الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم "

القول في تأويل قوله ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ( 15 ) )

قال أبو جعفر : يعني بقوله - جل ثناؤه - : واللاتي يأتين الفاحشة والنساء اللاتي يأتين بالزنا ، أي يزنين " من نسائكم " وهن محصنات ذوات أزواج أو غير ذوات أزواج فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ، يقول : فاستشهدوا عليهن بما أتين به من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم ، يعني : من المسلمين " فإن شهدوا " عليهن فأمسكوهن في البيوت ، يقول : فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ، يقول : حتى يمتن أو يجعل الله لهن سبيلا ، يعني : أو يجعل الله لهن مخرجا وطريقا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة .

[ ص: 74 ] وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

8795 - حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد قال : حدثنا يحيى بن أبي زائدة ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ، أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن أو يجعل الله لهن سبيلا ، قال : الحد .

8796 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ، قال : الزنا ، كان أمر بحبسهن حين يشهد عليهن أربعة حتى يمتن أو يجعل الله لهن سبيلا ، والسبيل الحد .

8797 - حدثنا المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم إلى أو يجعل الله لهن سبيلا ، فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) [ سورة النور : 2 ] ، فإن كانا محصنين رجما . فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما .

8798 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : أو يجعل الله لهن سبيلا ، فقد جعل الله لهن ، وهو الجلد والرجم .

[ ص: 75 ] 8799 - حدثني بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : واللاتي يأتين الفاحشة ، حتى بلغ : أو يجعل الله لهن سبيلا ، كان هذا من قبل الحدود ، فكانا يؤذيان بالقول جميعا ، وبحبس المرأة . ثم جعل الله لهن سبيلا فكان سبيل من أحصن جلد مائة ثم رميا بالحجارة ، وسبيل من لم يحصن جلد مائة ونفي سنة .

8800 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال : قال عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير : " الفاحشة " الزنا ، " والسبيل " الحد ، الرجم والجلد .

8801 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم إلى : أو يجعل الله لهن سبيلا ، هؤلاء اللاتي قد نكحن وأحصن . إذا زنت المرأة فإنها كانت تحبس في البيت ، ويأخذ زوجها مهرها فهو له ، فذلك قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) الزنا ( وعاشروهن بالمعروف ) [ ص: 76 ] [ سورة النساء : 19 ] ، حتى جاءت الحدود فنسختها ، فجلدت ورجمت ، وكان مهرها ميراثا ، فكان " السبيل " هو الجلد .

8802 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سلمان قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله : أو يجعل الله لهن سبيلا ، قال : الحد ، نسخ الحد هذه الآية .

8803 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال : حدثنا يحيى ، عن إسرائيل ، عن خصيف ، عن مجاهد : أو يجعل الله لهن سبيلا ، قال : جلد مائة الفاعل والفاعلة .

8804 - حدثنا الرفاعي قال : حدثنا يحيى ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : الجلد .

8805 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا معاذ بن هشام قال : حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا نزل عليه الوحي نكس رأسه ، ونكس أصحابه رءوسهم ، فلما سري عنه رفع رأسه فقال : قد جعل الله لهن سبيلا : الثيب بالثيب ، والبكر بالبكر . أما الثيب فتجلد ثم ترجم ، وأما البكر فتجلد ثم تنفى " . [ ص: 77 ] 8806 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله ، عن عبادة بن الصامت قال : قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : " خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب تجلد مائة وترجم بالحجارة ، والبكر جلد مائة ونفي سنة " .

8807 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله أخي بني رقاش ، عن عبادة بن الصامت : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد له وجهه ، فأنزل الله عليه ذات يوم ، فلقي ذلك . فلما سري عنه قال : " خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب ، جلد مائة ثم رجم بالحجارة ، والبكر بالبكر ، جلد مائة ثم نفي سنة " .

8808 - حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا [ ص: 78 ] قال : يقول : لا تنكحوهن حتى يتوفاهن الموت ، ولم يخرجهن من الإسلام . ثم نسخ هذا ، وجعل السبيل أن يجعل لهن سبيلا قال : فجعل لها السبيل إذا زنت وهي محصنة رجمت وأخرجت ، وجعل السبيل للبكر جلد مائة .

8809 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا يزيد قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا قال : الجلد والرجم .

8810 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ، الثيب بالثيب والبكر بالبكر ، الثيب تجلد وترجم والبكر تجلد وتنفى " .

[ ص: 79 ] 8811 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال : حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن مسلم البصري ، عن الحسن ، عن عبادة بن الصامت قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ احمر وجهه ، وكان يفعل ذلك إذا نزل عليه الوحي ، فأخذه كهيئة الغشي لما يجد من ثقل ذلك ، فلما أفاق قال : " خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، البكران يجلدان وينفيان سنة ، والثيبان يجلدان ويرجمان " .

[ ص: 80 ] قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله : أو يجعل الله لهن سبيلا " قول من قال : السبيل التي جعلها الله - جل ثناؤه - للثيبين المحصنين ، الرجم بالحجارة ، وللبكرين جلد مائة ونفي سنة لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رجم ولم يجلد وإجماع الحجة التي لا يجوز عليها فيما نقلته مجمعة عليه - الخطأ والسهو والكذب ، وصحة الخبر عنه أنه قضى في البكرين بجلد مائة ونفي سنة . فكان في الذي صح عنه من تركه جلد من رجم من الزناة في عصره - دليل واضح على وهاء الخبر الذي روي عن الحسن ، عن حطان ، عن عبادة ، [ ص: 81 ] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : السبيل للثيب المحصن الجلد والرجم .

وقد ذكر أن هذه الآية في قراءة عبد الله : " واللاتي يأتين بالفاحشة من نسائكم " . والعرب تقول : " أتيت أمرا عظيما ، وبأمر عظيم " و " تكلمت بكلام قبيح ، وكلاما قبيحا " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث