الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ومن شرط الاعتكاف الواجب الصوم عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى ليس بشرط ومذهبنا مروي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما أنهما [ ص: 116 ] قالا : لا اعتكاف إلا بصوم ومذهبه مروي عن ابن مسعود وعن علي فيه روايتان إحدى الروايتين مثل قولنا والثاني ما روي عنه قال : ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجب ذلك على نفسه فالشافعي رحمه الله تعالى استدل بهذا وبحديث { عمر رضي الله عنه في سؤاله إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالنذر } والليل لا يصام فيه ; ولأن ابتداء الاعتكاف من وقت غروب الشمس في حق من نذر أن يعتكف شهرا وما يكون شرط العبادة شرط اقترانه بأوله كالطهارة للصلاة ، وكذلك الاعتكاف بدوام الليل والنهار ولا صوم بالليل فتبين بهذا أنه ليس شرط الاعتكاف ولا هو ركنه ; لأن الصوم أحد أركان الدين والاعتكاف نفل زائد فلا يكون الأقوى ركنا للأضعف بل هو زائد في معنى القربة على ما يتم به الاعتكاف فيلزمه التنصيص عليه كالتتابع في الصوم والقران في الحج .

( ولنا ) { أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اعتكف إلا صائما } والأفعال المتفقة في الأوقات المختلفة لا تجري على نمط واحد إلا لداع يدعو إليه وليس ذلك إلا بيان أنه من شرائط الاعتكاف والمعنى فيه أنه لو قال : لله علي أن أعتكف صائما يلزمه الجمع بينهما ، وبقوله صائما ، ولا يصح أن يجعل نصبا على المصدر كما يقال ضربته وجيعا أي ضربا وجيعا فإنه حينئذ يصير كأنه قال : أعتكف اعتكافا صائما والصوم لا يكون صفة للاعتكاف فالاعتكاف لبث في مقام لتعظيم ذلك المقام والصوم كف النفس عن اقتضاء الشهوات إتعابا للبدن فكيف يكون صفة للاعتكاف فعرفنا أنه نصب على الحال كما يقال : دخل الدار راكبا والحال خلو عن الإيجاب ; لأنه صفة الموجب لا الواجب ، ومع ذلك يلزمه الجمع بينهما فعرفنا أنه إنما لزمه ; لأنه شرط الاعتكاف كمن يقول : أصلي طاهرا وشرط الشيء يتبعه فيثبت بثبوته سواء ذكر أو لم يذكر بخلاف قوله أصوم متتابعا فإنه نصب على المصدر ; لأن التتابع صفة الصوم وبخلاف قوله أصلي قائما فإنه ينصب قائما على المصدر يقال : صلاة قائمة وبخلاف قوله أحج قارنا فإن العمرة بالانضمام إلى الحج يزداد فيها معنى القربة ولهذا لزمه دم القران ، وهو دم نسك وعن كلامه جوابان : أحدهما : أن الصوم شرط الاعتكاف والشرائط إنما تثبت بحسب الإمكان ولا يمكن اشتراط الصوم ليلا فسقط للتعذر ، وجعل الليل تبعا للأيام كما أن الشرب والطريق يجعل تبعا في بيع الأرض ، والثاني أن شرط الاعتكاف أن يكون مؤدى في وقت الصوم وبوجود الصوم في النهار يتصف جميع الشهر بأنه وقت الصوم ودليله شهر رمضان [ ص: 117 ] فصار الشرط به موجودا كما أن من شرط الصلاة أن يقوم إليها طاهرا ، وذلك يحصل في جميع البدن بغسل الأعضاء الأربعة وحديث عمر رضي الله عنه دليلنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : { اعتكف وصم } وبلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين أن الصحيح من الرواية إني نذرت أن أعتكف يوما .

التالي السابق


الخدمات العلمية