [ ص: 159 ] وهو من قد علمتم ، وعمر بن الخطاب ، فكشفت المرأة عنها ، فقالت : أجاد أمير المومنين ؟ قال : نعم . قالت : فقد أنكحت يا أمير المومنين ، أنكحوه .

حدثنا سعيد بن سيد قال : حدثنا يحيى بن فطر ، حدثنا أحمد بن زياد ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا محمد بن رمح ، أخبرنا الليث بن سعد ، عن عياش بن عباس الفتياني ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج : أن عمر بن الخطاب أتى أهل بيت من الأزد ، وفتاتهم في خدرها قريبا منه فقال : إن مروان بن الحكم يخطب إليكم ابنتكم ، وهو سيد شباب قريش ، وإن جرير البجلة يخطب إليكم ابنتكم ، وهو سيد أهل المشرق ، وإن أمير المومنين يخطب إليكم ابنتكم - يريد نفسه - فأجابته الفتاة من خدرها فقالت : أجاد أمير المومنين ؟ فقال : نعم ، قالت : زوجوا أمير المؤمنين ، فزوجوه فولدت منه .

وأما قوله : أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، ففيه دليل على أن قول المرء في غيره ما فيه إذا سئل عنه عند الخطبة جائز ، وأن إظهار ما هو عليه من عيب فيه صواب لا بأس به ، وليس من باب الغيبة في شيء ، وهو يعارض قوله : إذا قلت في أخيك ما فيه فقد اغتبته ، وقد أجمعوا على أنه جائز تبيين حال الشاهد إذا سأل عنه الحاكم ، وتبين حال ناقل الحديث ، وتبين حال الخاطب إذا سئل عنه ، وفي ذلك أوضح الدلائل على أن حديث الغيبة ليس على عمومه ، وقد قيل : إن الغيبة إنما هي أن تصفه على جهة العيب له بما في خلقته من دمامة وسوء خلق ، أو قصر أو عمش أو عرج ، ونحو ذلك ، وأما أن تذمه بما فيه من أفعاله ، فليس ذلك غيبة ، وهذا عندي ليس بالقوي ، والذي عليه مدار هذا المعنى أن من استشير لزمه القول بالحق وأداء النصيحة ، وليس [ ص: 160 ] ذلك من باب الغيبة ; لأنه لم يقصد بذلك إلى لمزه ، ولا إلى شفاء غيظ ، ولا أذى ، ويكون حديث الغيبة مرتبا على هذا المعنى ، وفي هذا أيضا دليل على استشارة ذوي الرأي ، وأنه جائز أن يستشير الرجل من يرضى دينه في امرأتين يسميهما له أيتهما يتزوج ؟ وكذلك للمرأة في رجلين أيهما ( تتزوج ) ؟ وفيه أن للمستشار أن يشير بغير من استشير فيه ; لأنه أشار عليه السلام إلى ( أسامة ) ، ولم تذكر له إلا أبا جهم ومعاوية ، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه - دليل على جواز الإغياء في الصفة ، وأن المغيي لا يلحقه كذب إذا لم يقصد قصد الكذب ، وإنما قصد الإبلاغ في الوصف ، ألا ترى أن معاوية قد ملك ثوبه وغير ذلك وهو مال ، وفي غير حديث مالك : لا يملك شيئا ، وكذلك قوله : لا يضع عصاه عن عاتقه ، ومعلوم أنه كان يصلي ، وينام ، ويأكل ، ويشرب ، ويشتغل بأشياء كثيرة غير ضرب النساء ، ولكنه لما كان يكثر ضرب النساء نسبه إلى ذلك على ما قالت الحكماء : من أكثر من شيء عرف به ، ونسب إليه ، ولم يرد بذكر العصا هاهنا العصا التي يضرب بها ، وإنما أراد الآداب باللسان واليد ، وبما يحسن الأدب بمثله ، يصنع في أهله كما يصنع الوالي في رعيته ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل أوصاه : ولا ترفع عصاك عن أهلك ، وأخفهم في الله . روي هذا من حديث المصريين ، عن عبادة بن الصامت فيما أوصاه به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعضهم يقول فيه : لا تضع عصاك عن أهلك ، وأنصفهم من نفسك ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : علق سوطك حيث يراه أهلك ، وفي هذا كله ما يوضح لك أن للرجل ضرب نسائه فيما يصلحهم ، وتصلح به حاله وحالهم معه ، كما له أن يضرب امرأته عند امتناعها عليه ونشوزها ضربا غير مبرح .

[ ص: 161 ] وقد روي عن الحسن وقتادة : أن رجلا ضرب امرأته وجرحها ، فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلبون القصاص فأنزل الله الرجال قوامون على النساء الآية ، فمعنى العصا في هذين الحديثين الإخافة والشدة بكل ما يتهيأ ويمكن مما يجمل ويحسن من الأدب فيما يجب الأدب فيه ، وقد قال بعض أصحابنا : إن فيه إباحة ضرب الرجل امرأته ضربا كثيرا ; لأنه قصد به قصد العيب له ، والضرب القليل ليس بعيب ; لأن الله قد أباحه قال : ولما لم يغير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي جهم ما كان عليه من ذلك ، كان في طريق الإباحة . وفيما قال من ذلك - والله أعلم - نظر ، قال ابن وهب : ذمه لذلك دليل على أنه لا يجوز فعله ، ومن هذا قالت العرب : فلان لين العصا ، وفلان شديد العصا ، يقولون ذلك في الوالي وما أشبهه ، وقال الشاعر :


لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا     وما علم الإنسان إلا ليعلما

وقال معن بن أوس يصف راعي إبله :


عليها شريب وادع لين العصا     يسائلها عما به وتسائله

والعرب تسمي الطاعة والألفة والجماعة العصا ، ويقولون : عصا الإسلام ، وعصا السلطان ، ومن هذا قول الشاعر :


إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا     فحسبك والضحاك سيف مهند

[ ص: 162 ] ومنه قول صلة بن أشيم : إياك وقتيل العصا ، يقول : إياك أن تقتل أو تقتل قتيلا إذا انشقت العصا ، والعرب أيضا تسمي قرار الظاعن عصا ، وقرار الأمر واستواءه عصا ، فإذا استغنى المسافر عن الظعن قالوا : قد ألقى عصاه .

وقال الشاعر :


فألقت عصاها واستقرت بها النوى     كما قر عينا بالإياب المسافر

وروي أن عائشة تمثلت بهذا البيت حين اجتمع الأمر لمعاوية - والله أعلم - .

وأما قوله : انكحي أسامة بن زيد قالت : فنكحته ، ففي هذا جواز نكاح الموالي القريشية ، وأسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رجل من كلب ، وفاطمة قرشية فهرية أخت الضحاك بن قيس الفهري ، وهذا أقوى شيء في نكاح المولى العربية والقرشية ، ونكاح العربي القرشية ، وهذا مذهب مالك ، وعليه أكثر أهل المدينة .

روى ابن أبي أويس عن مالك قال : لم أر هذا من أهل الفقه والفضل ، ولم أسمع أنه أنكر أن يتزوج العرب في قريش ، ولا أن يتزوج الموالي في العرب وقريش إذا كان كفؤا في حاله .

قال مالك : ومما يبين ذلك أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة أنكح سالما فاطمة بنت الوليد بن عتبة فلم ينكر ذلك عليه ، ولم يعبه أحد من أهل ذلك الزمان .

قال أبو عمر :

قد كرهه قوم ، وهذا الحديث حجة عليهم ، قال الله عز وجل إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وقد [ ص: 163 ] روي في بعض الحديث أنهم قالوا : أنكحها مولاه ، فقالت فاطمة : رضيت بما رضي لي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي حديث مالك : فجعل الله فيه خيرا ، واغتبطت به . واختلف العلماء في الأكفاء في النكاح ، فجملة مذهب مالك وأصحابه : أن الكفاءة عندهم في الدين ، وقال ابن القاسم عن مالك : إذا أبى والد الثيب أن يزوجها رجلا دونه في النسب والشرف ; إلا أنه كفؤ في الدين - فإن السلطان يزوجها ، ولا ينظر إلى قول الأب والولي من كان ؛ إذا رضيت به وكان كفؤا في دينه ، ولم أسمع منه في قلة المال شيئا قال مالك : تزويج المولى العربية حلال في كتاب الله عز وجل قوله إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الآية ، وقوله فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها واعتبر أبو حنيفة وأصحابه الكفاءة في النكاح من جهة النسب والمال والصناعات ، وهو قول الثوري والحسن بن حي .

قال أبو حنيفة : قريش أكفاء ، والعرب أكفاء ، ومن كان له أبوان في الإسلام أكفاء ، ولا يكون كفؤا من لم يجد المهر والنفقة ، وقال أبو يوسف : وسائر الناس على أعمالهم ، فالقصار لا يكون كفؤا لغيره من التجار ، وهم يتفاضلون بالأعمال فلا يجوز إلا الأمثال ، قال : وتعذر المهر والنفقة لا يمنع من الكفاءة ، والعبد ليس بكفء لأحد ، وكان أبو الحسن الكرخي من بين أصحاب أبي حنيفة يخالف أصحابه في الكفاءة ، ويقول : الكفاءة في الأنفس كالقصاص ، وسائر أصحابه يعتبرون الكفاءة في المهر والنفقة .

[ ص: 164 ] وفي الشافعي : ليس نكاح غير الكفء محرما فأرده بكل حال ، إنما هو تقصير المتزوجة والولاة ، فإن رضيت ورضوا جاز . قال : وليس نقص المهر نقصا في النسب ، والمهر لها دونهم ؛ فهي أولى به منهم ، كالنفقة لها أن تتركها متى شاءت . قال : وإذا اختلف الولاة فزوجها بإذنها أحدهم كفء جاز ، وإن كان غير كفء لم يثبت إلا باجتماعهم - قبل نكاحه ، فيكون حقا لهم تركه .

قال أبو عمر :

الكفاءة عند الشافعي وأصحابه النسب والحال ، وأفضل الحال عندهم الدين ، والحال اسم جامع لمعان كثيرة ، منها الكرم ، والمروءة ، والمال ، والصناعة ، والدين ، وهو أرفعها .

روى مالك ، عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال : كرم المومن تقواه ودينه وحسبه ، ومروءته : خلقه .

وحدثني خلف بن القاسم ، حدثنا أبو بكر بن محمد بن عبيد الله بن أحمد الصيدلاني قال : أنشدنا أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل الأخفش لبعض المتقدمين :


إني رأيت الفتى الكريم إذا     رغبته في صنيعة رغبا
ولم أجد عروة الخلائق إلا ال     دين لما اختبرت والحسبا

قال أبو عمر :

روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أنكحوا إلى الأكفاء ، وإياكم والزنج ، فإنه [ ص: 165 ] خلق مشوه . وهذا الحديث منكر باطل لا أصل له ، رواه داود بن المجبر ، عن أبي أمية بن يعلى الثقفي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، وداود هذا ، وأبو أمية بن يعلى متروكان ، والحديث ضعيف منكر ، وكذلك حديث مبشر ، عن الحجاج بن أرطأة ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء حديث ضعيف لا يحتج بمثله ، ولا أصل له ، وكذلك حديث بقية ، عن زرعة ، عن عمران بن الفضل ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : العرب أكفاء بعضها لبعض ، قبيلة لقبيلة ، وحي لحي ، ورجل لرجل ، إلا حائكا وحجاما حديث منكر موضوع ، وقد روي من حديث ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عمر مرفوعا - مثله ، ولا يصح أيضا عن ابن جريج - والله أعلم - ، وأحسن من هذه الأسانيد ما رواه حماد بن سلمة وغيره ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يا بني بياضة أنكحوا أبا هند ، وأنكحوا إليه ، وأبو هند مولى ، وبنو بياضة فخذ من العرب في الأنصار ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ، ولم يخص عربيا من مولى ، وحمله على العموم أولى ، وقد احتج من لم يجز نكاح المولى العربية بحديث شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أوس بن ضمعج ، عن سلمان أنه قال : لا نؤمكم في الصلاة ، ولا نتزوج نساءكم - يعني العرب ، قالوا : ومثل هذا لا يقوله سلمان من رأيه .

[ ص: 166 ] قال أبو عمر :

أصح شيء في هذا الباب : حديث مالك وغيره في قصة فاطمة بنت قيس ، ونكاحها بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد ، وهو ممن قد جرى على أبيه السباء والعتق .

حدثنا خلف بن القاسم الحافظ قال : حدثنا مؤمل بن يحيى بن مهدي قال : حدثنا محمد بن جعفر بن راشد قال : حدثنا علي بن المديني قال : حدثنا زيد بن حباب قال : حدثنا حسين بن واقد قال : حدثني عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أحساب أهل الدنيا التي يذهبون إليها : هذا المال .

وحدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا زيد بن الحباب ، عن حسين بن واقد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أحساب أهل الدنيا التي يذهبون إليها - هذا المال .

حدثنا خلف بن القاسم بن سهل قال : حدثنا مؤمل بن يحيى قال : حدثنا محمد بن جعفر بن حفص بن راشد الإمام قال : حدثنا علي بن المديني قال : حدثنا يونس بن محمد قال : حدثنا سلام بن أبي مطيع قال : حدثنا قتادة ، عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الحسب : المال ، والكرم : التقوى .

أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، وحدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا بكر بن حماد قالا : حدثنا مسدد قال : [ ص: 167 ] حدثنا يحيى قال : حدثني عبيد الله بن عمر قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك .

وحدثنا محمد بن عبد الملك قال : حدثنا ابن الأعرابي قال : حدثنا سعدان بن نصر قال : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن جابر : أنه تزوج امرأة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : يا جابر تزوجت ؟ قال : نعم . قال : أبكر أم ثيب . قال : بل ثيب ، قال : أفلا بكرا تلاعبها ؟ قال : يا رسول الله كان لي أخوات ، فخشيت أن يدخل بيني وبينهن قال : فقال : فذاك إذا ، إن المرأة تنكح في دينها ، ومالها ، وجمالها ، فعليك بذات الدين تربت يداك .

قال أبو عمر :

في هذا الحديث أن الحسب غير المال ، ألا ترى أنه فصل بينهما بالواو الفاصلة كما فصل بين الجمال والدين ، وهذا أصح إسنادا من حديث بريدة وحديث سمرة ، وقد يحتمل أن يكون معنى حديث بريدة خرج على الذم لأهل الدنيا ، والخبر عن حال أهلها في الأغلب - والله أعلم - .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال : حدثنا عبد الله بن يزيد قال : حدثنا حيوة قال : حدثنا شرحبيل بن شريك : أنه سمع أبا عبد الرحمن الجبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الدنيا متاع ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة .

[ ص: 168 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال : حدثنا يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي قال : حدثني أبي قال : حدثنا غيلان بن جامع ، عن عثمان أبي اليقضان ، عن جعفر بن إياس ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء : المرأة الصالحة ، إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا الليث ، عن ابن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول الله : أي النساء خير ؟ قال : التي تسره إذا نظر ، وتطيعه إذا أمر ، ولا تخالفه في نفسها ، ولا في ماله بما يكره .

قال أبو عمر :

هذه الآثار تدل على أن الكفاءة في الدين أولى ما اعتبر واعتمد عليه ، وبالله التوفيق .

روي من حديث هشيم ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، ومن حديث النضر بن شميل ، عن عوف ، عن الحسن قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها ، كان ذلك سدادا من عوز .

قال النضر بن شميل : السداد بالكسر : البلغة ، وكذلك ما سد به الشيء ، والسداد بالفتح القصد .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث